Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
مؤسسة مورخين مصر للثقافه ( المجموعة 73 مؤرخين ) المشهره برقم 10257 لسنه 2016 **** تم فتح باب العضوية للمجموعة - في يناير 2017 **** 13.5 مليون زيارة منذ 2013 - 25 مليون زيارة منذ 2009 **** نرحب بكم في مقر المجموعه بميدان حدائق القبه ***** **** ننتظر تعليقاتكم علي الموضوعات ولا تنس عمل لايك وشير لما يعجبكم علي تويتر وفيس بوك **** **** ****

سعيد يا شهيد

رواها : لواء / محمد شريف  أحمد عثمان

كتبتها ، أسماء محمود كاشف

 

 

 

 

*************

 

تحركت جموع المصريين  فى أحد شوارع الأسكندرية تشيع جثمان أحد نسورها البواسل و قد اختاره الله شهيداً  فى أواخر عام 1967 . تحرك الجميع لوداع البطل الذى افتدى وزملاؤه مصر فى أقسى الأيام وأمرها   ..

ومن بين الجموع الغفيرة بدا رجل أسمر الوجه ، فى العقد السادس من العمر ، يرافقه ولده طالب كلية الشرطة  ، يفصله عن التخرج عام   .. انطلقا سوياً لوداع البطل ، وفى الوقت ذاته  انطلقت أحزانهم  من مكمنها  كما لو كان يشيعان سعيد ...

لم يكن الرجل سوى الفنان التشكيلى  العالمى النحات أحمد عثمان وابنه الطالب محمد شريف ..

إنها لحظات هى الأكثر  قسوة وإيلام ، لكنها لم يكونا على استعداد للتأخر عن واجب تشييع الشهيد ... ولا سيما أنه شهيد طيار  ، والأكثر  .. إنه دفعة الشهيد سعيد ، الدفعة 17 طيران ، وهو الصديق القريب إلى قلب سعيد .. إنه الشهيد طيار محمد حمدى محارم ...

 

فى 5 يونيو  ... استشهد سعيد ، وفى أواخر العام نفسه استشهد حمدى .. لم يتسنى لهما وللجموع أن تشيع سعيد ، حيث ذابت بطولته وبطولات رفاقه الطيارين فى أوجاع يونيو ..

 

تعلقت نظرات كليهما بالنعش وبدا كل منهما كما لو كان يبعث بنظراته  رسالة  إلى سعيد ..  تحية وسلاماً إليه أبلغه يا حمدى ..  فحتماً ستلتقيان ...

 

حلقت الذكريات حول الأب الفنان أحمد عثمان ، تذكر يوم مولد سعيد فى اليوم الثلاثين من شهر نوفمبر  عام 1945

، يوم أن رزقه الله بالابن الثانى بعد أمير   ، وقرر أن يسميه سعيد ..

 

تذكر  كيف عاش ابنه طفولة هانئة هادئة ، وكيف كانت حياته تتسم بالجدية منذ صغره .. لم يقض أوقات فراغه فى لعب كرة القدم كما كان يفضل الكثير من أقرانه  ، وإنما قضاها  فى القراءة أو الرسم ، كانت رسوماته وتلوينه من الروعة التى يعجز عن وصفها  ،  كما لو كان ورث فن الرسم عن والده الفنان الكبير  ..

 

ارتسمت ابتسامة خفيفة على  وجه الوالد وهو يتذكر كيف كان ابنه سعيد مولعاً بالطيران  ، وكانت كلية الطيران هدفه الأول والأخير  ... حتى أنه لم يقدم أوراقه إلى الحربية مع الطيران كما يفعل كثير من الشباب .. وأصر أن تكون الوجهة إلى الجو .. إلى السماء المحرقة  ..

وفى الدفعة 17 عرف بالجدية ، والطيبة .. لا يتوان عن مساعدة الآخرين ،  لم يكن طموحه التخرج وحسب ، بل  التفوق   ، وعليه فقد نال رتبة شرفية  وهى رقيب أول الفصيلة ... سعيد أحمد عثمان  

 

وفى صيف 1966  توجها سوياً لحضور حفل تخرج نسور الدفعة 17 ، حضرا لتحية النسور الأبطال... وحضرا اليوم معاً كما تلك الجموع  لتحية الشهيد ..

 

كانت نفس الفنان أحمد ملؤها الفخر  بولده الطيار  ، راقب وشريف  نسور الدفعة 17  وهم فى اصطفاف فى طابور العرض ، لحظة تخرجهم ، تشق أصواتهم عنان السماء  وهم يرددون القسم :  (( ومحافظاً على سلاحى ... لا أتركه قط  .. حتى أذوق الموت  ،، والله على ما أقول شهيد . )) .

 

لاح أمام شريف صورة شقيقه سعيد وقت أن توجه لزيارته فى كلية الشرطة  ، شكا لسعيد المعاملة الجافة وقسوة التدريب ، وقد فوجىء بشقيقه يتحدث إليه بكل جدية وحزم مطالباً إياه بتحمل المسئولية  و أن يكون على قدر كبير من الصبر والإصرار  ..

بدا أمامه فى شوارع الأسكندرية ،  بصرت عيناه سعيد  بالقرب منه ، كان شريف ينتظر دوره لدخول السينما ،  لمح شقيقه الأكبر ، نادى عليه وصافحه بحرارة ,, طلب منه أن يدخل معه السينما ،لكن طلبه قوبل بالرفض القاطع ، رجاه أن  يتوجه معه إلى المنزل وللمرة الثانية يرفض سعيد رجاء شقيقه ، مخبراً شريف أنه سيتوجه إلى القاعدة الجوية  ...

شريف : هو فى حرب يا سعيد ؟؟

سعيد : إن شاء الله فى حرب

تصافحا وتعانقا بحرارة  ... ولم يدر بخلد شريف أنها المرة  الأخيرة حيث يلتقى سعيد ويصافحه ...

وفى قاعدة المليز  ، كان العمل  يجرى على قدم وساق  ، الطوارىء أعلنت  فى 14 مايو .. رحى الحرب تدور بسرعة ... بل بأسرع ما يكون ... الرئيس عبد الناصر والمشير عامر  وشمس بدران   يتوجهون إلى قاعدة المليز ,, يجتمعون بالنسور .. للاطمئنان على الجاهزية ورفع الروح المعنوية لدى الطيارين ..

الأبطال  علاء بركات ، الجريدلى ، محمود عبد الدايم وعبد الرحيم صدقى ، وسعيد عثمان  وغيرهم ، جميعهم على أتم  الاستعداد ..

لم تمض أيام حتى جاء الأمر بانتقال بعض الطيارين إلى قواعد  أخرى ... فيما استمر سعيد فى مطار المليز  ..

لم يحمل سعيد فى قلبه أحلاماً تتعلق بشخصه ... فلا حبيبة يفكر بها ..  إلا مصر .. ولا موعد أتفق عليه إلا ملاقاة العدو  والذود عن سمائها  ، إذ أن ذلك أسمى معانى الشرف بالنسبة له ..

دارت رحى المعركة سريعاً ...

وحل يوم الخامس من يونيو .. أقسى الأيام وأطولها على مصر والمصريين ..

خرج سعيد فى تشكيل لحماية المطار  ( مظلة  )  .. وما إن هبط بالطائرة حتى توجه إلى الميس لتناول الإفطار  ...

وفى تلك اللحظات ، بدأ العدو الآثم  يدك قاعدة المليز بطائراته

يسمع سعيد أزيز طائرات العدو .. يركض مسرعاً ليذود عن قاعدته  ...

 طائرات العدو تتغول  وتدمر الممرات  ليصبح  الإقلاع   منها انتحار  بكل  تأكيد ..

أصوات الأنفجارات  تدوى ، والنيران تلتهم الطائرات ..

 و بأعلى صوته يصيح سعيد فى الفنيين قائلاً  : (( دور الطيارة ))  ...

4 طائرات ميج 21 تحاول الإقلاع  للدفاع عن المطار ، يصيب العدو طائرتان منهما قبل الإقلاع ويقفز الطيارين منها ...

 ينجح سعيد وزميله  فى الإقلاع رغم الممرات المدمرة ... لكن سرعان ما أصيبت طائرة زميله وهبط بالمظلة ...

 ويقلع سعيد وحيداً  ليلاقى العدو  ... فى الإقلاع الأخير  ...

12 طائرة معادية ...  وطيار مصرى وطائرته  ...

كان سلاح الطائرات المعادية القنابل والصواريخ ، وكان سلاح الشهيد فى مواجهتهم الحق وعدالة قضيته ...

نجح سعيد فى تفرقتهم مرة واثنان ...

لكن الشهادة كانت قدره المحتوم فى إقلاعه الأخير  ..

استشهدالملازم  سعيد فى المليز  ...

وفى منزل الشهيد ، كانت الأسرة تترقب الأخبار ... وتنتظر  عودة الابن ، لم تكن الهزيمة بالسر الذى تستطيع القاهرة إخفائه ، وما إن علم جموع المصريين بحقيقة الفجيعة ، حتى بدأت  أسرة الفنان أحمد  تتساءل وتستقصى الأخبار عن مصير ابنهم ..

تذكر شريف أن البعض قالوا له أنه هبط فى أنشاص ..  وآخرون قالوا أنهم شاهدوه فى مطار غرب القاهرة .. هذا لا يدرى ... ذاك يقول أنه توجه للجزائر  للعودة بطائرة  ... وآخر يخبرهم أنه توجه إلى السودان  ، وفشلت كل المحاولات للوصول إلى  أصدقائه  من دفعته  ..

حتى  محمد حمدى محارم ... لم يستطيعوا الوصول إليه أو اللقاء به ...  والآن  ،،، ألتقيا به ... فى ساعة الوداع  ..

وكيف لهم أن يعرفوا طريق سعيد وقد كان  كتوم جداً فيما يخص عمله ، لم يصرح لهم ولو مرة واحدة بمكان قاعدته الجوية  ، أو وجهته ..

أخيراً تمكن الوالد من الوصول إلى أحد ضباط المدرعات ، وهو على معرفة بالفريق مدكور أبو العز قائد القوات الجوية .. توجه الوالد إلى منزل الضابط  وبصحبته نفر من أقاربه .. وبعد ترحيب الرجل بهم  وإجراء مكالمته إلى الفريق مدكور  ، جاء الرد إلى الفنان أحمد عثمان كالتالى :

ملازم طيار سعيد عثمان شهيد ...

هب الأب من مكانه واقفاً بشموخ ، رافضاً الافصاح عن حزنه ، قائلاً :  أدى واجبه ... أدى واجبه

 لقد رأى الأب مصر بأجمعها تعانى ، فما كان منه إلا أنه تماسك وأخفى معاناته ..

ومع إدراك أن  سعيد شهيد ، كثيراً ما كانت تلح عليه وعلى أبنائه أمير ، شريف ، نبيل ووالدتهم ... ترى كيف استشهد ؟ وأين ؟

هل سيعرفون ببطولته يوماً ما ؟

كان شعور الأسرة بالألم يزداد يوماً بعد آخر إذ أن سعيد استشهد ،، ومصر أنهزمت فى يونيو ... فجيعتين  كلاهما أمر من الأخرى  ...

لقد مضى يسعد بكونه شهيداً ، وترك لهم حزن الفراق  ، والتفاصيل المجهولة ..

نال اسمه نجمة الشرف العسكرية ، وتوجه شريف إلى المنطقة العسكرية الشمالية لاستلامها ، عاد بها وبالبراءة  ..

نظر إليها يتفحصها بمزيج من القبول والرفض ، السعادة والحزن ، الألم والارتياح ... آه إنها كل ما بقى من سيرة أخيه سعيد ..

انتبها على صوت الشيخ يؤم المصلين لأداء صلاة الجنازة  على الشهيد  طيار حمدى محارم ، وما إن فرغا من الصلاة والتشييع حتى مضيا فى طريقهما ، لمح شريف الدموع تنزح من عينى والده ،  ومحاولاً التماسك  ، نظر إليه نظرة تحمل كل معانى الرفق والحنان ، ربت على كتفه بحنو وهو يقول :

الشهيد سعيد يا والدى

الشهيد سعيد يا والدى

************

تمت بحمد الله  4 يونيو 2017 / 9 رمضان 1438

مصادر  قصة الاستشهاد :

 ذئب فى قرص الشمس،الكاتب الأستاذ محمد عبد المنعم

صراع فى السماء  ، لواء أركان حرب طيار محمد زكى عكاشة

**************

وراء القصة أقاصيص  شكراً لكل من ساعدنا فى ظهور القصة إلى النور  ، لكل مصدر استقينا منه معلومة أو تأكيد أو طرحنا عليه تساؤل ,,

**************

  

   

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech