Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
ابعت رقم 73 علي رقم 9797 وساهم في دعم المجموعه73مؤرخين علشان لوطننا تاريخ يستحق ان يروي ***** ابعت رقم 73 علي رقم 9797 وساهم في دعم المجموعه73مؤرخين علشان لوطننا تاريخ يستحق ان يروي ***** ابعت رقم 73 علي رقم 9797 وساهم في دعم المجموعه73مؤرخين علشان لوطننا تاريخ يستحق ان يروي

شهداء الكهف - من روايه عابد المصري

 


 

فى أوائل الثمانينات ذهب مجموعه من عرب سيناء إلى مدير مباحث جنوب سيناء اللواء/حسين أشرف جمال الدين
يبلغونه بوجود مغاره بها جثث عشره ضباط صاعقه كانوا قد قاموا بتدمير قاعده أسرائيليه و 9 منهم هياكل عظميه ويحتضنون بنادقهم .
ذهب معهم اللواء حسين و كم كانت دهشته و أمر بعد ذلك بتركهم وغلق المغاره عليهم كما كانوا .

هذه قصتهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قمت بنقل هذه القصه بعد إستئذان العقيد أسامه الصادق مؤلف روايه الناس و الحرب .. ، و روايه عابد المصرى (قصص واقعيه ) ، و كذلك بعد محادثة هاتفية مع العميد طارق سمك أحد المصادر المؤكدة للرواية .......


نهله أحمد
أكتوبر 2010

================================
قصه عشره شهداء من جنود الصاعقة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أُقبل الثرى الذى ترقدون فوقه

أقبل البلد التى أفرزت أمثالكم

أقبل الأم التى أنجبتكم

تحيه لكم أيها الرجال الشرفاء

فأنتم من يطلق عليهم كلمه رجال

وأنتم من حملتم معنى الشرف و الأمانه

تحيه لكم منى ومن أهل مصر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من كتاب (عابد المصرى) للعقيد أسامه الصادق الذى يروى قصه البطل المصرى عابد الذى كلف بمهام خلف خطوط العدو

يروى عابد أنه منذ أسبوعين وهو يلاحظ أن الكلب الذى يرافقه فى الكهف والذى أطلق عليه إسم (( قدوره )) حزيناً مهموماً .

يقول عابد : لقد كان الحزن و الألم واضحين على ملامح (( قدوره )) وقد أدهشنى هذا خاصه حالة عينيه و التى لم تكن مفتوحة بحجمها الطبيعى فقد أغلق منتصفها و نام أرضاً بوضع أبى الهول فارداً رجليه للأمام و الأرجل الخلفيه أسفل جسده و وضع مقدمة فمه بالرمال ، و هذا دليل على حزن ألم به و لم أستطع أن أفهم ما يعانيه بل أنه رفض تناول الطعام .

 

مازال ((قدوره )) يهمهم بعبارات و إشارات غير مفهومة و وقف أمام بابا الكهف يحرك ذيله فى كل أتجاه ، و ينظر إليّ مما دفع بـ "روز"(الكلبه المصاحبه له منذ حضوره الى ذلك المكان) للإقتراب مني و نبحت عدة نبحات تحذيرية أي بما يعني إفهم أيها الغبي و رافق "قدورة" فلديه بعض المعلومات التي تفيدك .

تبعت "قدورة" الذي كان يسير بخطي ثابتة محركاً ذيله من حين لآخر ناظراً إليّ كل فترة قصيرة ليتأكد أنني مازلت أتبعه ، مضت أكثر من ساعة كنا نتسلق خلالها مرتفعات و نهبط منخفضات حتي كاد الإعياء يصيبني و حرارة شهر سبتمبر الشديدة ألهبت جسدي ، شاهدت قدورة يتوقف أمام مدخل كهف مظلم و بأعلاه من الخارج شاهدت خلايا نحل العسل الجبلي بكميات كثيرة بل كنت ألاحظ الخلايا الشمعية ذات الحجم الكبير .

نظر إليّ "قدورة" بما يعني إتبعني فتبعته إلي الداخل و بعد عدة خطوات لمحت طيوراً صغيرة تطير قادمة من الداخل إلي الخارج و قد تبينتها و علمت أنه "طائر الخفاش" و قد إضطربت في بادئ الأمر ، كان الظلام يعم المكان و سمعت نباحاً حزينـاً لقدورة ، تنبهت إلي أنني أحمل علبة كبريت و علبة سجائر بجيب الجلباب التي أحضرته الفتيات و لم أدخن رغم حبي للتدخين ، أخرجت علبة الكبريت و سيجارة و أشعلت عوداً من الثقاب ثم أشعلت السيجارة و أنا أنظر هكذا للأمام لأتابع إشعال السيجارة ، فوجئت بمنظر لن و لم أشاهده في حياتي من قبل مما دفعني للصراخ بصوت عال تردد صداه بداخل الكهف و هويت علي الأرض و شعرت بأن رأسي ُكسرت من شدة الصدمة ، أقبل عليّ "قدورة" محاولاً إسعافي دون جدوي و بعد قليل شممت رائحة و سمعت صوتا لا تنساه أذناي ، أبصرت هكذا فشاهدت فتيلا للتفجير مشتعلا من سقوط السيجارة فوقه مما دفع بقدورة لإلتقاطه و جري بأقصي سرعة حاملا إياه إلي خارج الكهف ، تنبهت لهذا محاولاً الوقوف و لكني لم أستطع حيث باقي حبل التفجير إلتف حول إحدي ساقي و كان في نهايته العبوة المتفجرة و التي لا يقل وزنها عن خمسة كيلوجرامات من مادة "TNT" ، و هي مادة شديدة الإنفجار ، أعانني الله بأن جذبت نهاية الفتيل من المفجر و سمعت بعدها بثوان صوت إحتراق نهايتة بصوت ينفس حرارته الشديدة ، هذا الصوت الذي يشبه صوت خروج هواء من خرطوم دفع الهواء حين يقوم العامل بدفعه بداخل كاوتش السيارة ، صرخت من شدة الموقف و قد إبتل جسدي من شدة الإضطراب لما ينتظرني و بكيت كما لم أبك من قبل و لم أتحكم في أعصابي فحاولت النهوض مستعينا بالحائط ولم أستطع الوقوف .

فتحركت مستعينا بيدي و ركبتي إلي خارج الكهف مثل الماعز و الكلاب ، كنت خلالها لا أشاهد ضوء النهار دون وضوح حيث كانت دموعي شديدة و أعصابي منهارة و شاهدت "قدورة" يقف أمام مدخل الكهف فأقبل عليّ يبثني ألمه ألمه مثل ما كانت تفعل "روز" و كأنه إنسان يبكي ، لم أستطع أن أطيب من خاطره فقد كان هو الآخر يشكو ألما ، جلست أرضاً و مسحت عيوني بطرف جلبابي فوضحت لي الرؤيا و شاهدت الكلب يقترب مني و يعرض عليّ فمه المحترق من محاولته الناجحه لإنقاذي أو قل إنقاذ من بداخل الكهف .

قبلت قدورة و طيبت من خاطره و لم يستطع أن يلعق وجهي من الآلام التي كان يعاني منها ، نهضت و سرت بجانبه و لكنه رفع قدميه الأماميتين و رتب بطرف أقدامه التي بها المخالب علي وجهي مما ساعدني علي الهدوء و شاهدته يسرع و يختبئ أسفل صخرة علي مسافة مائة متر تقريباً أسرعت خلفه و بعد أن جلست ألتقط أنفاسي شاهدت عدداً من الجنود الإسرائيليين يرافقهم أحد البدو و الذي يعمل لديهم دليلا ً و تحدث مٌعلقاً : ـ هادي آخر كهف بهاذي المنطجة .

طلبوا منه الإبتعاد لأنهم سوف يقتحمون الكهف ، أشاهد الجنود يتوجهون لفتحة الكهف التي تسع دخول سيارة صغيرة و لكن المفاجأة غير المتوقعة إنتشار كاسح لأسراب النحل حتي ُخيل إليّ بأنني لم أعد أشاهد مدخل الكهف ، إضطرب الإسرائيليون و أسرعوا يهرولون في الإتجاه المعاكس و برفقتهم البدوي حتي ابتعدوا عن الكهف و تجنبوا لسعات النحل ، بعد قليل عاد النحل إلي الخلايا ليكمل عمله و قد أدهشني هذا فقد دخلت هذا الكهف منذ دقائق في وجود النحل و لم يحدث لي أي شيء إذاً ما الذي أهاج النحل .

تذكرت الآية القرآنية .. قال الله تعالي " وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ... صدق الله العظيم

 

أعود لأتذكر ما الذي حدث لي منذ ساعة بداخل الكهف ، مجرد أن أشعلت السيجارة بداخله شاهدت هياكل عظمية بشرية لعشرة من جنود الصاعقة ينامون بجوار بعضهم البعض في صورة منتظمة ، كما كانت العبوة الناسفة و التي قام قدورة ببطولة فائقة بنزع فتيل التفجير منها معدة للتفجير بالإشعال إذا هاجمهم الأعداء لكن الموت كان أقرب إليهم من وصول الأعداء ، كادت تلك العبوة أن تؤدي إلي هلاك الجميع بسبب سقوط السيجارة المشتعلة التي رغبت بتدخينها ولكن الله لطف بنا نحن البـُكم . أشرت إلي قدورة بأن نعود إلي روز و قبل أن نصل إلي الكهف الذي نعيش به اتجهت إلي عين الماء لأقوم بنظافتي الشخصية بعد ما ألم بي ، لقد تأكد لي أن هذا الكلب الوفي كان يقوم كل يوم بالبحث عن من رافقهم في عملية تدمير القاعدة حتي عثر عليهم ، إحترمت ذكاء ، و وفاء تلك الحيوانات و مازلت أشاهد صمت الكلب متأثرا بما لحق به من حريق أصاب فمه و حرق بعض الشعيرات التي تحيط به .


صباح اليوم التالي و بعد أن تناولنا طعام الإفطار تحركت بصحبة "قدورة" إلي الكهف و حين إقتربنا شاهدت العديد من سيارت الجيش الإسرائيلي تعاين المكان و تقوم بالتحقيق حول أسباب مهاجمة أسراب النحل للدورية ، ظللت مختبئا لفترة ليست بالطويلة ثم أسرعت السيارات تغادر المكان و أعتقد بأنهم وضعوا لافتة تمنع رجالها من التحرك بتلك المنطقة تجنبـاً لأضرار النحل .

أسرعت بالدخول إلي داخل الكهف دون إعتراض من أسراب النحل و تأكد لي أن هذا من عند الله فلقد أصبح النحل حارساً علي شهداء الصاعقة يمنع أي كائن ضار بهم ، أشعلت عود ثقاب بيد مرتجفة و تقدمت إلي نهاية الكهف و ظللت واقفـًا و لم أشعر بنهاية العود الذي إحترق فأصاب أطراف أصابعي فتنبهت و عٌدت بإشعال عود آخر و بحثت عن شيء أقوم بإشعاله حتي عثرت علي شمعة كبيرة الحجم ، قربت منها عود الثقاب فأضأت الكهف ، لم تكن إضاءة شمعة و لكنها إضاءة روحانية إلهية حيث كان الضوء يعم المكان سواء قريباً من الشمعة أو حتي نهاية الكهف و المدخل ، لقد كان الضوء مشابهاً لضوء الشمس في الصباح الباكر فتشاهد ضوءاً دون مشاهدة مصدره .

جلست علي ركبتي خاشعًا أشاهد هذا المنظر الملائكي الرهيب الذي يجمع بين الخوف و الرهبة و بين التقديس و الإحترام ، إختلط عليّ الأمران ، قرأت ما تيسر من بعض آيات الذكر الحكيم و بعض من سور "جزء عّم" و أنا مازلت ُمسلطـاً نظري علي هؤلاء الشباب و أعتقد بأن أعمارهم صغيرة و لا يزيد عمر أحدهم عن عمري فلم يتعد أكبرهم عمراً عن الثلاثين عاما ، أنهيت تلاوتي الخاشعة المترددة ، إقتربت أتفحص الهياكل .

 

كان الرجال العشرة ينامون صفـًا واحدًا و كل فرد مجاور للآخر و لا يفصل بين كل واحد و المجاور له سوي شبر مسافة "20سم" و تبين لي بأنهم جميعاً رتبوا هذا الوضع بحيث تكون الأجساد مواجهة للقبلة و هم فى وضع النوم علي الجانب الأيمن و قد وصلوا لتلك الحقيقة بإستخدام البوصلة و الذي شاهدت اثنتين منها ، كان الرجال علي هيئة واحدة ، هياكل عظمية و كل واحد ينام على جانبه الأيمن محتضنا سلاحه و ممسكاً به بكلتا يديه .

الأفرولات المموهة و السلاح الشخصي مرتب بحيث كل شخص أعد العدة بأن يستقبل شخصية عظيمة فقد علموا النهاية و التي يتمناها كل إنسان حين يتوجهه للحرب إسوة بالصحابة الأجلاء ، ظللت أنظر إلي تلك الهياكل وأفكر : هل أصبحتم الآن في جنة الخلد و لم يتبق منكم سوي تلك الذكري حتي إذا شاهدها نفر من الناس أكد للجميع بأن الله قال قول الحق في آياته حيث قال الله سبحانه وتعالي:وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَفرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْله وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) .. صدق الله العظيم .. ( سورة آل عمــران ) .

 

أديت صلاة بعدد من الركعات علي أرواح الشهداء مساو لعددهم و توجهت بالدعاء لهم و ما دعائي يساوي شيئا بما وعدهم الله به ، عٌدت أدقق النظر فلا أعلم من هذا أو ذاك فجميعهم شكل واحد وهيئة واحدة و رغم أنهم هياكل عظمية فقد تلاشي مني الخوف الذي داهمني بالأمس و فك لساني و عقدتي و جعلني أنطق بقدرة الله و كما قال رئيس قسم الأمراض العصبية إنني أحتاج لصدمة عصبية شديدة تصحح ما نتج من الصدمة الأولي ، لقد حققها الله لي بتلك الصورة الجميلة التي أشاهدها .

أتحدث إليهم : لقد نلتم كل تقدير بالدنيا والآخرة لكن الآخرة أبقي و أعظم و قد ينساكم من بالدنيا خاصة من المسئولين و لكن الله لا ينسي عباده ولا ينسي وعده "فقد صدق وعده " وما هو عليه الحال الآن ؟ هل سوف أصل إلي رتبتكم بالآخرة ؟ لن يحدث هذا وسوف أموت و يهال عليّ التراب مثل الملايين السابقين و اللاحقين و لكنكم معشر الأبطال تدفنون بملابسكم و لا تغسلوا كي تلاقوا الله يوم القيامة بدمائكم و إصابتكم ، هنيئا لكم .

مازلت أحاور الشهداء متسائلا بأسئلة كثيرة يغلب عليها الكفر و الإلحاد ، احتج قدوره علي تصرفي هذا فحاول منعي بأن وضع إحدي أرجله الأمامية علي يدي لم أهتم به و حين رغبت برفع رأس أحد الشهداء إلتفت أسنان قدورة علي معصمي ،و أصدر أصواتاً تدل علي أنه سوف يفترسني ، تنبهت و تساءلت ما الذي أفعله ؟ منذ دقائق كنت أسبح بحمد الله و نعمته و قدرته و الآن أتصرف بتصرفات تدل علي عكس ذلك ، جلست أسفل أقدام الشهداء باكيا متحدثا :ـ قوموا من نومكم و خليكم معايا ، أنا لوحدي هنا من تمن تشهر ، ح أجنن ، حد يقوم معايا عشان نونس بعض و نحاول نرجع مصر و نكمل شغلنا مع الجيش ، ليه مش بتردوا عليا ؟ ليه .. ليه .. و إندفعت بالبكاء و غادرت الكهف جالسا أمامه فشاهدت بعضًا من أسراب النحل تحوم حولي ، حدثتها .. أستغفر الله .. أستغفر الله .

عادت أسراب النحل ثانية إلي الخلية ، شاهدت قدورة قادماً و في فمه كتيب صغير ثم توقف أمامي و أسقط الكتيب علي ركبتي و لعق وجهي و جلس بجواري ، كانت عبارة عن نوته صغيرة في حجم كف الإنسان و كان بادياً    عليها تلونها بالدماء أو من آثار الديدان التي قامت بتحليل جثث الشهداء .

ترددت في قراءة النوتة ، قرأت اسم الله وحاولت القراءة ، كانت الصفحة المواجهة لي تحمل رقم "7" قلبت الصفحات حتي عثرت علي الصفحة الأولي أقرا ما كتبه الشهداء:بسم الله الرحمن الرحيم " وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ " صدق الله العظيم .

اليوم الموافق التاسع عشر من شهر إبريل من هذا العام 1969 صدر إلينا الأمر بالتوجه إلي جبل كاترين وعلي بعد 500 متر شرق نقطة الارتفاع رقم 132 لتدمير قاعدة الصواريخ و التي تحمل اسم "موردخاي جور" و العمل علي إحضار أي رأس متفجرة لأحد الصواريخ بها ، لقد انتهي تدريبنا العنيف علي مدي أسبوعين و ها نحن ننطلق للتنفيذ و الله الموفق.


مساء نفس اليوم ركبت المجموعة المكونة من تسعة رجال عظماء و أنا برفقتهم قاربًا متجهًا إلي ساحل سيناء الشرقي ، لقد وصلنا قبل الفجر بمعاونة أحد الأدلاء الذي ساعدنا في الاختباء حتي جنوح الظلام وتحركت القوة وكان برفقتنا أحد كلاب الحرب والذي تدرب معنا لتنفيذ تلك المهمة ، بعد أن سرنا لمدة ثلاث ساعات و في ليلة شديدة الظلام وصلنا إلي الهدف و قد تركنا المرافق حسب الخطة ، الكلب المرافق يتبع مجموعة التفجير حيث كان يتأكد بعدم وجود ألغام حتي وصلنا إلي القاعدة و قمنا ببث العبوات الناسفة و التي كان ُمسيطرا عليها عن ُبعد و هذا نوع جديد من المفجرات لم يتوفر لدي القوات المصرية من قبل ، كنا مستعدين لنسف القاعدة و التي كانت ُمكتظة بالجنود و المعدات و يحيط بها سياج من السلك الشائك و كشافات قوية مضيئة و رغم هذا تمت عملية بث الألغام بسهولة  و يٌسر نظرًا للتدريب العنيف و الدقيق ، الآن يستعد الملازم أول مهندس خبير المفرقعات بالتوجه لفك رأس التوجيه لأحد الصواريخ حتي نعود به للقيادة ، و هو المطلب الثاني لكن المطلب الأول كان نسف القاعدة ، سار الضابط خلف الكلب بمسافة و لم يكن يتحرك حتي يشاهد الكلب قد سار مسافة آمنة أمامه فكان يتبع طريق سيره بعد أن يتأكد بأن المكان أصبح آمناً ًو لا تعوقه الألغام .

نجح خبير المفرقعات المهندس ميشيل في مهمته و أقبل مسرعًا يحمل الرأس المتفجرة و التي زاد وزنها عن سبعة كيلوجرامات و قبل أن يصل إلينا هاجمته كلاب الحراسة الإسرائيلية و دفع هذا بطلنا "سحاب" و الذي تميزه العلامة البيضاء بين عينيه " ، تركت القراءة و نظرت جهة الكلب فشاهدت العلامة التي تحدث عنها قائد المجموعة للتأكيد و شاهدتها ، و إبتسمت قائلا ً: ـ يخرب عقلك يا سحاب ، إندفع يلعق وجهي و نبح بنباح السعادة والسرور ، الآن علمت إسم الكلب الغريب و الذي كنت أطلق عليه بداخلي إسم قدورة و قد أسعده أن يسمع إسمه بعد عدة أشهر مضت" أعود لأكمل قراءة مذكرات النقيب مصطفي قائد المجموعة .

قاوم سحاب الكلاب الإسرائيلية و إستطاع تسهيل عودة الضابط ، و هذه البطولة لكل من الكلب و الضابط دفعتنا لسرعة نسف القاعدة بعد أن ظهر العديد من الجنود المدججين بالسلاح يطلقون علينا النار دون تحديد ، كان الإنفجار رهيباً حيث وضعنا عبوات شديدة الإنفجار بكميات مضاعفة ، إرتجت الجبال ، و إشتعلت السماء بضياء الانفجارات و مما زاد من قوتها تواجد كميات كبيرة من الصواريخ التي كانت بالقاعدة ، أشرت للرجال بسرعة الإنسحاب إلي ثنايا الجبل للحماية و الإختفاء و طلبت من الرقيب فتحي أن يظل في وضع الدفاع لستر إنسحاب الرجال و من هو فتحي إنه أحد أبطال رجال الصاعقة في الرماية ، ظل فتحي يقاوم جنود الأعداء و يطلق نيران رشاشه عليهم بغزارة مما سهل علينا الإنسحاب الآمن ، بعد أن عدلنا من وضعنا و حين بدأنا في فتح النيران علي جنود الأعداء أسرع الرقيب فتحي منسحبا ً حتي اقترب منا ، تخير مربضاً لنيران رشاشه و قام بفتح نيرانه علي الأعداء فأسرعنا نكمل إنسحابنا و ظل يقوم علي حمايتنا بنيران مدفعه الرشاش و بكفاءته المعهودة حتي وصلنا إلي ثنايا الجبل الأمامية و فتحنا نيران أسلحتنا حتي نستر إنسحاب فتحي حتي إقترب منا و لكن الإسرائيليين كثفوا من قواتهم بحضور قوات محمولة جواً بالهليكوبتر من القاعدة القريبة و قامت الطائرات بإطلاق مدافعها الرشاشة علي المنطقة و ظل فتحي ثابتاً في موقعه الأخير و شعرت بأنه أصيب حيث ُكنت أشاهد الإنفجارات من حوله ثم سقط أرضا و كان مازال يطلق نيرانه علي الأعداء .

بعد عشر دقائق عم الظلام المنطقة و ركز العدو مجهوده في عملية الإنقاذ و الإسعاف بعد أن شعر بأنه لا توجد مقاومة ، تحرك فتحي في الظلام و قام "سحاب" بمساعدته حتي وصل إلينا و حين شاهدته قادماً بإتجاه الكهف إبتسم لنا قائلا ًمبروك يا سيادة النقيب ، أسرعت إلي لقائه و أخذته بين ذراعي و ساعدته حتي دخلنا إلي داخل الكهف بينما ظل رجلان من رجالي مع سحاب بالخارج للمراقبة ، طلب مني أن يشاهد الرأس المتفجرة فأحضرها له أحد الرجال وعلق قائلا ً: والله إحنا رجاله بصحيح ، معانا جدعان من الشرجية والمنوفية والمنصورة وكمان أخويا نخلة جرجس الواد العترة وعلي رأسنا سيادة النقيب والباش مهندز ميشيل اللي فك الجلجلة الرهيبة دي .. يا بوي .

طلب منا أن نضعه في وضع النوم جهة القبلة لأنه شاعر أن موعده مع الله قد أزف ، كانت الدماء تنزف من صدره و كتفه اليمنى بغزارة و تبين لي فيما بعد أن خمس رصاصات من النوع الثقيل اخترقت جسد هذا البطل ثم سمعت صوته و هو باسم الوجه حيث أضأت كشافاً صغيراً فعلق قائلا ً: ـ باجولكم إيه .. إنا لله وإنا إليه راجعون والشاطر فيكم يحصلني ، علت البسمة الوجوه بما فيها فتحي و خمد صوته و إرتد نفسه مرة واحدة و أسلم الروح بيننا ، لم نبكه فنحن نعلم أننا ملاقون الله خاصة في تلك المهام التي بعمق قوات العدو ، تبادل الجميع القدوم إلي الجثمان و تقبيل جبينه و الدعاء له .

جلست أستعيد الأسابيع القليلة الماضية يوم أن وقع علي وحدتي الإختيار للقيام بتلك المهمة ، و رغم التدريب العنيف و وجود القادة الذين وفروا لنا كل شيء لضمان تحقيق المهمة و نجاحها إلا إنني كنت أخشي عدم دقة المعلومات عن تلك القاعدة و هذا من الممكن حدوثه في بعض الحالات ، حين إقتربت من القاعدة وجدت أن الصور و الرسومات التي كنا نشاهدها و أعدت لها مٌجسمات بموقع التدريب كانت مشابهة طبق الأصل لما أشاهده منذ هبطنا علي ساحل خليج السويس الشرقي و نحن نتقدم أيضا متجهين إلي القاعدة حتي الجهات الأصلية و مسافة السير و نقطة الإرتفاع بالخريطة و التي تؤكد لنا أننا قد وصلنا إلي جبل كاترين ، بل أن نقطة الارتفاع رقم 132 تقع خلفنا مباشرة بنصف كيلومتر ، بعد الانتهاء من تنفيذ المهمة كنت تواقاً لهذا الضابط الهمام الذي يعمل مع قوات الاستطلاع خلف الخطوط المعادية و قررت بعد عودتي أن أبحث عنه و ألقاه و أقبله و أقدم له التحية و التقدير مني و من زملائي ضباط الصف و الجنود فقد كان له النصيب الأوفر لنجاح مهمتنا و الحمد لله .

صباح اليوم التالي 1969/04/21 قامت الطائرات القاذفة بدك الجبل بالقنابل و كنا نسمع أصوات الانفجارات تهز الجبال الضخمة ثم قذائف صاروخية بكل مكان و بعدها بيومين ملأ سفح الجبل القوات الخاصة تبحث عن منفذي تلك العملية .


لقد جن جنون الإسرائيليين حيث كانوا راغبين بالعثور علي من نفذ تلك العملية و كما يقول المثل "بيدي لا بيد دايان" !! سألت الرجال : سوف نبقي هنا و نقاتل لو حضرت أية قوة حتي ننهي الذخيرة ثم يعقبها قذف قنابل يدوية و بالنهاية نقوم بنسف أنفسنا بالكهف بباقي العبوات و لهذا طلبت من خبير المتفجرات أن يجهز جميع العبوات من حولنا و أفادني بأن المتفجرات عن بٌعد ليست موجودة فأخبرني الجندي شوقي بأنه تركها بداخل العلبة عند أول الجبل بجوار شجرة الشوك لأنه لم يستطع التحرك و معه كل تلك الأحمال ، طلبت منه أن نستخدم الفتيل سريع الإشتعال و الذي أتينا به لإستخدامه في حالة عٌطل المتفجرات الأوتوماتيك .

هذا هو اليوم الثالث الذي مضي علينا و هو مثل الأيام السابقة حيث كنا في حيرة فنحن راغبون في دفن فتحي و الصخور بداخل الكهف من الصعب الحفر بداخلها و لذا فنحن نحتاج إلي إخراجه من داخل الكهف و نهبط به إلي الوادي لدفنه بالرمال اللينة ، كان الملاحظ لنا بعد مٌضي الأيام الخمسة أن جثمان فتحي مازال ندياً طرياً في اليوم الرابع مات الجندي سعيد فقد مضي علينا أربعة أيام دون ماء ، اليوم الخامس شاهدت سحاب يحمل الزمزمية في فمه و أسرع بها خارج الكهف و عاد بعد ساعتين و نصفها ممتلئ بالمياه ، قبلته قبل أن أحصل علي جرعة ماء و شرب الرجال و حمدنا الله ، اليوم السادس كرر سحاب بطولته ، و أصبح هذا هو تصرف سحاب اليومي كما أن رائحة التحلل عمت الكهف و كانت في البداية لا تطاق و لكن الأنوف أزكمتها الرائحة و أصبحت كأنها شئ عادي لكن غير العادي هو منظر تحلل الجثث و الذي كان يثير الخوف بداخل من بقي علي قيد الحياة ، قوات الكوماندز الإسرائيلية مازلت تحتل قمم الجبال و طائرات الهليكوبتر مازالت تحلق بالمنطقة فلقد تأكد لهم بأننا لم نغادر الجبل لأنهم إحتلوا شاطئ الخليج و لم يعثروا علينا و بالتالي نحن محاصرون و كان تقديرهم صائبا ، بعد قليل شاهدت شعيب يعاني سكرات الموت حاولت أن أروي ظمأه ببعض قطرات من الماء متبقية و لكنه أسلم الروح فقرأت عليه الفاتحة و أغلقت جفنيه مثل باقي الزملاء ، كنت أشاهد زملائي و هم يسقطون يومياً نظراً للحالة الصحية السيئة التي أصبحنا عليها رغم ما يفعله لنا سحاب ، اليوم الأخير أشعر باقتراب نهايتي وأنظر لمن مات سواء سعيد أو شعيب و بدأت تظهر عليهم علامات التحلل وعمت الرائحة الكريهة المكان .

اليوم الثاني عـشر ، قمت أنا ضياء بإستكمال ما كتبه قائدي النقيب مصطفي بعد أن لاقي ربه ، لم يتبق سواي و صبحي و الضابط المهندس ميشيل عزيز الذي أشاهده و هو يحتضر و لم يعد يسمع بل إمتنع عن شرب الماء و نخله الذي أشاهده يعاني سكرات الموت ، نهاية اليوم مات صبحي ، و في الصباح لحقه حضرة الضابط الشجاع ميشيل ، أشاهد الرأس الموجهة للصاروخ بجواري بشكلها المخروطي و لونها الفضي و لا أعرف كيف نقوم بإيصالها لقيادتنا حيث أخبرونا بأنها في غاية الأهمية ، سوف يرسل الله بمن يقوم علي نقلها إلي القاهرة .

اليوم الثالث عشر مات جميع رفقائى و أشاهد الديدان المنبعثة من أجسادهم الطاهرة و رغم هذا لن أقوم بتسليم نفسي و سوف أظل علي حالي لألحق بهم .

اليوم الخامس عشر أشعر بنهايتي قد قاربت حيث أغفو كثيرًا و أنتبه قليلاً و قد ضاعت مني كل فكرة و تاهت ذاكرتي و لكني أداوم علي الكتابة حتي تعلم مصر أن أبناءها نفذوا مهمتهم و لم يبخلوا عليها بأرواحهم و رفضوا التسليم ، سوف أتلو الشهادة كما تعودت كل يوم و..........***

بكيت هؤلاء الرجال الذين ضحوا بكل شيء حتي يؤمنوا وطنهم و شعبهم و يا ليت شعبنا العظيم يقدر ما قاموا به ، كنت أتحرك مثل الديك الرومي منتفخ الأوداج معتقداً بأنني قمت بما لم يقم به أحد ، أؤنب نفسي : ـ يا شيخ روح إتهبب عليك و علي اللي عملته أمال الرجالة دوول نقول عليهم إيه ؟ .... لا يجوز عليهم غير الرحمة والمغفرة و أن مثواهم جنة الخلد بجوار رب العرش .

جلست ساهماً ثم تنبهت لوجود الرأس المتفجرة فأسرعت و دخلت باحثا عنها و حملتها و كانت ثقيلة للغاية تحركت بها و بجواري البطل سحاب الذي لو تمكن من الكلام لقال كل شيء و لكن الحمد لله لما قام به الشهداء و ما كتب و لولا هذا ما علمت بقصتهم و موضوع الرأس المتفجرة ، لقد تركت ما كتب بجوارهم حتي يظل سرهم معهم إلي يوم القيامة ، بعد مجهود من عناء السير وصلت إلي الكهف و أنا أحمل الرأس المتفجرة و قد أعياني المجهود النفسي و البدني و درجة الحرارة الشديدة لشهر سبتمبر ، وضعت الرأس المتفجرة جانباً و شاهدت طاسة الماء فشربت منها و وضعت رأسي علي الحائط و رحت في سبات لم أصحُ منه إلا قبيل الغروب لهذا النهار الطويل .

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech