Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
مؤسسة مورخين مصر للثقافه ( المجموعة 73 مؤرخين ) المشهره برقم 10257 لسنه 2016 * **** رحله لخط بارليف 4 فبراير **** تم فتح باب العضوية للمجموعة - يناير 2017 **** 12.5 مليون زيارة منذ 2013 - 23 مليون زيارة منذ 2009 **** نرحب بكم في مقر المجموعه بميدان حدائق القبه ***** **** ننتظر تعليقاتكم علي الموضوعات ولا تنس عمل لايك وشير لما يعجبكم علي تويتر وفيس بوك **** **** ****

الاسطوره الحقيقة - الشهيد الحي


بقلم ابراهيم حجازي

الطفولة تصنع البطولة ودليلى.. الأسطورة!. الكلمات الخمس عنوان مقال الأسبوع الماضى الذى أستكمله هذا الأسبوع وقبل الدخول فى حكايتنا عندى توضيح!. الأسطورة التى أتكلم عنها.. بطولة حقيقية جماعية تدور حول بطلها.. والله وحده هو الذى جعلها معجزة وأسطورة!.


الكلام بمعنى أوضح.. أن القصص الحقيقية التى وقعت بالفعل.. للبطولات والتضحية والانتماء والولاء والشجاعة والفداء.. هى فقط التى يمكن أن تكون أسطورة!. عيب أن نطلق على البلطجة والقتل والدماء والابتزاز.. الأسطورة!.

حكايتنا.. حكاية دورية صاعقة من 19 مقاتلًا.. مهمتها تدمير منطقة مخازن سلاح للعدو فى عمق سيناء. اليوم ليلة 20 يوليو 1969. الدورية نفذت بنجاح المهمة قبل الفجر وقتلت كل جنود العدو «16 قتيلًا» ولَغَّمَت المخازن بالعبوات الناسفة التى تنفحر بعد وقت يسمح للدورية أن تكون على أبعد مسافة من الموقع.. وهذا ما حدث!. الانفجارات وقعت بعد شروق الشمس والدورية ابتعدت إلى أن أصبحت على مقربة 11 كيلومترا من القناة!. قائد الدورية م.أ عيد زكى إبراهيم.. أوامره انتشار المقاتلين تحسبًا لطيران العدو الذى سيصل فى أى لحظة!. أربع طائرات حربية تهاجم الـ19 مقاتلًا!. طائرة «استفردت» ببطلنا وظلت تهاجمه برشاشاتها وهو يناورها ويضرب عليها ببندقيته!. ذخيرة رشاشات الطائرة نفدت دون أن تطول بطلنا!. نفدت من الطيار لأنه «ضرب خوف»!. الطيار الذى يقود مقاتلة لو أنه شجاع ما طاشت منه طلقة ولأصاب الموجود على الأرض من أول طلقة.. لكنه جبان حتى ولو معه مقاتلة!.الجبان عندما نفدت ذخيرة رشاشات طائرته أطلق صاروخًا على بطلنا!. طبيعى أن يسقط ومنطقى أن يفقد الساقين وذراعًا وعينًا!. غير الطبيعى بمنطقنا البشرى أن يبقى حيًا!. الإعجاز والأسطورة أن يبقى حيًا بعد ضربه بصاروخ.. وهذا ما توقفت عنده الأسبوع الماضى!.

البطل لم يكن يدرك لكنه أدرك.. أن عينه اليمنى طارت.. وأن الأشلاء الموجودة أمامه هى له وليست لهم.. ساقين وذراع!. لسان حال البطل الذى فقد القدرة على الحركة يقول: نصف جسدى وذراع.. طاروا والشهادة لم تحدث!.

بطلنا فى كامل وعيه.. لاحظ ولم يعرف السبب.. أن نزيف الدم فى الذراع والفخدين والجروح الأخرى ببقية جسده بدا غزيرًا وأصبح بسيطًا!. هل «الدم اتصفى» كما يقولون؟. طبعًا لا.. لأنه لو اتصفى.. غيبوبة وموت.. لكنه فى كامل وعيه!. طيب «إيه» الحكاية؟. الله خلق فى جسد الإنسان مضادات لكل الاحتمالات!. إذا دخل ميكروب للجسد.. تحرك فورًا جهاز المناعة ودَمّرَه!.إذا وقع حادث وحدثت جروح كبيرة فى أماكن عديدة.. الأوردة والشرايين التى يجرى فيها الدم.. تحدث لها انقباضات وتنغلق فى أماكن الجروح حتى يتوقف النزف.. سبحان الله...

البطل مرت عليه لحظات أطبق فيها الصمت على كل شىء.. من صوت طائرات حربية مرعب إلى صمت القبور الذى خيَّمَ على المكان.. الرمال صامتة.. أشعة شمس قادمة مائلة من الشرق وهى الأخرى صامتة وربما غاضبة من رؤية نصف جسد البطل المتناثر على الرمال!.

لحظات صمت.. دقيقتان أو ثلاث هى وقت طويل فى قياسات رجال الصاعقة!. البطل يسأل نفسه: «فين الرجالة» يقصد زملاءه!. ماداموا لم يحضروا.. أكيد أستُشْهِدُوا!. هذه قناعته لأن يقينه استحالة أن يرجعوا لقواعدهم ويتركوه!. هذا يقينه لأنه جزء من عقيدة خير أجناد الأرض القتالية!. مؤكد قادمون.. لأن المؤكد استحالة استشهادهم جميعًا لأنهم تدربوا وتدربوا وتدربوا فى الصاعقة على قهر المستحيل والتصرف فى مثل هذه المواقف!. نعم قادمون وبالفعل وصل الجميع أحياء لأنهم مؤهلون لكل المواقف!.

البطل تنبه إلى ما يدور حوله والقائد عيد زكى إبراهيم.. يضع يده على ذراعه.. يربت عليها أم يحضنها أم يواسيها.. ربما كل هذه الأمور مجتمعة!. لا وقت للكلام ولا حتى المواساة!. كل لحظة لها أهميتها.. وحياة البطل والـ18 مقاتلًا على المحك.. إذا ما عادت الطائرات المقاتلة!. المقاتلون على بعد 11 كيلو من القناة وليس أمامهم سوى خيار واحد فقط!.

القائد بسرعة أخرج الرباط الميدانى من «شَدِة» البطل مع الرباط الميدانى الخاص به مع «فانلة» داخلية.. ومنهم بدأ رباط الأطراف المبتورة والجروح المؤثرة الأخرى!. القائد تعليماته أن يتناوب كل مقاتل حمل البطل على كتفه مسافة نصف كيلو.. والخيار الذى ليس له بديل الجرى بأقصى سرعة تجاه القناة لأنه الأمل الوحيد فى إنقاذ حياة زميلهم المقاتل الذى فقد أكثر من نصف جسده!.

أتوقف أمام حضراتكم هنا للحظات أمام ثلاث ملاحظات.

الأولى.. إبقاء الله على بطلنا حيًا بعد فقدانه نصف جسد وذراعا.. المؤكد أنها رسالة لمن يعرف قراءتها!. ليس كل من قرأ وكتب بإمكانه قراءة واستيعاب مثل هذه الرسائل!. الملاحظة الثانية: الإنسان مِنَّا.. أنا أنت هى.. إذا أصيب بكدمة شديدة فى العظام.. فى القدم أو الذراع أو القفص الصدرى.. لن يستطيع تحمل أى حركة او اهتزاز للمكان المصاب بسبب الآلام!. ما بالنا والبطل عنده كدمات وعنده جروح وعنده تمزقات وعنده عين ضاعت وذراع انقطعت وساقين انتُزعتا من مكانهما نزعًا!. ما بالنا وهو محمول على كتف مقاتل ليس أمامه إلا قطع المسافة جريًا فى صحراء مفتوحة.. والعدو يمرح فى سمائها وله قوات على أرضها واحتمالات التعرض للنيران قائم فى أى لحظة!. صحراء فى حَرِّ يوليو.. وشمس الصحراء غير شمس المدن.. صحيح الشمس هى الشمس لكن الفارق تصنعه طبيعة الصحراء بقسوتها فى الحر وقسوتها فى البرد.. طبيعتها فى مناخها القارى المتطرف دومًا.. أشد حرًا وأشد بردًا!. الملاحظة الثالثة.. اليقين والرضا والثقة والحب والتحمل وإنكار الذات.. إلى جانب خصائص وخصال كثيرة إيجابية تجدها فى المقاتل المصرى!. سبحان الله على كم الرضا عند البطل فى لحظات صعبة!. الرضاء بقضاء الله أن يفقد نصف جسده فى لحظة!. قدرة تَحّمُل تفوق قدرات البشر.. تَحّمُل آلام مبرحة فى كل حركة وهمسة وهو محمول على الكتف أى فى وضع حركة مستمرة إلى أن يصلوا القناة.. إن كتب الله لهم الوصول أحياء!. عندما تكون فى مثل حال البطل وتعلم أنك ستبقى فى وضع الاهتزاز والحركة إلى أن يصلوا القناة!. أى صعب هذا؟!

البطل أصيب فى السادسة والنصف صباحًا تقريبًا.. على بعد 11 كيلو تقريبًا من القناة ولابد من قطعها جريًا بكل ما يملكونه من قوة!. البطل تركيزه كله أن يحملوا معهم ما فقده من جسده الساقين وذراعه اليسرى!. بفضل الله الدورية وصلت إلى منطقة العبور التى منها اجتازوا القناة فى الليلة السابقة لتنفيذ مهمتهم!. وصلوا فى الثامنة صباحًا تقريبًا وأرسلوا لهم قاربًا من الغرب نقلهم على دفعتين!.

قائد الكتيبة النقيب سمير يوسف فى استقبالهم وبسرعة حضر طبيب الكتيبة.. وضعوا البطل الجريح على نقالة.. وأجرى غيارًا للجروح وأعطاه محلول ملح لإنقاذ ما يمكن!.

قائد الدورية اقترح على قائد الكتيبة إحضار مدرعة من بورسعيد لنقله إلى هناك!. قائد الكتيبة النقيب سمير يوسف قال إن تحرك مركبة على الطريق سيعرضها للقصف ووقتها سنخسر سائقها والبطل الجريح!.

الطبيب فى إجابته عن سؤال لقائد الكتيبة.. قال: الحالة صعبة جدًا.. ساعتين على أكثر تقدير وينتهى الأمر!. الذى قاله الطبيب سمعه البطل الجريح الراضى والمَرْضِى بقضاء الله!. لحظات صمت قليلة لكنها مرت طويلة على الجميع.. قطعها قائد الدورية الملازم أول عيد زكى إبراهيم باقتراح وافق عليه قائد الكتيبة!. اقتراح يبدو مستحيلًا والحقيقة أنه المستحيل نفسه!.

ينقلون البطل على النقالة مشيًا إلى بورسعيد!. المسافة 25 كيلو!. إنه الاقتراح المستحيل.. لأن البطل أمامه «ساعة ساعتين بالكتير» ويموت وفقًا للتشخيص الطبى!. لأن العدو يضرب أى شىء يتحرك فى القرب!. لأن السير بالنقالة محكوم بضوابط لأن المريض «معلق» فى ذراعه محلول!. لأن أمامهم 12 ساعة سيرًا!.

الرجال صمموا على القيام بالمهمة المستحيلة!. اختاروا السير بجوار السكة الحديد التى بمحاذاتها ترعة تنمو على شاطئها الشرقى شجيرات و«بوص» كثيف.. هو مثابة وسيلة إخفاء لهم وتمويه عليهم!. خطورة هذا الطريق أنه أقرب ما يكون لخط بارليف.. أى فى مرمى نيران العدو!.

وافق قائد الكتيبة على الاقتراح المستحيل لأنه لم يكن هناك غيره!. كل المقاتلين يريدون تنفيذ المهمة!. اثنان حملا النقالة هما عبدالفتاح عمران وصابر عوض والثالث أحمد يس ومهمته حمل زجاجتين محلول ملح غير الثالثة إبرتها فى ذراع البطل اليسرى ودَورِه أن يحافظ على وجود الزجاجة مرتفعة لضمان سريان المحلول فى ذراع البطل ويحافظ أيضًا على أن تكون خطواته مثل خطوات البطلين اللذين يحملان النقالة!.

وبدأت رحلة نقل بطل هو أقرب أن يكون ميتًا منه حيًا!. هنا الإصرار هنا العزيمة هنا الإيمان هنا الثقة هنا البطولة هنا الشجاعة هنا الشهامة والجدعنة والمروءة التى لا تجدها إلا هنا فى مصر فى مقاتليها فى خير أجناد الأرض!.

تحركوا فى الثامنة والنصف صباحًا.. ثلاثة أبطال يحملون شهيدًا مازال حَيًَّا!. الأبطال الثلاثة يقينهم أنهم سيقطعون الـ25 كيلومترًا ويصلون بالبطل حَيًّا!. الهدف واليقين والإصرار وعقيدة المقاتل جعلتهم يتخطون كل صعاب الرحلة المستحيلة!. انضرب عليهم من العدو.. رحمة ربنا أنهم وجدوا فى نباتات الترعة أعظم تمويه لهم فى السير وكأن «البوص» ينحنى عليهم ليحميهم من عيون العدو!. باختصار وصلوا بمعجزة إلى بورسعيد فى آخر ضوء!. اجتازوا رصاص العدو وتغلبوا على حَر يوليو الرهيب وقهروا المستحيل!. كلما أصاب العطش بطلنا يضعون فوطة صغيرة فى ماء الترعة بكل ما فيها من طين.. ويمسحون بها على فمه!.

فى بورسعيد دخل مستشفى.. وبعدها لم يشعر بشىء.. كل ما تذكره دنيا سودة حوله لم يعرف بعدها من الأموات هو أم مِنَ الأحياء؟!. يوم 21 يوليو أفاق مِنْ غيبوبته على كل آلام الدنيا!. كل جزء فى جسمه به آلام!. سبحان الله وهو منقول على كتف زملائه وهو على النقالة لم يشعر بأى ألم!.

نقلوه فى اليوم التالى لمستشفى دمياط ومنها فى قطار إسعاف من عربة واحدة لمستشفى الحلمية العسكرى بالقاهرة!.

ما تبقى من جسده مغطى بالشاش والقطن!. بدأت رحلة العلاج. الآلام مبرحة والكل مذهول من أن البطل على قيد الحياة!.

فى يوم جاء الممرض الخاص بالبطل نسيم بطرس وأخذ يمسح له وجهه وحول عينه.. وقال له: جاى لك زيارة مهمة!. البطل ظن أنه قائد القوات الخاصة اللواء الشاذلى!. البطل فى حجرته راقد على سرير بجواره «كرافان» موازٍ للسرير ليحجب الرؤية عنه!. «الكرافان» موضوع ليخفى كل ما هو بعد رأس البطل!. الرأس فقط هو الظاهر والكرافان يخفى «كومة» الشاش والقطن التى تلف ما تبقى من جسد!.

البطل فوجئ بمن يُقبِّلُ رأسه من الخلف ويجلس على كرسى بجوار رأسه. إنه الزعيم جمال عبدالناصر!. قال له: حمدًا لله على السلامة. سأله عن العملية وأجاب البطل. وداعبه الزعيم قائلًا: يا راجل فى حد يضرب الطيارة ببندقية؟.. رد: هأقاتل ولو بالنبوت!.. كلام كثير أنهاه الزعيم بقوله للبطل: عايز حاجة!.

الزعيم نهض واقفًا من رد البطل الذى ليس له أى مطلب مادى!. الزعيم وقف عندما وجد مطلبه العودة للميدان!. الزعيم طوال هذه الفترة لا يرى إلا رأسًا يتكلم!. الزعيم أزاح الكرافان ليرى بعينيه ما سمع عنه!. رأى شاشاً أبيض على أقل من نصف جسد!. الزعيم صمت لحظات قطعها بكلمات قاطعة وجهها للفريق محمد فوزى.. قال: يا فوزى ده بيموت وعايز يحارب تانى!. يا فوزى مادام الرجالة دى موجودة.. سننتصر بإذن الله!.

يا فوزى.. ده الشهيد الحى. الزعيم قام بتقبيل رأسه وغادر!.

البطل غادر المستشفى بعد 7 شهور!. من المستشفى عاد إلى ك23 صاعقة مرة أخرى فى القنطرة وظل فى الخدمة من 1971 وحتى سنة 1975.

الشهيد الحى هو مقاتل الصاعقة البطل عبدالجواد محمد سعد دسوقى. حكايته معجزة ترقى بحق لأن تكون أسطورة.. يقول هو عنها:

«
لست أنا البطل.. إنما الأبطال هم النقيب سمير يوسف والملازم أول عيد زكى إبراهيم وكلاهما وصل رتبة اللواء. الأبطال زملائى الثلاثة الذين حملونى على النقالة مسافة 25 كيلو.. عبدالفتاح عمران ابن الإسكندرية وصابر عوض ابن المحلة وأحمد يس ابن رأس غارب. مازلنا نتزاور وكلما تقابلنا أقوم بتقبيل إيديهم!».

الحكاية المستحيلة أضافت للشهيد الحى عبدالجواد كل إيجابيات الدنيا وكل التفاؤل الموجود فى الدنيا.. بعد الحياة العسكرية جاءت الحياة المدنية وفيها انتظره النجاح والتوفيق فى عمله وفى حياته!. تزوج وأنجب أربعة أولاد وأربع بنات ولديه 16 حفيدًا!.

القصة التى أراها إعجازًا.. أرادها الله باقية فأبقى على بطلها حيًا وهى معجزة من الله!. أبقى بطلها ورفاقه الأبطال رمزا لمليون شىء إيجابى!.

يا صناع الفن فى مصر.. تلك هى الأعمال التى ترقى للإعجاز وتستحق اسم الأسطورة!.

تحية إلى جيش مصر فى الأمس واليوم والغد وكل غد.

المصدر

http://www.ahram.org.eg/NewsQ/540143.aspx#.V59DdetrECc.facebook

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech