Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
رحلة في حب مصر لخط بارليف **** السبت 1 ديسمبر *** وزيارة متحف الجيش الثالث *** ومقابر الجيش الثالث *** للتواصل 01005132378

رواية بارون الميج - سمير عزيز - الحلقة الاولي

 

 

بارون الميج

المؤلف: زين الدين

الاسم كاملاً: محمد السيد طه محمد زين الدين

رقم الإيداع: 25020/2017

الترقيم الدولي:978-977-90-5077-5

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف, ولا يجوز النشر أو الطبع الا بإذن المؤلف, ولا يجوز الاقتباس دون الاشارة للمصدر.

الناس مهما اختلفت أديانهم وألوانهم وألسنتهم بينهم نوع من الروابط, ويواجهون نفس المصير وان بدت البدايات والنهايات غير متشابهة, فالحياة لها وجه واحد يتكرر وينعكس.. والاحداث التاريخية مهما كانت متباعدة بينها ترتيب وتكرار دقيق, فما يحدث فى مكان ما سوف تعكسه آلة الزمن فى مكان أخر عاجلا أو اجلا, لذا كى نغير واقعنا يجب أن نفتـش فى أوراق الماضى عن قدرنا, فالماضى لا يمضى..

إن الشعب يجب دائماً ان يبقى سيد كل فرد وقائده, فالشعب أبقى وأخلد من كل قائد مهما بلغ اسهامه فى نضال امته..

- جمال عبد الناصر.

أنا الشعبُ والمعجزة, أنا الشعبُ لا شىء قد اعجزه, وكل الذى قاله أنجزه..

- أغنية لأم كلثوم.

لأجل الاجيال القادمة, لأجل مَلكْ,

لأجل عابر سبيل, خضر..

- إستهلال -

بوم..

بالنسبة اليّ, سمير عزيز, الموت والحياة وكل شىء يبدأ بصوت خرطوشة إسكرامبل, إنفجار يُعبأ ذرات الهواء بالموت, يملأ الارجاء ويدخل اجساد الطيارين, بعدها بثوانٍ تنطلق طائرات الميج الحربية مُحلقة فى السماء, مثل صف من الفتيات الجميلات فكما يقول الروس: الطائرة الجميلة تُحلق جيداً..

بعد إنتهاء ربيع العام 1943 بسبعة أيام, عصراً, إنطلقت أول خرطوشة إسكرامبل من حنجرتي, مُعلنة قدوم أول طفل للمهندس عزيز ميخائيل, ودوى صراخي (المزعج) فى جوانب حى شُبرا.. بالتأكيد لا أتذكر ذلك اليوم, لكني أتذكر جيداً أول خرطوشة إسكرامبل إنطلقت من حنجرة إبنتي سالى, ثم نادر, الذى إنتهي صوته الجميل فى شرم الشيخ, بالكاد كان قد أكمل الثالثة والعشرين. (عظيمة هى كل أفعالك يارب, حتى وان لم أفهمها.)

 

 

من الاشياء التى لا تُنسى, صوت خرطوشة اسكرامبل انطلقت يوم الثامن من اكتوبر 73, قبل وصول المغرب بساعة واحدة, مازال صوتها يرن فى إذني كجرس مزعج..

إنتهى بي الامر ذلك اليوم فى سرير مُستشفى مُستلقياً على ظهري, حينما إستيقظت كان كل شىء غارقاً فى الصمت, وزوجتي الرائعة تحبس دموعها, متوترة كالجحيم وتنحنى على كتفي الايسر, والطبيب يقف عند قدميّا ويغرس الابرة فيهما, ولم تكن تؤلمني, أنا لا اشعر بكل عظمة فى نصف جسدي الاسفل!!!, أردت أن أمسك يد زوجتي وأقبلها, لكن ذراعي الذى بجوارها لم يستجيب, هددته, نظرتُ اليه بطرف عيني ولم أحرك رأسي, تحرك ببطىء.. أصابني الذهول, حاولتُ تحريك ساقي, أصابع قدمي, لكن بلا فائدة, كلما فشلتُ فى تحريك عظمة تفتحت عيناي أكثر وتسارعت دقات قلبي, صرخت حتى أتأكد اني لم افقد النطق..

أصابني اليأس وتوقفت, حبستُ أنفاسي, نظرت فى الوجوه حولي, مايحدث غير منطقى؟, أنا أحلم؟, أصبحتُ مشوشاً, أوه, "شلل نصفي وكسر فى العمود الفقرى", قال الطبيب..

مر على زواجي شهرين فقط, زفرت زوجتي بصوت عالى, كان الحب فى عينيها لا يحتاج الى إثبات, ضغطت على يدي التى بجوارها ورفعتها ناحية فمها, وقبلتها, لم أشعر بشىء وكأنها ترفع يد غيري..

إن كان "أوليفر ساكس" قد صرخ يوماً ما وسط الغابة النرويجية قائلاً "أريد ساقاً أقف عليها", فأنا فى ذلك الوقت صرختُ من داخلي مرات ومرات "أريد عموداً يُـقيم ظهري, أريد الا أسقط حينما أقف, أريد الا أنسى قدميّ"..

حسناً, لم يكن ذلك اليوم أصعب أياميوأشدها قسوة, ولتكن البداية قبل ذلك اليوم بست سنوات واربعة أشهر وثلاثة أيام.

***

- أفضل أوقات الرجال -

بوم..

خلال سنوات الحرب العالمية الثانية دكت طائرات ستوكا النازية لندن والمدن الكُبرى, وكان مقر الحكومة البريطانية هدفاً للقاذفات, تحت القصف قال تشرشل: "اذا عاشت الامبراطورية البريطانية مُدة ألف سنة, فسيبقى الرجال يقولون ان هذه كانت أفضل أوقاتهم."

5 يونيو/ حزيران 1967..

مطار فايد, السادسة صباحاً..

داخل طائرة ميج 21 لازال كتاب الطيران الخاص بي يتذكر رقمها, 5072, كنتُ أقضى نوبة طوارىء حالة أولى, وهذا يعنى أنني يجب ان أظل فى قُمرة الطائرة لمدة ساعتين مُستعداً للاقلاع فى أقل من دقيقتين.. وأنا داخل القمرة كان الممر يمتد أمامي كبُساط, وهناك طائرات من الخشب فى أرجاء المطار بعيداً عن ممرات الاقلاع والهبوط, تبدو حقيقية تماماً ويصعب تمييّزها من السماء..

 

السماء صافية وملائمة للتحليق, أخذتُ أمرر فى قنوات عقلي كلام قائد السرب, أموزيس ميخائيل, يرقد فى طائرة بجواري, نظرتُ ناحيته فوجدتُه غارقاً فى شىء ما, وددتُ لو أن للطائرة تلكس, أضغط على زره, تيييت تيييت, فأجذب انتباهه.. عند سلم الطائرة سألته: يا أفندم, هل تظن أن الحرب ستندلع اليوم؟, راوغ وقال: إن أراد الربُ ذلك.. لم أتمسك بالسؤال, إبتسمتُ وانا أصافحه ثم لبستُ خوزتي وصعدتُ سلم الطائرة, لا يعلم أموزيس اني قضيت الليلة السابقة فى إنتظار هجوم إسرائيلي, فالليل هو الوقت المناسب لهجوم الجيوش والذاكرة, أما الافكار السيئة فتقضى ساعات النهار فى تنظيم صفوفها وتبدأ هجومها حينما يستلقي المرء على الفراش لينام..

ثمة ما يُشبة الاجماع ان الحرب لن تندلع اليوم, تم إطفأ الدفاع الجوى لان طائرة المُشير عامر ستزور المطار ربما بعد ساعة, وبرغم ذلك لم أكن مرتاح تماماً فاسرائيل تحشد قوتها (علناً على غير العادة!!) على حدود سورية وبيننا مُعاهدة دفاع مُشتركة, وأغلق ناصر خليج العقبة فى وجه السُفن الاسرائيلية, والاسطول السادس الامريكي فى البحر المتوسط يُحدث موجات تتقاذف على شواطئنا, وأصحاب القبعات الزرق (قوات الامم المتحدة) رحلوا وتركونا مع الاسرائيليين وجهاً الى وجه, بعدما إتهمنا البعض بالاختباء خلفهم, برحيلهم تعقدت الامور أكثر وأكثر, لا يفصلنا عن العدو الا جدار من الهواء الهش, أيّ رصاصة طائشة, أيّ شرارة, مهما كانت ضئيلة من شأنها ان تفجر باب الحرب وتوقظ المدفعية من نومها, ستخرس جميع الاصوات, سكون تام لثانية واحدة لا مزيد, الهرج قادم, الضجة قادمة, الحرب, لن ينتظر أحد إشارة البدء, بوووو, بوووو, بوووو, ....., صراخ المدفعية المزعج جدا, والبعض فى إسرائيل يُفضل هراء المدفعية على السكون, خلال أجزاء من الثانية ستعدو القذائف فى كلا الاتجاهين فى آن واحد نحو نقطة الوصول وهي (مع الاسف) أجساد البشر.

***

فى عقلي "راجعين بقوة السلاح", أنشدتها أم كلثوم لفلسطين قبل أيام قليلة فى سينما قصر النيل, وبجوار كلمات الاغنية مشهد أرتال مدرعات ودبابات دخلت سيناء أمام عيني لمدة ثلاثة أيام متتالية دون إنقطاع, شعرتُ بالفخر والقلق, تمنيتُ لو يعرف القادة أننا لسنا فى عصر الفرسان الشجعان وخط ماجينو وأن الجانب الاكثر عدداً ليس بالضرورة أن ينتصر..

حاولتُ أن أفكر فى أبويّ وأختي ماجدة (أجد لذة فى نطق إسمها), وحينما فشلت أدركت ان حرباً لا مفر منها قد إحتلت جميع خلايا عقلي (ومازالت تفاصيلها تعيش فى ذهني حتى الان), لم أكن خائفاً لكنه الانتظار.. يا الهي, هل ستندلع الحرب قبل أن اتعلم العزف على الجيتار وأصبح مشهوراً مثل"إلفيس برسلي", ملك موسيقى الروك أند رول؟

بالمناسبة, قبل عام واحد, تألق برسلي فى فيلم "أحبيني أكثر"..

***

الثامنة صباحاً وكثير..

كنتُ أحلق ذقني فى إستراحة الطيارين عند نهاية الممر, وكان جيتاري يسند ظهره على الحائط, لا يفارقني الا حينما أكون فى الطائرة او الحمّام, إشتريته قبل ستة أشهر بثمانية جنيهات من محل بجوار سينما مترو, كأنما اصابته اللعنة, لا يُصدر الا أصوات اكثر ازعاجاً من طبول الحرب وعصا المنجد حينما ترتطم بكومة القطن, ورغم سخطي عليه مازلتُ لم أفقد الامل بعد, فأنا اعلم ان برسلي بدأ مشواره الفنى بالعزف داخل الحانات, لذا عقدتُ العزم على تعذيب زملائي الطيارين بالاستماع الىّ على الاقل مرة واحدة يومياً..

بوووووووووووووووم..

حسناً, أحد الطيارين اخترق جدار الصوت بينما كانت شفرة جيليت تحرث نصف ذقني الايمن, داخل اذنيّ إنزلق الصوت مرة ثانية وثالثة ورابعة وخامسة, فى كل مرة كانت الارض تهتز بشدة, وقع انفجار قريب كاد أن يقتلع الاستراحة من جذورها, بقيتُ واقفاً, توقفتُ عن الحركة وحلق ذقني كى أستمع جيداً للاصوات الخارجية واجمعها وأعيد تقييم الموقف, إنه مُجرد طقس سىء, حاولتُ طرد فكرة القدف, الهجوم !!!

سكت صخب "بووووووم" الفاشي والعالى على نحو لا يُطاق وظهر بالمقارنة به صوت رخيم عذب, زعيق بشر ودوى طائرات قريب.. التفتُ خلفي فوجدتُ أموزيس يهرول ناحيتي ويزعق: "بسرعة, الطائرات الاسرائيلية تضرب المطار الان", لم يكن عندي رداً مُناسباً, إستدرتُ كى أغسل وجهي فأقترب أموزيس وجذبني من ذراعي بقوة..

كانت الساعة تقترب من التاسعة الا عشرة دقائق حينما سمعتُ نهيق الطائرات الاسرائيلية فوق رُؤوسنا دون أن تسبقها صافرة إنذار واحدة, أو اعلان بالحرب, هناك خطأ ما, خطأ فادح تسربت منه الطائرات المعادية..

قُضى الامر, قص الآثمون شريط الحرب وكسروا أبواب الجحيم, لم يكن ذلك مفاجئاً, لكن ماحدث بقية اليوم كان أكثر من مفاجىء, ولم يسبق لأحد منا ان شاهد مثله.



- لا تُـطلق الرصاص على طائرة -

السطور التالية تؤكد أن الحروب أعظم انتصار للشيطان على البشر, لكن قبل تدوينها أود ان انقل اليكم صراعاً بداخلي, فأنا أؤمن ان الاوقات العصيبة لابد من تلخيصها حينما تروى وذلك لما تجره من انفعالات ودموع, لكن فى الوقت ذاته أعتبر الاوقات العصيبة رواية جيدة يصعب اختصار أحداثها أو حذف كلمة منها..

كانت ذقني مقسومة لنصفين, نصف محلوق والثاني به شعر قصير كـرُؤوس دبابيس مُلتصقة ببعضها.

خارج الاستراحة, هناك فوضى ونيران, رأيت نائب رئيس الجمهورية, حسين الشافعى, رجل بقى الكثير من وسامته, له شارب مميز وشعره ممشطاً على جنب, ومعه شخص أخر, عرفتُ فيما بعد من برج المراقبة انه نائب الرئيس العراقى أو وزير الحربية العراقي, يهرولان وسط النيران وخلفهما على الممر طائرة اليوشن..

قفزتُ مع أموزيس داخل سيارة جيب روسية, وانطلق بها على الــ(waysub ran) ناحية بداية ممر الطائرات, هناك دخان أسود يتصاعد من كل ناحية وبداخله نار حمراء كالجحيم, تقف فى طريق السيارة قنبلة موقوتة بحجم رجل ضخم (ألف رطل), إنحني أموزيس حولها, طلبت من الله الا تقوم من سباتها الان, وإستجاب الله لرجائي.. حينما وصلنا الى بداية الممر كانت طائرات الميج 21 الاربعة تحترق ويتصاعد منها الدخان.. بسرعة عالية لف أموزريس وجه السيارة ناحية نهاية الممر, هناك تبرك أربعة طائرات أخرى (حالة طوارىء ثانية), مكشوفة وجاهزة للقصف, ترتص فى صف واحد وبين كل واحدة حوالى ثلاثة أمتار.. أوووه, لقد عادت الطائرات الاسرائيلية فى موجة ثانية, أربع طائرات, أتذكر جيداً ما حدث وكأنه وقع اليوم, كانت الطائرات تحوم فوق رُؤوسنا وتُحدق فينا من إرتفاع مائة متر تقريباً, ونحن أيضاً كنا نُحدق فيها, وقعت من السماء بمظلة قنبلة ممر على الممر فحفرت حفرة قادرة على إبتلاع رجل دون أن يملأ جوفها او يسد جوعها, إبتعد اموزيس بالسيارة, حدثت زوبعة هائلة من الشظايا كادت تصل الى السماء, قُــذفت طائرة ميج على الارض فاحترقت وانطلق منها صاروخ ناحية طائرة سوخوى 7 أمامها فاحترقت, وخرج منها صاروخ ناحية طائرة أخرى, وهكذا, الامر يٌشبة عربات قطار تجر بعضها الى الجحيم.. جاء الدور على الطائرات الخشب, كل ما فى الامر ان الطائرات الاسرائيلية إقتربت منها وسلطت طلقات المدفع الرشاش (30 مم) عليها فأصبحت فوراً نسيّا منسيّا..

عُدنا الى إستراحة الطوارىء فى بداية الممر, وكأنما وقع عليها نيزك من السماء أو تعرضت لهجوم نووى صغير فتتها الى سحابة من الغبار, سويت بالارض ولم يتبقى منها الا حرائق صغيرة وركام بداخله جيتاري وأحلامي الموسيقية ودفتر ملاحظاتي..

نبشتُ ركام الاستراحة وأخرجتُ بعض ملابس الطيران, جميعها كانت مجروحة, لم أعثر على قفازات, نفضتُ التراب من عليها ورتبتها, كان أموزيس يقف بجواري مُصدوماً, حدق في لنصف دقيقة أو اكثر قليلاً ثم قال: ماذا تفعل؟, لم أرد فقال فى يأس تام: أين الطائرات التى سنطير بها؟

طمعاً فى المزيد من المعلومات والاخبار, أخذتُ "يسرى رياض" الى غرفة عمليات المطار, عبارة عن بناء تحت الارض, نزلتُ معه سلم يُشبة سلالم السراديب يؤدى الى ساحة باب الغرفة, وبينما كنا نقف أمام الباب الحديدي نشتكى مماحدث ونتحسر على خسارة الطائرات, إستهدفتنا طائرة اسرائيلية بصاروخ, انفجر بالقرب منا فاهتز الكون, انبطحتُ على الارض, رأيت أقدام تركض ناحية السلم, حاول يسرى أن يبتعد, رجع الى الوراء ناحية حائط الغرفة لكن الاوان قد فات, لحقت به شظية وانغرست فى فخذه, صرخ مرة أو مرتين, نزل على الارض ولم يستطيع النهوض.. إشتعلت نيران جهنم حولي, لم أستوعب ما يجرى وتجمدتُ لثانية كعقرب ساعة فرغت بطاريتها فجأة, كان توجسي عظيماً, بينما كنتُ أبحث عن عمل فتح الميهي باب غرفة العمليات (يعمل موجة ارضى, يقوم بتوجيه الطيارين وهم فى السماء ويضعهم فى مواقع أفضل من طائرات العدو, أفضل تسميته المُرشد اللاسلكي), خرج الميهي يرتدى أفرول وفى يده مطفأة حريق يدوية, أطفأ ألسنة النيران بسرعة ودخل مرة أخرى واغلق الباب.

***

كنا على مقاعد المُتفرجين نتابع طائرة تدور فى سماء المطار للمرة الثانية كأنها فى عرض عسكرى, أن تُحلق فوق الهدف لقذفه فهذه جرأة, أما ان تظل فى سماء الهدف لترى ماذا حدث؟ أو تبحث عن هدف أخر فهذا إستهزاء وربما وقاحة, اهانة عظيمة, لم يحتمل أموزيس السكوت أشار الى الطائرة وصرخ وكفيه يصطدمان: "فين الدفاع الجوى؟".. مدفوعاً بقوة خفية جريتُ بسرعة ناحية مدفع مضاد للطائرات يرقد فوق غرفة العمليات, قفزتُ فوق سطحها (يظهر منها متر تقريباً فوق الارض), حاولتُ بلا فائدة إستخدام المدفع, إقتربت طائرة مستير مني, شعرتُ بالتوتر وفقزتُ من على المدفع والغرفة, دمرته الطائرة بصاروخ وتناثر فى الهواء..

كانت الدقائق تمر الأسوأ فـ.. الأسوأ فـ... الأسوأ, تتابعت موجات الطائرات الاسرائيلية, حتى أن الموجة الاخيرة وجدت أن المطار قد شبع من القذف ولم يعد به سقفاً, لم تجد شىء ترميه بالقنابل الا سيارات نقل الوقود للمطار (البوازر), كانت الواحدة تنفجر بقوة وتذوب الى شظايا صغيرة ويتصاعد منها دخان أسود كثيف, وهناك صاروخ تولى أمر طائرة هارفارد صفراء هزيلة ذات محرك واحد, دخل فى مُنتصفها فإنفجرت بهدووء كما كانت تعيش بهدووء, (فى مقابلة تلفزيونية سُئل عبد الناصر: ان كانت اسرائيل ستهاجم العرب؟, قال: "إننا ننتظرهم".. فى الواقع كان بعيداً عن الجيش وتم إستغفاله, طعن من الخلف.)

حينما انتصف النهار أخبرنا قائد السرب (أموزيس) ان رئاسة القوات الجوية أصدرت أمراً بإخلاء المطار, لشيوع معلومة ان الهجمة القادمة ستستهدف الطيارين أنفسهم, بغرض تصفيتهم والتخلص منهم, طلب منا أموزيس سرعة إخلاء المطار, نظر كل منا الى وجه الاخر وهززت رأسي بصمت وألم.

***

قدتُ سيارة فولجا بيضاء مُقدمتها طويلة, كان بجواري ممدوح حشمت وفى المقعد الخلفى فريد حرفوش وطيار ضاع إسمه مني, وإنطلقتُ بالسيارة ناحية فايد, كانت فى ذلك الوقت بلدة صغيرة بيوتها مصنوعة من الحجر الابيض, وكان بها محاجر كثيرة..

فى الطريق, كانت الصدمة على وجوهنا, وأمسكنا عن الكلام.. سألتُ نفسي: أهكذا تموت الاوطان؟, حاولت ارتداء قناع الامل فى ان الشمس الحارقة التى تختفى خلف سحابة من دخان الانفجارات, سوف تعود فى اليوم التالى وكأن شيئاً لم يحدث, سينتهى هذا الكابوس المزعج بمجرد أن أفتح عينيّ..

نزلنا من السيارة, وقفنا على مقربة من حائط من الحجر الابيض, إرتفاعه ضعف رجل بالغ, حتى الشمس فى ذلك اليوم كانت قاسية, بإمكاني رؤية الادخنة السوداء تتصاعد من المطار ودخان السجائر يطوق عُنق فريد حرفوش..

هناك طائرة "سوبر مستير" عائدة من قذف المطار, تطير على ارتفاع منخفض لا يزيد عن ستة أمتار, تقترب من رُؤوسنا, مرسوم عليها نجمة داود داخل دائرة بيضاء, بلا صواريخ أسفل الجناحين, هؤلاء الذين أخذوا المطار على حين غرة وفى دقائق حولوه الى كومة من الخردة..

دون أن اشعر, وبدافع الانتقام والاحتفاظ بشىء من الكرامة, نزعت المسدس من غمده فوق صدري, استقبلتُ الطائرة بالاعيرة الناريّة وأفرغتُ خزانة الطلقات فى جسدها, نظر الىّ الطيار وتلاقت عيني فى عينيه للحظة واحدة, أكمل طريقه, كأنما كنتُ أقول له: "حسناً, لقد عرفت وجهي, تذكرني لاننا سنلتقى مرة ثانية فى السماء, لكني فى المرة القادمة سأدك طائرتك كذبابة".. بعدما ابتعدت الطائرة, سألت نفسي: ماذا تفعل طلقات مُسدس مسكينة فى طائرة؟, وهل ستعيد عدة طلقات الى وطن كرامته؟

نظر الىّ فريد حرفوش وإبتسم فاروق حمادة (تذكرتُ إسمه الان) وأشار بيده بعلامة رائع "like".. فجأة إندفعوا تحت جسد السيارة, وصرخ أحدهم: "خلى بالك الطيارة نازلة عليك يا سمير..", التفتُ خلفي فوجدت الطائرة تطير فى مستوى رأسي وتقترب مني بسرعة عالية, لها فم واسع (مدخل للهواء) يُشبة فم إسماعيل ياسين, تخيلتُ فى جزء من الثانية أن شفتيها ترتشفني من بعيد وفمها يبتلعني..

فتحت عينيّ على اتساعهما, عاد الطيار الاسرائيلي لينتقم..

***

- جنون الشجاعة -

أؤمن ان الذين يقومون بأعمال شُجاعة يمتلكون قدراً لا يُستهان به من الجنون..

الارض مُنبسطة ولا تخفى شىء وهناك طائرة متفرغة لمطاردتي, طيارها عقد العزم على الانتقام لتشوية طلقات مُسدسي طلاء طائرته, لو ركضتُ أمام الطائرة بالتأكيد ستلحق بي ويُصبح مدفعها الرشاش فى ظهري وربما تأخذني فى طريقها, قررتُ أن أركض فى اتجاهها, بدت كشلال ضخم يقترب وله صوت مُخيف, فتح الطيار النار علىّ من بعيد بكثافة, كنتُ أسمع صوت الطلقات تمر بجواري وتثير غبرة حينما تدفن فى الرمال, ورأيت بعيني دخان اسود يُصاحبها وهى خارجة من المدفع المثبت فى الطائرة..

كانت الطائرة تقترب بسرعة جنونية يسبقها كم هائل من الطلقات, وحينما أصبحت على بعد خطوات مني, رميت نفسي على حائط حجرى, لطم هواء الطائرة جسدي وسمعت صوت فووووووو..

مرت الطائرة فوق أذني اليُمنى.

***

- إستراحة الملك -

لم يخلق الله كابوساً قصير..

عدنا الى المطار, أمرنا أموزيس بالذهاب الى السلاحليك (غرفة السلاح), وهناك تسلم كل طيار بندقية كلاشينكوف بالذخيرة للدفاع عن المطار, وزعت الذخيرة ببزخ شديد, وبعد حوالى ساعة صدر أمر بالتوجه الى مطار إنشاص..

انضم الينا فى السيارة الرائد طيار "حسين عزت", لم يبتسم حينما رأني بنصف ذقن محلوقة, ولكنه نظر الى ذقني قليلاً.. طوال الطريق, كان كل واحد يوقف بندقيته الكلاشينكوف بين فخذيَه أما بندقيتي فظلت بجواري, لم ينبس أحدنا بكلمة وكأن ماحدث هزيمة شخصية لكل واحد فينا, فالاوطان لا تُـهزم بل الناس.. لم يحاول أحد كسر جدار الصمت الذى يلف السيارة, صمت مُخيف, فكرت فى أبويّ وأختي والناس أجمعين, سقطتُ فى بئر اسئلة لا قعر له, هل قذفت إسرائيل مدرستي (التوفيقية الثانوية التى كانت يوما ما قصرا لتوفيق باشا), الشارع الذى كنتُ ألعب فيه بشبرا, حديقة الميرلاند فى مصر الجديدة, كبائن المنتزة فى الاسكندرية, فندق شبرد, جروبي؟, هل رأت صباح وجه جمال عبد الناصر اليوم؟ "أنا شوفت جمال والنبى يأمه أنا شوفت جمال", هل بوسعه الاجابة على كل الاسئلة؟, أين الدشم (مخابىء تحمى الطائرات من القذف) وأين كنت؟, وفى نوبة فزع تخيلت سماء القاهرة التى لا شىء يحميها الان مكدسة بالمظلات, وقد قامت اسرائيل بعملية انزال تُشبة انزال النورماندى وانزال الانجليز فى بورسعيد أيام حرب السويس, أنا لا أبالغ, فكل شىء سىء يمكن أن يحدث فى ذلك اليوم..

شكرتُ الله أن لا بحر فى القاهرة ينزل الغزاة على شاطئه.. وتذكرتُ سؤال هتلر الشهير: "هل باريس تحترق الان؟", هل سيكون هناك "ثلاثون ثانية فوق القاهرة؟", ماذا يمكن أن يقع أكثر من هذا؟

حاولت أن أقول لرفاقي: "أطلب منكم معروفاً, ان اصابني مكروه, أبلغوا سلامي الى أبي وأمي واختي, قولوا لهم إني أحبهم جميعاً.", بينما كانت الكلمات تتجمع عند لساني نزلت دمعة على خدي, حاولت إخفائها, لم ينتبه اليها أحد فكل واحد فيهم كان يُمسك عينيه فى اتجاه وساكناً مثل مقعد فى حدائق القناطر الخيرية, خشيت إن حاولت الكلام أن تنزلق آلاف الدموع رغماً عني, فسكت..

نظرت الى وجوه رفاقي خلسة (المحشورين فى المقعد الخلفى نظرت الى وجوهم فى المرآة), تذكرت دفعتي "الدفعة 14", زملائي الذين خرجوا من سجن الدنيا الى رحاب السماء, "نديم" فى فرقة الميج 21, "سلامة" الذى إستشهد أثناء التدريب, إصطدمت طائرته بالارض فانفجرت, كان ذلك نهاية العالم بالنسبة اليّ, حزنتُ عليه ثلاثة أيام متتالية.. سألت نفسي ان كان أحدهم قد غادر الدنيا اليوم!!, كنتُ على يقين ان الحرب ستبتلع الوجوه بالتدريج, لكل واحد دور فى الموت, انها مسألة وقت فقط, فى النهاية لن يتبقي الا واحد أو اثنين, وربما لا أحد, فكل ما على الجندى فعله فى الحرب هو قتل أكبر عدد من الاعداء (البشر) دون أن يموت..

كانت نافذتي فى السيارة تطل على ترعة الاسماعيلية, وعلى فترات مُتقاربة تمر بسرعة قرى صغيرة بيوتها من الطين على جانب الطريق, وامام كل قرية درج يصل بين الشاطىء ومياه الترعة, عليه بعض النساء يغسلن اوانى الطبخ فى المياه.. احياناً أسمع زئير طائرات فى السماء, لم أكن احتاج لرفع بصري كى اعرف انها طائرات اسرائيلية عائدة من ذبح مطارات الدلتا (أو التأكد من تدميرها), وللمصادفة أحياناً كانت الطائرات تمر فوق سيارة لورى مُكدسة برجال فى طريقهم للقاهرة للاحتفال بالنصر الزائف (كانت الاذاعة تقول أن قواتنا فى الطريق الى تل أبيب), وربما يصفقون ويلوحون الى الطائرات المُعادية بأيديهم فى مشهد سخيف مُثير للحزن والشفقة..

طوال الطريق, كنتُ أقود السيارة بسرعة عالية, لكني كنتُ اتمهل عند رؤية الجرارت الزراعية لا إحتراماً وتقديراً لها ولكن لانها من الممكن أن تنجرف يميناً أو يساراً فجأة, كما أن الطريق ضيق (حارة لكل اتجاه) وسائقي الجرارات الزراعية عادة لا يُجيدون قيادتها..

فجأة, خرج علينا جرار زراعي من طريق جانبي, كما لو كان حُصان هائج يفر من صاحبه ويعدو مثلنا بسرعة عالية, حاولتُ أن أتفادى هجومه المفاجىء, حذرته عبر مزمار السيارة, "أنا قادم, أنا قادم, أنا قادم أيها الاحمق", تمنيت لو سحقتُ رأسه بطلقات الكلاشينكوف, أمسكتُ مقود السيارة بقوة كى لا تخرج عن السيطرة, ضغتُ على المكابح, تألمت عجلات السيارة وأخذت تصرخ وتزحف للامام حتى أصبح كشّافها على بعد فلس واحد من عجلة الجرار الخلفية اليمنى الضخمة, أدرتُ المقود بحزم ناحية دقات قلبي السريعة والمزعجة, فى ثانية أو أقل توقفتُ على حافة ترعة الاسماعيلية, كانت المياه قريبة جداً لدرجة جعلتني أشعر أن مُقدمة السيارة مُعلقة فى الهواء فوق المياه, لم تكد تهدأ مُحركات قلبي حتى سمعتُ من يصرخ فى وجهي طالباً الابتعاد عن طريقه, أدرتُ رأسي ورفعتها فوجدتُ سيارة لورى قادمة بسرعة, إتسعت أعيننا, وحدقنا فيها برعب شديد.

***

مطار إنشاص (نقطة تجمع), قرب المغرب..

الوجوه كانت قلقة, الوقت يمضى ببطىء طبقاً لنسبية أينشتاين, عرف الجميع ما فعلته فى فايد, وتعجب البعض من ذقني, سألني طيار بسخرية, موضة جديدة أم نذر؟

رغم أنني لا أحب دس الاذن فى الدردشات وبذلتُ جهداً فى التهرب من إستجواب الطيارين, الا أنني سمعتُ بطولات كثيرة منها ان الطيار نبيل شكرى استطاع بمهارة ومعجزة ان يُقلع بطائرة فى مسافة أقل من كيلو متر من ممر فرعى (كان مُدمراً), دخل مع الطائرات الاسرائيلية فى قتال جوى فوق المطار, واستطاع اسقاط طائرة اسرائيلية بالقرب من الزقازيق, فور أن هبط فى نفس المسافة التى أقلع منها طلب سيارة جيب, قادها الى مكان سقوط الطائرة وعاد بجزء من حطامها الى المطار.. علمتُ ايضاً ان جميع المطارات المصرية دمرت بذات السيناريو, دمرت الطائرات وهي على الارض, قلة نجت وأفلتت الى السماء, وقد قاتل طياريها ببسالة, ونالوا الاحترام, أما مطار العريش فظل سليماً, بنقطة ذكاء واحدة يستطيع المرء إستنتاج ان اسرائيل لم تخدش مطار العريش لانها تنوى احتلال المدينة واستخدام مطارها, علمت أيضاً ان قاذفات القنابل اليوشن و"تى يو 16" التى كانت الواحدة بحجم طائرة بوينج ضخمة قد دمرت جميعاً, أصبحت السماء خالية أمام طيران العدو, أخذ سلاح الجو البلد والحرب صوب مصيره, إنتهت الحرب, ولم تستغرق وقتاً طويلا, خسرنا يا ناصر, خسرنا أيها المُشير, تحدد مصير المنطقة لسنوات قادمة..

صعدت سطح إستراحة الملك فاروق (ملك مصر والسودان سابقاً), كنتُ فى الثانية والعشرين من عمري حينما عادت جثة الملك من روما ليلاً ودفنت سراً فى مدينة الموتى التى يُشرف عليها جبل المقطم..

من فوق إستراحة الملك, رأيت حمام السباحة, إسطبل الخيول, المطار مدمر بالكامل, قنابل موقوتة لم تستيقظ بعد فى كل مكان ويتحاشاها الجميع, الممرات دمرتها "قنابل ممر" تهبط بمظلة, الطائرات مُحترقة ومازال بعضها يتصاعد منه الدخان عدا بضع طائرات ظلت سليمة بإعجوبة, سحبها ميكانيكية الطائرات الى داخل حدائق المانجو, وخبئوها بين الاغصان العالية..

ظهرت طائرة ميراج إسرائيلية تحوم فى ارجاء المطار, كانت تلتقط الصور, وجهت المدفع الرشاش (البندقية الكلاشينكوف) ناحيتها, صرخ الرائد سليمان قدري: "حاسب, هيعمل فيك زى بتاع فايد, وهيعرف مكانا".

***

- غرفة الفئران -

ولدتُ فى بناية بحى شبرا على طراز نيو باروك فرنسى وأرت ديكو, لها هيبة وجلالة, سقفها مُرتفع, كل شُرفة مزينة بتمثال دقيق النحت لعروسة البحر وهي تحمل الشُرفة بكلتا يديها, رأسها وضفائر شعرها حقيقيّة تماماً, بناية فخمة كالمتاحف أو دور الاوبرا, لها حديقة خلفية رائعة بها أرجوحتين, وفى بداية التسعينات هجمت البنايات غريبة الطراز والالوان على شوارع شبرا, فصارت غريبة فى الشارع وتحولت حديقتها الخلفية الى نقطة تنهشها نوافذ البنايات المُرتفعة وتجمع لقمامتها..

كان ميلادي فى الثامن والعشرين من مايو/ أيار 1943, بعد عام من اعلان الاذاعة ان الجنرال روميل سيتناول الجاتوه الخامسة مساءاً فى القاهرة عند جروبي (الجميع فى العالم يعرفون جروبي), كانت مدافع وطائرات الحرب العالمية الثانية فى أوج تألقها.. تولت ولادتي قابلة (داية) ماهرة عجوز لا تخونها يديها, قيل أنها كانت القابلة الخاصة لبعض العائلات الانجليزية المقيمة فى مصر.. وحينما كنتُ طفلاً لم أكن مُغرماً بالحلويات والمصاصات والبطاطا والبيض المسلوق, لكني كنتُ أعشق كل شىء يصنعه الخواجة جروبي, بتي سويس, مارون غلاسية, أيس كريم الفانليا والمانجو والفراولة بالصودا, وكانت دراجة أيس كريم جروبي ذات الثلاث عجلات تنتظر أمام باب المدرسة.. كانت جدتي لابي دون توقف تخبرني (على سبيل التخويف) أن ابو رجل مسلوخة والغول سيعاقباني على عدم حبي للطعام وتمردي على المذاكرة والاوامر.. وبمناسبة أبو رجل مسلوخة سأحكي لكم حكايته مع جلباب أبي..

كعادة المصريين كان أبي يرتدي فى البيت بيجامة كستور أو جلباب, وكان يُعلق الجلباب على شماعة طويلة من الخشب فى زاوية الغرفة, كنتُ أعتقد ان ابو رجل مسلوخة يتسلل ليلاً للغرفة ويدس نفسه فى الجلباب, لم أكن اغط فى نوم عميق بسبب ذلك, وفى ليلة أستيقظتُ وقررتُ القضاء عليه..

حدقتُ فيه, ثم أخذت أعد بدون صوت, واحد... اثنين.. ثلاثة.. هجمتُ عليه كما ينقض الصقر على فريسته, أخذتُ الجلباب فى طريقي واصطدمت رأسي بالحائط بقوة.. وأصبحت الحادثة طُرفة عائلية يضحك عليها الجميع.

حينما كنتُ فى الروضةكانت البلد مقسمة الى مصريين واجانب لكل منهما عالمه الخاص ومدارسه الخاصة, لم يكن المصريين أنفسهم قد إنقسموا بعد الى عالمين, الكمبوندات والعشوائيات, كان وقتها يمكن أن تجد فى مدرسة واحدة وفصل واحد ابن المُدير وابن الوزير وابن حارس العقار وابن بائع الفواكة, لم يكن أحد يشعر بالفقر فالفقراء كانوا محاطين بالفقراء والاغنياء الذين لا يظهرون ثراء فاحش..

لم أكن ولداً شريراً على الاطلاق, فى الروضة كانت الابلة لا تمل من تهديد الفتيان الاشقياء بالحبس فى غرفة الفئران, قررتُ التضحية من أجل الجميع, دخلت الغرفة لقتل الفئران (لم أكن ولداً شريراً على الاطلاق), لكن الغرفة لم تكن سوى مخزن للمقاعد الدراسية (التخت) المكسورة واشياء أخرى لم تعد صالحة.

***

فى بداية الستينات تحديداً السنة التى وصل فيها كيندي الى رئاسة أمريكا ونال فيلم الشقة جائزة الاوسكار, غادرت أسرتي شبرا,كحال أسر القاهرة الميسورة التى تغادر الاحياء المكتظة بعشوائية الشوارع والاختلاط الحرام بين طنين اتوبيسات النقل العام وجلجلة مزامير السيارات, يغادرون الى المعادى أو مصر الجديدة.. يسترد المصريين بلدهم ويحلون تدريجيا مكان جاليات اجنبية تتلاشى يوما فيوماً, ويجلسون مكانهم على مقاعد جروبي وحول طاولة القمار فى نادى السيارات بشارع سليمان باشا, ويقذفون كرة الاجانب فى ملعب الجولف الرملى فى نادى المعادى الرياضى..

كنتُ أقف على اعتاب الثامنة عشر حينما إنتقلت العائلة الى ضاحية مصر الجديدة (هليوبوليس), مدينة الشمس المحشورة بين العباسية وقصر البارون, البارون إمبان, ثرى بلجيكى وصل مصر عام 1904 من أجل مشروع للسكة الحديد يربط مدينة المنصورة بالمنزلة التى تطل على بحيرة تحمل الاسم ذاته, ورغم أن الانجليز قد فازورا بالصفقة الا أن الرجل الذى جال أوروبا وأمريكا الجنوبية والهند إتخذ قراراً لم يكن عجيبا فى ذلك الوقت, سحرته المحروسة فقرر البقاء بها, وفى عام 1906 أسس ضاحية مصر الجديدة, وبنى فندق هليوبوليس بالاس الذى حوله عبد الناصر الى قصر الاتحادية, وبني قصرا لعائلته, إستوحى المصمم الفرنسي "ألكساندر مارسيل" قصر البارون من معبد أنكور وات فى كمبوديا ومعابد أوريسا الهندوسيّة, وبداخله ساعة أثرية لا مثيل لها الا فى قصر باكنجهام الملكى فى لندن, توضح الوقت بالدقائق والساعات والايام والشهور والسنين مع بيان تغيرات أوجه القمر, ويتكون القصر من طابقين وتحمل تماثيل الفيلة الهندية شرفاته..

 
ما مأذنة القصر فلوحة يحتار المرء فى وصف جمالها, ترتفع لأربعة طوابق يدور معها من الداخل سلم حلزونى, على درابزينه نقوش من الصفائح البرونزية مزينة بتماثيل هندية دقيقة النحت, ومازالت تلك التحفة الفنية حتى اليوم فى طريق المطار تودع الراحلين وتستقبل القادمين, وبنى البارون كنيسة البازليك فى الجهة المقابلة لقصره, ولسبب غامض ربط بينهما بنفق, وحينما مات البارون دفن فى كنيسة البازليك (كما أوصى), ومازالت روحه حتى اليوم تنتقل بين الكنيسة وقصره من خلال النفق.

***

كانت ضاحية البارون إمبان وقتها صحراء قاحلة على أطراف القاهرة, ويمكن أن تجد مقعد لسيارتك بسهولة, لم تكن مياه النيل قد وصلت منازلها بعد, كانت مياه الابار (مُعين), يسعدني القول أن حيينا الجديد تحفة هندسية, الشوارع فسيحة وهادئة وخطوط الترام تصل الى كل مكان, كل عمارة وحديقة وشارع فى المكان المناسب, برغم ذلك كان الانتقال شاقاً على نفسي, بيت جديد وأثاث جديد ونمط حياة جديد ولا أصدقاء جدد, ظلت شبرا أرض الذكريات والحكايات والاصدقاء والتفاوت بين الناس والانفاس المتقاربة وجيران تعرف بعضها واطفال يتحدثون مع الغرباء دون خوف, شبرا إسطنبول القاهرة, دويلة صغيرة, جمهورية شُبرا.. حتى ماجدة كانت تعتقد أن وجودنا فى مصر الجديدة مؤقت لذا دائماً ما كانت تسأل: "متى سنعود الى بيتنا؟", تقصد فى شبرا..

التحقتُ بكلية الطيران, تقدم الى الكلية خمسة آلاف نجح منهم ستة وثلاثون فى الكشف الطبي, وتم قبولهم جميعاً كطيارين.

***


- حبس إحتياطي للحقيقة -

مصر الجديدة, ليلاً..

نعم, لا يجب أن تقول كل شىء للناس, لكن لا تستخف بعقولهم..

برغم أن الظلام قد هجم على القاهرة ومصر كلها الا ان الناطق العسكري حول الهزيمة لنصر وجعل الحياة تجرى فى مجرى الفرح, رأيتُ الناس فى الشوارع يحتفلون بالنصر الزائف, واتوبيسات نصر العامة والترام ينقلون الناس للاحتفال فى وسط القاهرة, الى متي يستطيعون خداع الناس؟

فى البيت, إستقبلتُ بحفاوة بالغة, حتى أن ماجدة (أختي) قفزت فى الهواء وصرخت وتعلقت برقبتي, تحسست نصف ذقني الغير محلوق وقالت: ماكنتش فاضى تكمل حلق دقنك النهاردة ولا اية!

تناولت أمي البندقية الكلاشينكوف من يدي, أسندتها على حائط بجوار باب الشقة, قالت: "طيارات اسرائيلية كتير وقعت النهاردة, ها وقعت كام طيارة؟"..

طوال حياته, لم أستطيع اخفاء شىء عن أبي, لان له عينان عميقتان يرى بهما ما بداخلي وتكشف نواياي, ونظراً لذلك الاعتقاد, لم أكذب عليه قط, حينما تابع وجهي عرف الكثير لذا توهجت عيناه.. تحرك ناحية رف المذياع, حيث كانت إذاعة القاهرة أو اذاعة صوت العرب (لا أتذكر) تصدح بالاكاذيب عن الحرب, لف عجلة مستوى الصوت فهدأ صوت الاكاذيب كثيراً, إقترب مني ووضع يده على كتفي فأعادني الى العالم, سألني عما حدث؟

كانت الانظار مصوبة عليّ, وكلما حاولت ان اتكلم تراجع صوتي الى الداخل, هرب مني, أخيراً أمسكتُ به وقلت: "مطارتنا كلها اتضربت والطيارات كانت ع الارض, والاسرائيلين دخلوا رفح وزمانهم فى العريش دلوقتى.."

هكذا بدون مُقدمات أو تفاصيل أخجل من ذكرها أمام أبي, لانني أود دائماً أن ألقى إعجابه..

أغرقتهم الصدمة حتى نهاية رُؤوسهم, فزع وجه أبي وبدت عينيه قلقتين خلف زجاج نظارته, وضعت أمي يدها على فمها واتسعت عيناها, حاولت ماجدة أن تتكلم, كنتُ أعرف ان الشوق لنزع الغطاء عما حدث يحرق أعصابها, طلب منها أبي أن تسكت, مضت فى الكلام فأنذرها بأن حدق فيها بقسوة حتى انصاعت له..

مضت بضع ثواني صامتة, تقدم أبي بهدووء ناحية المذياع وأغلقه فى وجه المذيع, (الان تجاوزت السبعين ولم اقابل رجل اكثر رصانة ولا تأنى وحب لاولاده من أبي.), أثناء ذلك كنت أتبادل مع ماجدة الاشارات..

قالت أمي وهى تهز أصبع يدها بالنفى: لا لا لا كلامك أكيد غلط يا سمير, دة أم كلثوم كانت بتقول هتغنى فى تل أبيب, واحمد سعيد بيقول وقعنا اكتر من 100 طيارة..

مضت أمي ناحية المطبخ وهي تكرر بصوت رتيب كأنها لا تُصدق: لا, لا, كلامك غلط يا سمير..

أخيراً, حلقتُ نصف ذقني فى الحمام, غسلتُ رأسي عدة مرات كى أتطهر من الهزيمة, وحينما خرجت كانت أمي قد وضعت طعاماً فوق المنضدة (السُفرة), وكان أبي يحرق سيجارة روثمان فى الشرفة ويضع يده الثانية فوق سورها الحديدي, الجزء المُحترق من السيجارة بد فى الظلام نار حمراء متوهجة كالجحيم, كان باب الشُرفة الخشبي مفتوح, وزجاجه المعتم مكسور فى مكانه لاختراق الطائرات الاسرائيلية حاجز الصوت, منع فسيفساء الزجاج من السقوط شريط لاصق بُنى وعريض على هيئة صليب يُــقسم الزجاج الى أربعة أقسام متساوية, كان زجاج جميع النوافذ على هذه الحالة..

كان واضحاً ان طائرات العدو تسلقت أسوار القاهرة العتيقة عدة مرات اليوم وأرهبت الاطفال, لن يُجدى نفعاً حتى لو كان للقاهرة سور مثل "سور طروادة" الذى حمى المدينة من الغزو عشر سنوات, فقد اخترع البشر طُرقاً أسرع واسهل للموت والدمار.. لو كان هناك طائرات حربية فى القرون الاولى لانتهت حروب العشر سنوات فى دقائق معدودة وإنكمشت كتب التاريخ لاكثر من النصف..

جلست أمي على مقعد فى وجهي وراحت تنظر اليّ, حينما تطلعت اليها كانت مُتحيرة ونظرتها عبء لا أتحمله, خلفها البيانو, لسنوات, لم أرى أحد يعزف عليه وكنتُ أنظر اليه على انه مجرد رف لبراويز الصور الابيض والاسود..

دخل أبي بعد أن أباد السيجارة, طلبت أمي منه ان يُغلق شيش باب الشرفة للتعتيم, وهو يُغلق الشيش, سألني إن كانت امريكا هى التى تحاربنا؟, كان ذهني غائباً وأشبه طائر متوتر, لا أتذكر ان كنتُ أجبته, ربما بالنفى.. سألته ان كان مايزال يُحب عبد الناصر؟, قال: "ان الانسان يظل يحب أبويّه حتى وان كانت أفعالهما تغضبه".. سـألت أمي: "يا ترى فين عبد الناصر دلوقتى؟", دافع أبي: "انه بالتأكيد فى القاهرة", وأضاف: أثناء العدوان الثلاثي (حرب السويس) خرج عبد الناصر وقال من الجامع الازهر: "أنا هنا فى القاهرة ضد أي غزو سأقاتل معاكم, ولادى موجودين معاكم فى القاهرة ماطلعتهمش بره ومش هاطلعهم بره, سنقاتل لاخر نقطة دم, لن نستسلم أبداً.."

أخبرنا أبي أن عبد الناصر قال عن الانجليز "عدو أكرهه", وقال عن اليهود "عدو أحتقره", سألته عن إحتمال خروج إسرائيل من سيناء كما حدث فى عام 56؟

تنهد وحدق فيما أمامه وقال: ممكن, لكن بعد تأديب عبد الناصر, كان يمكن أن تكتفى امريكا بفتح مضايق البحر الاحمر بالقوة, لكنهم يريدون اذلال عبد الناصر..

إنتهى عبد الناصر, إنتهى ناصر, كان يستحق الحياة أكثر, قلتُ فى نفسي..

لم أشعر برغبة فى الاكل, أغسطتُ المعلقة فى الصحن مرتين أو ثلاثة, مضغتُ طويلاً وكأنني أمضع الافكار لا اللقمة.. نهضت الى داخل غرفتي وخلفي أمي, قالت لي كلاماً لم أنتبه اليه, وطلبتُ منها أن توقظني فى السادسة صباحاً..

بدت الغرفة كهفاً مظلماً, يفوح من أثاثها رائحة الغبار, فلم يدخلها أحد فى فترة غيابي الطويل منذ اعلنتُ حالة الطوارىء.. سوت أمي السرير, كانت قدميّ تؤلمني كأنما كنت ارتدى حذاء ضيق طوال اليوم, نزعتُ حذائي العسكرى وأستلقيتُ على السرير, فى الوقت نفسه كانت أمي تُخرج بيجامة من الدولاب, لفت وجهها الحزين اليّ, نهضتُ وأخذتُ البيجامة من يدها, لم تتبادل معي كلمة, وضعت قبلة فوق وجنتي, دفئت قلبي وخرجت..

بدلتُ ملابسي, وفرشتُ جسدي فوق السرير, عرفتُ طريقاً للبكاء على الوطن, ومن شدة الغم اعتقدتُ أنني سأستيقظ فى القبر, فكما قال روميل فى رسالة الى زوجته: "الموتى محظوظون فقد إنتهى كل شىء بالنسبة اليهم."

خلف زجاج باب الغرفة كانت أمي فى الممر, لا تتوقف عن الحركة, تتقدم وتتراجع, سألت نفسي: هل تركتني وحيداً فى الغرفة حقاً؟.. صدقيني يا أمي, لم يكن خطئي, فكيف يُضيع وطناً شاب لم يتجاوز الرابعة والعشرين!!!

***

بعد إنقطاع لفترة طويلة استأنفت صافرات الانذار الحقيرة صراخها, إنتظرتُ ان تدفع أمي باب الغرفة, تحمل ماجدة فوق كتفها والفزع فى وجهيهما وكأن الحياة لم يتبقى من عمرها الا دقائق, تجرني قبل ان توقظني, تهرول بنا على الدرج الى الملجأ وعينيّ مغمضتين والصواريخ فى الخارج تُضىء السماء ونوافذ المنازل وكأن ومضة برق ضربتها.. كم من الاوقات الجميلة قضيناها فى ظلام الملجأ فى انتظار القذيفة!!, وسط العائلات والجرزان والوشوشات وصراخ الاطفال ودمى للتسلية من القطن المصري ودردشات ليلية ودندنة اغاني أم كلثوم الوطنية ونكات تنجح فى رسم إبتسامة مؤقتة على الوجوه..

ذات ليلة كادت أن تكون غارات الطائرات الانجليزية والفرنسية مُتصلة بذيل بعضها, إحتفلنا بعيد ميلاد أيمن (ربما) السابع, يسكن فى الشقة يسار الطابق الاخير, فيما أتذكر, كسرنا ظلام الملجأ ليلتها بسبع شمعات لدقائق قليلة, ورددنا: "يالا حالا بالا بالا هنوا أبو الفصاد, هيكون عيد ميلاده الليلة أسعد الاعياد", لكن أيمن كان خائفاً يوم مولده..

وفى ليلة من ليالي القصف, فى العتمة كانت جارتنا تزرع الملجأ جيئة وذهاباً, تمر من أمام قدمي الحافيتين, تقترب وتبتعد وهي تُدخن السجائر وتثرثر بكلمات مُبهمة, إقترب منها شاب وسألها, فأخبرته ان ابنتها كانت فى الشارع ولم تعود, ولم تعود.. من الاشياء الطريفة أن جارنا الشيوعي, ذكرها ليلتها بأن الله لن يتركها لان الاطفال احباب الله..

لم تدخل أمي, وكان عليّ أن اتوقع ذلك, فقد مضى أكثر من عشر سنوات على حرب السويس.

دوت صافرة الامان.

***

وأنا مُستلقى داخل ظلام أحداث الامس واليوم, إندس جرس الهاتف فى السكون وقطع صوت دقات الساعة البندولية الضعيف, هكذا الحياة, أصحاب الصوت العالى يسرقون الانتباه, كانت أذني مُنتصبة, توقف طنين الهاتف حينما رفع شخص ما السماعة, سمعتُ أبي يقول بصوت ليس بخير: "أه, الحمد لله عرفنا انه كويس وبخير..", أغلق الخط وتابعت الساعة دقّها بهدووء..

تكرر ذلك لمرات, أعتقد ان الجميع قد إتصل عدا خالتي, تقدمت بطلب تركيب تليفون منذ سنوات ولم يصل بيتها حتى الان.

دفنت رأسي بين وسادتين من القطن المصري, وهكذا إنتهي اليوم الذى إنطفئت فيه أنوار الوطن مؤقتاً وكف عن الغناء, إنتهى أطول يوم فى تاريخي.

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech