Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
10 سنوات من العطاء 2008 - 2018 ***** لأن لوطننا تاريخ يستحق ان يروي ***** 10 سنوات من العطاء 2008 - 2018 ***** لأن لوطننا تاريخ يستحق أن يروي *****

بطولة الشهيد الرقيب : محمود السيد البقاش

الله وليّ الصابرين

الشهيد الرقيب : محمود السيد البقاش

 

 

همّ المقدم أحمد مالك بمغادرة منزل الحاج  السيد البقاش ، وقبل أن يغادر وجه تساؤله لصاحب المنزل قائلاً  (( مش عاوز حاجة من محمود ؟؟ )) وما إن طرقت العبارة مسامع الحاج سيد حتى أنسابت دموعه ، لم تثر العبارة أحزانه ، فهى لم تهدأ بعد ، كما أن زيارة المقدم أحمد مالك لهم كفيلة بأن تجعل محمود متواجداً بينهم  ، فهو يرى ملامح  محمود فى وجه قائده ، كما أن الحديث لا ينقطع عنه ، شجاعته ، أدبه الجم ، شهامته ، وامتزجت دموع الحاج سيد بالدهشة والحيرة ، ترى لم يردد المقدم أحمد مثل هذا السؤال ؟  يا الله إن هذه الكلمات نذير بأن القائد يشعر أنه على موعد ، يلتقى فيه محمود .

وضح على الحاج السيد الارتباك ، ورد بعبارات مقتضبة ، لم يتذكرها  بعدها ، فقد كان وقع السؤال من الشدة والألم بما يجعله يحاول الرد .

هل يقول له أنه يريد منه شئ ؟؟ أم يجب بالنفى ؟؟ أنه يريد محمود بشخصه ولكن كيف عسى أن يفصح عن ذلك  ، فإرادة الله فوق كل شئ ..

غادر المقدم  أحمد مالك منزل الحاج سيد ، ولكن الأحزان لم تغادر ، فقد أصبحت جزء من المنزل ، الأسرة ، والحاج السيد نفسه .

 جلس الحاج سيد فى غرفة الاستقبال ، وحيداً ، حزيناً ، تطوف أمامه الذكريات ، محمود  ابنه ، النعش المتشح بعلم مصر  ... الجنازة العسكرية ، كان أول ما بدر إلى ذاكرة الحاج سيد ، هو ذاك اليوم الذى واتته الأخبار بأن ابنه  محمود ذو التسعة عشر ربيعاً قد صار شهيداً فى رحاب الله .. 

راودته ذكريات ذلك اليوم الذى وهبه الله فيه ابنه محمود ، فى الخامس عشر من مايو عام 1995 ، فى قرية ميت أبو خالد بميت غمر ، بالدقهلية ، حيث امتلأت جدران المنزل ببكاء الطفل ، وصوته الرضيع المميز  ، كان محمود  مولودهما الأول  ، وما هى إلا شهور حتى ملأت ضحكاته لوالده ووالدته أركان البيت ، لم يكن محمود مرهقاً فى تربيته ، فقد تميز منذ نعومة أظافره بالهدوء ، وتربى على طاعة والديه ، وحب جدته التى تسكن البيت معهم ، وقد أرهقها الدهر بعد أن قامت بتربية والده وعمه وحملت على عاتقها عبء كبير بعد وفاة الجد ،  كان زوجها وقت وفاته  فى عامه الثامن والعشرين ، وكانا ولديها فى أعمارهم السادسة ، و الثالثة  ، رفضت كل من تقدموا للزواج بها ، وكرست حياتها لولديها ، والآن تعيش فى بيت ابنها السيد ، تحب أبنائه و يبادلونها ووالدتهم  الحب والاحترام  .

ولم يكن حال محمود فى المدرسة يختلف عنه فى البيت ، إذ جمع بين الأدب والتفوق ، وحاز على حب واحترام معلميه وأقرانه ..

(( الله وليّ الصابرين ))  نقشها محمود على جدران منزلهم وكأنه يوجه رسالة ذات أمد مؤجل إلى أسرته  ، بل إلى أسر الشهداء جميعاً ، الصبر يا أبت ، الصبر يا أماه ..

وكان الحياء  إحدى شعب الإيمان من شيمه ، مرت السنوات وأصبح محمود فتى يانع ،يمضى فى دراسته وفى حياته بلا ضجيج ..

عادت الذاكرة بالحاج السيد إلى عام 2011 ، وبالتحديد إلى  اليوم الذى فاجئه ولده محمود ، وصارحه برغبته فى أن يتطوع فى صفوف القوات المسلحة ، مصنع الرجال الأبطال ،  ليتخرج صف ضابط ، تماماً كما كان والده وقدوته فى الحياة  ، ولم يجد والده مفر من اعتماد الطريق الذى رسمه وخططه ولده لنفسه ، فقد صار محمود رجلاً يمكنه أن يحدد وجهته ، كما أن العمل فى صفوف الجيش المصرى ليس بغريب ولا جديد عليهم ، إنها مسيرة ممتدة .

لقد دار فى ذهن الحاج السيد أن محمود كان يرسم طريقه ومستقبله إلى عالم الأبطال ، إلا أن محمود كان يرسم طريقه إلى الشهادة وعالم الشهداء .

لقد تطوع أكبر أبنائه محمود فى سلاح الدفاع الجوى وتخرج ضمن  الدفعة 146 صف ضابط  ، وبدأ حياته العسكرية صف ضابط ، أمضى محمود سنواته الثلاث الأخيرة ، ما بين فرقة الصاعقة ، وتدريب الدفاع الجوى ، كان يواظب على عمله بمنتهى الدقة والجدية ، هكذا شهد قائده المقدم أحمد مالك ، بل إنه أكد أنه لم يردد  أبداً أنه لا يعرف ، أو أنه لا يمكنه القيام بعمل ما ، فكان ينفذ كل ما يوكل إليه من قادته .. ولم يكن ليبرر أى خطأ  ، فالخطأ غير مقبول بالنسبة له وكذلك التبرير .

يا الله لقد حظى محمود بحب قادته وزملائه ... زملائه ، قفز إلى ذهن الحاج السيد  ، البطل محمد على ، نظر إلى صورة يقف فيها محمود وصديقه محمد ، وقد طوقت يد محمود اليمنى كتف صديقه محمد ، فى أخوة وود .. تساءل الحاج السيد ، ترى متى ألتقطت الصورة ؟ ما الحديث الذى دار بينهما قبل تلك اللحظة أو بعدها ؟ رمق الصورة بحنو وأنسكبت دمعة عليها ، داعياً لابنه بالرحمة ، وموجهاً الدعاء الثانى للبطل محمد ، داعياً له بالنصر والسلامة ..

أوحشتنا يا محمود .. أوحشنا صوتك يا بنى ، أدبك ، خجلك ، وكل شىء .. وسرعان ما ردد (( الله وليّ الصابرين .. الله وليّ الصابرين )) .

ورغماً عنه تعرج ذاكرته دوماً وذاكرة الحاجة أم محمود إلى يوم 26 يناير 2014 ، حينما استقل محمود حافلة الإجازات والمأموريات ، التابعة للقوات المسلحة ، وفى الطريق  كانت أيادى الغدر والخسة بانتظاره ورفاقه ،  ترصد لهم المجرمون ، يلثمون وجوههم القبيحة ، وأمتدت أياديهم القذرة ، تصب نيرانها على الحافلة ، عجزوا أن يواجهوا الأبطال فى ميدان القتال ، فحاولوا النيل منهم فى حافلة الإجازات ، فى الحافلة ، لفظ جسد محمود  واثنان من رفاقه أنفاسهم الأخيرة  ، بينما  انطلقت أرواحهم فى حياة جديدة ، خالدة ، فموت البشرهو الموت ، إلا موت الشهيد .. إنه حياة ورزق ، كما أخبرنا المولى عزوجل .

دلفت الحاجة أم محمود عبر الباب ، رأت الدموع تنسكب من زوجها ، همت لتشاركه البكاء من ألم الفراق  ، وما إن لمحها حتى مسح عينيه بيديه مجففاً عبراته ، سبقها قبل أن تبادر بالحديث والبكاء قائلاً : الله ولىّ الصابرين ..

تمت بحمد الله

9 مارس 2018

قصة قصيرة عن الشهيد  الرقيب محمود السيد البقاش  ، أسكنه الله الفردوس

المصدر : والد الشهيد ، الحاج السيد البقاش

كتبتها : أسماء محمود كاشف

 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech