Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
مؤسسة مورخين مصر للثقافه ( المجموعة 73 مؤرخين ) المشهره برقم 10257 لسنه 2016 * **** رحلة لمصنع الطائرات 18 مارس **** تم فتح باب العضوية للمجموعة - يناير 2017 **** 12.5 مليون زيارة منذ 2013 - 23 مليون زيارة منذ 2009 **** نرحب بكم في مقر المجموعه بميدان حدائق القبه ***** **** ننتظر تعليقاتكم علي الموضوعات ولا تنس عمل لايك وشير لما يعجبكم علي تويتر وفيس بوك **** **** ****

نضال المرأة المصرية (3 ) - الأم

موضوع من اعداد - أسماء محمود 

الأم  : إحدى روائع المجموعة القصصية إنها  الحرب

من قصة الأم

فى مستشفى السويس  الموقف كان مؤلماً  بل شديد القسوة  فقد امتلأت  الممرات ومداخل الحجرات وكل شبر  فى المستشفى حتى السطح بالجرحى  ، كانت كل الغرف ليس بهاموضع لقدم  وافترش الجرحى الأرض فى كل مكان ومع تزايد فترة الحصار  والقتال كان الجرحى  يزدادون عدداً  والموقف  يزداد خطورة وكانت الممرضات والأطباء  يحاولون  بكل قدراتهم  وإمكانياتهم  انقاذ الجرحى  وتقديم العون لكل جريح رغم ضعف الإمكانيات وتناقصها  .

وكانت هى ممرضة كبيرة  السن من اهالى مدينة السويس  . استقبلت كل الأطباء والممرضات  بالمستشفى  وتوالت عليهم أعداد كبيرة منهم للخدمة  بالسويس ويعودوا لبلادهم وهى باقية  . باقية بقاء المبنى  وكانت تعرفه رملة رملة  وطوبة طوبة  ..  يعتبرها الجميع الأم الحقيقية  لكل من بالمستشفى  .

وبعد اندلاع الحرب  كانت  أكثرهم حركة وحيوية وأكثرهم أندفاعاً  فى علاج وحمل  الجرحى من العمليات ومع استمرار القتال بدأت تتحمل  وحدها مسئولية  القيام بالأعمال الشاقة  التى لم تتعودها الممرضات صغيرات السن  واندلعت الحرب بكل قسوته ودمارها  ، وعدد الجرحى شديدى الإصابة يتزايد  ،وبدأت الصورة بالمستشفى تتضح معالمها  طبقاً لشدة وقسوة الحرب  . وهى فى مهمتها الصعبة بجانب الأطباء  ، تجمع الأشلاء بعد كل عملية بتر   وبعدها تقوم بغسل الأعضاء والعناية بنظافتها  كما لو كانت  حية أو قطعة منها  ثم تقوم بدفنها فى المساء مع زميل  فى مدافن الشهداء وسط السويس  ..

كانت تحاول بكل طاقاته وأعصابها أن تبعد تلك المناظر القاسية عمن حولها من أطباء وممرضات  .. حتى كان يوماً  عندما وضعت يدها  لتفتح باب حجرة العمليات  ووجدت من يقف فى طريقها  ، مؤكد هناك  خطأ ما  ، أنها حجرتها  ورغم  المحاولات العديدة لمنعها من الدخول إلا أنها أصرت  ودخلت وكان لابد من معرفة السبب وتوجهت نحو الأطباء فوجدتهم  ... كل أطباء المستشفى  ومعهم مدير المستشفى نفسه حول مصاب واحد ، بالطبع  نظرت إليهم  وأعتقدت أنه رتبة كبيرة  وهذا طبيعى جداً  ..  وربما حاولت تفسير منعها من الدخول فعندما تصاب رتبة كبيرة تكون غرفة العمليات فى أقصى حالات التوتر والقلق .  وأحست بالقلق داخل كل العيون  ونظر كبير الأطباء  وأشار لها بالانصراف  ولكنها انزوت بعيداً فى الغرفة .

ونظراً للنزيف المستمر والحالة التى بين أيديهم تناسوها وبدأت تنظر إليهم فى استغراقهم فى العمل لقد تعودت منهم الاهتمام بكل مصاب لكن هذا الاهتمام المتوتر القلق أصابها بالدهشة فعلاً .

ومرت الدقائق سخيفة مملة حتى كانت لحظة تعودتها عندما يمسك الدكتور بأدوات طبية معينة ويبدأ فى بتر جزء ما وكان ذراعاً . وأخذته ممرضة تعرفها جيداً . إنها صغيرة حالمة كانت تهتز يدها عندما تلامس إصابة دامية ويشتد حزنها مع بتر ذراع أو ساق أو النظر لشهيد ، لكنها هذه المرة أمسكت الذراع وتحاول أن تخرج به .

غير معقول إنها مهمتها هى وحدهاو بسرعة وخفة أبعدتها ، أخذت منها الذراع تمهيداً لدفنه ولم تلاحظ نظرة التوسل والقلق البادية فى عينا الممرضة… ومع حركة يدها بدأت تتحسس الذراع في يدها وبدأت تحدق أكثر وأكثر أن تلك اليد … تلك الذراع ، اللون … الشعيرات التى تتخلل الأصابع ونظرت بذهول للممرضة التى كانت قد وصلت إلى حد البكاء وتركت المكان بسرعة .

ونظرت بذهول ناحية المصاب حاولت أن تستوضح معالمه ترى الوجه الكل كان حوله والكل يحاول ويمد يده وعقله وكل احساسه وأصابعه فى محاولة مستميتة لانقاذه . وشاهدت حذاء المصاب على الأرض عرفته ووضعت الذراع المبتور على صدره. وقامت وابتعدت هناك فى أقصى مكان بالغرفة .. وأمسكت قطعة قطن كبيرة تمسح الدم العالق بالذراع … وبدأت تنظفها كما لو كانت حية ربما تذكرت أيام أن كانت تنظفها له. عندما كان صغيراً

ربما تذكرت شقاوته ومداعبته لها بتلك الذراع وقربتها من. عيناها ثم وضعتها تحت خدها وانحبست الدموع ويدها متصلبة على قطعة القطن ونظرت هناك حيث كل الأطباء تحاول انقاذ ابنها ،لقد ساعدت فى انقاذ الكثيرين ووقفت معهم تساعدهم بكل حنانها وخدماتها ليستمر العمل ليلاً ونهاراً ، لقد كانت تعطيهم كوب الشاى تحت الشفاه وأحياناً تضع الطعام داخل الأفواه وهى تجفف العرق من الجباه ، كانت بين أيديهم دائماً ، دائماً وكانوا يخجلون منها أحيانا ولكنها كانت تربت على أكتافهم حانية ، لقدكان إحساسهم بطاقاتها دائماً يمدهم بطاقات جديدة ودائماً كانوا يستمرون فى العمل فى كل وقت تحت كل الظروف وهى أمامهم بملابسها البيضاء البسيطة وتلك الطرحة التى تلتف حول رأسها وتترك فراغاً لذلك الوجه الهادىء الصبوح رغم أنه فوق الخمسين وكان دافعاً لمزيد من الجهد من أجل الآخرين .

كل من بالمستشفى يشعر براحة شديدة عندما تقوم بتلك المهام الصعبة فى جمع الاشلاء ونظافة غرفة الجراحة الممتلئة بالدم وبقايا الشهداء ، لقد أصيب العديد منهم فى بداية الحرب بالضيق والتوتر وأفلت الزمام من بعض الممرضات إلى حد القىء والبكاء الشديد ، كانت أمهم جميعاً، يشعرون وهى بجانبهم بالأمان والراحة دائماً ودائماً كانت بينهم خاصة فى تلك اللحظات الحرجة ...

كانت أمهم … أمهم بالفعل ، وعندما كانت الاضاءة تنقطع دائماً يجدوا يدها ممدوة بالشمع ولمبات الكيروسين ..

استطاعت أن تسيطر على كل المواقف حتى عندما يفقد الأطباء أعصابهم لقلة السجائر والشاى أحياناً . فى لحظة كان يجد الطبيب سيجارة أو أثنين وكوب شاى ، من أين وكيف لا يهم ، لقد كانت تحتوى الجميع بيدها الحانية ونظراتها العميقة التى تجدد نشاطهم دائماً ..

ولذا كان الجميع حول ابنها يحاولون دفع دمائهم فى شريانه وتنبض قلوبهم لنبضاته . كانوا يعرفونه تماماً ..ابنها الوحيد الذي تعبت سنوات عمرها فى تربيته بعد وفاة والده كان حياتها وعمرها وكل طموحها فى الحياة أدخلته المدارس والجامعة وكان فى طريقه للحصول على شهادة تليق بها وبمجهودها وتضحياتها ..

وفى المعركة حاول وحاول واشترك مع كل القوات الخاصة والشعبية فى كل عملياتها حتى آخر عملية بالقرب من مدخل السويس حيث هاجمت مجموعة فدائية ثلاثة دبابات دمرتها وعند عودتها تعرضت لنيران كثيفة وأصيب. احضروه للمستشفى واحتضر بين أيديهم رغم كل المحاولات وارتفع نشيج إحدى الممرضات وانهارت فى صوت بكاء عالى وانصرفت مسرعة بعيداً ..

وعندما تراخت الأيدي من فوق الجسد الراقد أحست الأم بالنهاية وتلفت الجميع للأم ، كانت قابضة على قطعة القطن المبللة بالماء تمسح ذراع ابنها فى حب وحنان وتتحسس بيدها الأخرى مكان بتر الذراع ،حاولوا أن يخرجوها …أن ينزعوا منها الذراع بكل الطرق ، بكل الأساليب لكن أمام نظراتها فقط … فقط نظراتها لأنه لم يصدر منها صوتاً واحداً ، إشارة واحدة


وهربت كل الممرضات وارتفع نشيج البكاء حاراً فى المستشفى .. وكانت هادئة تماماً ونظرت للجميع فى ود وشكر وأبعدتهم بحنان بالغ وأغلقت الغرفة … ووضعت رأس ابنها على صدرها وبدأت تمسح الدماء على المتجمدة وأحال شعره لكتلة واحدة وبدأت تتحسس أجزاء جسمه .

ودخلت ممرضة ووضعت ملاية بيضاء جديدة كانت تحتفظ بها فى شنطتها لم تستعمل بعد ... وتركت أخرى زجاجة برفان كانت هدية .. هدية لإحساس إنسانى فى يوم ما وعندما أحضر زميلها فى مثل هذه المواقف المياه ربتت على يده وأبعدته فى ود وأغلقت على نفسها الغرفة ..

وأمسكت المياه ووضعت رأسه على صدرها وبدأت عملها فى هدوء وحنان بالغ وبدأت فى تنظيف كل الجروح ،كل فتحة فى الجسم كما كانت تفعل دائماً .. وتناست لحظة أنها جثة وحاولت أن تداعبه وابتسمت ..

 
وبعد دفنه فى مقابر الشهداء وسط طلقات المدفعية العنيفة المتبادلة كان الجميع ينظرون إلى هدوئها فى صمت وقلق وتوتر مدهش ...

وفى الليل … وفى السكون المطبق فى لحظة سكتت فيها كل المواقع القتالية كان نشيج بكائها يرتفع ..

وعندما ارتفعت صلاة الفجر عالية كما تعودت السويس فى تلك الأيام فى أيامها المجيدة شاهدها زميلها تقوم للصلاة … وبعدها حملت جردل الماء وأدوات النظافة ودخلت غرفة العمليات ...

***********************
المصدر  : المجموعة القصصية إنها الحرب ، للبطل عبد الرحمن سعيد محجوب

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech