Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
مؤسسة مورخين مصر للثقافه ( المجموعة 73 مؤرخين ) المشهره برقم 10257 لسنه 2016 **** تم فتح باب العضوية للمجموعة - في يناير 2017 **** 13.5 مليون زيارة منذ 2013 - 25 مليون زيارة منذ 2009 **** نرحب بكم في مقر المجموعه بميدان حدائق القبه ***** **** ننتظر تعليقاتكم علي الموضوعات ولا تنس عمل لايك وشير لما يعجبكم علي تويتر وفيس بوك **** **** ****

كل رجال السويس فدائيون في وضح النهار - الجزء الخامس

 

 

 

للتواصل مع الكاتب

 

معركة 24 أكتوبر

حينما دقت الساعة السادسة من صباح يوم 24 أكتوبر، تواصل القصف المكثف من المدفعية والطيران الإسرائيلي على مدينة السويس، كان القصف شديد والتركيز على منطقة الزيتية والمناطق المحيطة بالقطاع الزراعي وشمل القصف كل مناطق المدينة، حيث استمر حتى العاشرة والنصف صباحاً.

لكن طائرات العدو تجنبت إصابة المداخل الرئيسية الثلاثة للمدينة، وكان المدخل الأول هو «محور المثلث» وهو المدخل الغربي من ناحية الطريق الرئيسي القادم من القاهرة إلى السويس، وامتداده هو شارع «الجيش» و«ميدان الأربعين».

والمحور الثاني هو «محور الجناين» عبر الطريق القادم من الإسماعيلية حيث المدخل الشمالي للسويس حتى منطقة «الهويس» ثم شارع «صدقي» ومنه إلى ميدان «الأربعين»، والمحور الثالث هو «محور الزيتية» وهو المدخل الجنوبي للسويس من ناحية «بور توفيق».

الفريق «سعد الدين الشاذلي» قال أن «العدو بدأ هجومه على السويس بلواء مدرع يتقدم من الشمال على محور الإسماعيلية السويس  «محور الجناين» ولواء مدرع مدعم بكتيبة مظلات يتقدم على محور القاهرة السويس «محور المثلث» ولواء مدرع أخر يتقدم من اتجاه «الزيتية» جنوب وجنوب شرق السويس، مضيفا أن الهجوم الذي جاء من المحور الشمالي في (الجناين) فشل ولم يستطع دخول المدينة بينما دخلت دبابات العدو على محور المثلث والزيتية، ودارت تلك المعركة.

كان هناك كمين رئيسي وعدة كمائن فرعية عند كوبري «الهويس» على محور «الجناين» شكله أفراد القوات المسلحة، وعلى امتداد محور «المثلث» كان هناك عدة كمائن أخرى منها كمين رئيسي عند «مزلقان البراجيل» بشارع «الجيش» يضم أفراد من القوات المسلحة والشرطة والمدنيين إلى جانب كلاً من «أحمد أبو هاشم» و«فايز أمين» من منظمة سيناء العربية، وعلى امتداد المحور كمين آخر في ميدان الأربعين يقوده «محمود عواد» و«علي سباق» وعدد من المواطنين ثم كمين آخر عند «مزلقان السكة الحديد» بجوار مقابر الشهداء، رأى أفراد المقاومة الشعبية نصبه في هذا المكان رغم أنه لا يقع على محور رئيسي وذلك لمواجهة احتمال أن يقوم العدو بحركة تطويق لميدان الأربعين عن طريق دفع عدد من العربات إلى الشارع الجانبي الموازي لسور نادي اتحاد السويس، وضم هذا الكمين «محمد سرحان» و«أحمد عطيفي» و«إبراهيم يوسف» و«فايز حافظ» وعدد من المدنيين.

وإلى جانب كل هذه الكمائن كان يقبع في المنازل على امتداد المحاور الثلاثة خاصة محور «المثلث-الأربعين» آلاف من جنود القوات المسلحة وأفراد فرق حماية الشعب والمدنيين ورجال الشرطة، وكان تسليحهم لا يزيد عن البنادق الآلية أو المدافع الرشاشة الخفيفة وبعضهم كان بلا سلاح على الإطلاق.

يقول الأستاذ «حسين العشي» في شهادته على المعركة، حيث التقينا في مكتبه بجريدة الوعي السويسية، أنه في حوالي الساعة العاشرة صباح يوم 24 أكتوبر، بدأ الهجوم الإسرائيلي بصورة متتابعة على المحاور الثلاثة، حيث جاءت أولى قوات الهجوم في محور الجناين في التاسعة و 45 دقيقة صباحًا عندما قامت كتيبة من اللواء المدرع الإسرائيلي الذي يقوده العقيد «أريه» بالتقدم، وعندما بدأت طلائع الكتيبة في العبور على كوبري الهويس للوصول إلى شارع صدقي لاجتيازه إلى ميدان الأربعين، تصدت لها الكمائن الموجودة ودارت معركة رهيبة قام فيها كمين من القوات المسلحة المصرية بتدمير أول الدبابات على الكوبري حيث تسببوا في تعطيلها مما أدي إلى استدارة باقي الدبابات للخلف حيث كانت القوات الإسرائيلية تتجمع في منطقة «جبلاية السيد هاشم» ولم تقم الكتيبة بأي محاولة للتقدم من هذا المحور بعد ذلك.

وفي العاشرة صباحًا قامت الكتيبة المدرعة التي احتلت في المساء طريق الزيتية من لواء العقيد «جابي» باجتياز الطريق المحاذي للشاطئ ببطء على شكل مثلث وهمي ووصلت دبابات هذه الكتيبة بالفعل إلى قصر الثقافة، ثم تقدمت إحدى الدبابات إلى مبنى محافظة  السويس، حيث تقع غرفة العمليات الرئيسية في الخندق الموجود أسفله ووقفت دبابة أخرى أمام مبنى الاتحاد الاشتراكي بحيث سيطرت على شارع «سعد زغلول» بينما تقدمت دبابة أخرى إلى أول شارع «بور توفيق» بالقرب من «قهوة أبو حجازية» في بداية طريق «بور توفيق»، وتقدمت دبابة أخرى إلى فندق «بلير» في انتظار موجة الهجوم الرئيسي الذي سيتقدم عبر محور «المثلث لتلتقي به بعد أن يجتاز شارع «الجيش» و«ميدان الأربعين».

........

معركة الأربعين..

وفي الساعة العاشرة و50 دقيقة تقدمت كتيبة مدرعة أخرى إسرائيلية من لواء العقيد «أربيه» مدعمة بكتيبة مظلات بقيادة المقدم «يوسي» في عربات مدرعة نصف جنزير على ثلاث موجات وكانت كل موجة مكونة من ثماني دبابات تتبع كل دبابة عربتان مصفحتان بالإضافة إلى مجموعة من عربات المؤن والأتوبيسات، بعضها مصري من بين المعدات التي تم الاستيلاء عليها  أثناء التقدم من «الدفرسوار» إلى السويس.

«أول موجة دبابات دخلت، كانت وراء كل دبابة عربات مجنزرة عليها لوحات الجيش المصري وأعلام الجزائر، وورائها في الصندوق دمى «ست تماثيل» كل واحد ماسك بندقية، لا يوجد بها جنود ما عدا سائق العربة وصف ضابط، اليهود خدعونا علشان يرصدوا مصادر النيران، فيعرفوا أماكن المقاومة» يروي محمود عواد

وقد وصلت هذه الموجة الأولى إلى منطقة «المثلث» وعبرت المنطقة المواجهة لعمارات «المثلث» بهدوء وثقة، ثم اجتازت شارع «الجيش»، وعندما وصلت الموجة الأولى إلى ميدان «الأربعين»، يقول محمود عواد « كان معايا الآ ر بي جي سفن اللي أخدته من العسكري المصري ليلة المعركة، وكان بجواري زميلي «فتحي عوض الله»، كنا نقف بجوار «المزلقان» المجاور لمبنى الجمعية الاستهلاكية، كان أمام الجمعية «دشمة خرسانية» - أنشأها الجيش المصري منذ حرب 56- كنت واقف على الدشمة دي، وأول ما الموجة الأولى مرت بميدان الأربعين، أطلقت أول قذيفة على الدبابة الأولى وأصبتها لأنها كانت دبابة من نوع «باتون»، وجريت بسرعة غيّرت مكاني ، لكن الدبابة اللي أصبتها أبلغت الدبابة التي تأتي خلفها عن مكان الإصابة، وكانت هذه الدبابة من نوع « سنتوريون»، وهو نوع أعلى كفاءة من الدبابة اللي أصبتها، أول ما جاءت السنتوريون ، فجرت «الدشمة الخرسانية» اللي أمام قسم الأربعين، معتقدة أنني لا أزال بداخلها، كنت أنا جريت في شارع جاني، وفجأة فجروا الدشمة ولاقيت طوبة  اصطدمت برأسي من آثار التفجير، وبقيت موجود من الناحية التانية بجانب أجزخانة أخرى أمام قسم الأربعين، وضربت طلقة آر بي جي أخرى على الدبابة السنتوريون لكن الدبابة لم تتوقف، لو ألف قنبلة يدوية اتضربوا في وقت واحد على هذه الدبابة لن يحدث لها شيء».

وعلى الجانب الأخر في كمين «مزلقان» الشهداء الفرعي القريب من «سينما رويال»  - بنك الإسكندرية الآن- يقول «حسين العشي» «أن أحد الفدائيين وهو «أحمد العطيفي» والمتواجد في ذلك الكمين، استطاع أن يلحق بأفراد الدبابات الإسرائيلية في الموجة الأولى ويطلق عليها قذيفة آر بي جي لكنها كانت إصابة غير مؤثرة، مما جعل الموجة الأولى تنفذ بكاملها إلى داخل المدينة».

وبعد دقائق سمع أفراد الكمين أصوات الدبابات ومجنزرات الموجة الثانية تهدر في الطريق إلى ميدان الأربعين، تتقدمها دبابة (سنتوريون) ضخمة، استعد أحمد عطيفي في كمين سينما «رويال» لضربها، لم يكن قد بقى معه سوى قذيفتي آر بي جي بعد أن فرغت القذائف حتى من كمين «ميدان الأربعين».

شاهد «عطيفي» قدوم الموجة الثانية فأسرع يمسك بـ «ماسورة» القاذف من الجزء الذي كان ملتهبًا نتيجة إطلاقه للقذيفة الباقية مما تسبب في حرق كف يده وعدم تمكنه من إطلاق القذيفة، بينما حاول «محمود عواد» هو الآخر أن يطلق قذيفة آر بي جي على تلك الدبابة لكن، طلقات الآر بي جي لديه كانت قد نفذت.

كان القدر على موعد مع «إبراهيم سليمان» حينما طلب من زميله «محمد سرحان» أن يعد له القذيفة، كي يطلقها على الدبابة «السنتوريون»، وجلس «إبراهيم سليمان» بجوار الخندق الموجود بين «سينما رويال» و«سينما مصر» وترقب قدوم الدبابة ، ثم أطلق قذيفة الآر بي جي، لتستقر أسفل برج الدبابة، ويختل توازن «السنتوريون» ويستدير برجها متجهًا إلى حيث يقف «إبراهيم سليمان» و«أحمد عطيفي» و«محمد بهنسي»، وثلاثة من أفراد المقاومة.

ويخيل لهم للحظات أن برج الدبابة سيطلق عليهم قذيفة في الحال، وفجأة سقط برج الدبابة على الأرض أمام الفدائيين، وكأن ما حدث لبرج الدبابة يجسد ما قاله الأستاذ «حسين العشي» عن تلك الواقعة «أن ماسورة الدبابة سقطت على الأرض وكأنها تنحني احترامًا لأبطال السويس وفدائيها»، وقد أسفرت قذيفة الآر بي جي التي أطلقها «إبراهيم سليمان» على الدبابة السنتوريون عن قطع رقبة سائق الدبابة وسقوط ما تبقى من جسده على الأرض وبالرغم من وجود عدد من جنود العدو داخل الدبابة السنتوريون إلا أنهم كانوا لا يستطيعون الخروج لأن «إبراهيم سليمان» و«أحمد عطيفي» يواصلون إطلاق النيران ناحيتهم.

«وقتها أمرهم محمود عواد أن يخفوا الضرب، وجرى بسرعة في اتجاه الدبابة الإسرائيلية وقفز وألقى قنبلة في برج الدبابة، دمرها بطريقة غير متكررة في خط المواجهة كله لدرجة أن الذين صنعوا الدبابة، وهم إنجليز جاءوا للسويس بعد الحرب ليشاهدوا التدمير الذي حدث للدبابة وكانوا مذهولين جدًا بما حدث، واشتعلت قلوب الفدائيين بالحماس» هكذا يروي عبد المنعم قناوي شهادته عن تلك المعركة.

بعدها يتجه إبراهيم سليمان سريعًا إلى ناحية الخندق الأيسر ليطلق القذيفة الثانية على حاملة الجنود التي توقفت بعد إصابة الدبابة الأولى، ويتوقف نتيجة لذلك كل الطابور المدرع وتتكدس الدبابات والسيارات المدرعة أمام مبنى «قسم شرطة الأربعين»، وفي نفس اللحظة يخرج عدد من جنود الجيش المصري والمواطنون الذي كانوا يتواجدون في المنازل إلى «ميدان الأربعين» وتحديدًا أمام «قسم الأربعين» يطلقون الرصاص وقذائف المولوتوف والقنابل اليدوية نحو دبابات العدو وعرباته المدرعة، وقتها صدر الأمر لقوات العدو المتناثر في ميدان الأربعين أن يختبئوا داخل «قسم الأربعين» ويتخذوه حصنًا لهم، وقد اعترف الجنرال «هيرتزوج» - الرئيس الأسبق لدولة إسرائيل في كتابه عن حرب التكفير- بـ «إن الكتيبة المدرعة التي دخلت السويس من ناحية المثلث وكان عدد دباباتها 24 دبابة قد قتل أو جرح عشرون قائد دبابة من قادتها الأربعة والعشرين)).

وبعد أن احتمت القوة الإسرائيلية بقسم الأربعين، قام الفدائيون «إبراهيم سليمان» و«أشرف عبد الدايم» و«فايز أمين» و«إبراهيم يوسف» بتجهيز خطة لاقتحام القسم وتحريره من الإسرائيليين. ذهب «إبراهيم سليمان» ليقفز من على سور القسم من الشارع الخلفي لتدمير القوة الإسرائيلية التي بداخله، فشاهده أحد القناصة الإسرائيليين والذي كان متواجدًا في الدور الثاني من القسم، وأطلق عليه عدة طلقات ليستشهد «إبراهيم سليمان» على سور القسم وظلت جثته معلقة على السور حتى العاشرة من صباح اليوم التالي للمعركة يوم 25 أكتوبر.

لا تزال معركة قسم الأربعين مشتعلة، حيث وصل البطل «أشرف عبد الدايم» لمدخل القسم الرئيسي ومن خلفه يحميه «فايز أمين»، وكان الاثنين من أسرة واحدة، واشتبكوا مع القوات الإسرائيلية داخل القسم ، وأستشهد «أشرف عبد الدايم» على عتبات القسم، بينما يطلق أحد القناصة رصاصته على «فايز أمين» ليستشهد هو الآخر بجوار الخندق الداخلي للقسم.

وفي الكمين الأخر الذي نصبه الفدائيون للإسرائيليين بالقرب من «مزلقان البراجيل»، استشهد قائد المجموعة «أحمد أبو هاشم»، بعدما دمر آخر دبابة في الفوج الإسرائيلي الثاني الذي دخل من شارع «الجيش»، واستمرت تلك المعركة حتى آذان المغرب وقتها كان الجميع صائم وهلل المتواجدون في المدينة بعد أن هدأت المعركة وحققوا فيها نصراً كبيراً.

لكن جنود العدو كانوا لا يزالون مختبئين في بعض المنازل ودباباتهم وعرباتهم المجنزرة لا يزال جزء منها سليم، في تلك الأثناء أمر «محمود عواد» قائد مجموعة الفدائيين بإشعال كل دبابات العدو الصالحة، حتى لا يستخدمها العدو مرة أخرى، واستخدم «جدعان» السويس البنزين  وزجاجات المولوتوف في إحراق تلك الدبابات.

«المغرب أذن علينا ودبابات العدو منورة، وكنا صايمين بنقاتل وإحنا صايمين، كانت المعركة هديت، أمرت باقي الفدائيين أننا نجيب بنزين ونعبيه في جرادل، ونحرق دبابات اليهود، والمدرعات، وبقينا نعمل مولوتوف وقنابل، ونلقيه على الدبابات الإسرائيلية».

في تلك الأثناء كان البنزين متوافر في  مدينة السويس بغزارة، فتوافر البنزين كان له قصة طريفة مع فدائيو السويس أيضًا، حيث كانت هناك سيارة ممتلئة بالبنزين تابعة للجيش المصري ذاهبة إلى سيناء يوم 20 أكتوبر لتزود دبابات الجيش، لكن أثناء مرورها بمدينة السويس في ذلك اليوم، قام الطيران الإسرائيلي بقصفها في الحال، «لما الطيران الإسرائيلي قصفها، العربية اصطدمت في زاوية بيت، والسائق بتاعها نزل تركها وجري، وقتها جمعت الفدائيين وقعدنا نعاين السيارة، اكتشفنا أنها مش هتنفجر، وكانت مليئة بالبنزين، قعدنا نسحبها، حتى أدخلناها في «الجراج اليوناني»، قلنا أكيد هنستفاد منها لو الذخيرة بتاعتنا خلصت، ولما جينا يوم 24 بالليل بقينا نجيب جراكن ونفتح حنفية البنزين ونحرق دبابات العدو، بعد ما حرقنا الدبابات بقت بتنفجر، لدرجة أن وجه الدبابة «الباتون» انفجر وطار من قدامي راح عند سينما مصر، دخل في مدخل السينما، حجمه كان 2 طن طار بالجنزير بتاع الدبابة من قوة الانفجار، والدبابات كانت جديدة جدا ومليانة ذخيرة)) يحكى قائد مجموعة الفدائيين «محمود عواد» شهادته.

وقبل أن يذهب الفدائيون لإحراق دبابات العدو كان «محمود عواد» و«محمود طه» يختبئون بالقرب من دبابات  إسرائيلية في شارع «الجيش»، ووجدوا عسكري من الشرطة المصرية من غرفة عمليات الدفاع المدني، يسير في منتصف شارع «الجيش» ويغني أغنية «أنت عمري لأم كلثوم»، وقد تخيل العسكري المصري أن المعركة انتهت وتم القضاء على قوات العدو الإسرائيلي، لكن فجأة أصيب بطلقة من أحد المنازل التي  اختبأت فيه القوة الإسرائيلية المتبقية، ووقع شهيدًا، طلب «عواد» من زميله «طه» أن يزحف على الأرض ويأتي بالعسكري المصري دون أن تشعر به القوة الإسرائيلية المتواجدة في أحد المنازل أمامهم، وذهب «طه» وأتى بالعسكري المصري لكنه قد فارق الحياة، وذهب به «طه» إلى مستشفى السويس واكتشف أن الطلقة التي أصابته من رصاص القوات الإسرائيلية من نوع «إف إن»، وكان الفدائيون مدربين تمامًا على معرفة نوع رصاص العدو.

 «بعد ما العسكري المصري مات كان معايا قنابل يدوية وحارقة قبل ما نولع الدبابات سحبت تيلة من القنبلة ورميتها، في البيت اللي ضرب نار على العسكري المصري القنبلة انفجرت، روحت جاري على باب البيت سمعت قدم عسكري على السلم، البيت كان من الخشب والسلم بتاعه في اتجاه واحد، أول ما لاقيت عسكري إسرائيلي، القنابل اليدوية كانت خلصت من معايا ولم يتبق سوى قنبلة حارقة سميت بالله، ورميت القنبلة، انفجرت وسمعت صريخه، مش عارف إيه اللي حصله، ولاقيت النار مولعة في السلم، تاني يوم سبحان الله، لاقينا واحد على السلم رأسه مقلوبة ونصه التحتاني كله فحمة محروقة، النار مسكت فيه فاتقلب وقع القنبلة جت تحت منه ولاقينا ثلاثة جنود إسرائيليين زمايله مقتولين كان «أحمد عطيفي» زميلنا قتل واحد فيهم».

وانتهت معركة 24 أكتوبر بعد أن قضى فيها الفدائيون على عدد من معدات وأفراد العدو حيث وقع 100 قتيل إسرائيلي وحوالي 500 جريح، ودبابات بعضها مدمر والبعض الأخر سليم لكنه بلا أفراد.

وفي صباح يوم 25 أكتوبر قامت الدبابات الإسرائيلية المتمركزة على محور الزيتية باقتحام مبنى شركة السويس لتصنيع البترول الذي كان بداخله 300 شخص من العاملين المدنيين بالشركة وأبلغوا المدير المناوب «سعد الهاكع» بأنهم يريدون الاتصال بمحافظ السويس، ورد «سعد الهاكع» بأنه لا يعرف مكانه، فهددوه باتخاذ إجراءات عنيفة مع العاملين المدنيين إذا لم يتصل بأي مسئول في المدينة وأجبروه على الاتصال بغرفة عمليات الدفاع المدني بحي الأربعين.

ويروي محافظ السويس «بدوي الخولي» شهادته عن تلك الواقعة، حيث يقول: «دق جرس التليفون يسأل عن المحافظ في تمام الساعة 9:30 صباح يوم 25 أكتوبر وكلمني ضابط يهودي وقال «أين المحافظ؟» كان يتكلم بلهجة شامية فقلت له: «إن المحافظ غير موجود» فطلب مني أن أبلغه أي المحافظ ليسلم المدينة فورًا فقلت له «إن المحافظ لن يسلم المدينة» وانتابني شعور مثير لكن، رحمة الله كانت معنا في فيض لأني قلت للموجودين حولي :«اليهود يطلبون مني تسليم السويس كيف هذا وكيف انهي حياتي بالتسليم غير مقبول».

لقد أخذت العملية على أنها مسألة كرامة، وبعد أن اتصلت بالقائد العسكري العميد «عادل إسلام» حتى أعرف إمكانياته وكنت قد علمت أنه في «جامع الشهداء» منذ يوم 24 أكتوبر الساعة 12 حتى يوم 25 صباحًا عندما كنت أتحدث إليه في حوالي الساعة التاسعة والنصف، بعد هذا تم اتصال أخر من القوة اليهودية في شركة البترول وطلبوا مني أن أبلغ المحافظ بالحضور ومعه السيد مدير الأمن والقائد العسكري في سيارة ومعنا علم أبيض إلى «إستاد السويس» ومعنا كل المدنيين وقال لي :أنهم سيأمنوننا، وإلا ستضرب السويس في ظرف نصف ساعة عن أخرها وسيبيدون كل الموجودين وأعطاني معلومات كاملة عن مواقفنا داخل البلد قال :«ليست لديكم مياه ليست في أيديكم السيطرة على القوات، الدقيق لديكم يحترق لا كهرباء وليس أمامكم غير التسليم».

رددت عليه وقلت له: «إن المحافظ لن يسلم البلد وأنا لست مسئول عن هذا الموضوع وقلت له: على أي حال الصليب الأحمر وصل» فلم يرد اليهودي عليّ وقال: ما فيه صليب أحمر أنت بتغشني، فقلت له: وحتى هيئة الأمم وصلت الآن.

قلت هذا ووضعت سماعة التليفون، ثم أعطيت القاهرة إشارة نصها «اليهود أنذروني بالتسليم في ظرف نصف ساعة وإلا سنُضرب بالطيران وليس عندي مياه ولا ذخيرة ولا أي سيطرة على أي قوات ودقيقي يحترق أوامركم».

بعدها ردت القاهرة وقالت «لا تسليم»

...........

كما روى الشيخ «حافظ سلامة» شهادته على ما حدث  في يوم 25 أكتوبر، حيث قال:

في حوالي الساعة التاسعة والنصف صباحًا يوم 25 أكتوبر في الجامع فوجئت بالمهندس «عبد المنعم حبلص» يناديني بالإسراع بالصعود إلى الطابق العلوي للمسجد لأن هناك أمر هام، فقلت له أنتظر، فقال أن هناك أمر هام جدًا، ويجب الإسراع بالحضور، وصعدت حيث كان يجلس بالمكتب العميد «عادل إسلام» وإذا بي أجد الوجوم على وجوه الجميع ورأيته يحمل سماعة التليفون ويقول لي: «يا حاج حافظ السيد المحافظ معي على التليفون اليهود أرسلوا إليه إنذار بتسليم المدينة بعد عشر دقائق وإلا اضطروا لتدميرها بالطيران فما رأيك؟»، فقلت لعادل إسلام : «أنت عايز رأيي.. رأيي هو عدم التسليم.. لقد مضى على اليهود ست سنوات وهم يضربون المدينة بالطيران فلنجعلها ست سنوات وأيام».

ونزلت إلى المسجد وكان غاصًا بالناس، وأبلغتهم ما حدث وأننا سنقاوم حتى آخر قطرة من دمائنا وإذا بي أسمع أن اليهود قد استغلوا الفرصة وبدءوا يذيعون من مكبرات الصوت نداء بالذهاب إلى الإستاد الرياضي ليسلم المواطنين أنفسهم فبدأت أحبط هذه المؤامرات وأذيع ردًا عليها بتوجيهات إلى أفراد المقاومة الشعبية بأن يستمروا في المقاومة إلى آخر قطرة من دمائهم فإما حياة شريفة بعزة وإما شهادة في سبيل الله ولن نستسلم أبدا.

كما أرسلت إنذار إلى الإسرائيليين فقلت لهم أننا سنستمر بإذن الله في المقاومة وإذا كان لديكم قوة تمكنكم من دخول السويس مرة أخرى، فنحن في انتظاركم، وأن أرض السويس الطاهرة في حاجة إلى أن تروى مرة أخرى بدمائكم القذرة فأهلًا وسهلًا بكم ونحن في انتظاركم.

وبدأت أكرر هذه النداءات من مكبرات الصوت بمسجد الشهداء لأنها الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن نرد بها عليهم وبعد حوالي أربعة ساعات اتصل بي المحافظ وقال لي« يا حاج حافظ أنا رأيت عدم التسليم ولذلك أرى أنك تذيع بيان على الناس بأننا قررنا عدم التسليم على لساني» فقلت له: «أنا أذعت من بدري» قال لي «ذيع مرة تانية»، قلت: «أنا أذعت مرارًا»، قال «ذيع على لساني»، فقلت: «إن شاء الله» ونويت أن أذيع قبل آذان العصر، ولكن اتصل بي مدير الأمن وقال: «السيد المحافظ قالك  علشان تذيع بيان بعدم التسليم على أن يكون بصوتك شخصيًا حتى يطمأن الناس، فقلت: «أنا أذعت والناس عرفت وهذيع مرة ثانية ومرات عند آذان العصر»، قال «لا دلوقتي أحسن كمان»، فقلت له «إن شاء الله» وبدأت أذيع نداءات مني موجهة إلى المدنيين والعسكريين.

........

ويؤكد الأستاذ «حسين العشي» أن العدو الإسرائيلي بعد أن تأكد من فشل الخدعة التي حاول أن يدخل بها إلى المدينة عاد إلى قصف السويس بالمدفعية والطيران واستمر القصف بعنف من خارج المدينة حتى بعد حلول الظلام، وكانت الإذاعة في الساعة الثامنة من مساء يوم 25 أكتوبر تعلن أن غدًا هو أول أيام عيد الفطر المبارك، وقتها تبادل الناس التهاني بالعيد وبالصمود.

«رغم أن السويس يوم 24 أكتوبر كان فيها عدد قذائف آر بي جي قليل جدًا، يعني لو كانت قوات العدو الإسرائيلية دخلت يوم 25 كانت احتلت السويس تمامًا، لكن مثلما قالوا في الأمثال «خدوهم بالصوت ليغلبوكم»، ربنا بعث في قلوبهم الرعب، هما عارفين حجم الخسائر فراجعوا نفسهم وامتنعوا عن احتلال السويس، وقرروا يحاصرونا 101 يوم انتهت بفض الاشتباك» يروي «قناوي» شهادته.

لكن إسرائيل ظلت تقصف السويس بالطيران أيام 26و27، ولم يتوقف القصف إلا صباح يوم 28 أكتوبر بعد وصول قوات الأمم المتحدة إلى السويس، واكتفت إسرائيل بحصار السويس من الخارج، وقد بلغت خسائر الجيش الثالث ومدينة السويس نتيجة قصف الطيران في حرب السويس من يوم 24 إلى 27 أكتوبر حوالي 80 شهيدًا و42 جريحًا، بينما خسرت إسرائيل 100 قتيل إسرائيلي وحوالي 500 جريح، حسب إحصاءات رئيس أركان الجيش في ذلك الوقت الفريق «سعد الدين الشاذلي».

تحت الحصار

بعد أن فشلت إسرائيل في احتلال السويس يومي 24 و25 و26 أكتوبر، قامت بحصار المدنية من الخارج ومنعوا عنها كل منافذ الحياة من ماء وكهرباء، واتصالات، وقاموا بردم ترعة الإسماعيلية حتى لا تصل المياه لأهالي السويس، كانوا ينتظرون أن تسقط السويس من الداخل، وأصبحت فرقتا مشاة مدعمتان قوامها 45ألف ضابط وجندي ومعهم حوالي 250 دبابة ومن خلفهم مدينة السويس «و بها ما يزيد عن20 ألف شخص من بينهم خمسة آلاف من المدنيين بالسويس بخلاف الوافدين من القطاع الزراعي ورجال القوات المسلحة» محاصرين حصاراً تاماً من قبل القوات الإسرائيلية.

وأصبحت هذه القوة كلها خارج إمكانيات شبكة الدفاع الجوي «سام» وبالتالي أصبحت مهددة بالقصف الجوي المعادي دون أي فرصة لردعها، ويؤكد الفريق «سعد الدين الشاذلي» أن الجيش المصري وقتها لم تكن لديه في الغرب القوات الكافية التي تسمح بفك الحصار وكان العدو يعلم هذه الحقائق، وكانت أول مرة في التاريخ الحديث أن توضع مدينة تحت حصار 100 يوم، فالحرب هي عبارة عن صراع إرادات، لو نجح العدو في كسر وهزيمة إرادتك سيفوز بالمعركة، وهذا ما حاول أن يفعله العدو الإسرائيلي بعدما فشل في احتلال السويس.

في تلك الفترة نقصت المواد التموينية نتيجة إصابة أغلب المخازن في معارك أكتوبر ولم يتبق سوى1200 جوال دقيق فقط في مدينة السويس، وتم قطع ترعة الإسماعيلية التي تغذي المدينة بالمياه الحلوة ونقص مخزون المياه إلى 400 ألف متر مكعب فقط، واستولى العدو المحاصر للسويس على صهاريج المياه الاحتياطية بشركة النصر للأسمدة والنصر للبترول، وكانت كميات الوقود السائل المتبقية في المدينة لا تكفي إلا لاستهلاك أيام معدودة فقط، البنزين يكفي لـ 60 يوم والسولار لـ 55 يوم والكيروسين لـ 35 يوم وهذا هو شريان الحياة الحيوي لمحطات الإنارة وتوليد الكهرباء وآلافران والمستشفيات ورفع المجاري والسيارات، وعندما استعادت السويس الاتصال اللاسلكي مع القاهرة يوم 30 أكتوبر عن طريق قيادة الجيش الثالث بعد أن قطعه العدو يوم 26 أكتوبر، قالت المدينة للقاهرة في رسائل رسمية «لا تستهينوا بنا سنصمد حتى لو متنا من الجوع والعطش» وقد شرح الأستاذ حسين العشي تفاصيل تلك الأيام باستفاضة خلال لقائنا.

حيث قال أن صمود المدينة لم يكن كلام إنشائي أو حماسي فقد أثبتت السويس إمكانية القبول به على مدى مائة يوم كاملة وحتى عندما بدأت قوافل المؤن تصل إلى المدينة في 15 نوفمبر بعد اتفاقية النقاط الست لم تستهلك المدينة كل ما دخل إليها بل اكتفت بالجزء الأقل من الطعام حتى لا يفقد الناس الإحساس بالحصار،  حتى أن مدير التموين في السويس أرسل للقاهرة يوم 4 يناير يطلب وقف إمدادات التموين بعد أن امتلأ 37 مخزنًا وأصبح لا يوجد في المدينة أماكن أخرى للتخزين.

وفي يوم 14 نوفمبر ذاق الناس في السويس «اللحمة» لأول مرة منذ ثلاثة أسابيع وقصة هذه اللحمة أنه كانت توجد في منطقة المجزر- بجوار الإستاد الرياضي- أكثر من ألف رأس ماشية ملك لأحد تجار اللحوم في المدينة وعندما احتل اليهود هذه المنطقة تدخل البوليس الدولي وسمح بإمداد المدينة بجزء منها وتم توزيعها بالمجان على المتواجدين داخل المدينة.

وخلال هذه الفترة أيضا دخل المدينة ألفين و173 طن دقيق وثمان آلاف و187 طن أرز وخمسة آلاف و261 جوال عدس وألف 976 جوال دقيق و ألف 841 جوال مكرونة وألف 176 جوال فول مجروش و18 ألف كيلو مكرونة و4 آلاف كيلو جينة بيضاء و79 ألف كيلو حلاوة و25 ألف كيلو سمن صناعي و33 ألف علبة لحوم محفوظة و143 ألف علبة أسماك محفوظة و282 ألف علبة خضار و69 قطعة صابون غسيل ونصف مليون علبة كبريت و27 طن سكر.

وعلى الرغم من سماح القوات الإسرائيلي بدخول هذه المؤن للسويس لكنها اعترضت من اليوم الأول على دخول الوقود وأعادوا سياراته ولم يسمحوا بعد ذلك بدخول حجارة البطارية وزجاجات «الكولونيا» والبطاطين و«البلوفرات» والملابس الشتوية ورغم ذلك أمكن تسريب ملابس شتوية وكميات كبيرة من البطاطين و«البلوفرات» وتم توزيعها على كل أفراد المدينة.

كان أخطر المشاكل التي واجهت السويس في تلك الفترة هي مشكلة المياه فالسويس كانت مسئولة عن إمداد القوات المصرية شرق القناة في سيناء بالمياه منذ أن بدأت في 6 أكتوبر، حيث خصصت السويس 4 محطات ضخ مياه للبر الشرقي للقناة، وبعد تقدم العدو في غرب القناة احتل المحطات الأربعة التي كانت خارج حدود المدينة لكن تزويد القوات المسلحة شرق القناة والمدينة استمر من خط المياه الواصل من القاهرة ومحطة هيئة قناة السويس الموجودتين داخل المدينة وعندما كلف المحافظ «بدوي الخولي» مدير الإسكان بالسويس «سيد مغازي» يوم 30 أكتوبر بدراسة موقف المياه تبين أن مخزون المدينة يصل إلى 13 ألف متر مكعب وكان أغلبه في محطة هيئة القناة ولخطورة التخزين في مكان واحد تم نقل ثلاثة آلاف377 متر مكعب من المياه إلى منطقة أخرى «مصنع ثلج جركو» وتخزينهم هناك كمنطقة بديلة.

كانت هذه الكمية من المياه الموجودة كي يشرب منها الـ20 ألف المتواجدون في السويس، بالإضافة إلى ما يقل عن  خمسين ألف جندي في الضفة الشرقية.

قررت وقتها أن يتم توزيع المياه بأن يصرف 50 لتر مكعب يوميًا لجنودنا في سيناء وتصرف للمخابز خمسة أمتار مكعبة يومياً وللمستشفيات ثلاثة أمتار مكعبة يومياً، واتجه الأهالي لحفر عدد من الآبار القديمة المتواجدة في المدينة واعتمدوا على ذاكرة المسنين من أهل السويس، وكان أكبر هذه الآبار «بئر الغريب» الذي تم تحليل مياهه ووُجِدت أنها صالحة للشرب.

كما أن هناك موقف طريف آخر استخدمه الشيخ «حافظ سلامة» من خلال ذاكرته القوية، في يوم من أيام الحصار، كان هناك أعداد كبيرة من المتواجدين في مسجد الشهداء للصلاة وهؤلاء المتواجدين يريدون أن يتوضئوا ويشربوا وحجم المياه قليل، وليست موجودة سوى في أماكن معينة، فاتصل الشيخ حافظ سلامة بقائد الفدائيين وقتها «محمود عواد»، في منزله وطلب منه أن يحضر «فأس وكوريك» ويأتي إليه في مسجد الشهداء.

«وصلت المسجد قام الشيخ أدخلني حضانة تبعه بجوار مسجد الشهداء، لاقيت مكان زي خزان مياه، راح وضع بعض العلامات على الأرض بخشبة صغيرة وقال لي: أحفر هنا، قمت بالحفر  في الأرض، وأشار لي إلى مكان أخر في الغرفة وقال لي أحفر بعمق هنا، وأنا مستمر في الحفر وجدت الشيخ حافظ يغمض عينيه ويتمتم ببعض الآيات القرآنية، بعد عدة دقائق ظهرت مياه غزيرة من الأرض، ذوقتها وجدتها مياه عذبة، قلتله دي مياه حلوة يا حاج حافظ، قالي قوم يا فالح هات الجراكن يالا وأملئ للناس علشان تتوضأ وتشرب، ربنا بعتلنا المياه من الأرض، علشان نصمد» يحكي عواد.

وفي أثناء الحصار صدر قرار من المخابرات الحربية لأعضاء «منظمة سيناء العربية» أن يوقفوا القتال وألا يشتبكوا مع قوات العدو التي تحاصر السويس، ولم تكتفي بذلك، بل قامت المخابرات وجهاز أمن الدولة بالسويس بتعيين حراسة ومراقبة دائمة على منازل الفدائيين، وخصوصا منزل «محمود عواد» الذي طالما تجمع فيه الفدائيون دومًا، وفي المعارك التي دارت بين الفدائيين والقوات الإسرائيلية خلال يوم 24 و25 أكتوبر، استولى الفدائيين على 200 قطعة بندقية آلية بتلسكوب ، و8 «مدافع هاون» 2 بوصة، وآلاف الذخائر كلها من أسلحة الجيش الإسرائيلي، وأخذها الفدائيون ووضعوها في منزل «محمود عواد» في الدور الأول خصصوا غرفة ملئوها بتلك الأسلحة.

لكن «عواد» ورفاقه لم يكونوا «مرتاحين» لقرار قيادتهم في المخابرات الحربية بوقف القتال، أو أي عمليات فدائية طول فترة الحصار، فظلوا يشاغبون الاحتلال الإسرائيلي، ويتحايلون على أفراد المراقبة من جهاز أمن الدولة والمخابرات التي وضعت خصيصًا أمام منازلهم لكي تمنع من قتال العدو الإسرائيلي.

في معركة 24 أكتوبر وبعد تدمير عدة دبابات إسرائيلية انفصلت مدافع تلك الدبابات عن جسم الدبابة، فأخذ الفدائيون أحد هذه المدافع، وجاءوا بسيارة «حديد» كانت تنقل زجاجات الكوكاكولا، وذهبوا لأحد زملائهم يدعى «عبد الله» وكان يعمل حدادًا، وطلبوا منه أن يقوم بلحام قاعدة حديد، كانوا قد جاءوا  بقاعدة شبيهة بها من دبابة إسرائيلية مدمرة، كي يقوموا بلحامها في سيارة الكوكاكولا كي يضعوا عليها المدفع الإسرائيلي الـ «نص بوصة» نظرًا لثقل حجمه.

وحينما كان يحل الظلام، يأتي الفدائيون بعربة الكوكاكولا ويدخلوها منزل محمود عواد، ويقوموا بتفكيك المدفع من القاعدة التي وضعوها فوق العربة، ويضعوه في قاع العربة، ويضعوا عدد من البنادق الآلية ومدافع الهاون، في قاع العربة أيضًا، ويضعوا عدة ملابس لهم خاصة بتنفيذ عملية فدائية، ثم يقوموا بتغطيتها بطانيتين ويضعوا فوقها جراكن مياه فارعة، حتى لا يرى أحد الأسلحة، ويصبح واضح أمام أفراد المخابرات وأمن الدولة المصريين المراقبين لهم، أن العربة تحمل «جراكن مياه فارغة» وأن من يقود العربة ذاهب ليملئ ماء كي يشرب الفدائيون فقط.

بعد ذلك يخرج أحد الفدائيين ويرتدي «شبشب» في قدميه ويسحب العربة ، وحينما يقترب من رجال المخابرات الواقفون على ناصية حارة «محمود عواد»، يقف ويصرخ بصوت عالي «الله يخربيت اليهود لسه هروح عند الهاويس أملى مياه»، فيعتقد رجال المخابرات أنه ذاهب ليملئ جراكن المياه.

ثم يخرج باقي الفدائيون من منزل «محمود عواد» يرتدي كل منهم ملابس رياضية ويحملون كرة قدم ، ويتحدثون مع بعضهم باعتبار أنهم ذاهبون للعب مباراة كرة قدم، كي يخدعوا أفراد المراقبة من المخابرات، ويوهموهم بأنهم ذاهبون لمباراة كرة قدم، كان وقتها الفدائيون يذهبوا للعب الكرة حتى يأتي الموعد الذي اختاروه، لتنفيذ عملية فدائية ضد قوات العدو المحاصرة للسويس.

وحينما يأتي الموعد المحدد يسرع الفدائيون إلى عربة الكوكاكولا التي وضعها بها الأسلحة ، يقومون بتغيير ملابسهم وحمل السلاح ثم الذهاب لأقرب نقطة لتجمع قوات العدو في حصار السويس، كي يقوموا بمناوشات وإلقاء قذائف الهاون و الآر بي جي على تلك القوات، كي يلحقوا خسائر بها، وبعدها يعودوا مرة أخرى لتغيير ملابسهم، ويعود أحد زملائهم بالعربة و بها «جراكن المياه الممتلئة» أمام أفراد المخابرات.

من ضمن هذه العمليات كانت هناك منطقة قريبة من السويس تسمى «الزرايب» و بها مكان فيه جراج لشركة التعاون للبترول، وقت حصار السويس احتلت القوات الإسرائيلية هذا الجراج، في إحدى الليالي ذهب «عواد» وزملاءه بعدما أجروا طقوس خروجهم من منزله أمام المخابرات المصرية لهذا المخزن واشتبكوا مع القوات الإسرائيلية، إلى أن دمروا جزء من القوة التي احتلت المخزن واستولوا على عدد من مدافع الهاون الإسرائيلية المتواجدة معهم.

وفي إحدى الليالي وبعد أن أتم «عواد» وزملاءه عملية فدائية على كمين للعدو المحاصر للسويس، وعادوا إلى المنزل بنفس الطريقة المخادعة لأفراد المخابرات وأمن الدولة، وجد «عواد» أحد ضباط المخابرات يأتي إليه مسرعًا وعلى وجهه القلق، ويطلب منه أن يذهب للقاء قائده وقائد مجموعة الفدائيين الذين أمرهم بوقف الاشتباك مع العدو، وكان وقتها اللواء «فتحي» عباس مدير المخابرات الحربية بالسويس، هو المسئول عن أبطال «منظمة سيناء العربية» في السويس.

وقتها أحس «عواد» بأن مدير المخابرات وقائده علم بما يفعلوا من اشتباكات متتالية مع العدو الإسرائيلي، وهو مخالفة صريحة لقائده، خصوصًا أن اللواء «فتحي عباس» وقت حصار السويس طلب صراحة من عواد أن يوقف الاشتباك مع العدو، ولو لم ينفذ سيصدر قرار بإعدامه لأن بذلك قد خالف قرارات قيادته، وأقسم وقتها قائلًا لعواد «والله لو ما التزمت بوقف إطلاق النار هضربك بالرصاص يا عواد».

ذهب «عواد» مع ضابط المخابرات، ودخل للواء «فتحي عباس» مكتبه، سأله اللواء «عباس» عن أخباره، رد عليه عواد بكلمة «تمام يافندم»، وقف اللواء «عباس» من مجلسه واقترب من «عواد» ووضع يده اليمني على كتفه، وقال له «أنت عارف أنت عملت إيه يا عواد» رد عواد مسرعًا «لا يافندم ما اعرفش»، قاله «لا أنت عارف كويس أنت عملت إيه»، ونظر إليه نظرة حادة، وقتها أحس «عواد» بأن قرار إعدامه سيصدر خلال لحظات، أجاب عواد على كلمات اللواء عباس قائلًا: «عارف يافندم أنا عملت إيه وأنا تحت أمر سيادتك طلع طبنجتك وإضربني يافندم، بس أنا مش ممكن طول ما أنا حي هسيب اليهود على أرضنا».

بادله اللواء عباس بابتسامة قائلًا: «أضربك بالنار إيه؟ ده أنا هاخدك بالحضن، أنت مش عارف أنت عملت إيه في عمليتك الفدائية النهادرة، أنت قتلت قائد الشرطة العسكرية الإسرائيلي لمنطقة السويس كلها اللي في القوة اللي محاصرة السويس، دانة الهوان اللي أنت وزمايلك ضربتوها نزلت على العربية بتاعته قتلته هو والحارس بتاعه والسواق».

وقتها أخذ اللواء «فتحي عباس» «محمود عواد» بالأحضان، وأخذ يقول له «أضربوا كمان وميهمكش من أي حد، أو أي قرار بعدم الاشتباك، أنا في ظهرك وهحميك».

لكن «عواد» أثناء حديثه معي وأثناء تذكره تلك الواقعة يقول أنه وقت هذه العملية هو وزملاءه لم يركزوا في من الذي قتلوه من القوة الإسرائيلية، هم فقط كانوا يطلقون قذائف الهاون على قوات إسرائيلية ويرون الدماء والانفجارات أمامهم وينهون العملية استعدادًا لعملية أخرى في اليوم التالي، وظل «عواد» ورفاقه كل يوم يقوموا بعملية فدائية جديدة وقت الحصار، ويقوموا بنفس الخدعة أمام قوات المراقبة المصرية التي ظلت ملاصقة لمنزل «عواد» والفدائيين حتى انتهاء الحصار.

وبعد انتهاء الحصار جاءت سيارات من الجيش لمنزل «عواد» وأخذت كل الأسلحة التي استولوا عليها من الجيش الإسرائيلي، وكانت ما يزيد عن 200 قطعة بندقية آلية بتلسكوب ، وثمانية مدافع هاون 2 بوصة، وآلاف الذخائر.

ويقول «عواد» : «العربيات اللي جابها الجيش امتلأت بالسلاح عن آخرها، كان معانا أسلحة تكفى لقتال اليهود ثلاث سنوات متتالية، وكان معايا بندقية «إف إن» قنص ماسورتها طويلة، الطلقة بتاعتها لازم تموت، أعطيتها هدية للمشير أحمد إسماعيل وزير الحربية بعدما جاء يزورنا بعد الحرب، وكنا قد أقمنا معرض لهذه الأسلحة التي إقتنصناها من العدو، كما أهديت شقيق الرئيس السادات رشاش إسرائيلي اسمه «الجليل» بردوا جبناه من اليهود مكنش لسه ضرب طلقة، لكن خدناه من اليهود وقتلناهم بيه».

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech