Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
رحلة في حب مصر لخط بارليف **** السبت 1 ديسمبر *** وزيارة متحف الجيش الثالث *** ومقابر الجيش الثالث *** للتواصل 01005132378

محمد صلاح .... موعــد مع القدر

 

 

اسيوط – الجمعة 7 يوليو 2017

منزل العميد متقاعد صلاح اسماعيل

.....ارتجف قلب السيدة "أم محمد " حرم العميد صلاح لتلك الطرقات المتتالية الثقيلة على باب المنزل فى هذه الساعة من صباح يوم الجمعة , فهرعت الى الباب , و ضربات قلبها تسابق خطواتها السريعه , فتحته لتجد صديق ابنها حسام و قد بدى عليه القلق و الحزن الشديد , فبادرته سائلة : فيه حاجه يابنى ؟ فيه حاجة حصلت لحسام !!؟

فقال لها و قد تضاعف حزنه , و كأن لسانه لا يطاوعه ان ينطق قائلا
: لا ...... بس.... محمد استشهد النهارده الفجر فى سينا!!

انهمرت دموعها قبل سؤالها في دهشة و عدم تصديق: ازاااي....ازززاي يابنى , محمد بيخدم فى الاسماعيلية مش فى سينا اصلا !!!

...و هنا علا البكاء و النحيب , و كأن عقارب الساعة قد توقفت عند خبر استشهاد محمد صلاح ...هناك مع صحبته و رفقاءه , حيث ابطال كمين البرث !!

سيناء – مربع البرث

الخميس – 6 يوليو 2017

مع اخر ساعات يوم الخميس , و في ذلك المبنى الفسيح ذو الطابقين حيث يتمركز افراد و ضباط كمين البرث ...رجال الكتيبة 103 صاعقة , تحت قيادة المقدم احمد صابر منسي , اخذ الرجال يتجاذبون اطراف الحديث و المزحات في قلب الخطر , كعادة رجال الصاعقة في المخاطر و هم يتذكرون ذكريات بعض المداهمات و المعارك الضارية , ضحك احدهم قائلا : والله اللي يشوف حياتنا دي ما يقول كلمة الباشا راح و لا الباشا جه تاني .... , فرد عليه الاخر ضاحكا : طب احنا و صاعقة و دى حياتنا طول عمرنا , لكن اخينا ده الصعيدى بتاع المدفعية !!؟

و اشار مداعبا الى حيث كان النقيب محمد صلاح - ضابط المدفعية , و مسؤل ادارة نيارن مدفعية الكتيبة 103 صاعقة .

ابتسم النقيب محمد لدعابة زميله , قائلا له : مين جاور القوم يا سيدى .
ثم سرح بخياله قليلا و كأنه يستعرض شريط ذكريات حياته , ... اخوته ... التحاقه بالكلية الحربية بعدما حصل على 95% فى الثانوية العامة .. دوراته ...تدريباته ....محبة الجنود له و محبته لهم ... انتقاله الى العمل فى سيناء , عمليات حق الشهيد ...عمليات تطهير جبل الحلال .. و هنا تذكر والده ضابط بالقوات المسلحه , و والدته الذان لم يعرفا لاكثر من عامين و نصف انه يخدم هنا منذ 2015 ... الحاحها عليه ان تراه عريسا ..و لكنه يؤجل ذلك لانشغاله بالعمل و القتال... فى قلب الخطر !!

** خلاص يا محمد هتسيبنا !!؟

انتزعه صوت القائد المقدم احمد منسي من بحر ذكرياته , فاجاب قائده مبتسما ,: على عينى و الله يا فندم , بس سيادتك عارف الاوامر بقي !!
ابتسم المقدم احمد منسي قائلا له :

بالتوفيق ان شاء الله في مكانك الجديد , طبعا انت كان المفروض تنفذ نقلك و تسافر من كام يوم , بس قعدتك معانا الكام يوم الزيادة دول رغم اجازتك من حسن حظنا ,... هتسافر امتى يا وحش ؟

- بكره بعد صلاة ضهر الجمعة ان شاء الله يا فندم

** اجابه منسي بود حقيقي كعادته مع رجاله :

بالتوفيق ان شاء الله , و نسمع عنك كل خير باذن الله , و بعدين مش انت وحدك اللى مش هاين عليه يسيبنا و قاعد معانا رغم انه اتنقل .. الدبابة "خالد مغربى" برضه اتنقل و كان المفروض يسافر , لكن برضه حب يقعد معانا كام يوم زيادة زيك !!

الجمعة 7 يوليو 2017
الثالثة فجرا

... لم تمضي ساعات على هذا الحوار الباسم بين ابطال كمين البرث , الا و دوي صوت الانفجارات و الطلقات منهمرة على موقع الكمين .. عرف الابطال انهم يتعرضون لهجوم ضاري من مجموعات كبيرة تفوقهم عدة اضعافهم عددا من التكفيرين... حيث يهاجمهم اكثر من 150 فرد , مستخدمين عشرات العربات ذات الدفع الرباعي و اسلحة ثقيلة .... يهاجمونهم فى جنح الظلام !!

بسرعة و ثبات اتخذ كلا من الرجال موقعه , تحت قيادة ذاك النمر الجسور احمد منسي , دار القتال ضاريا , و بدأ النقيب محمد صلاح فى تنفيذ مهامه كضابط ادارة نيران و أخذ يرصد اهداف العدو ويرسل احداثياتها بدقة و احترافية قد تميز بها , لتدكها مدفعيتنا , و لكن الاهداف كانت كثيرة ...و متحركة , و تزداد اقترابا , و معها يزداد اقتراب الموت الذي لا يهابه الابطال !!

لم تفلح محاولة التكفيريين فى تدمير الكمين عن طريق سيارتين مفخختين يقود كلا منهما انتحارى , فكثف الابطال نيرانهم عليها و انفجرت السيارة الاولي بمسافة عن الكمين .....و اقتربت الاخري ...رغم انها لم تنال من مبني الكمين , و لكنها اقتربت منه جدا , و انفجرت تحت وطأة نيران الابطال المكثفة ...و كان انفجارها مروعــا , ادي الى تهدم واجهة مبني الكمين , لكنه لم يهز من عزيمة و ثبات الابطال قط !!

كان الهجوم رهيبا ...طلب القائد احمد منسي الدعم لاسلكيا بشكل سريع , فخرج لدعمه مسرعا الملازم اول خالد مغربى مع عدد من رجاله فى ثلاث مدرعات...و لكنه كان قد خرج الى حيث الكمين الذى تم نصبه له .و كان على موعد مع الشهاده مع تلك السيارة الملغومه التى استهدفت مدرعته ..فقد كان "خالد" على قائمة المطلوبين بالاسم من التكفيريين مع المقدم احمد منسي و بعض ابطال الصاعقة لما لاقاه اولائك الخوارج من جحيم على يد هؤلاء الابطال الاشداء !!

و تستمر المعركة ضارية رغم عدم وصول الدعم ...و اخذ الابطال يتساقطون واحدا وراء الاخر على مدي ساعتين من القتال المرير , ارتقي خلالها الابطال البواسل شهداءا واحدا تلو الاخر و هم يقاتلون فى شجاعة نادرة ..بينما يشاهد "محمد صلاح" قائده , رفاقه و اصدقاءه , رجاله يستشهدون فى ثبات واحدا بعد الاخر ... منسي .... دفعته و صديقه النقيب احمد عمر شبراوي ..الملازم اول احمد حسانين ... ..العريف / محمد السيد ...الجندي احمد العربى ..و غيرهم من شهداء !!

... و يعتصر قلبه الالم لفقدان كل واحد منهم ...لكن الم فقدان رفقاء القتال امام عينيه لم يجعله يتواني عن مهمته و دوره , و اخذ محمد يرسل احداثيات مواقع تمركز التكفيريين التى صارت اكثر قربا لموقع الكمين, الي قيادة لواء المدفعيه باحترافيه و ثبات يحسد عليها ...500 متر ...200 متر ..و المدفعية تدك الاهداف و تؤخر احتلال التكفيريين للكمين... الى ان اطاح به هذا الانفجار الذي افقده وعيه , و الدماء تنهمر من انفه و اذنيه , و فقد الكمين مدير نيرانه, مع فقدانه لمخزن الذخيرة التى انفجرت فى غرفتها مع ذاك الانفجار الرهيب !!

لم يدم فقدانه للوعى اكثر من لحظات ... و بين النيران و الانفجارات , ينتفض محمد صلاح قائما مترنحا للحظة و الدماء تغرق وجهه و رقبته ...مستندا على ذراع احد جنود الكمين الاحياء ... و بعد هذا القتال المرير و استشهاد و اصابة الجزء الاكبر من رجال الكمين و نفاذ ذخيرتهم تقريبا ... اخذ محمد قراره , و صرخ فى اللاسلكى قائلا :

يا فندم ....اضرب احداثيات الكمين يا فندم !!

جاءه رد قيادته سريعا متعجبا : بتقول ايه يا محمد !!

صاح "محمد " فى ثبات و هو يمسح الدماء النازفه على وجهه : يا فندم اغلبنا استشهد او مصابين ..و هم خلاص طالعين ع السلم , و هيقتلوا اللى بقى مننا و يرفعوا علمهم عالكمين و يمثلوا باجساد زملائنا ..مستحيل نسمح بكده...اقصفوا موقعنا بسرعة يا فندم ..ارجوك!!

بينما كان النقيب عبدالعزيز يقاتل بثبات مع رجاله على سلم المبنى باخر ما تبقى لديهم من ذخيرة ليمنع صعود التكفيرين الى الطابق الثانى , اذ يتلقى جسده خمس رصاصات لتطيح به فى عنف , و بينما يجمع النقيب السباعي و بعض الجنود المصابين الاحياء جثامين زملاءهم الشهداء الى ابعد نقطة ممكنة عن ايادى عدوهم الخسيس الغادر , و معهم بعض القنابل اليدوية و هم يرددون الشهادتين , استعدادا منهم ليكونوا انتحاريين يحمون اجساد زملائهم من ان يمثل بها اولائك الاوغـــاد المأجورين ....و فجأة يصرخ احد الجنود : الدعم وصل يا فندم ....الدعم وصل !!!

و ما ان رفع "محمد صلاح" بصره الى السماء ليري هذا الدعم القادم , الا و كانت تلك الرصاصه الاخيره التى اخترقت جسده من جانبه لتنفذ من الجانب الاخر هى من يرسل روحه الطاهره الى السماء , حيث زملاءه الشهداء الذين سبقوه فى هذه المعركة الخالده , ليكون اخر ضباط الكمين استشهادا قبل وصول الدعم مباشرة .... و ليسقط جسده مخضبا بدماءه , و ترتقى روحه بين الشهداء !!

... و لعل روح "محمد صلاح" قد عانقت روح زميله..."خالد مغربى"... الدبابه كما كان يسميه زملاءه و اعداءه , و الذى استشهد ايضا فى طريقه الى دعم الكمين ....و كان مثله تماما يمضى اخر ايام له فى الدنيا , هناك فى سيناء باختياره و رغبته رغم صدور قرار نقله خارجها ... و كأن كلا منهما منتظرا تلك النهاية العظيمة رغم انتهاء خدمته رسميا فى هذا المكان ... الا ان كل منهما ظل هناك الى جوار رفاقه الابطال ... على موعد مع نعم القدر !!!  

 

 

الذكري الاولى لمعركة كمين البرث

د. احمد مختار حامد ابودهب

المجموعة 73 مؤرخين

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech