Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
المجموعة 73 مؤرخين **** مؤسسة ثقافية لنشر الوعي بالبطولات المصرية *** مشهرة برقم 10257 لسنه 2016 ***

رواية بارون الميج - سمير عزيز - الحلقة الثانية

 

بارون الميج

المؤلف: زين الدين

الاسم كاملاً: محمد السيد طه محمد زين الدين

رقم الإيداع: 25020/2017

الترقيم الدولي:978-977-90-5077-5

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف, ولا يجوز النشر أو الطبع الا بإذن المؤلف, ولا يجوز الاقتباس دون الاشارة للمصدر.

 

- الى الجزائر يا رفاق -

6 يونيو/ حزيران 1967..

كلما كبرت الكذبة كانت أضعف أمام الاستمرار..

هناك جنود اسرائيلين يقيمون عرضاً عسكريا فى شارع الميرغنى على بعد أمتار قليلة من عمل عبد الناصر فى قصر الاتحادية, تحول نادى هليوبوليس الى ثكنة عسكرية ومنطقة إنزال.. رأيتُ مُصابين على نقالات وقتلي على الارض وجندياً يرفع بندقيته فى الهواء, ويضرب بكعبها سيدة فى عمر أمي, إحتل الاسرائيليّن مصر الجديدة, أحدث احياء القاهرة وبالمناسبة أقدم من دولتهم بأكثر من أربعين عاماً..

فتحتُ عينيّ بسرعة وفزع, كان نومي مُتقطعاً, وجدتُ أمي واقفة عند رأسي عالقة فى متاهة وعلى وشك أن تذرف الدموع, حولها زقزقة العصافير على شجرة الفيكس القريبة من النافذة.. هل أبحر عبد الناصر والمُشير فى بحر النوم؟, سألتُ نفسي, غرستُ كفيّا فى مَرتبة مُلّة السرير ورفعتُ جسدي, عادت الشمس مرة أخرى خلف النافذة وتتزاحم أشعتها على الزجاج المعتم, حقاً إنها عادلة تنهض كل الصباح لتنير طريق الجميع, المهزوم والمنتصر دون تمييز.. قربت أمي وجهها اليّ وقالت بصوت ضعيف:"ماتطمني يابنى, قولي رايح على فين؟", أخبرتها اني لا أعرف.. أثناء نومي اتصلت صديقة لامي واخبرتها ان ابنها عاد من سيناء وتحدث عن فظائع وهزيمة عظيمة وإنسحاب دون نظام, قالت أمي: "الناس بدأت تعرف"..

بعد قليل دقت الساعة نصف دقة, إرتديتُ الافروال, كانت أمي قلقة ومتوترة جداً (ليكن الرب فى عونها).. تركت لأبي البندقية الكلاشينكوف التى تسلمتها بالذخيرة فى مطار فايد, عند الباب, أخبرته أن الوضع صعب وأن الجيش الاسرائيلي قد يدخل القاهرة وحينها سيكون إمتلاك سلاح واجباً..

نزلت أمي معي الى الشارع, كانت شكائر الرمل تملأ الشوارع وتسد مداخل العمارات, وأعلام الجمهورية العربية المُتحدة تُرفرف فى الشُرفات وتحيي المارة, وقفت بجوار أمي, ولما تأخر مرور أيّ تاكسي (فالوقت كان مبكراً والشارع جانبي وهادىء), طلبتُ منها أن تصعد الى الشقة, عانقتني بقوة لدقائق وإنهمرت دموعها فوق كتفي, قالت ليّ: "لا تتركني وحيدة, أنت ابني الوحيد, فكر فيّا قبل تعرض حياتك للخطر, عدني الا تعرض نفسك للخطر.", قالت ذلك وأخذت تلتقط أنفاسها بمشقة وسمعتُ صوت دموعها, تبرَّمت لذلك, فأمي لا تشبع من البكاء وتعاملني بحنان واهتمام زائدين عن الحد الذى أرغب فيه, وذلك يرجع لانني وحيدها.. حينما أتذكر ذلك بعد عشرات السنوات وانا أودع ابني نادر (الوحيد ايضاً), لو كنتُ وقتها أعلم انه أخر لقاء بيننا, كنتُ سأعانقه الى الابد واملىء أنفي برائحته ولن أفلته من حضني للحظة واحدة, كنتُ سأخبئك من الموت يا بُني, اموت عوضاً عنك, لا بل عوضاً عن خصلة من شعرك..

رحل شاباً ولم أكن قد شبعتُ منه بعد, لذا لن أسامح الموت أبداً.

قطعتُ لأمي وعداً لن أفى به قط, لطالما كنتُ مُجازفاً, حملتُ حقيبة بها ملابس الطيران ومشيت على قدمي, صوت انفجار هائل قريب, إستيقظت الطائرات الاسرائيلية وبدأت تُلقى تحية الصباح على سُـكان القاهرة, لم تُـلقى قنابل ولكنه إختراق لحاجز الصوت..

بعد كثير من الخطوات وقبل أن انعطف فى الشارع التفتُ خلفي فوجدتُ أمي مازالت واقفة مكانها تتابعني ولم تختبىء, لوحت اليّ بيدها, كان ذلك كفيلاً بالشعور بالتعاسة والشفقة على حالها.. تابعتُ المشى حتى شارع صلاح سالم, كل من قابلته كان يبتسم الىّ أو يصافحني, حتى أن امرأة ثلاثينية سألتني عن اسمي, لانها تُريد أن تمنحه طفلها القادم للحياة بعد أيام..

نظرت ناحية جرائد معلقة فى واجهة حانوت صغير من الخشب, فوقها أعلام الجمهورية العربية المُتحدة على هيئة سلسلة, وصورة عبد الناصر يرتدى بذلة كاملة بجوارها صورة لأم كلثوم مُلصقتين داخل الحانوت, وامام الحانوت دكة من الخشب فوقها كتب ومجلاتوجرائد نائمة على ظهرها, وعلى الرصيف أمام الحانوت يجلس البائع, كان الشارع فارغاً ولم يكن يُنادى "أهرام أخبار جمهورية"..

تجمدتُ للحظة امام عناوين صحف ظهرت جلياً من بعيد: "أسقطنا ....., وتحتها بالخط العريض: قواتنا تتوغل داخل إسرائيل"..

اقتربتُ أكثر فوجدت أن جريدة الأخبار قد أسقطت 86 طائرة للعدو..

نهض البائع ووضع فى يدي جريدة الاهرام, وأنا امزقها من الغيظ توقف البائع عن الحركة ولمعت عينيه من الصدمة, وضعت فى يده ثمن الجريدة (خمسة عشر مليماً), حدث كل هذا وكأنه فيلم قصير صامت من أفلام مستر بين..

تحركتُ خطوات بعيداً عن الحانوت ثم أوقفتُ تاكسى..

لم يسألني السائق عن وجهتي قبل أن تطأ قدمي السيارة, كعادة سائقي تاكسى القاهرة, ولكنه قال: أيّ مكان عايز تروحه يابطل هاوديك ليه..

بصوت ضعيف وحزين قلتُ له: وديني بس عند رئاسة القوات الجوية ف روكسي.

دخلت السيارة وجلستُ فى المقعد الخلفى بجوار حقيبتي..

***

إذا هزمت الاقوى, سينصاع اليك الجميع دون عناء يُذكر..

أثناء الحرب العالمية الثانية إتفق الحلفاء على أن "ألمانيا أولاً", وعلى غرار ذلك يبدو أنه أتفق فى إسرائيل على أن "مصر أولاً", كما أن لذة النصر السريع ستدفع قادتهم ناحية حافة "جنون القوة المطلقة" لذا ستستمر الحرب..

من خلال "منظار جاليلو" للمستقبل تنبأت ان سلاح الجو السوري والاردني سيهزمان بأدنى جهد, وقد حدث.. كان ذلك اخر ماتوقعته فى هذا اليوم, فقد قررت التوقف عن هذه اللعبة السخيفة التى تلعب بي منذ الامس وكادت أن تدمر خلايا عقلي..

إستدار السائق فجأة اليّ, وأخبرني أننا وصلنا, كان التاكسى متوقف, تبع ذلك صوت إنفجار قوى, إخترقت الطائرات الاسرائيلية حاجز الصوت لبث الرعب فى النفوس, حركتُ رأسي فى جميع الجهات ولم اجد شىء..

وصلتُ رئاسة القوات الجوية قبل الساعة السابعة صباحاً.. وفور وصولي إبلغت ان هناك سيارات فى الخارج سوف تأخذنا الى مطار القاهرة, وهناك تنتظر طائرة أنتينوف حربية سوف تأخذنا الى الجزائر, كى نعود بطائرات ميج من هناك..

بعدما خسرنا كل شىء, هاتف عبد الناصر الرئيس الجزائري هوارى بومدين, طلب منه إرسال طائرات ميج الى مصر, تدخل الحرب مُباشرة, لم يلذ بومدين بالفرار, ولم يلتفت الى غضب أمريكا وفرنسا, تصرف بحماسة مُفرطة, طمأن عبد الناصر وطلب منه إرسال طيارين مصريين لاستلامها لان سلاح الجو الجزائري حديث عهدٍ وتلقى طياريه جانب ضئيل من التدريب. (عرفت ذلك بعد سنوات عن طريق شبكة الانترنت)..

***

فى مطار القاهرة, كان الوضع مأساوى, تجمع هائل للطيارين فى صالات المطار وفى كل زاوية, واذا أغلق المرء عينيه وأدار رأسه فى أيّ اتجاه بالتأكيد حينما يفتح غطاء عينيه سيجد طيار فى وجهه, وعلى فترات يصل طيارين بسيارات الاجرة أو الاتوبيسات أو بالجو, وما تبقى من سلاح الجو المصري مبعثراً بعشوائية فى أرجاء المطار, طائرة ميج هناك فوق الترامك وسوخوى بجوارها..

على فترات تصعد طائرات حربية سماء المطار فى رحلة للبحث عن عمل, أنتظر عودتها لساعات كأم تنتظر إبنها حتى الثانية صباحاً ويغلبها النعاس, أنتظر وأنتظر حتى يمل الامل من إنتظاري..

فى صالة المطار, تجنبتُ الكلام مع الطيارين أو الاقتراب منهم والنظر الى وجوهم, كنتُ أتابع أشعة الشمس البارزة من وراء الواح النافذة واتأمل صحراء تلف المطار من جميع الجهات, وجنود يمرون عبر نافذتي ويحتشدون للدفاع عن المطار, ألصق جبهتي بالزجاج وتنفجر القشعريرة داخلي وأنا أفكر فى هؤلاء الجنود المساكين, الغلابة الذين يسافرون فوق أسطح القطارات, مشهد دخولهم أرض سيناء أمام عيني محشورين فى شاحنات عسكرية يمر أمامي وكأنه يقع حالاً, بعضهم يرتدون وجوه صالحة وجلابيب وكأنهم حضروا من غيطانهم مباشرة دون وعى باستخدام السلاح.. الان, هم بدون غطاء جوى فى صحراء لا تُخفى أحد, الان, بالتأكيد يموت هناك مئات الشباب الشجعان بدون صرخة أو استغاثة.. أقيم حديثاً مع طائرات تستعد للاقلاع, كما لو كنا رفاق, أو أحبة, أتذكر اني خاطبتُ طائرة رفضت الاقلاع قائلاً: "ع الحلوة والمرة مش كنا متعاهدين"..

قطع صوت أموزيس أفكاري والحديث مع الطائرات, استدرتُ اليه, صافحته بفتور, إقترب مني أكثر وعانقني بود كما لو كان فراقنا قد طال لعشرات السنوات, قال بصوت حزين: "ياعالم هنشوف بعض تانى ولا لا؟".. أثارت كلماته مشاعري ورأيتُ الدموع تلمع فى عينيه المتعبتين, لم تكن إطلاقاً دموع الخوف, فانا اعرف اموزيس جيداً, إنها دموع القلق على الوطن, وأيضاً أنا أؤمن ان الطيار مثل باقى البشر يمكن أن يشعر بالتوتر والقلق لكنه لا يخاف أبداً.. عانقت اموزيس مرة أخرى وقلتُ له مازحاً: أومال مين هيغلبك فى الطاولة يا أفندم!!, فإبتسم فى حُزن..

تعود قصة الطاولة الى ما قبل ثمانية أشهر فى مطار المليز, كانت ليلة هادئة ودعاني فيها أموزيس الى لعب الطاولة معه, إنتهز فرصة أنني لا اجيد لعب الطاولة وضع شرطاً قاسياً, إن خسرت فلن احصل على اجازة, قلت فى نفسي: بالتأكيد سأظل هنا ثلاثة وعشرين يوماً ولن أحصل على اجازة.. وهزمته, أتذكر انه رمي الطاولة على الارض, إحمر وجهه, وزمجر من شدة الغضب.. فى اليوم التالى دعاني الى مكتبه وقال وهو يضحك: "ازاى تهزم قائد السرب؟, دانت المفروض تتحاكم عسكرياً"..

رحل معي الى الجزائر, أموزيس ميخائيل, ممدوح حشمت, سمير فريد, عز الدين ابو الذهب, فوزى سلامة, فريد حرفوش, سيد صقر, سمير عبد الله و..........

رحلتُ الى بلاد الامير عبد القادر على غير رغبة مني, دون أن تعلم عائلتي وبلا حقائب, بملابس الطيران فقط.

***

- وطني حبيبي, الوطن الاكبر -

 

كان الجزائريين رائعين معنا, إستقبلونا بالعناق والترحاب والتهانى بالنصر, فقد كانوا يستمعون الى أكاذيب إذاعة صوت العرب, إمتلك أحدنا الشجاعة واخبرهم بقدر من الحقيقة, تسمروا فى أماكنهم, ذهلوا, صدموا, خصوصاً عبد القاسم, من المتحمسين لناصر العرب, الذين أصابتهم سحر العروبة ولعنتها فى آن واحد, وأمنوا أن مصير العرب واحد, كما الله واحد, وعكفوا طوال حياتهم على عمل واحد وحلم واحد, دولة من المُحيط الى الخليج, أطلق عليه دفتر ملاحظاتي "حارس بوابة العروبة"..

قدموا الينا قطع ضخمة من الشوكولا, لم أرى مثلها فى حياتي, أحد الطيارين ابتلع ثلاثة قطع بسرعة حتى أنني اعتقدتُ انه لم يطحنها بأسنانه ويمضغها, بعد ذلك أصابة وجع شديد فى امعائه.

***

نصف دستة ميج 21, ستة طائرات, هذا كل ما وجدناه, قضينا الليل فى تجهيز الطائرات للطيران, وفى الصباح حدث جدال كاد أن يتمدد الى شجار على الطائرات, فى النهاية حجزها الطيارين الاقدم, وغادروا وكان معهم أموزيس..

جلسنا فوق الممر, الواقع يتعدى احلامنا, ماذا عساني أن أفعل؟ هل نعود بدون طائرات؟, وماذا سوف أعمل؟, مُصمم ازياء, فلاح!!

غنى عبد الغنى السيد, "ادتني الثورة خمس فدادين, خمس فدادين, والله هنيالي بأرضي ياعين, أنا أرضي الغالية بقت ملكي, بقى خيرها ليا ولاولادي, واللي نصفني ربنا يحميه ويخلي ولاده ويخليه, والله هنيالي بأرضي ياعين", لكن ثورة يوليو لم تعطى كل مصري طائرة حربية..

بعد مضى بعض الوقت, أخذونا فى عربات عسكرية الى هنجر (مخزن) ضخم للطائرات, وهناك وجدنا طائرات ميج 17, كل طائرة بجوارها جناحيها مفككين عن يمينها ويسارها, تنفسنا الصعداء وشعرنا بشىء من الارتياح ولكن علينا الانتظار أيام حتى تُصبح جميع الطائرات جاهزة للتحليق فى السماء, لاننا لابد ان نعود معاً..

***

اللوم أشد على المهزوم من الهزيمة..

لم أتمني شىء فى حياتي بقدر ان يعود إبني للحياة وان يتوقف الجزائريين على لومنا على الهزيمة, رؤية اللوم فى عيونهم وفى سكوتهم يمزق صدري, وحينما يسألني أحدهم "لماذا هزمتم؟", كنتُ أشعر بالاهانة وأنكس جفنيّ ورأسي كالمذنبين, ولا أدرى حتى الان لماذا كنتُ أقول فى نفسي مُندهشاً: "هل أنت أعـمي؟" !!

فى الليلة الثانية أخذونا فى أتوبيس لرؤية الجزائر العاصمة, لكننا كنا فى حالة حداد ولا مكان للتنزة..

فى الجزائر, كان كل شىء قاسياً وموحشاً, كنا فى حالة مُزرية وعلى وجوهنا سحابة الهزيمة والقلق, نتكلم قليلاً وأحيانا نتقابل دون أن ننبس بكلمة واحدة, لم يكن العيش مع الهزيمة سهلاً..

متي كانت أخر مرة هُزمت فيها؟, هل كان ذلك سهلاً؟

***

أمام الجزائر وفى أعماق البحر المتوسط تبرك حاملة طائرات أمريكية تهدد المُدن القابعة على شاطىء البحر, سيدفع الجزائرين ثمن مساعدتهم لعبد الناصر, إنهمك الجميع فى الاستعداد, كان هناك طائرتين ميج 17 جاهزتين وترقدان فى بداية الممر, طُـلب مني إستلام حالة الطوارىء مع "فريد حرفوش" والاستعداد, كانت فكرة مواجهة حاملة طائرات أمريكيّة حديثة بطائرتين ميج 17 تُثير السخرية, فى أيّ العصور هؤلاء؟

سألتُ عن برج المراقبة, مركز العمليات, الموجه الارضي (المُرشد اللاسلكي), الخرائط, ولم أتلقى جواباً, لف أحدهم جسده بعنف وأشار بيده قائلاً فى غضب "البحر من هنا", هكذا ببساطة!!

- لما نديكم الاشارة تطيروا فى الاتجاه ده, تضربوا حاملة الطائرات وترجعوا..

نعود بعد ذلك!!, كان ذلك اكثر من مُثير..

ظل التوتر والترقب والتطلع الى السماء..

***

حدث ذلك ليلاً, يوم الجمعة التاسع من يونيو/ حزيران, لا يمكنني الان تذكر ملامحه, لكن كلماته القاسية مازالت فى أذنيّ.. قال بلهجة تبدو عربية: "دخل اليهود القاهرة وتنحي عبد الناصر"..

رمي الضابط الجزائري الكلمات, توقف وابتلع ماء فمه, عاد كما كان صامتاً ويتبادل نظرات الأسى مع زميله, عندئذٍ, وثبتُ على قدمي واخذ قلبي ينبض بعنف وشعرتُ ان روحي تنسحب من جسدي, تمنيتُ لو أخطأت فهم كلماته أو انني بلغتُ حداً من الثمالة لا يسمح لي بالتمييز.. نظرت ناحية "فريد حرفوش", وجدته مُسمراً فى مكانه, يديه فوق ركبتيه وعينيه معي واللون الاحمر يتوهج فى وجهه..

فترة تجمد قصيرة للحياة, دس فيها "فريد حرفوش" رأسه بين يديه..

- إحتلت القاهرة ولن تعودوا, ستبقون معنا هنا..

لم تُثير إهتمامي كلماته التالية عن الاقامة الجبرية وأمور لا قيمة لها, كنتُ أنظر اليه ولا أسمعه فقد كنتُ مشغولاً بالبكاء بداخلي..

نعم, جعل الريّس رأسنا برأس أمريكا وانجلترا والغرب, لم يعد الانجليز يتحدثون نيابة عنا, أصبح لنا مخالب صغيرة وصوتاً وموقعاً, نصنع من الابرة للصاروخ, طائرات حلوان النفاثة وسيارات نصر وحتى احذية فى باتا وملابس فى صيدناوى وشيكوريل, تتباهى أفخم فنادق أوروبا بأن مفروشات غرفها مصنوعة فى المحلة أو حلوان من القطن المصري طويل التيلة.. كسرنا إحتكار السلاح وأممنا قناة السويس رغماً عن أنف انجلترا وفرنسا, بل ونتفنا ريش الديك والاوزة فى حرب السويس, "وقلنا هنبنى وادى احنا بنينا السد العالى".. كان لدينا حلم, القومية العربية, الوحدة العربية, (وحدة ما يغلبها غلاب, أنا واقف فوق الاهرام وقدامي بساتين الشام, أشاهدها وأهالى كرام, يقولوا لي قرب يازين, يقولوا لي مرحى يازين), لكن الدنيا كلها تكالبت علينا وعلى الريّس, والجواد الذى تنهش الكلاب ساقيه رويداً رويداً لابد أن يسقط يوماً ما.. ساند عبد الناصر حركات التحرر فى أفريقية والعالم وفى النهاية إحتلت بلاده, حدث ما لم تتوقعه أكثر النبوءات والعرافات تشائماً, لا أحد يغيثنا فالعرب مفرطين فى التفكك وانعدام المسؤلية وهناك كمامة على عيونهم وعقولهم, وفشل عبد الناصر فى تحريرهم من الرق, والسوفييت مع مرور الوقت يتضح ان يومهم بسنة وبخلاء فى توريد السلاح ولا تتوقع منهم شيئاً مُفيداً اثناء الكوارث, مصابون بالخوف المفرط ممن هم أقوي منهم ولا سبيل لانقاذهم..

جعلت ثورة يوليو التعليم مجاناً واصبح الموت ايضاً كذلك.

فى لحظة واحدة لم يعد هناك عبد الناصر وأيّ شىء, قُـصفت ذاكرتي بالمدفعية الثقيلة, فلا ذكريات بدون أماكن ولعل الاماكن أحرقها المُلاك الجدد, بكت القاهرة إذن وغابت شمسها, وأصبح أهلها غير آمنين يسمعون قعقعة جنازير الدبابات بدلاً من قعقعة الترام والقطارات.. كانت لحظة غريبة جدا, اختلطت الذكريات والاشياء والناس والاهل وكأنما طحنت معاً, لم أعد قادراً على التفكير وبد المستقبل جسر وسط الضباب ينهار تدريجياً اما عيني, نفق مُظلم لا نهاية له..

- هل أنت مُتأكد مما تقول؟

- قرأت الاذاعة المصرية بيان من القيادة العامة يقول ان اليهود قد عبروا من الضفة الشرقية للقناة الى الغربية, لم أخبركم به, بعدها خرج عبد الناصر وأعلن فى الاذاعة والتلفزيون انه تنحى..

- هذا كافى..

لم أعقد رباط حذائي, ذهبتُ بعيداً كى أستنشق الهواء, وبعد حوالى مائة خطوة بطيئة رأيتُ عساكر وضباط جزائريين يبكون, كانت الحسرة كبيرة, دويلة صغيرة بحجم شارع فى شبرا زرعها الغرب بيننا منذ أيام, كيف تهزم دولة كبيرة تقول أثارها انها قامت منذ آلاف السنوات!!!, ما حدث يُشبة قصة سُلحفاة هزمت ارنب فى سباق الجرى, لان الارنب كان واثقاً من الفوز وقرر ان يستريح أثناء السباق..

دونتُ فى دفتر ملاحظاتي: "ماذا يتبقي لنا إن سُلبت الاوطان حريتها أو قتلت؟, لا, الاوطان لا تموت, تخسر حرباً فتولد من جديد أفضل صحة وأكثر حيوية ونشاط."

لابد أن الدبابات الاسرائيلية تجوب الان شوارعاً كنتُ ألعب فيها بالكرة البلاستيك مع أصدقائي, لابد أنها أيضاً سحقت واجهة دكان عمي خليل الترزي (خياط) الذى كان يمزق الكرة بمقصه."

لا ضوء فى نهاية الليل, بل المزيد من الظلام, بدأ بعض الطيارين يجهزون لحياتهم الجديدة فى الجزائر..

 

تمنيت أن تضربنا حاملة الطائرات الامريكية وتضع حداً لحياتي.

 

 

- تفاح غزة -

"إبقى فأنت حبيب الشعب."

أخيراً اخبار جيدة, إبتعدت حاملة الطائرات الامريكية عن شواطىء الجزائر.. نجت القاهرة ولم يصل الاعداء اليها أبداً, نجى أبويّ واختي, تبين ان الجيش الاسرائيلي لم يدخل القاهرة وتوقف بعيداً عن عتباتها, عند حافة البر الشرقى لقناة السويس, رغم أنه لم يكن هناك جندى واحد من السويس حتى القاهرة.. تنحى عبد الناصر نهائيا عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي (كما ورد فى خطاب التنحى) وسلم البلاد الى زكريا محى الدين..

إهتزت مصر كلها, مازلنا فى حاجة الى ناصر, خرجت الجماهير الى الشوارع غاضبة, تحمل صور ناصر, تهتف, "ناصر, ناصر", "ارفض ارفض يا زكريا, عبد الناصر ماية الماية", "هنحارب, هنحارب", "نموت نموت وتحيا مصر", "يا جمال يامثال الوطنية", لكن بالتأكيد لم يكن بينهم أحد منالاقطاعيين الذين يؤمنون بحق فرد واحد فى إمتلاك ربع اراضى القليوبية أو احد من عائلة "الفقى" أو اهالى قرية كمشيش, هؤلاء لن يتظاهروا من أجل عبد الناصر..

منحت الجماهير عبد الناصر حياة ثانية, قالت الاذاعة "ان عبد الناصر لن يقاوم صوت الجماهير" وقالت الصُحف. "الشعب يقول لا", "امام ضغط شعبى غلاب قرر عبد الناصر تأجيل قراره بالتنحى", (لكن الرجل الذى بدَ مُسناً بعد الحرب ظل يؤجل قرار التخلى والتنحى حتى مات..)

يمكننا أن نحيا, أن نبكي من شدة الفرح, أن نحلم, عاد عبد الناصر, شعرنا بالحماسة وطلبنا من الجزائريين إستعجال تجهيز الطائرات..

***

لم أخلع ملابسي وجوربّي منذ أيام, كنا ننام ونستيقظ بملابسنا..

كان التراب يتجمع تحت اظافري وثيابي مُتسخة جداً وجسدي ثقيل ورائحة جوربّي كريهة, نظراً لانهما يشعان رائحة عطبة, لم أنزعهما من قدمي وهذا زاد الامر سوءاً.. كنتُ أشعر ان ملابسي تُـقيدني, فكلما جلستُ أو وقفت أو تحركتُ كانت تنكمش بصعوبة..

أصبحت الطائرات جاهزة, غسلتُ ملابسي وتركتها لتجف, وقبل أن نصعد الطائرات ودعنا الجزائريين وداعاً حاراً, أوصاني عبد القاسم عند سلم الطائرة: "لا تتركوا أرض العرب لليهود"..

أثناء العودة, توقفنا فى طرابلس للتزود بالوقود, وحينما وصلنا بنى غازى كان الظلام قد خيم, إنتظرنا حتى الصباح لان الميج 17 لا تطير بالليل, قدموا الينا كمبوت محشو بالمانجو, كان مذاقه لذيذ جداً, طلبنا طبق أخر, وكان هذا أول لقاء بيننا, ذكرني ذلك بـ "تفاح غزة", فحينما كنتُ بمطار المليز, ذهبتُ بسيارة لورى الى غزة لاحضار "موتور ماكينة خياطة سنجر منزلية" لطيار مواصلات وبعض الاشياء للطيارين, وقتها كان هناك حصار إقتصادى على مصر, الدجاج والزيت والسكر وصابون نابلسى شاهين (نابلسى فاروق قبل ثورة يوليو) وكل شىء توزعه الجمعيات فى حصص, لكل عائلة دجاجة واحدة فى الاسبوع, وحتى إطارات السيارات كان لكل فرد يمتلك سيارة اطارين من النوع نسر فى العام..

هناك فى سوق غزة, رأيتُ شيئاً عجيباً إسمه التفاح, فلم أرى مثله فى مصر, إشتريتُ ثلاثة كيلوجرامات بجنيه, وإلتهمتهم مع السائق فى الطريق ولم يترك أيّ منا شظية واحدة..

فى الصباح طرنا من بنى غازى الى مرسي مطروح ومنها الى مطار القاهرة الدولي, تحول المطار الى ثكنة عسكرية, استعداداً لقصف اسرائيلي أو غزو, مدفعية وجنود تظهر بنادقهم من وسط شكائر الرمل وخنادق وحفر برميلية.. طلبوا منا العودة الى بيوتنا والتجمع صباح الغد فى رئاسة القوات الجوية.

حوالى أربعين طائرة, مجموع ما أمدتنا به الجزائر من طائرات ميج 17.

***

تذكرتُ ذلك شيئاً فشيئاً, وساعدني دفتر ملاحظاتي وأختي ماجدة فى تذكر بعض التفاصيل..

رغم شعوري بالارهاق الشديد, الا أنني إنطلقتُ بسيارتي الفولكس بصحبة ماجدة الى وسط القاهرة, حيث غابة من مباني فخمة تعود الى عصر الخديوى إسماعيل, الهدف الامريكيّن اسفل عمارة "اليونيون دي باري" بشارع 26 يوليو, أو عمارة الامريكيّن كما يسميّها الناس..

 
 
 
 

كان جو الحرب والنكسة يُغلفان الاشياء والاماكن, أينما ذهبت عيناي, أعلام مُثبتة على أعمدة الانارة المُطفأة, الجدران مليئة بالكتابات الحماسية عن الحرب, يد الله معنا, سحقاً للصهيونية, (سنقاتل.. سنقاتل).. الشوارع فارغة ومُظلمة وفوانيس السيارة مدهونة للتعتيم, وأزيز مُحركها مُرتفع, والاذاعة تزيد من حرارة الجو وحماستي بـ "مصر التى فى خاطري وفى دمي", أخبرتني ماجدة بما كان من أمر التنحى, وقالت انها سعيدة لانني مازلتُ حياً, وهذا بفضل صلوات أمي من أجلي, أكملت بجدية "لم أعد اثق فى أحد سوى الله", أخبرتني انها كتبت لي خطاب لكنها لم تكن تعرف لي عنوان, تحدثنا عن الجزائر وأخبرتها انها مدينة جميلة تُشبة مدن أوروبا.. حاولت الهروب من دوامة الحديث عن الحرب, طلبتُ منها مساعدتي فى إختيار لون جديد لسيارتي الفولكس, كان لونها عالق بحالة تغيير لا نهائية تتكلف الواحدة أربعين جنيها, إقترحت اللون السماوي, وكان ذلك التغيير الاخير, ظلت السيارة باللون السماوي حتى تخلصتُ منها فى السنة الثانية من السبعينيات..

كنتُ أجلس مع ماجدة فى الامريكيّن نتناول أيس كريم "تروا بيتي كوشون", كانت النوافذ مطلية باللون الازرق للتعتيم, القاعة فسيحة, نصف مُظلمة وسقفها مُرتفع, وهناك فى الزاوية هالة ضوئية حول تمثال من الرخام الابيض لفتاة بين عاتقها وخصرها وشاح, أحدهم كتب عليه بعفوية "تسقط إسرائيل", وهناك فتاة تعزف على البيانو مقطوعة حزينة جدا (على غير العادة), على رأسها تاج, ومثل جميع النساء (وقتها) تضع مساحيق التجميل بغير بذخ.. أيقظتني أصابع ماجدة من غفوة دون قصد وبتأثير التعب, رفعت رأسي وكان هناك سُفرجى نوبي يرتدى بذلة حمراء مزركشة, ينادي إسمي دون أيّ ألقاب ودون أن يعرفني, رفعتُ له يدي, فاقترب واخبرني ان هناك مكالمة هاتفية لي..

صوت أمي, متلهفة عليّ, طلبت مني عدم التأخر والحذر لان الناس لو عرفوا أنني طيار حربي سيدخلون معي فى مناوشات, فهناك إشاعة تقول ان الطيارين سهروا فى حفلة بمطار انشاص حتى الصباح, وحينما قامت الحرب كانوا نائمين, لذا فهم يتحملون نتيجة الحرب, كانت أول مرة أسمع بهذا الكلام..

شربنا قهوة تركية من "البن البرازيلي" أمام سينما مترو, كانت رائحة القهوة المحمصة تملأ الهواء, إلتقيتُ بطيار دفعتي, فقد اعتدنا زيارة "البن البرازيلي" فى الاجازات, أخبرني انه كان مع الطيارين الذين ذهبوا الى العراق.. عدتُ الى البيت وكنتُ على وشك الاغماء من التعب, وأرغب فى النوم بشدة.

***


- لا تخبروا والدتي -

بدأت أنوار المسرح تُضاء تباعاً, سارع السوفييت الى تقديم الاسعافات الاوليّة لسلاح الجو المصري, كانت طائراتالنقل العملاقة, انتينوف 12, تحط فى مطار غرب وتفرغ حمولتها, طائرة ميج 21 او ميج 17, أثناء ذلك كانت شركة المقاولون العرب تبنى حظائر او مخابىء للطائرات الجديدة (دُشم), فيما بعد قامت الشركة ببناء دُشم فى الاردن والعراق والامارات ودول عربية أخرى, تم تموية الطائرات لتأخير رؤيتها ونُصبت بالونات حول المطار كالشباك, تُجبر الطائرات المعادية على الارتفاع كى تظهر على شاشات الرادار وتصبح صيداً سهلا للصواريخ (تستطيع صواريخ سام تدمير الطائرات على ارتفاع كيلومترين أو اكثر من سطح الارض بكفأة عالية, وتقل كفأتها كلما كان الهدف أقل من هذا الارتفاع), الان, لم يعد بإمكان العدو تدمير طائراتنا وهي على الارض, ذهب ذلك الزمن بلا رجعة (والى الابد)..

أهدت النكسة رأس المُشير عامر الى عبد الناصر, ألغى حكمه على الجيش وجرده من منصبه ونفوذه, إستلم الفريق محمد فوزى وزارة الحربية والشهيد عبد المنعم رياض رئاسة الاركان, وأقسم الاخير اليمين فى بيت عبد الناصر, وهو رجل يتمتع بسمعة جيدة, يُـقال انه شارك فى الحرب العالمية الثانية, وكان قائد الجبهة الاردنية وقت النكسة وصاحب فكرة تدمير الطيران الاردني والسوري للمطارات الاسرائيلية أثناء هجوم الطائرات الاسرائيلية على مصر..

حدثت مجزرة فى قيادات سلاح الجو, إستدعى المُرعب "مدكور أبو العز" من أسوان على عجل وإستلم رئاسة القوات الجوية بدلا عن الفريق " صدقى محمود" الذى تم التضحية به وأودع السجن مع قيادات الصف الاول ارضاءاً للغاضبين من الشعب, كنتُ أطلب من الله ان يمنحهم القوة لتحمل تجربة التشويةوتلويث السُمعة والسجن والمحاكمات (عُرفت بمحاكمات الطيران), سيقولون لك إنهم مذنبون, لكن الجميع كانوا مُذنبين, أما قيادات الصف الثانى فقد نجوا ولم يمسسهم سوء..

الأهم, إنضمت المؤهلات العليا للجيش, لسبب ما قبل النكسة كان لا يتم ضمهم للجيش, كانوا ينظرون الى شهادتهم على أنها مُجرد ورق, او يخشون منها, سأدع ذلك لعقلك..

دعمت أم كلثوم المجهود الحربي ماليّا وغنائيّا, سجلت نداءات إذاعية رقيقة تدعو فيها للتبرع, وأعلنت عن اقامة حفلات فى جميع المحافظات المصرية, تذهب عائداتها للجيش..

برغم كل هذا الجهد المُتأخر بقيت الحقيقة المُرة, الدبابات الاسرائيلية باتت على حافة قناة السويس, والعسكريين السوفييت دخلوا مصر من أوسع أبوابها, أصبحوا فى كل مكان, كل مطار, كل سرية, كل كتيبة, ودسوا أنوفهم بشكل مريب فى التفاصيل, تحالف عبد الناصر مع السوفييت وتخلى عن مبدئه حينما قال: "كيف تتحالف دولة كبرى مع دولة صغرى!!, لن يكون حلف بل تبعية".

***

فور العودة من الجزائر التحقتُ بفرقة فى مطار غرب القاهرة للتدريب على طائرة من طراز (MIG-21 FL), يوجد بها جهاز تنشين بدائي وخزان وقود اضافى يتيح لها البقاء فى الجو فترة أطول, لكنها كانت بدون مدفع..

أثناء الفرقة كانت الرحلة من المنزل الى مطار غرب يومية وإعتيادية, أستيقظ قبل أول ضوء بأكثر من ساعتين, أرتدي أفرولي وأنتظر اتوبيس صغير (مكروباص) فى الشارع, يشق الاتوبيس المرسيدس الازرق طريق صلاح سالم, كان وقتها مُظلماً ولم تكن السيارات فوق بعضها مثل الان, يصل الاتوبيس مصر القديمة ومنها الى الجيزة ثم شارع الهرم, على جانبي الشارع يتمايل رجال ونساء مخمورين على أبواب البارات والكباريهات وأمام سيارتهم المرصوصة فى الشارع, ويمكن أن ترى شجار على فتاة, رغم أنني وقتها لم أكن متديناً الا أنني كنتُ أشعر بالاختناق حتى أصل مطار غرب قبل أول ضوء بساعة, وفى أوقات كثيرة وددتُ لو أنزل من الاتوبيس وأسأل أحدهم: ألا تعلم أننا فى حرب!!!

كنتُ أرى هؤلاء المخمورين كل يوم, حتى أنني حفظت وجوه البعض وسيارتهم ومواعيد خروجهم من الكباريهات, والذى يُصادف مروري فى شارع الهرم..

وذات مرة, كانت السماء مازالت مُظلمة, سمعتُ صوتاً مُزعجاً قادم من ناحية ذراعي الايمن, نظرتُ من زجاج النافذة فوجدتُ شاباً مخموراً أمام نافذتي مباشرة, يرجم الاتوبيس بالحجارة.. فى البداية ألقيتُ ماحدث على عاتق الخمر, وفى مُنتصف النهار تقريباً خطرت لي فكرة أنه علم أننا طيارين والناس يحملون الطيارين نتيجة النكسة.. إذن بعضهم يعلمون أننا فى خسرنا حرباً, ألهذا يشربون الخمر؟, اننا كما يقولون "شعب يسكر حينما يحزن أو يفرح"..

***

بعد نهاية الفرقة, تم توزيعنا على الاسراب, وكان من نصيبي السرب 16,اللواء الجوي ٢٣٨ جميع الأجواء..

فى الليلة التى سبقت صباح الرابع عشر من يوليو/ تموز جمعنا قائد السرب فى غرفة المُحاضرات, كان الضوء خافتاً, ومازال صوته الجهور يرن فى أذني, قال ما بداخلنا, "السماء هي الطريق الوحيد الذى يُمكن ان يأتى منه النصر", (لا ادرى ان كان يقصد بكلمة السماء, الله أم الطائرات؟), "يجب أن نخبر العالم ان سلاح الجو المصري مازال حيّاً يُرزق", وهكذا, رش الحماسة فوق رُؤوسنا..

فى الصباح, تدفقت طائرات سلاح الجو المصري من جميع المطارات, ناحية سيناء, مُظاهرة جوية أروع ما يكون ولا يمكن لأحد الوقوف فى وجهها, بسرعة دخلت طائرات العدو المخابىء, لم يكن هناك أيّ شىء عليه نجمة داود فى السماء, كانت التعليمات, اذا رأيت أيّ شىء إسرائيلي يتحرك شرق قناة السويس فوجه اسلحتك نحوه حتى يتم تدميره تماماً, الهدف ما تراه مُناسباً, فى ذلك اليوم قمتُ بالاغارة على مواقع العدو ثلاث مرات, وحماية طائرات الميج 17, قذفنا جزء من بلدنا بقسوة لان وغداً إحتله, وصفتُ ذلك فى دفتر ملاحظاتي بمن يُفجر بيته..

فى صباح اليوم التالى كررنا الشىء ذاته..

فيما بعد اخبرني صول فى الجيش كان عالقاً فى سيناء وعاد, ان القطار على مدى اليومين كان يصل العريش مملوءاً بالقتلى والجرحى الاسرائيلين..

إنها مُجرد بداية, 258 رصاصة فى جسد العدو (258 طلعة قتال للقوات الجوية فى يومين)..

استأنفت أم كلثوم غنائها العاطفي فى نهاية أغسطس/ آب, غنت فى الاسكندريّة "إنت عمري", وسلمها المحافظ مفاتيح المدينة, قال صديق حضر حفلة الاسكندرية: "مصر كلها كئيبة عدا حفلات أم كلثوم", (أعتقد أنها غنت بعد النكسة مباشرة فى نادى طنطا, وتم تسجيل الحفلة بالالوان).

***

كانت الساعة السابعة وقليل حينما أيقظتُ ضاحية مصر الجديدة كاملة, بل وأيقظت الريّس نفسه..

تبدأ الحكاية حينما طلب مني نقل طائرة ميج 21 من مطار غرب القاهرة الى مطار ألماظة فى شرق القاهرة (مُقابل يوم أجازة)..

دعوني لا أفكر أبداً فى قرار إتخذته وأنا أدور فى سماء حى مصر الجديدة, كان الناس نائمون والهدوء قد بسط سيطرته على الشوارع..

فوق حديقة المريلاند, حلقتُ بالطائرة بالقرب من سطح الارض بسرعة جنونية كأنني أشق الهواء لنصفين, الفزع أصاب الجميع, ورأيت الناس فى الشوارع يهرولون فى كل إتجاه, وفجأة ظهر كثيرون فى الشرفات ورُؤوس تطل من النوافذ.. فوق شارع الميرغنى, صعدت بالطائرة الى حوالى أربعة كيلومترات فوق سطح الارض, ثم توجهتُ بمقدمة الطائرة ناحية الارض مخترقاً جدار الصوت.. بالتأكيد سمع أهالى مصر الجديدة صوت انفجار هائل, كما ان هناك زجاج تحطم, (كانت سعادتي بالغة حينما قالت لي خالتي أن زوجها قد إستيقظ مفزوعاً ونزل تحت السرير).. بالقرب من منزل الرئيس عبد الناصر إخترقتُ جدار الصوت مرة ثانية, ضحكت وقلتُ فى نفسي: "هذا يكفي"..

توجهتُ ناحية مطار ألماظة, وانا فى سماء المطار رأيت أفراد الشرطة العسكرية فى انتظاري على الممر.. فور أن وطأت أقدام الطائرة الممر تجمعوا حولها, رفعت غطاء القمرة وأخبرتهم أنني فى أجازة, رد أحدهم ببرود: "الاجازة اتلغت خلاص يا افندم, دة فيه سبعة بلغوا عن الى انت عملته أقل واحد فيهم لواء, وكمان كان فيه اتصال من رئاسة الجمهورية.."

ابتسمت ونزلت من الطائرة وانتظرت السيارة الجيب, رأيتُ الطائرة تسحب الى داخل الدشمة (مخبىء من الاسمنت), وهى تمر أمام عيني لمحتُ أخر رقم فى تسلسلها, الرقم ثلاثة !!!!

إنطلقت السيارة عائدة بي الى مطار غرب القاهرة, فى الطريق حاولت الامساك بتبرير لما فعلته..

إستقبلني عند بوابة المطار قائد اللواء, سمير عبد الرازق, ضخم الجثة بحجم مروحية صغيرة, منتفخ العضلات, مخيف الطلعة كالمصارعين (وكان كذلك), قوى البدن عريض المنكبين, الرجل الطويل قد يصل عند ذقنه, نزلتُ من السيارة وذهبتُ اليه, كان الغضب على وجهه, لكني لم أخشاه فقد كنا نقرع باب مكتبه عند المشاكل, لكزني فى صدري (هكذا كان يُعبر عن غضبه), قال بصوته الضخم: أيه يا سمير الى انت عملته دة؟

وأنا اصارع الالم قلت: والله يا أفندم ضربت فى دماغي أعمل كدة..

إبتسم وقال: بص, انت هتروح فى ستين داهية..

- طيب, يا أفندم أعمل اية؟

- انا هاديك جزا خفيف, علشان ماتخدش جزا ثقيل..

وضع يده على كتفي وسار بي, وقال: "قولي بئة انت عملت اية بالظبط؟", سردتُ له ماحدث..

فى مكتبه, أحضر ورقة عقوبة وكتب فيها "سبعة أيام حجز فى المعسكر", وقعتُ عليها بنفس راضية.. فى مُنتصف الحديث طُرق الباب, دخل جندى وأدى بيده التحية العسكرية فى الهواء, قال ان هناك لجنة بالخارج من رئاسة القوات الجوية حضرت لمحاكمتي..

- دخلهم وروح هات كازوزة, قال قائد اللواء..

إستدار الجندى نصف استدارة نظامية وخرج..

حياهم قائد اللواء بإحترام, وبعدما جلسوا قال لهم: انا اديته جزا خلاص..

أتذكر جيداً أن رأس رئيس اللجنة كانت تُشبة ثمرة قرع فارغة وله شارب ضخم, فزع ونهض واقفاً حتى اعتقدتُ ان شاربه سيقع (لا أعلم سبباً لذلك الاعتقاد), ثار كما لو غرست شظية بجسده, ولوح بيديه فى الهواء, بعد أن هدأ كثيراً وأشعل سيجارة, نفخ الدخان وأشار بأصبع يده ناحيتي قائلاً: "أنت شكلك شقى وهيجيلك يوم"..

***

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech