Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
مؤسسة مورخين مصر للثقافه ( المجموعة 73 مؤرخين ) المشهره برقم 10257 لسنه 2016 **** تم فتح باب العضوية للمجموعة - في يناير 2017 **** 13.5 مليون زيارة منذ 2013 - 25 مليون زيارة منذ 2009 **** نرحب بكم في مقر المجموعه بميدان حدائق القبه ***** **** ننتظر تعليقاتكم علي الموضوعات ولا تنس عمل لايك وشير لما يعجبكم علي تويتر وفيس بوك **** **** ****

كل رجال السويس فدائيون في وضح النهار - الجزء الرابع

 

لللتواصل مع الكاتب

 

 

«طه» .. فدائي حتى النخاع

 

في مكتب الأستاذ «حسين العشي» رئيس تحرير جريدة «الوعي السويسية»، وفي تلك المنطقة القريبة من مبنى مباحث أمن الدولة بالسويس، كان لقاء استمر لساعتين، مع أحد أبطال المقاومة الشعبية في السويس بعد نكسة يونيو، وأحد أفراد منظمة «سيناء العربية»، حينما علم البطل الفدائي «محمود طه»، أنني في انتظاره لإجراء حوار صحفي حول بطولاته وذكرياته، لم يستهلك وقت طويل في الحضور إلينا حيث كان في منطقة قريبة منا.

كان اللقاء قبل أيام من مرور الذكرى الواحدة والأربعون على حرب أكتوبر 1973، وكانت الحكايات والذكريات التي تلاها «طه» كثيرة وشيقة، منذ أن بدأ العمل مع الفدائيين وقت العدوان  الثلاثي، وبعدها في نكسة يونيو، وحرب الاستنزاف، وحكاياته عن عملية وضح النهار، التي شارك فيها وانتهت برفع العلم المصري على أرض سيناء لأول مرة قبل عبور قناة السويس في أكتوبر عام 1973.

بدأ الفدائي «محمود طه» يسرد ذكرياته والتحاقه بالمقاومة الشعبية منذ صغره، حيث كان شقيق والدته الأصغر يعمل في «هيئة السكة الحديدية» عام 1951، وحينما طلب منه الفدائيون أن يتعاون معهم، لتدمير وحرق قطارات الاحتلال الإنجليزي، وافق بسهولة، وساعدهم، على إحراق المنطقة التي كان يعمل بها، والتي كانت مليئة بقوات الاحتلال الإنجليزي، وكان شقيق والدته الأخر جندي في الحرس الوطني وقت العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وقتها كان  الشاب الصغير «محمود طه» الذي لم يتجاوز الـ 16 عامًا، يذهب من حين لآخر إلى «خاله» ليعطيه بعض الطعام و لزملائه، وانتهز «طه» فرصة الذهاب إلى خاله كل فترة حتى يتعلم كيفية استخدام البندقية، وإطلاق الرصاص.

ومرت الأيام وجاءت نكسة 5 يونيو، كان «طه» وعائلته يسكنون في منطقة « كفر أحمد عبده»، في إحدى ضواحي السويس، وكان أحد أقارب «طه» «ابن خالته» جندي في الجيش المصري، وجدوه عائدًا إليهم يوم 8 يونيو من سيناء، وحالته النفسية يرثى لها، فقد رأى أحد زملاءه من الجنود المصريين وهو يحترق أمامه من غارات العدو الإسرائيلي على سيناء في ذلك الوقت، ولم يستطع أن يقدم له أي شيء، تلك الواقعة أثرت عليه نفسيًا وعصبيًا جعلته مغيب عن الوعي لفترات طويلة.

 إلا أن «محمود طه» حينما رأى ابن خالته الجندي العائد مهزوم من سيناء بهذه الحالة الهستيرية ، أخذ سلاحه،  بعد أن سيطرت عليه فكرة الثأر لقريبه ولكل شهداءنا من الجنود المصريين، وذهب مع الأهالي ينظمون لجان شعبية لحماية منازلهم خوفًا من وصول العدو الإسرائيلي إلى السويس، «طه» كان يمّني نفسه وقتها أن يلتحق بالجيش المصري حتى يثأر لابن خالته ويطرد العدو الإسرائيلي من سيناء، غير أنه  كان الابن الوحيد ووالده متوفى، فلم يجد سبيل للثأر من جيش الدفاع الإسرائيلي سوى المقاومة مع الفدائيين.

((وقتها كل شباب البلد كانوا بينزلوا في اللجان الشعبية بالليل، أنا معايا بندقية غيري معاه أي سلاح، لغاية ما جاء السلاح وأتوزع على المدارس وقيادات من الجيش جاءت وقالت لنا : «اللي عايز سلاح يجيب بطاقته» وبدءوا يوزعوا علينا السلاح ويعملوا مقاومة شعبية، وكانت البداية بتدريبنا، كنا نجتمع أحيانا في نادي السويس الرياضي، لنتعلم كيفية ضرب النار،  بجانب التدريبات البدنية».

يتذكر «طه» أثناء لقاءنا عدد من القيادات التي قامت بتدريبه في بداية انضمامه للمقاومة الشعبية ويقول: «كان فيه واحد اسمه إبراهيم وهدان، الراجل ده طلع واخد تربية رياضية، كان بيدربنا على رياضة الجري، وأناس آخرون كانوا مكلفين بتدريبنا على السلاح ،بعد ما انتهينا من التدريب قاموا بتوزيعنا على المدارس والهيئات الحكومية في السويس من أجل تأمينها.

وأثناء وجود «محمود طه» في نادي السويس الرياضي، تعرف على أحد أعظم الفدائيين وقتها، الفدائي «مصطفى أبو هاشم» - والذي استشهد في عام 1970، في إحدى عمليات الفدائيين بسيناء الذي كان مدرب كمال أجسام في نادي السويس الرياضي وقتها. وحينما شاهد «طه» في نادي السويس طلب منه أن يتدرب معه كمال أجسام.

ظل «محمود طه» يتدرب كمال أجسام في الصباح وفي الليل يحرس الهيئات الحكومية القريبة من منزله في «كفر أحمد عبده»، إلى أن تقابل صدفة في يوم آخر مع مدربه «مصطفى أبو هاشم»، والذي طلب منه الانضمام إلى مجموعة الفدائيين في السويس.

«الشهيد «مصطفى» طلب مني أقابله في قهوة تسمى «طلال» في السويس، ذهبت إليه وقتها ووجدته يجلس مع البطل الشهيد «سعيد البشتلي» وقتها كان بطل عالم في الملاكمة، واكتشفت بعدها أنه عضو معانا في مجموعة الفدائيين».

 بعدما تقابل «محمود طه» مع «مصطفى أبو هاشم» و«سعيد البشتلي»، طلب البطل «مصطفى أبو هاشم» من «محمود طه»، أن يأتي معه لمكتب المخابرات الحربية في السويس، وقال له «أنا هاخدك معايا دلوقتي لمكتب المخابرات الحربية كي تنضم معنا للفدائيين، وهناك هيسألوك مجموعة أسئلة، بس ما تخافش».

لم يتردد طه وبنبرة حماس رد على مدربه «موافق يا كابتن»، وذهب سويًا لمكتب المخابرات الحربية بالسويس.

قابل «طه»هناك أحد ضباط المخابرات، يقول «طه» في شهادته على التاريخ، أن الضابط سأله مجموعة من الأسئلة العامة والسياسية وتم وضعه تحت الاختبار لفترة قصيرة، ثم جاء إليه مدربه «مصطفى أبو هاشم» وأخبره بنبأ موافقة المخابرات على انضمامه لمجموعة الفدائيين.

بعد قبول طه في مجموعة فدائيي السويس التابعة للمخابرات الحربية، كانوا يذهبون إلى منطقة «بير عبيد» القريبة من «العين السخنة» للتدريب، وأصبح «طه» ضمن أفراد مجموعة الفدائيين التي ذاع صيتها في ذلك الوقت والتي كان الانضمام إليها حلم يراود شباب الفدائيين وقتها، وتكونت تلك المجموعة من «إبراهيم سليمان» «مصطفى أبو هاشم»، «محمود عواد»، «سعيد البشتلي»، «أشرف عبد الدايم» ، «حلمي شحاتة»، «عبد المنعم قناوي»، «محمود طه»، «محمد سرحان»، «أحمد عطيفي»، «فايز حافظ أمين»، «أشرف عبد الدايم»، «أحمد أبو هاشم» وغيرهم من أبطال الفدائيين.

لكن حينما كان يجلس «محمود طه» مع زملاءه الفدائيين في قهوة «نيو سوريا» التي اعتادوا الجلوس عليها دومًا، في بداية انضمامهم للمقاومة الشعبية، كان يعترض على وجوده معهم البطل «إبراهيم سليمان»، إذ أعتقد أن «طه» غير جدير بتحمل المسئولية، وأنه من السهل أن يعترف على زملاءه أمام العدو الإسرائيلي، فكان دائما يقول لمصطفى أبو هاشم «محمود ده أنا مش حاطه في دماغي، ومش عامل حسابه معانا في أي عملية»، إلا أن «مصطفى أبو هاشم» كان يرد بابتسامة خفيفة، تعني أنه يثق في «طه» ثقة بلا حدود.

بعدما انتهى «طه» مع زملاءه الفدائيين من التدريبات في منطقة «بير عبيد»، كان يذهب كل يوم في خدمة ليلية بقناة السويس، «كنا نشاغب العدو الإسرائيلي دائما، حينها كان معانا أبطال كمال أجسام، وكنا نضع على اللنش رشاش خفيف وحينما نرى من بعيد لنش إسرائيلي يقترب علينا كي يراقبنا نقوم فورًا بإطلاق النار عليه ومن فيه من جنود إسرائيليين، كما رافقنا وقتها مجموعة من الصيادين كانت وظيفتهم نقل مجموعات من قوات الصاعقة التي تذهب لعمليات عسكرية في سيناء » هكذا يحكي لي الفدائي «محمود طه» شهادته.

«طه» يؤكد أنه ظل وزملاءه الفدائيون يقومون بعمل دوريات استطلاع في القناة حتى أكتمل عددهم وقام اللواء «فؤاد نصار» مدير المخابرات الحربية وقتها بإنشاء منظمة «سيناء العربية»، وتم اعتماد المنظمة من كل الدول العربية، وبدأ يطلب منهم تشكيل مجموعات من بدو سيناء ومن فدائيي السويس، جزء  منهم يستطلع من عمق سيناء والجزء الآخر يقوموا بضرباته الفدائية الموجعة للعدو الإسرائيلي.

 «إحنا كفدائيين كنا عاملين زي الناموس اللي بيقرص في الإسرائيليين، إحنا ضربناهم ضربات موجعة، في مرحلة إعادة بناء الجيش المصري اشتغلنا من 67 حتى نصر أكتوبر، كل يوم خسائر في إسرائيل ضربنا مواقع وكمائن ودوريات لقوات العدو وأسرنا جنود)).

يتذكر «طه» عملية «وضح النهار» في صباح 4 نوفمبر من عام 1969، قال دومًا أن العملية تم التخطيط لها بشكل جيد من قبل المخابرات الحربية، وأن قيادته في المخابرات الحربية لم تكن تنام أو تهدأ إلا بعد أن تطمئن على أفرادها، وكانت تلك العملية مكسب كبير للجيش المصري ورفع لروحه المعنوية.

حينما حكى «طه» عن عملية «وضح النهار» تذكر دور بدو سيناء زملاءه في منظمة سيناء العربية، والذين ظل يشكرهم على ما قدموه من مساعدات لكل الفدائيين والجيش المصري، يتذكر طه أنه في أحدى عملياته مع الفدائيين في عمق سيناء تم اكتشافهم من العدو، وقام أحد البدو  بإخفائهم من عين العدو، مدللًا على أن  بدو سيناء، وتحديدًا أهالي العريش، كانوا يمتازون برؤية خارقة من مسافات طويلة، حيث كانوا يقومون بعمليات استطلاعات خلف خطوط العدو، ويبلغوا بها القيادة المصرية فورًا، سواء من نوع السلاح والذخيرة والإمدادات التي كان يتمتع بها العدو يوميًا .

كان «محمود طه» ضمن مجموعة من الفدائيين الذين قاموا بإنقاذ لنشات وزوارق بحرية للأسطول المصري في منطقة البحر الأحمر، حينما قام الطيران الإسرائيلي بإغارة على تلك المنطقة في أواخر عام 1969، فقد رأى «طه» وزملاءه طائرة من طائرات العدو الإسرائيلي متجهة إلى تلك المنطقة، حدث ذلك أثناء قيام «طه» بدورية استطلاع في قناة السويس، وأبلغ قيادته فورًا بتحرك طائرا ت العدو، وتم إنقاذ اللنشات والزوارق البحرية المصرية.

وحينما قامت حرب السويس يوم 24 أكتوبر كان «طه» مع زملاءه الفدائيين ينصبون الكمائن للعدو الإسرائيلي فور دخوله السويس،  وطلب «طه» من العميد «يوسف عفيفي» قائد الفرقة 19 مشاة - التي كانت متواجدة غرب القناة - قوات ودبابات لتتواجد من ناحية «كفر أحمد عبده» لسد ثغرة على العدو الإسرائيلي حتى يدخل السويس من أمام الكمائن التي نصبها لهم الفدائيون.

في يوم 24 أكتوبر وبعد دخول أول فوج من القوات الإسرائيلية السويس من شارع «الجيش» وبدأت المعركة بينهم وبين الفدائيين، كان هناك نقص في سلاح الآر بي جي لدى الفدائيين، فيما كان السلاح متواجدًا بمستشفى السويس العام، طلب «إبراهيم سليمان» من «محمود طه»، الذهاب إلى هناك ليحضر الأسلحة المتواجدة، وفي تلك المنطقة كانت قوة إسرائيلية دخلت بالقرب من المستشفى وأخذت تطلق النار على «طه»، لكنه لم يستسلم وذهب وأحضر سلاح الآر بي جي، وأثناء ذهابه لأحد الكمائن التي نصبها الفدائيين للقوات الإسرائيلية، وجد عدد من الأهالي ألقوا القبض على ستة أفراد اشتبهوا في كونهم إسرائيليين، وحينا ذهب إليهم «طه» ، وتحدث معهم وعرف منهم كلمة السر، اتضح أنهم فلسطينيون من منظمة التحرير الفلسطينية كانوا في السويس يقاومون الجيش الإسرائيلي،إلا أن  الأهالي اشتبهت في كونهم إسرائيليين بسبب لهجتهم، وبعدها اتخذ «طه» مكانه في كمائن الفدائيين.

 ويتضمن هذا الكتاب فصل خاص بمعركة «24 أكتوبر»، حيث يشرح التفاصيل الكاملة لما حدث في السويس يوم 24 أكتوبر وما قبلها وما بعدها ودور الفدائيين فيها.

«بعد معركة 24 أكتوبر، إحنا خدنا سلاح كتير من اليهود، رشاشات كثيرة، وبالذات سلاح الآر بي جي، كان نوع اسمه «لوز»، كانت طلقاتها شديدة لو ضربت الدبابة تسيحها، ما ضربوش بيها ولا طلقة، إحنا أخدنا السلاح ده ضربنا بيه دباباتهم، لم نترك شبر فيكي يا سويس إلا وضربنا اليهود فيها، اليهود خسروا أكثر من 150 جندي و500 جندي جريح، ضربناهم بالآر بي جي، كنا دايمًا بنشاغب اليهود حتى بعد وقف إطلاق النار» هكذا يتذكر الفدائي محمود طه..

ويستكمل «طه» أنه بعد حرب أكتوبر وحصار السويس صدر أمر للفدائيين  بعدم التعامل مع أحد، لكن هناك أناس كثيرون استغلوا صمتهم لفترة طويلة، وأخذوا يسرقون إنجازاتهم وبطولاتهم الفدائية، وظلوا على ذلك طوال فترة حكم، مبارك، مؤكدًا أنه زار أكثر من خمسين مدرسة طوال الأربعين عامًا الماضية، و كان يصرف على ذلك من جيبه الخاص، حتى ينشر الوعي والوطنية لدى الشباب المصري في تلك المدارس.

لكنه يتحسر عمّا آلت إليه الأحوال، من أن هناك أشخاص نسبوا انتصارات أكتوبر لأنفسهم ونسوا فدائيي السويس.

«ياريت اللي إحنا عملناه كان دام، لكن  جاء أشخاص قضوا على أعمالنا الفدائية، وظلوا يأخذون الجوائز والأوسمة، أنا مش زعلان لأن ربنا بيكرم المجاهد في سبيل الله بالأنفس والأموال، وأنا راجل تبرعت بدمي وروحي لله عز وجل وتكريمي عنده معرفوش لسه، لكن كل ما أطلبه من هذه الدنيا إن يبقى الوطن بخير، الوطن اللي بيموت منه الوطنية هو وطن معدوم، هناك أطفال صغار ، يسألوني دائمًا عن بطولاتنا الفدائية، وقتها بحس أن هذا هو الوطن، وأن دورنا أن نخبر هذه الأجيال الجديدة بما فعله أبائهم وأجداهم للحافظ على تراب البلد دي))

......

الدفرسوار

حينما تم التخطيط لمعركة أكتوبر، قامت القيادة العامة للقوات المسلحة باستبعاد منطقة «الدفرسوار» من خريطة العمليات، باعتبارها منطقة رملية متحركة، ولا تستطيع عربات الجيش المصري أن تسير فيها، لكن القيادة العامة نسيت أن كل عربات العدو الإسرائيلي، ودباباته كانت تعتمد على المجنزرات وليس «الكاوتش»، فالمجنزرة ستمر من الدفرسوار بسهولة وهذا ما حدث في الثغرة.

تلك الكلمات رواها لي «عبد المنعم قناوي» أحد أبطال منظمة سيناء العربية الذي أستطاع اختراق ثغرة «الدفرسوار» وجمع معلومات عن العدو.

قابلته في منزله المتواضع بحي «فيصل» بالسويس العام قبل الماضي، جمعنا حوار طويل امتد لساعات حكى فيها مرارة الهزيمة وحلاوة النصر وبطولاته ومأساته وتخاذل الدولة تجاهه على مدار أكثر من أربعين عامًا من نصر أكتوبر، سنذكرها بالتفصيل خلال الفصول القادمة من هذا الكتاب.

وعلى الرغم من أن الحديث كثيرًا عن ثغرة «الدفرسوار» كان لابد من التنويه إلي ما حدث فيها ولو بشكل مبسط، لأن الوقائع التي حدثت في الدفرسوار وما قبلها وما بعدها تُعد السبب الرئيسي في معركة السويس يوم 24 أكتوبر، وما تلاها من حصار للجيش الثالث ومدينة السويس، وقد أظهرت تلك الفترة المعادن الحقيقية لرجال الفدائيين من المقاومة الشعبية.

......

من هنا عبر شارون وجنوده..
في الساعات الأولى من صباح يوم 16 من أكتوبر عام 1973، عبر لواءان من الجيش الإسرائيلي بقيادة «الجنرال إيريل شارون» للضفة الغربية لقناة السويس من منطقة «الدفرسوار» بالبحيرات المرة، وقد استخدما القوارب المطاطية في العبور، وبدأت تلك القوات بمهاجمة كتائب الصواريخ وعدد من مواقع الجيش المصري غرب القناة، ومن هنا بدأت التنازلات.

وبعد مرور 24 ساعة على عبور القوات الإسرائيلية غرب القناة، كانت قيادات الجيش المصري قد اجتمعت بالمركز رقم 10 «مقر قيادة الحرب» في حضور الرئيس الراحل «أنور السادات»، وكان لرئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق «سعد الدين الشاذلي» وعدد من قيادات آلافرع الرئيسية للجيش رأي في القضاء على قوات العدو التي عبرت غرب القناة.

حيث أقترح «الشاذلي» سحب الفرقتين المدرعتين 21و 4 من شرق القناة، وباستخدام هاتين الفرقتين يتم توجيه ضربة رئيسية للواءين الإسرائيليين غرب القناة، وفي الوقت نفسه يقوم  اللواء 116 المتواجد غرب القناة بتوجيه ضربة أخرى للعدو، بينما تقوم الفرقة 21 مدرعة المتواجدة شرق القناة، بتوجيه ضربة لقوات العدو بهدف إغلاق الطريق المؤدي إلى الثغرة.

لكن، السادات ثار ثورة عارمة على رئيس الأركان في تلك اللحظة، وهدده قائلًا «لو كررت كلمة سحب قوات من الشرق للغرب تاني، هحاكمك».. هكذا كتبها بالنص الفريق الشاذلي في مذكراته عن حرب أكتوبر.

ولم يكن السادات وحده هو الذي اعترض على فكرة سحب قوات من الشرق إلى الغرب، بينما اعترض على ذلك أيضا، وزير الحربية وقتها المشير «أحمد إسماعيل»، مدللاً على ذلك في «مذكراته» أن سحب أي قوة حتى لو كانت صغيرة سيضعف من الروح المعنوية للجنود المتواجدين في سيناء شرق القناة.

«عبد المنعم قناوي» أحد أبطال منظمة سيناء العربية والذي دفعته المخابرات الحربية لجمع المعلومات عن الجيش الإسرائيلي في عمق سيناء، استطاع أن يعبر من منطقة «الدفرسوار» يوم 17 أكتوبر وهو الوحيد الذي تسلل لصفوف القوات الإسرائيلية وراقبها في تلك اللحظة.

حيث يقول في حورا جمع بيني وبينه «كنت موجود في سيناء منذ يوم 14 سبتمبر وحتى 15 أكتوبر 1973، بعدها صدرت لي الأوامر أن انتقل من ممر «متلا» وحتى منطقة «الدفرسوار» في «البحيرات المرة»، وحينما وصلت إلى «الدفرسوار» راقبت رأس كوبري كان العدو يبدأ في إنشائه، ووجدت العدو يسحب آلافراد من على الكباري، لأنه لو تم تفجير الكباري سيتم إصلاحها، لكن الجندي الذي سيقتل ليس له بديل، من هنا راقبت الكباري 48 ساعة، ووجدت أثاراً لقوارب مطاطية عبر من خلالها جزء من قوات العدو إلى غرب القناة».

نجح «قناوي» في العبور من أحد كباري العدو واخترق ثغرة «الدفرسوار» بصحبة دليل من بدو سيناء من منظمة «سيناء العربية»، وقتها كان جزء من القوات الإسرائيلية يتواجد غرب القناة بين منطقة «سرابيون» و«أبو سلطان» بقيادة شارون، قام قناوي والدليل بجمع كافة المعلومات عن نوع الأسلحة وآلافراد الإسرائيليين وعن هذا الوقت يقول قناوي «ربنا أراد أن يعمي الإسرائيليين عنا»، ثم أتجه قناوي والدليل نحو صحراء «أبو صوير» ومن هناك أوصلوا تلك المعلومات للقيادة المصرية على الضفة الغربية للقناة.

وفي تلك اللحظات قرر السادات - في معارضة عدد من قيادات الجيش- أن يشترك في هذه المعركة باللواء 116 مشاة - المتواجد غرب القناة - والفرقة 21 مدرعة - بدون سحبها من شرق القناة -  واللواء مدرع 25 المتواجد شرق القناة أيضًا، وكانت نتائج هذه المعركة، حسبما يشير كتاب «مذكرات حرب أكتوبر» للشاذلي، أن اللواء 116 نجح في تدمير عدد من دبابات العدو لكنه حينما اقترب من القناة وقع تحت نيران كثيفة من العدو جعلته يرتد لمكانه مرة أخرى.

بينما اللواء 25 مدرع حينما تحرك لمواجهة الثغرة من الشرق وجه إليه العدو فرقة مدرعة كاملة مكونة من ثلاث ألوية، ونصبوا كمين له، مما نتج عن ذلك تدميره بالكامل.

ويعلل الفريق «سعد الدين الشاذلي» رئيس أركان حرب القوات المسلحة وقت حرب أكتوبر في مذكراته عنها، أن المتسبب الأول في حدوث ثغرة «الدفرسوار» هو الرئيس الراحل «أنور السادات» ووزير الحربية وقتها المشير «أحمد إسماعيل».

حيث يرى الشاذلي أن أول أسباب الثغرة هو اتخاذ السادات قرار بتطوير هجوم الجيش المصري يوم 9 أكتوبر نحو منطقة المضايق في شرق القناة، بهدف تخفيف الحمل على الجانب السوري.

هذا الأمر الذي رفضه «الشاذلي» كما رفضه أيضا اللواء «سعد مأمون» قائد الجيش الثاني واللواء «عبد المنعم واصل» قائد الجيش الثالث الميداني، بحجة أن لإسرائيل ثمانية ألوية أمام قوتنا في سيناء، وإذا تخطت قواتنا 15 كم في عمق سيناء لن تحتاج إسرائيل لقوات إضافية لمحاربة مصر لأنها ستصبح متفوقة على مصر جويًا وبريًا لأن ليس لدي مصر دفاع جوي متحرك.

يتابع الشاذلي في مذكراته «كان قرار تطوير الهجوم هو أول غلطة ارتكبتها القيادة المصرية، في حرب أكتوبر، كان علينا يوم 14 أكتوبر أن نهاجم 900 دبابة للعدو في المكان الذي يختاره العدو وتحت سيطرة جوية كاملة للعدو، بقوة 400 دبابة مصرية فقط.. هل كان هذا القرار نتيجة الجهل أم المقامرة أم الخيانة».

«السادات» رفض أيضا اقتراح «الشاذلي» بسحب الفرقة 4 مدرعة واللواء مدرع 25 من شرق القناة لغربها يوم 16 أكتوبر، و«رفض سحب 4 ألوية مدرعة يوم 20 أكتوبر من الشرق إلى الغرب، مما جعله – السادات- يقبل وقف إطلاق النار يوم 23 أكتوبر ونحن في موقف ضعف، لقد فقدنا المبادرة نهائيًا، لو أخذ برأيي أيام 13و15و16 و20 أكتوبر لما كنا في حاجة لوقف إطلاق النار، وكنا دمرنا العدو تمامًا» هكذا يقول الشاذلي.

بينما يقول مستشار السادات للأمن القومي وقت حرب أكتوبر السيد «حافظ إسماعيل»، في كتابه «أمن مصر القومي في عصر التحديات» أن تقييم السادات للموقف بعد قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار، هو أن مصر خسرت يوم 14 أكتوبر «220 دبابة».

ويتابع : «كانت هذه المعركة مقدمة للاختراق الإسرائيلي في منطقة الدفرسوار، لقد اختار السادات أن يكون صاحب النصر عندما ننتصر، لكنه رفض أن يكون مسئول عن تحول المعركة في ثغرة الدفرسوار».

لكن «عبد المنعم قناوي» أحد فدائيي السويس يرى أن المسئول عن الثغرة هو قيادة الجيش الثاني الميداني والقوات الجوية لأنه على حد قوله فإن الخط الفاصل بين الجيشين الثاني والثالث كان منطقة اسمها «فايد» تبعد عن السويس مسافة 50 كم، وحوالي 33 كم عن الإسماعيلية، وهذا يعني أن منطقة «الدفرسوار» تتبع الجيش الثاني.

قائلًا: «السادات كان يبرر الموقف فقط ولم يعترف أنه أخطأ أو أنه مسئول عن الثغرة، كما أن القوات الجوية مسئولة بشكل كبير لأنها لم تدمر قوات العدو حينما عبرت غرب القناة، وكان قائد القوات الجوية وقتها حسني مبارك، لكن السادات تغاضى عن كل هذا كي يعين مبارك نائب له».

وفي خلال ليلة 18 من أكتوبر نجح العدو الإسرائيلي في بناء أول كوبري له في منطقة «الدفرسوار» وعبر عليه لواءان مدرعان من فرقة الجنرال «برن»،  وبحلول فجر يوم 18 من أكتوبر كان للعدو الإسرائيلي غرب القناة فرقتان مدرعتان كانت إحداهما بقيادة الجنرال «شارون» وتتكون من «لواء مدرع ولواء مشاة» فيما كانت الثانية بقيادة الجنرال «برن» وتتكون من «لواءين مدرعين»، وضد هذه القوات كلها وجهت القيادة المصرية اللواء مدرع 23 ليوجه ضربة إلى العدو غرب القناة وكانت نتيجة ذلك أن فشل الهجوم المصري وخسر اللواء 23 مدرع عدد كبير من دباباته حيث كان يمثل الاحتياطي الاستراتيجي، وبعدها أصبحت الضفة الغربية للقناة عارية تمامًا من الدبابات اللهم إلا لواء مدرع خلف الجيش الثاني والثالث ولواء الحرس الجمهوري في القاهرة.

ويقول الفريق «سعد الدين الشاذلي»: «أنه بحلول ظهر يوم 18 أكتوبر عبر لواء مدرع أخر للعدو الإسرائيلي وانضم إلى فرقتين برن وأصبح للعدو غرب القناة 4 ألوية مدرعة ولواء مشاة «فرقة برن:3  ألوية مدرعة، فرقة شارون:لواء مدرع + لواء مشاة».

وبعد أن أصبحت قوات الجيش المصري مهددة بالتطويق وبعد أن دمر العدو الكثير من مواقع الصواريخ سام وبعد أن أصبحت القوات الجوية المعادية قادرة على العمل بحرية من خلال الثغرة التي أحدثتها في دفاعنا الجوي، اتخذ «السادات» قرار بسحب الفرقة الرابعة مدرعة ليلة 19 أكتوبر وهي الفرقة التي أراد الفريق «سعد الدين الشاذلي» سحبها هي واللواء مدرع 25 ليلة 17 أكتوبر.

«إن الدفاع المستميت الذي قام به لواء المظلات وكتيبتان من الصاعقة خلال ليلة 18و19 أكتوبر، والأيام التي تلتها كان له الأثر المباشر في منع تقدم العدو شمالًا وإفشال محاولته في تطويق الجيش الثاني، مما جعل «السادات» يوم 23 من أكتوبر يقبل وقف إطلاق النار بين الجانبين المصري والإسرائيلي مع استمرار وجود قوات إسرائيلية غرب القناة» هكذا روى رئيس أركان حرب الجيش المصري شهادته على تلك الوقائع.

الطريق إلى السويس

«بعد حدوث ثغرة «الدفرسوار» يوم 16 أكتوبر عام 1973، أصبحت الأجواء مرتبكة في منطقة القناة، فإسرائيل لا يهمها سوى تحقيق نصرًا سريعًا واحتلال أكبر جزء من أراضي الضفة الغربية للقناة، والقوات المصرية المتواجدة غرب القناة لا تعرف حقيقة حجم القوات الإسرائيلية التي تحاربها في تلك المنطقة.

ففي خلال ليلة 20 من أكتوبر والليلة التي تلتها دفع العدو الإسرائيلي بفرقة مدرعة ثالثة إلى الغرب بقيادة الجنرال «ماجن» ومن ثم كانت فرقة «شارون» تضغط شمالًا في اتجاه الإسماعيلية وفي مواجهتها اللواء المظلي 150 وإلى الغرب والجنوب كانتا فرقتا «برن» و«ماجن» تضغطان على الفرقة الرابعة مدرعة المصرية، وكانت هذه الفرقة تقاتل تحت ظروف سيئة.

وقتها كانت المواجهة واسعة والأرض مناسبة للمدرعات مما يسمح لمدرعات العدو بالتسرب وتفادي المواقع التي تريد أن تتفاداها كما كانت القوات الجوية الإسرائيلية تقدم معاونة فعالة للوحدات المدرعة وسيطرت على سماء المعركة غرب القناة وعندما دفعت القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية بقوات جوية لاعتراض طائرات العدو في منطقة المعارك غرب القناة يوم 20 أكتوبر، قامت القوات الإسرائيلية بإسقاط تسع عشرة طائرة مصرية في معركة جوية واحدة، وبالإضافة لهذا التفوق الجوي تفوق العدو أيضًا في المدرعات غرب القناة في الضعف» هكذا يحكي الفريق سعد الدين الشاذلي في مذكراته.

وعلى الرغم من كل هذه الظروف فإن العدو لم يكسب الكثير من الأرض في قتاله في أيام 20 و21 و22 أكتوبر، ففي الشمال لم تستطع فرقة «شارون» الوصول إلى ترعة الإسماعيلية وفي الجنوب توقفت فرقة «برن» عند «جنيفة» وإلى الغرب والشمال منها فرقة «ماجن» وإلى الغرب وصلت دبابات العدو حوالي 15 كيلو غرب القناة لم يكن العدو يسيطر على هذه المنطقة وكان ما يزال بداخلها بعض وحدات المشاة وكتائب صواريخ سام المصرية التي تفاداها العدو، وكان هذا الموقف بالضبط وقت أن تم التصديق على قرار وقف إطلاق النار وأصبح معمول به في تمام الساعة 1852 يوم 22 أكتوبر عام 1973.

لكن العدو الإسرائيلي اخترق وقف إطلاق النار واستأنفوا القتال صباح يوم 23 أكتوبر، بهدف إتمام حصار الجيش الثالث واعتمدت عملياتهم على المفاجأة والعامل النفسي الذي يدفع الفرد إلى التراخي بعد فترة مرهقة من القتال المستمر لعدة أيام متتالية، ويشرح الفريق الشاذلي، ماذا فعل العدو الإسرائيلي تحديدًا، حينما اخترق وقف إطلاق النار، حيث يقول «لقد ثبتوا الفرقة الرابعة مدرعة بأحد ألويتهم المدرعة واندفعوا جنوبًا بثلاثة ألوية مدرعة ضد لا شيء ضد وحدات إدارية ومعسكرات نقاهة، قاموا بتطويق مدينة السويس واستمروا في اندفاعهم جنوبًا على خليج السويس حتى وصلوا «ميناء الأدبية» التي تقع جنوب السويس ب 15 كيلومتر وصولها منتصف الليل».

وفوجئت الحامية البحرية في «ميناء الأدبية» بدخول الدبابات الإسرائيلية عليها فنشبت معركة قصيرة غير متكافئة بين رجال البحرية وبين دبابات العدو وتمكنت الزوارق السريعة من الهرب وبعد أن اتضحت صورة الموقف قرر قائد قطاع «بير عبيد» القيام بهجوم فجر يوم 24 من أكتوبر لاسترداد القاعدة وفي الصباح قامت قوة تقدر بسرية مشاة تدعمها 7 دبابات ((ت 34 )) بمهاجمة القاعدة على الرغم من صغر حجم هذه القوم المهاجمة إلا أن العدو طلب معاونة جوية وهاجم طيران العدو القوة المهاجمة فأصاب دبابتنا السبع إصابات مباشرة وأصيبت سرية المشاة إصابات خطيرة.

وبعد أن غابت الشمس عن يوم 23 أكتوبر، كان يتواجد في مدينة السويس خمسة آلاف شخص من أفراد الجهاز الحكومي وعمال شركات البترول وهيئة القناة والشرطة وأفراد المقاومة الشعبية الفدائيين من منظمة سيناء العربية، وقد بدأت أعداد كبيرة من جنود الجيش الشاردين نتيجة القتال الذي دار يوم 23 أكتوبر بالتوافد على المدينة وليس معهم سوى أسلحتهم الشخصية من بندقية أو رشاش خفيف أو آر بي جي ، وأخذ عددهم يزداد إلى أن وصل لـ 15 ألف جندي. حينئذ أدرك الجميع أن الحرب على السويس قادمة خلال ساعات.

وفي تلك الأثناء قام العميد «يوسف عفيفي» قائد الفرقة 19 مشاة من قوات الجيش المصري - التي كانت شرق القناة - بمشاركة مجموعة الفدائيين من منظمة سيناء العربية بتجميع الجنود الشاردين، وتوزيع السلاح على الأهالي المدنيين، وبدءوا في وضع خطة الدفاع عن المدينة، وقام العميد «يوسف عفيفي» بسحب بعض جماعات اقتناص الدبابات من الشرق ونقلها إلى المدينة في الغرب.

واشتبكت يوم 23 أكتوبر مع عدد من الدبابات الإسرائيلية على طريق المعاهدة خارج السويس، ودمرت تسع دبابات إسرائيلية، وبعدها انتقلت تلك الجماعات لداخل مدينة السويس للاشتراك مع الفدائيين في الدفاع عن المدينة، وقد أدلى بهذه الشهادة محافظ السويس وقتها «محمد بدوي الخولي» للمؤرخ السويسي «حسين العشي» والذي جمعني به لقاء طويل حكى لي فيه عن شهادته على تلك الوقائع.

«يوم 23 أكتوبر كان زميلي الشهيد «أشرف عبد الدايم» يستطلع الجو حول السويس قال لي أنه يوجد220 دبابة إسرائيلية خارج السويس، وهذا معناه أننا كنا نحتاج 400 صاروخ آر بي جي، لأن طلقة واحدة من الآر بي  جي لا تدمر الدبابة، بلغ عددنا في مجموعة الفدائيين 15 فرد يوم 23 أكتوبر موجودين في السويس بالإضافة لقوات الجيش والأهالي وهناك أشخاص آخرون انضموا إلينا، مثل الشهيد «محمد بهنسي»الذي كان يشغل منصب وكيل وزارة لكنه صمم أن يقاتل الإسرائيليين معنا، وأيضا الشهيد «محمد محمد يوسف»، وهناك نقيب شهيد اسمه «عبد المهيمن» استشهد يوم 24 أكتوبر وهو ماسك قنبلة ضاغط عليها ونازع التيلة منها»، هكذا يروي لي «محمود عواد» قائد الفدائيين في معركة 24 أكتوبر شهادته على الأحداث.

وفي الساعة الثامنة والنصف من مساء يوم 23 أكتوبر اتصلت عناصر من فرق حماية الشعب التي تم وضعها في مداخل المدينة ناحية «المثلث» وأبلغت غرفة عمليات المحافظة بوجود تحركات لدبابات إسرائيلية شوهدت أنوارها وهي قادمة من الإسماعيلية.

في ذلك الوقت اقترح بعض الفدائيين مقابلة العدو الإسرائيلي في منطقة المثلث خارج السويس. لكن قُبِلَ هذا الاقتراح بالرفض، لأن منطقة المثلث منطقة مكشوفة للعدو، وفضل أفراد المقاومة أن يلتقوا بالعدو في حرب شوارع، فقد تدربوا عليها، وسترهق قوات العدو كثيراً، حينها بدأ «محمود عواد» و«أشرف عبد الدايم» وزملائهم في منظمة «سيناء العربية»، بإغلاق عدد من الشوارع الرئيسية في السويس منها شارع «أحمد عرابي»، وتركوا شارع الجيش دون أن يغلقوه بالحواجز الحديدية.

«كنا بنجمع وقتها أسلحة الآر بي جي من المستشفى لأن المستشفى العام كان فيها أوضة فيها سلاح الجنود المصابين في حرب أكتوبر، وجدنا آر بي جي و شنطة فيها ست6 طلقات آر بي جي، وإحنا واقفين والعساكر المصريين بيجروا من أمامنا ويقولوا لنا اليهود جايين ورانا، بقيت أفتح لهم منازل الأهالي وأدخلهم فيها».

 ومن ضمن الجنود المصريين الشاردين إلى السويس كان جندي مصري طويل القامة يرتدى زيه المموه ويسحب آر بي جي من نوع «سيفين» و به تليسكوب، يعتبر من أفضل أنواع أسلحة الآر بي جي، قابله «محمود عواد» في تلك اللحظة، لكنه شك أن يكون هذا الجندي من الجنود المصريين بسبب زيه النظيف وشعره الطويل، كان الجندي المصري ذو بشره بيضاء وشعره أصفر، خيل لعواد انه جندي إسرائيلي وليس مصري، اقترب منه «عواد» وتفحص سلاح الآ بي جي إلا أنه لم يجد به طلقات، فسأل الجندي «فين الطلقات يا دفعة»، فرد عليه الجندي «مش لاقيها»،  طالب منه عواد أن ينضم إليهم في مجموعة الفدائيين وأظهر له كارنيه المخابرات الحربية، إلا أن الجندي رفض وترك له سلاح الآ ر بي جي وفر هارباً.

.....

في يوم 24 أكتوبر عام 1973، كان مقررًا لأهالي السويس والفدائيين أن يواجهوا فرقة جيش إسرائيلية مكونة من ثلاثة ألوية مدرعة ولواء مظلي، فقضى أهالي السويس ليلة 24 أكتوبر ساهرين، متأهبين للحرب، كل منهم أخذ مكانه في المعركة.

«إن ملحمة السويس الخالدة سوف تنقلها الكتب والأبحاث و تتناقلها الأجيال جيلًا بعد جيل»، تلك الكلمات قالها الرئيس الراحل «أنور السادات» تخليدًا للجهود التي بذلها أهالي السويس في الدفاع عن مدينتهم ضد العدوان الإسرائيلي يوم 24 أكتوبر.

في الفصل القادم نستعرض التفاصيل الكاملة لأحداث معركة 24 أكتوبر من شهادات أبطالها اللذين لا يزالون على قيد الحياة حتى الآن.

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech