Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
مؤسسة مورخين مصر للثقافه ( المجموعة 73 مؤرخين ) المشهره برقم 10257 لسنه 2016 **** تم فتح باب العضوية للمجموعة - في يناير 2017 **** 13.5 مليون زيارة منذ 2013 - 25 مليون زيارة منذ 2009 **** نرحب بكم في مقر المجموعه بميدان حدائق القبه ***** **** ننتظر تعليقاتكم علي الموضوعات ولا تنس عمل لايك وشير لما يعجبكم علي تويتر وفيس بوك **** **** ****

حرامية في حب الوطن

حرامية في حب الوطن

كتب احمد زايد – مؤسس المجموعة 73 مؤرخين .

مقدمه .

علي مدار سنوات ثماني قضيناها في لقاء ابطال حرب أكتوبر من قاده وضباط وصف وجنود ، كان القاسم المشترك بينهم في حوارتهم مع المجموعه 73 مؤرخين ، التأكيد علي قوه وتلاحم الشعب معهم اثناء قتالهم العدو،  والقصص لا تنتهي من مواقف شخصيه الي مواقف جماعيه من الشعب المدني تجاه رجال القوات المسلحه خلال الحرب ، لكنها تعكس مدي اهتمام الجندي والضابط برد فعل الشعب علي قتاله وانتصاره وانكساره ،

والحمد لله كثيرا علي أنه خلال حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر لم يكن هناك وسائل تواصل اجتماعي – فيس بوك – تويتر كما يحدث الان ............ والا تحطمت معنويات الرجال علي الجبهه من تعليقات وسخريه الجاهلون وتشكيك المشككون ، وتحليلات خبراء القهاوي (جنرالات الكافيهات ) ونقدهم اللاذع ، وهجوم كارهي مصر من لجان الكترونيه عميله تختفي تحت غطاء حريه الرأي والتعبير وتبث سمها في اوصال شعبنا .

فكم كان الشعب قاسيا في معاملته لرجال الجيش بعد هزيمه يونيو 67 وكم كان عطفوا مع رجاله بعد بدء انتصارات حرب الاستنزاف ، وكم كان كريما ورائعا مع نصر أكتوبر .............. فالشعب مدرك تماما ان جيشه منه وله ، من الشعب ولخدمه الشعب ، وهي المعادله التي طالما حيرت العالم حتي يومنا هذا في 2016 ...............

ومن فئات الشعب المختلفه ، طائفه الحراميه – النشالين – وهي طائفه في اي دوله ، تقتات علي السرقه والنشل والنهب ، وعاده يكون مصيرهم السجن ، لكننا في هذا الموضوع البسيط نتحدث عن بعض ذكريات رجال القوات المسلحه مع الحرامية لكي نتعرف علي جانب اخر من وطنية هؤلاء الحراميه وقت الحرب .

وفي الامثله التاليه التي جمعناها من واقع لقاءتنا مع الابطال نسرد لكم مثالين من تلك الامثله ، مثال من 67 ومثال من 73

اللواء طيار فاروق عليش قائد لواء السوخوي في حرب أكتوبر

الحراميه من الشرفاء في حرب أكتوبر .

في حوار المجموعه 73 مؤرخين مع اللواء طيار فاروق عليش قائد لواء السوخوي ( قائد ل 3 اسراب سوخوي 7  وسرب هوكر هنتر عراقي ) ذكر لنا انه عندما عرف خلال الحرب ان معدل الجريمه والسرقات في مصر وصل الي صفر خلال الحرب شعر بالفخر بتلك الفئه الخاطئه في المجتمع المصري فئه النشالين والحرامية وانه نشر هذا الخبر علي طيارية ، وعندما سألناه عن السبب في فخره بهم كان رده علينا مقنعا لابعد حد .

(( الحرامي لا دخل له الا السرقه ، اهله وابناءه يأكلون من المال الذي يسرقه ، علاج اولاده وامه وزوجته معتمد علي دخله من السرقه ، وعندما يتفق كل حراميه البلد في وقت واحد وبدون اتفاق علي وقف مصدر دخلهم طواعيه وبدون ضغط وبدون أي مصدر أخر للدخل لاحساسهم بالوطنية وحب الوطن ، وانهم ليسوا اقل وطنية من الجنود التي تقاتل علي الجبهه فهذا أمر يجب أن يحترمه الجميع وكان ذلك دافع قوي لنا خلال القتال ان خلفنا شعب متوحد وصف واحد خلفنا لكي ننتصر ، ماذا تتوقعوا منا بعد ان نعرف ان شعبنا خلفنا ؟ قاتلنا بكل قوه وتضحيه ولم يبخل منا بدمائه وروحه فداء هذا الوطن ))

جدير بالذكر ان اللواء فاروق عليش هو أكبر طيار في القوات الجوية يشارك في الضربه الجوية وأكبر رتبه تقوم باكبر عدد من الطلعات الجوية رغم أن رتبته تحتم عليه البقاء في مراكز القياده لكنه كان دائما في المقدمه يقود طياريه في عمليات القصف – متعه الله بالصحه ويجازيه خيرا عما قدمه لمصر ولنا .

وفي مثال أخر للحراميه ، لكنه مثال من عام 67 ، يرويه العقيد اسامه الصادق في روايته الرائعه – الناس والحرب المنشوره في موقعنا منذ سنوات علي حلقات ، في الحلقه الثالثه يروي لنا عندما عاد للقاهره بعد ان سار عبر سيناء لمده 28 يوم وفقد الكثير من الرجال وعندما وصل الي القناه ومنها الي بورسعيد للعلاج ومنها للقاهره ، يصف لنا في اسلوب بليغ كيف تعاملت معه فئات الشعب المختلفه طبقا لما رأه

 

رابط الفصل الاول من القصه لمتابعتها

 

يقول العقيد أسامه وكان وقتها ملازم حديث التخرج يبلغ من العمر عشرون عاما .

 

      ابتعدت قليلا افكر. كيف سأصل الى ميدان العباسية. انا لا املك نقودا. ولا مليم كما كنا نقول فى ذلك الزمان الذى كانت العملة تبدأ بالمليم ولا نعرف اى شىء من العملات الكبيرة الآن وكانت اكبر عملة هى الورقة ذات العشرة جنيهات.

اما اكبر من هذا فلم تكن العملات قد استوت ونضجت لتصل الى فئة العشرين والخمسون والمائة جنيه .. عبرت الطريق الى الجهة الأخرى الى شارع الفجالة حيث يسير به الترام متجها الى العباسية وانا أقدح ذهني ولم اعثر بعد على حل يعفينى من الخمسة مليمات ثمن نصف تذكرة من رمسيس الى العباسية.

ركبت الترام وبعد قليل جاء الكمسارى ووقف امامى قائلاً: تذكرة يا دفعة .."لم أتعرض سابقا لمثل هذا الموقف فى حياتى".. بصوت خفيض ومبحوح مقتربا منه. مش معايا فلوس .. لم يمهلنى الرجل حيث صرخ فى وجهى .. الله يخرب بيوتكم جبتولنا النكسة وكمان جبتولنا الفقر!!!

    انتبه البعض من الجالسين وقد شاهدوا جنديا ضعيف البنية وكل وجهه كدمات وجروح وقد تضايق احدهم قائلاً: "إيه يا ريس بتزعق له كده ليه؟ ده غلبان مش شايف حالته؟ متزعلشى يا ابنى. تذكرته عندى" أراد ان يقدم الرجل ثمن التذكرة وشعرت لحظتها بسعادة كبيرة باننى تخلصت من هذا العبىء ومن حديث الكمسارى السىء ولكن الكمسارى شكره قائلاً "خلاص ولا يهمك يا دفعه خليك راكب ومتزعلشى منى اصل إحنا اتكوينا باللى حصل. صحيح أنت ذنبك إيه؟  لا حول الله على رأى المثل حالى يغنى عن سؤالى".

        جلست أرضا لعدم مقدرتى على الوقوف ولكن البعض أفسح لى مكانا لأجلس فيه وتأثروا لما انا عليه من عدم مقدرتى على السير وهم ينظرون الى واحدهم يسألنى. ده من الحرب؟ ده من اليهود المجرمين أولاد الكلب؟ اللعنة عليهم واخرج احدهم حبة جوافة من كيس من الورق الأصفر من أكياس الاسمنت والتى كانت تعبأ بها الفواكه والخضروات لتعطى للناس صلابة الاسمنت قائلاً لى: خد يا ابنى .. بل ريقك .. سعدت بها وكأنها عزومة عامرة قد هبطت على وشكرته وقضمت الحبة فى قضمتين وأراد الرجل ان يكررها بواحدة اخرى ولكننى شكرته وقال احدهم الدفعة جعان يا ولداه. ثم أعقبها بكلمة "ربنا معاكم يعملها الكبار ويقع فيها الصغار بتوع أول امبارح السلام عليكم" ، غادر الترام وهو يرثى لحالى وبعد قليل ُفرغ الترام من راكبيه ووصل الى محطته النهائية وجاء الكمسارى ليخبرنى بأننا آخر الخط مقدما اعتذاره لى مرة أخرى وممسكا بيدى لمساعدتى على النزول من الترام الى الأرض.

      الحمد لله .. قلتها وانا سعيد فها انا قد عبرت محنة ركوب الترام بقليل من الألم النفسى ولقد تعودت على الاهانات ونحن فى سيناء. سرت متجها الى باب تلاته والذي يبعد حوالى خمسمائة متر عن ميدان العباسية وانا امنى نفسى بلقاء ممتع ونومه هانئة تسبقها وجبة دسمة تعيد الى جزءًا من قوتى وعافيتى التى تهاوت خلال تلك الرحلة التى اقتضت شهرا أليما.

اننى ذاهب لبيتى الكبير .. إدارة سلاح المشاة .. بعد مجهود ُمضنى بالسير بعض الوقت والجلوس على الرصيف بعض الوقت للحصول على راحة من آلام قدمى التى مازالت تخرج منها بعض المياه منذ الأمس وكأن جرحا غائرا أسير عليه حتي وصلت الى باب تلاته والذى يغلفه الصمت والظلام. تحيرت وانا اقف أمام الإدارة وكيف ادخل الى هذا المبنى الضخم العتيق وإذا بأحد جنود الحراسة يحضر قائلاً: ايوه يا دفعه .. مالك .. عايز إيه دلوقتى؟ جلست أرضا أستريح لأحصل علي بعض الراحة وأخبرته برتبتى وهنا احترمنى الجندى قليلا مما ادخل البهجة الى قلبى وقلت فى نفسى اخيراً ستحترم "يا أسامة".

       أخبرت الجندى بالغرض الذى حضرت من اجله فافادنى بان أعود فى الصباح لأن جميع الضباط غير متواجدين ، تهاوت كل قلاع الأمن والسعادة .. الى أين اتجه الآن؟ .. لقد قابلت ما قابلت من اجل ان احضر الى هذا المكان وأخيرا لا أجد أحدا هنا .. سألته بصوت هامس مافيش مكان أبيت فيه للصبح؟ هز الجندى رأسه بأنه لا توجد أماكن هنا. سألته وميس المشاة والذى اسمع انه فندقا "فقيرا" مخصص للضباط. اخبرني انه حُول لأشياء أخرى تخص الحرب. أسأله: الى أين اتجه الآن وانا من خارج القاهرة وجوعان وليس معى اى مليم. سكت الجندى ثم قال الجوع ممكن أديلك تعيينى لكن غير كده ما اقدرشى. شكرته عائداً الى ميدان العباسية لعل الله يرزقنى من عنده.

     حادثت نفسى التى هى طوعى وتسمعنى وتريحنى وتطيب خاطرى ، الحمد لله ان فيه هوا وميه .. وصلت بعد جهد الى ميدان العباسية والذى كان شبه فارغ إلا من سيارة تسير كل عدة دقائق فقد اختفى البشر رغم ليالى الصيف بالقاهرة .. الى أين اتجه؟ .. سألت احد المارة عن الساعة فاخبرني بأنها قاربت علي الحادية عشر مساءا ثم أشار الى قائلاً: استخبى عساكر البوليس الحربى بيمسكوا كل العساكر اللى زيك. سعدت بهذا الخبر فسوف أجد طعاما ومأوى لى حتى الصباح ولكن جنود الشرطة العسكرية أبوا ان يلقوا القبض علىّ وخاصة أنهم يسيرون بجوارى وأتعمد ان الفت نظرهم دون جدوى وقد قررت ان أهاجمهم. اثنان يمران امامى مباشرة. اتجه إليهما. مساء الخير: احدهم يجيب مساء الخير يا دفعه. أحدثهم قائلا: والله انا متأخر عن وحدتى وعايز منكم تقبضوا على لحد ما تسلمونى. نظر إليّ أحدهم قائلاً : أنت عسكرى فى الجيش؟ أجبته ايوه امال. اجاب الاخر اركن هنا لحد الصبح لأن كل الأماكن مليانه عساكر ومافيش أماكن تانية. زميله ضاحكا خليك "كنجى" ومعناها فى الخدمة العسكرية الدور الثانى.

       كنت شاعراً بالخوف والرهبة من الناس فما حدث لى بالأمس في منطقة الكاب والإعتداء علينا واليوم من حديث كمساري الترام دفع بى الى الابتعاد عنهم لشعورى بأنى مطارد ومكروه من الجميع وإذا احتجت الى شرب المياه لا اتجه الى المحلات التجارية او القهاوى لهذا الغرض بل كان امامى موقف أتوبيسات هيئة النقل العام فشاهدت برميل صاج يملأ بالماء لتزود به الأتوبيسات لملىء اوعية التبريد فكنت اتجه لهذا البرميل لأشرب منه واضعاً كف يدى اليسرى والعق الماء رغم قذارتها ورائحة الجاز وزيوت الأتوبيسات عالقة بها.

     تركتهم حزينا ، حتى الشرطة العسكرية رافضة إلقاء القبض على. توجهت الى مبنى المؤسسة الاقتصادية للقوات المسلحة وكان وقتها مبنى قديم متهالك وجلست على سلمه ليلا فى الظلام لأغفو حتى يحين الصباح وأنسى الجوع  ثم اذهب الى إدارة المشاة. ركنت رأسي على الحائط ورحت فى نوم عميق رغم شعورى الشديد بالجوع.

استيقظت على صوت غليظ وشىء ما يدفعنى فى كتفى. فتحت عينى فشاهدت شابا ممسكا بمطواة" قرن غزال" ويصرخ فى وجهى قائلاً: طلع ياد يابن الكلب اللى معاك لادبحك. كنت اعتقد أنهم جنود اسرائيليون وهجموا علينا بين النخيل فرفعت يدى صامتا(علامة الاستسلام) .. صرخ ثانية .. إيه ياله الملعوب اللى بتعمله معايا. أنت فاكرنى من بتوع السيما. لم يمهلنى حيث فتش كل جيوبى وقال يخرب بيت اهلك. دا أنت عسكرى "مقشفر" ولكننى أقسمت له بالله اننى نظيف ولست "مقشف" ضحك منى وقال طيب اقعد. بتعمل ايه هنا ياله؟  أخبرته باننى ذهبت الى وحدتى وعلمت أنهم سافروا وقال لى الضابط تعالى الصبح وانا غريب. يجيبنى وأنت غريب كمان؟  أجبته اى والله غريب ومن الساعة واحده مكلتش حاجه وجعان. يحدثنى بصوته الخشن: وله"ولد".. هو انا خلفتك ونسيتك ومالك وشك متشلفط كده ليه ومنظرك يخوف؟ تركنى سائرا وفوجىء بشاب أنيق يغادر سيارته فاخرج المطواة وطلب منه جنيه وانا سعيد بأنه ابتعد عنى وعثر علي فريسة أخرى. اخذ الجنيه من الشاب ونظر إلىّ قائلا جبنه لحلوح بحاله .. يخرب بيت فقرك.

     سار وابتعد عن ناظرى وبعد قليل شاهدته قادما فى اتجاهى مرة ثانية فأردت ان اترك المكان واهرب وأختبيء خلف صناديق القمامة المجاورة خوفا منه فقال: خليك فى مكانك .. مش بأقولك وش فقر .. توقفت وشعرت لحظتها ان مصر وسيناء كلها كارهة لى وتطاردنى وغلبنى اليأس ووقفت انتظر قدومه وانا لا اعلم كيف أتصرف فكل شىء ضدى حتى بوضعى هذا وانا اقرب الى القطط الهائمة بجوار أكوام القمامة لا أجد قلبا رحيما يأخذ بيدى. جلست ثانية لأنتظر ما يخبئه لى القدر.

    وضع لفافة امامى قائلاً: "كل" سألته ماهذا ؟اجابنى مش بتقول جعان ولضيان .. اتصرفت وخدت من الواد الخنفس جنيه ورحت جيبتلك سندوتشين كفته بـ تمانين قرش وباقى عشرين قرش .. كل .. كل .. (يهزنى فى كتفى صائحا) كل ياد مالك خايف كده ليه .. خليك سجيع!!! ثم قال : خمسه وارجع بكوبيتن شاى توزن دماغك .. غادرنى وانا متخوف .. هل آكل ما احضره من مال حرام ام انتظر لباكر؟ لم استطع الصمود أمام رائحة الكفته وحالة الجوع التي أنا عليها ، كنت التهم السندوتشات مثل القطط الجائعة التى تحاول التهام اكبر كمية من الطعام وتزوم لتخيف الآخرين .. انا الاخر .. كنت الهث وانا أتناول تلك السندوتشات ، عاد صديقى اللص حاملا كوباين من الشاى ونظر الى قائلا:ً يخرب عقلك لحقت تاكل السندوتشات ثم صرخ : إيه ياد أكلت حته من الورقة الملفوف بيها السندوتش .. ياه دا أنت باين عليك الغلب .. دا انا الى ببيت فى الشارع أحسن منك على كده .. أجبته فعلا أنت أحسن منى .. تناولنا الشاى واخرج علبة سجائر كليوباترا من الحجم الصغير ومطبقة وحالتها رثه .. فسألته : ليه أنت مبهدل العلبة كده ومخبيها فى شرابك؟ فاخبرنى بانه لم يفعل  هذا ولكن الزبون اللى لطشها منه كانت مدفوسه فى هدومه ومطبقها "واصله لمؤاخذه كان نتن ومعفن والميه مخاصمه جتته" وأعقبها بضحكه عنترية .. إذن السجائر انضمت الى السندوتشات والشاى وكله فلوس حرام .. احدث نفسى أخيرا يا أسامه بعد ما ربنا أنقذك أكلت حرام .. ثم عدت الى رشدى حرام وإلا حلال يعنى أسوأ من حالتى اللى انا فيها الآن .. ياه على الظلم والألم اللى الواحد بيقابله حتى فى بلده .. ليه كله صعب فى صعب.

       فجأة توقفت أمامنا سيارة شرطة "بوكس" ونزل منها شاويش ومعه جنديان والشاب الذى سطى عليه صديقى اللص وأشار قائلا: هما دول الحراميه يا حضرة الصول .. امسك بنا الجنديان ولا اعرف كيف وجدت نفسي لاصقا فى ظهر كابينة البوكس بعد ان طرت فى الهواء من دفعة احدهم لى والدماء تندفع من فمى وانفي حيث من شدة دفعة المخبر لى ارتطم وجهى بكابينة السيارة .. عادت بنا السيارة الى القسم "قسم الوايلي" .. غادرنا البوكس الى مكتب الضابط النوبتجى والمخبر ممسك بياقة الافرول لا اعرف كيف عصرها فى يده حتى شعرت بالاختناق رغم انه افرول فضفاض وكنت أشمر البنطلون والأكمام حتى استطيع السير .. استقبلنا المساعد(الصول) كبير الحجم غليظ القول والذى اخرج كل قواميس رجال الشرطة من البذاءات على صديقى اللص .. ثم اتجه الى قائلاً: ما أنت يا ابن الرفضى" وقد اضحكنى هذا التعبير رغم ما انا فيه من حالتى حيث تذكرت الشاويش عطية فى فيلم ابن حميدو مع إسماعيل يس واحمد رمزى" فتضايق قائلاً: بتضحك .. لك نفس تضحك .. أبشرك ان بكره حتيجى الشرطة العسكرية تستلمك .. ثم تحولك الى النيابة العسكرية .. سكت فتذكرت نفس الفيلم .. فقلت ثم .. اجاب ثم المحكمة العسكرية .. ثم الإعدام رميا بالرصاص .. إحنا فى حرب وأنت عسكرى فى الجيش عامل تشكيل عصابى وبتسرق الناس بالإكراه مستخدما السلاح الأبيض ياجزمة يا ابن الجزمة .. نهار أبوك اسود ومطين على ليلتكم يا أولاد الابالسه بقالنا أسبوعين ما فيش مشاكل ومستريحين .. الشياطين اتخمدت.

    جاء جندى يطلب من حضرة الضابط النوباتجى إرسال المتهمين لرئيس المباحث .. انفرجت أسارير الشاويش عطية"جمعه القناوى" وهذا اسمه ومشهور بعم جناوى .. يالله ياولاد الابالسه البيه رئيس المباحث سهرتكم معاه الليله حنسمع التسقيف اللى على القفا للصبح .. دفعنا الجندى من رقابنا الى مكتب ريئس المباحث ووقفنا أمام شاب فى الثلاثين او يزيد يرتدى الملابس المدنية وتذكرت حادث الكاب واستقبال المخابرات لنا فأيقنت إنني هالك ولا بد من ان أفصح عن شخصيتى.. أشار الضابط الى الجندى مستفسراً منه عن حالتى والدماء التى تملاء وجهى وفمى ثم طلب منه اصطحابى لكى اغسل وجهى من اثار الدماء.

عاد بى الجندى الى رئيس المباحث فمهد الرجل لحديثه قائلا: عسكرى فى الجيش وبيسرق وأيام الحرب شفتم المصيبة قاطعته .. لو سمحت .. وأخرجت رتبتى العسكرية القماش من جيبى .. فنظر إليها قائلا ً.. قتلت ضابط جيش واخدت رتبه .. اجبته انا الملازم أسامه الصادق وجئت اليوم من بورسعيد .."وقصصت رواياتى أمامه" ثم قال (وهو يشير الى صديقى اللص) وأنت اسمك إيه .. فاجابه .. فوزى خضر.. سأله عن اسم الشهره .. أجابه دبوس .. ضحك الرجل وقال يعنى عايز تعرفنى انك سرقت علشان الضابط ده جعان .. كويس كده.

ينادى :عسكرى .. جاء الجندى فأمره بان يأخذ دبوس"مشيرا إليه" خده لحجرة الضابط  النوبتجى ومحدش يقرب له فاهم ، أشار الى بالجلوس .. ثم قال .. حمد لله بالسلامة .. انا غير بعض ضباط الشرطة اللى واخدين موقف من الجيش لان فكرى كبير وليس هناك تعارض بينا ولا منافسه ومش معقول النملة حتنافس الفيل الجيش حاجه كبيره وإحنا هيئة شرطة وشغلنا فى داخل الجمهورية لكن شغلكم على الحدود ومع الدول ، على فكرة انا ليا أخ زميلكم بس هو كبير عنك وعنى .. اخويا الكبير فى سلاح المدرعات .. نظر الى مكتبه ساهما قائلا: ربنا يرجعك بالسلامة يا وليم يا خويا.. سألته مندفعا .. قصدك وليم شفيق؟ .. انتبه الرجل الى سؤالى قائلا ايوه .. أنت تعرفه؟ .. ماهو انا عاطف شفيق .. شايف اسمي على المكتب .. لم اجبه ولكننى قلت له اقراله الفاتحة .. نظر الى بضيق وذهول .. يعنى إيه؟ .. تقصد إيه؟ .. انه مات .. أجبته .. مش باقصد .. هو مات فعلا بس قبل ما تنفعل حزنا وألما اسمع منى قصة استشهاده.

       ياه .. قالها وهو يضرب يده على مكتبه قائلاً: تصور أول واحد مسلم اسمعه يقول على واحد مسيحى مات فى الحرب انه استشهد .. طيب كمل وانا أسمعك .. قصصت عليه ما حدث يوم أنقذنا أربعة من سلاح المدرعات كاد ان يقتلهم اليهود بدهسهم أحياء تحت جنازير دباباتهم كما حدث مع من قابلناهم قبل ذلك وبعد ان فككنا أسرهم عرفنا بنفسه وبزملائه .. رائد وليم شفيق قائد ك(....) دبابات وملازم أول مصطفى خيرى قائد ثان سرية دبابات .. رقيب ابراهيم فتحى حكمدار دبابة ورقيب أول سعيد لطفى رقيب أول سرية دبابات .. ثم أكملت حديثى معه باننى لاحظت انه "دق وشم" على يده برمز الصليب وقد أيدنى شقيقه كما أخبرته بمواصفاته مذكراً إياه بان لون الشعر والعيون العسلى يجمعهما .. عاد الرجل بكرسيه الى الخلف دامع العين مردداً .. ياه يا وليم عملت كده؟ .. دمرت تلات دبابات وأسقطت طياره هليكوبتر ومات فى دول اربعتاشر واحد من أولاد الملاعين .. انا فخور بيك .. أيدته فى هذا قائلا فى تلك الظروف يقام احتفال ولا يقام تأبين .. اجابنى .. كلامك مظبوط .. لو الوقت مش متأخر كنت كلمت "ماما " وبلغتها الخبر السعيد كمان كلمت "روز" مراته وعرفتها .. انا مبسوط .. انا سعيد وقام من مكتبه يقبلنى ويحتضننى بكل سعادة قائلاً: أنت النهاردة ضيفى .. صحيح الفقد مؤلم ولكن كل الناس حتموت .. لكن بصحيح أنت قلت ليا اقرأ الفاتحة .. ممكن تقولها لأني طبعا مش حافضها .. اعتذرت له بأننا كمسلمين نقول هذا القول فى مثل تلك الظروف .. نفى ان يكون متضايق او حزينا ويعيد رغبته طالبا منى قراءة الفاتحة أمامه .. فعلت وكان يقرأ كل أية خلفي وبعد ان انتهى .. قال انا مش شايف انها فيها حاجه تخوف ان اى واحد مسيحى يقولها تحوله لكافر وكمان كلها بتتكلم عن ربنا او ما نسميه بالرب.

     طلب الجندى الموجود على باب مكتبه ان يحضر له صاحب الشكوى .. حضر الشاب واخبره الضابط برغبته لو وافق ان يعطيه الجنيه الذى سُرق منه فى مقابل ان يتنازل عن شكواه ولكن الشاب اخبره بأنه يريد معاقبة المجرمين وأيده الضابط مضيفاً بأن ما قام به المتهم من اجل السرقة كان لهذا الضابط الصغير العائد حاليا من جبهة القتال(يشير الى) وهو جوعان فدفع بهذا اللص لأن يكون إنسانا ورحيما به وسرقك واحضر له طعاما. تأثر الشاب قائلاً تنازلت عن المحضر وسوف اذهب الى والدتى واطلب منها إعداد طعام لأقدمه لهذا الجندى الجوعان والذى دفع بالخارج على القانون الى ان يقف معه ويسانده. شكره الضابط على شعوره النبيل قائلا سأقوم انا عنك بهذا العمل ويكفيك انك تتنازل عن حقك. هنا حضر الى الشاب مصافحاً معتذرا بأنه اخطأ الظن بى وبمن ساعدنى وترك القسم بعد ان تنازل عن المحضر وخرج "دبوس" من تلك المشكلة ووقف أمام  الضابط وتعهد بأنه سيسلك طريقا شريفا ولن يضع نفسه مرة أخرى فى مثل تلك المواقف شارحا بان ما تم الليلة هو درس له وقد وعاه وفهمه وان هناك ألافا ًمن الشباب المصرى يموتون من اجلنا ونحن هنا نسرقهم ونهددهم .. ودعنى دبوس مصافحا ثم فوجئت به يقبلني  ويحتضننى وفعلت مثلما فعل بل كنت أكثر سعادة منه.

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech