Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
المجموعة 73 مؤرخين **** مؤسسة ثقافية لنشر الوعي بالبطولات المصرية *** مشهرة برقم 10257 لسنه 2016 ***

رواية بارون الميج - سمير عزيز - الحلقة الثالثة

 

 

بارون الميج

المؤلف: زين الدين

الاسم كاملاً: محمد السيد طه محمد زين الدين

رقم الإيداع: 25020/2017

الترقيم الدولي:978-977-90-5077-5            

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف, ولا يجوز النشر أو الطبع الا بإذن المؤلف, ولا يجوز الاقتباس دون الاشارة للمصدر.

 

 

- القناص-

داخل أعماق صحراء وادى النطرون, تحديداً المنطقة المحصورة بين الاديرة,كانت النجوم فى السماء تلمع بشدة ثاقبة الظلام, وعلى الارض هناك تبة فوقها دائرة على حوافها كشّافات وفى وسطها كشّاف, ومنصة يجلس عليها وزير الحربية وقائد القوات الجوية وقادة ألوية السوخوى والميج 21 والميج 17 والقاذفات, يراقبون الدائرة المُضيئة أعلى التبة.. وفى مكان ليس بالبعيد تتجهز لغارة هامة طائرات تي يو 16 واليوشن 28 وسوخوى وميج 17 وميج 21, ستُـقلع على التوالى بفارق زمنى صغير بقيادة طيارين مُحترفين تم إختيارهم بعناية (نظراً لمتابعة وزير الحربية للغارة), ومنهم أنا رغم حداثة سني..

قواعد اللعبة بسيطة, تنطلق كل طائرة ناحية التبة وحينما تصل تُطلق على الهدف المضيء قنبلة من الاسمنت.. إنها غارة وهمية, تدريبات مٌعتادة وزيارة الى تبة ضرب النار المفروض أن تتم دورياً, لكن قبل النكسة لم يكن يحدث ذلك.

وصلت أولاً طائرة اليوشن 28 وقذفت الهدف, سقطت القنبلة بعيدا وتركت الهدف وشأنه, انه أمر مُقلق فهذه الطائرة قاذفة وبداخلها ملاح وظيفته توجيه القنبلة, من شدة الغضب رمي وزير الحربية السيجارة وغرسها بقدمه فى الرمال.. بعدها وصلت السوخوى, قدمت أفضل ما عندها وأصابت حافة الهدف, لكن انواره مازالت تتوهج فى الظلام..

قبل أن أقلع بطائرة ميج 21 علمت ان القاذفة اليوشن لم تُصب الهدف, كان ذلك الخبر مُحبطاً, أقلعت من مطار غرب القاهرة ناحية التبة, حينما وصلتُ كان الظلام حالك وانوار الهدف تتوهج, هبطت فى مسار دائرى ناحية التبة, وأنا أهبط وضعتُ الدوت فى مُنتصف الهدف المضيء واطلقت القنبلة عليه, إنه شىء صعب جداً, تخيل أنك فى طائرة تتحرك بسرعة عالية وتحاول إقتناص هدف على الارض..

فتح الهدف ذراعيه, أخذت القنبلة الهدف فى طريقها, دهسته وأطفأت جميع أنواره, عم ظلام دامس ومرت لحظات صمت.

إستدار وزير الحربية ناحية قائد لواء الميج 21 والسيجارة فى يده, سأله: مين دة؟

- يا أفندم ده طيار عندنا اسمه "سمير عزيز ميخائيل"..

كنتُ الطيار الوحيد الذى أصاب الهدف ولذا حصلتُ على "قلم باركر".

"المرة الجاية فى تل أبيب", هتف واحد من جمهور أم كلثوم فى حفلة الخميس, الاول من يونيو/ حزيران 1967, ومازال صوته فى التسجيل حتى اليوم.

***

- الميج فوق أمواج البحر -

 

الطيار الذى لا يستطيع الانعطاف بين جبال البحر الاحمر وإطعام طيور الكنارى, الافضل ان يعمل فى البلدية..

فى شتاء السنة التى غنت فيها أم كلثوم "هذه ليلتي" حط السرب 16 فى مطار الغردقة, كان الجو معتدلاً, ودرجة الحرارة ما بين السابعة والعشرين والثلاثين, كما أن السماء كانت صافية.. المطار عبارة عن ممر واحد وبرج للمراقبه ويستطيع الواقف فى المطار رؤية حدوده.. أقلعتُ بالطائرة لاستطلاع المكان وإكتشاف معالمه, إكتشفت ان الغردقة مدينة صغيرة وأظن انها قديما لم تكن سوى قرية صغيرة للصيادين, لكن الوقت لم يكن كافياً للبحث فى تاريخ المدينة والتحقق من صحة هذه الفرضية, يسكنها بضع الاف ومحاطه بسلسلة جبال البحر الاحمر..

أعترف, وقعتُ فى غرامه حينما رأيته من السماء لأول مرة, نعم, جرت العادة ان الاشياء تبدو من السماء أجمل, لكن حينما تقابلنا فيما بعد, كانت كلمة جميل غير كافية, مبنى مذهل يقع خارج المدينة وسط الصحراء وحيداً, يتجاهل العالم ومنقطع عنه, مُصمم على هيئة دائرة فارغة من المُنتصف, فى وجهه البحر وعلى إحدى جانبيه حمام سباحة وخلفه جبال من الرمال..

حينما هبطتُ دونت كل شىء فى دفتر ملاحظاتي, سألت عن ذلك المبنى فأخبروني انه "شيراتون الغردقة", وربما يكون مُغلقاً لعدم وجود سُياح..

 

لم يكن مُغلقاً, وطوال اقامتي فى الغردقة قضيتُ فيه ليالى رائعة اثناء أوقات الراحة, فقد كان المتعة الوحيدة فى المكان..

***

دائماً كنت أتوقع الاسوء, لكني لم أتوقع ابداً ان أشرب مياه تتكون من ذرتين هيدروجين وذرة أكسجين وعشر ذرات جاز..

توقفتُ فجأة ولفظتُ المياه قبل أن تنزلق داخل بطني..

خاطبتُ العسكرى: إنت يابني جايب المايه دية من خزان الوقود بتاع الطيارة!!!

- لا يا أفندم, دة فنطاس المايه اللي بيجى من عمّان, بيروح محمل جاز ويرجع محمل مايه..

على طريقة "قليل من الحياة, كثير من الموت" دونتُ فى ملاحظاتي على الهامش "قليل من المياه, كثير من الجاز", وبعد أسابيع قليلة عدتُ الى الصفحة وأضافتُ بجوار كلمة الجاز, (وربما حيوانات ميتة), وذلك بعد ان إكتشف أحد العساكر معزة ميتة داخل الفنطاس, تذكرت أنني كنتُ أجد شعراً غريباً فى المياه, على أية حال, كان ذلك الاكتشاف متأخراً فقد ابتعلت بطوننا أكثر من نصف الفنطاس وشظايا من المعزة, الغريب ان عجلة الحياة والارض أكملا دورانهما وكأن شيئاً لم يقع..

بعد وجبة المعزة إعتدنا تفتيش جوف الفنطاس مباشرة حينما يصل من عمّان, والبعض كان يُفتشه فى كل مرة يهم بالشرب..

الحياة العادية فى مطار الغردقة صعبة المنال والاستحمام بمواعيد لقلة المياه (كلمة الاستحمام هنا تعنى ان يرش المرء الماء على جسده مرة واحدة), لكن الليل فى المطار مختلف, الهواء قد ينتزع رجل ضعيف ويأخذه فى طريقه, الجو بارد وكأنني مدفون بين ثلوج القطب الشمالى, الظلام الحالك رائع جداً وبسبب التعيم لا يوجد نقطة ضوء واحدة, السكون يطبق على كل شىء, النجوم بارزة وتلمع بشدة فى السماء وتتوهج كالنار, وفى الايام القمرية أستطيع القول أن ضوء القمر يكون كافياً لرؤية الكثير من الاشياء.. فكرتُ فى احياء طموحاتي الفنية والموسيقية على أنغام هذا الهدوء..

أذكر انه ذات مرة, كنتُ أجلس مع زوجتي فى مطعم فاخر يطل على نيل القاهرة من سطح فندق النيل هيلتون نحتفل بعيد زواجنا الثالث (مُنتصف يوليو/تموز 1976), قلتُ لها: المكان ده بيفكرني بحاجة مهمة.. تدحرجت على شفتيها إبتسامة أنارت وجهها وركعت أمام حلاوتها الدنيا, كادت أن ترقص طرباً وركزت نظرها علىّ وسألتني: بيفكرك بأية؟؟

- مطار الغردقة بالليل..

أسفل الطاولة, سقط كعب حذائها العالى فوق قدمي مثل قنبلة ممر, كتمتُ ما تبقى من صرختي وللاسف كانت مقدمتها قد إنفلتت وجذبت إنتباه البعض, أما هي فقد عضت شفتها وقالت: وماله ياحبيبى..

لولا علمي أنها كالملائكة لا تكره أحد, لظننتُ أنها كرهتني منذ تلك الليلة..

***

فى الطريق الى إستراحة الطيارين, إصطدمت ذبابة كبيرة سوداء بالزجاج الامامي للسيارة من الداخل, فتحتُ زجاجي حتى النصف تقريباً, هرولت الذبابة ناحيته, لكنها إصطدمت بالجزء المغلق وإنزلقت, فى الطريق الى اسفل استعادت الذبابة توازنها وطارت الى أعلى وهربت من نافذة السيارة, خرجت من الفخ..

بدت الذبابة فى عيني طائرة ميراج إسرائيلية تصطدم باحد جبال البحر الاحمر, تجلت لي فكرة صنع كمين لطائرات الميراج..

تم اجهاض الفكرة مُبكراً..

إستراحة الطيارين فى حى السقالة كانت أفضل شىء على الاطلاق, يكفى القول أنها كانت استراحة المشير عامر قبل أن يُقال ثم ينتحر أو يُقتل, فيلا فخمة (تُشبة قصور محمد على المنهوبة, عرفت فيما بعد أنها كانت استراحة الملك فاروق), من ثلاثة طوابق مقامة من الخشب بها أثاث راقي وسجاد ايراني باهظ الثمن, والكثير من الغرف القادرة على ابتلاع ثلاث عائلات على الاقل.. تطل الفيلا مباشرة على البحر ولها شاطىء خاص.

***

- الليلة التى تسبق المغامرة-

مُنتصف الليل ونصف..

كانت ليلة هادئة, وسماء الغردقة التى لا تبكى المطر الا نادراً مطلية باللون الاسود وعلى سطحها بقع صغيرة مُضيئة لا يحجبها شىء, أدرتُ ظهري الى إستراحة المشير واغلقت بابها بقدمي.. إستقبلتُ هواء البحر الرطب وتوغلتُ على قدمي فى الرمال ناحية مياه البحر حاملا كوب من الشاى ومسدس شخصي (لان الاستراحة على البحر ومن الممكن أن تعبر ضفادع بشرية إسرائيليّة البحر وتهاجم الاستراحة), حملقتُ فى مياه البحر الاحمر المشهورة بنقائها وهدوئها والتى تُشبة جبهة القتال بعد وقف إطلاق النار, البحر يمتد أمامي, واأسفاه حجبنا عن الطيران فوق الناحية الاخرى من البحر (سيناء المحتلة) وقف إطلاق النار, قضيتُ النهار فى غرفة العمليات, كان كل طيار يقضى يوم فى غرفة العمليات, رأيت على شاشة ضخمة الطائرات الاسرائيلية على هيئة ذبابات تُحلق مُطمئنة فى سماء سيناء, كنتُ أغلى من الداخل, هؤلاء الاوغاد المحتلين الذين تجمعوا من شتى بقاع الارض..

خطرتُ لي فكرة, أن اذهب الى العدو بمفردي, قلتُ لنفسي: سوف أذهب اليهم وليكن مايكون.. هرولتُ الى داخل الاستراحة مرة أخرى, دخلت الغرفة وفتحتُ الخريطة فوق السرير وجلستُ أضع الخطة..

كتبتُ فى ورقة مساراً مناسباً, جزيرة شدوان, رأس محمد, مطار رأس نصراني, والعودة (إن أراد الله) بين جزيرتى تيران وصنافير, جزيرة شدوان, مطار الغردقة..

دونتُ فى أعلى الورقة: "إذهب, فالطيار الماهر لا يهاب شيئاً.."

***

- مغامرة فوق رأس نصراني -

 

ياطائرتي الجميلة, آرجوكي لا تخبري أحد بما سيحدث اليوم..

( فيديو للبطل سمير عزيز يروي تلك المغامرة بنفسة في مكتبة الاسكندرية 2018

اضغط للمشاهدة )

فى صباح اليوم التالى, خرجتُ للتدريب وسط جبال وعرة تفصل الغردقة عن محافظات الصعيد, تحديداً (zone 4), بعد دقائق (للتموية) هبطتُ وسط الجبال كى أهرب من مراقبة الرادار المصري..

طبقاً لخطة وضعتها الليلة الفائتة, اتجهتُ ناحية جزيرة شدوان فى البحر الاحمر على ارتفاع منخفض Low flyمتجنباً الرادار, بسرعة 900 كيلومتر فى الساعة فوق سطح المياه بنصف متر تقريباً, لو كان أحد ما يُراقبني من بعيد فانه سيعتقد أنني أزحف بالطائرة فوق المياه..

عند جزيرة شدوان رأيتُ فنار السفن, طرت على نفس الإرتفاع وزودت السرعة حتى 1150 كيلومتر فى الساعة كما لو كنت عصفوراً هرب من القفص, محتمياً من الرادار الاسرائيلي بإرتفاع جزيرة شدوان (فيما بعد, تحديداً فى يناير 1970 دارت معركة عنيفة على الجزيرة..)

بعد دقيقتين تقريباً, كنتُ فوق موقع مدفعية إسرائيلي عند رأس محمد, كان جنود المدفعية (حوالى خمسة) يستحمون فى مياه البحر الاحمر, مررتُ فوق رُؤوسهم بسرعة عالية جداً, (بالتأكيد غطسوا فى المياه خوفاً من أن تسحق الطائرة رُؤوسهم), بعدما تجاوزتهم نظرتُ فى بيرسكوب القمرة, رأيتهم يهرولون خارج المياه (بالتأكيد مذعورين) بملابس البحر ناحية المدافع..

(أبلغوا عني..)

بعد حوالى دقيقة, كنتُ فوق مطار رأس نصراني, تطلعت حوالي, مررتُ فوق طائرات الميراج, واضحة فوق الممر كفتاة ممشوقة القوام ترتدى ثوباً مموهاً, رأيتُ طيارين يهرولون ناحيتها, أثارت سرعتي العالية وارتفاع طائرتي المنخفض الذعر فى نفوس الجميع.. شعرتُ بالفخر, ورفعتُ قبضة يدي, فكل ما كنتُ قادراً على فعله هو تخويفهم, وجعلهم قلقين دائماً..

حسناً هذا يكفى, إستدرت بالطائرة يميناً ومررت بين جزيرتى تيران وصنافير, ثم وصلت جزيرة شدوان.. عدتُ الى (zone 4) وإرتفعتُ كى أظهر على شاشات الرادار المصري..

خوفاً من المُسألة ولانني إنتهكت التعليمات, لم أخبر أحد بما فعلته, ولم ادون شىء فى ملاحظاتي خوفاً من ان تقع فى يد احد..

إتضح فيما بعد ان " اليوم مغامرة رائعة, والغد وقت الحساب.."

***

فى الصباح الباكر, حان وقت الحساب أو الهجوم المُضاد بلغة الحرب, على حين غرة, قامت أربعة وعشرين طائرة اسرائيليّة بالهجوم على المطار, إنتشرت مثل وباء الكوليرا وأغلقت سماء المطار, فى الآن نفسه (حسب ما أتذكر) كان أحد الطيارين المصريين فى مرحلة الهبوط بطائرته, قام بمناورة للتخلص من حصار طائرات العدو فإنهارت طائرته وهوت على الارض, كان ذلك مؤسفاً جدا بالنسبة اليّ..

لم يكن أحد يعلم سبب زيارة الطائرات الاسرائيلية سوى أنا, لكن الحمد لله كان الهجوم هيكلي (وهمى) هدفه بث الرعب فى نفوسنا كما فعلت فى اليوم السابق..

فى السماء, كان هناك مظلة تتأرجح فى الهواء, كاد زميلي أن يدفع ثمن مغامرتي فى اليوم السابق, سقط بالمظلة بجوار المطار, ذهبتُ اليه فوجدته سليماً, شعرتُ بالارتياح لانه لم يتأذى بسببي.

***

- أكوبارك مائية -

كان دوستوفيسكى مؤلف رواية "المقامر" مولعاً بالقمار ويعرف أدق خبايا الروليت, ولان بيوت القمار كانت ممنوعة فى روسيا كان يذهب الى ألمانيا كى يقامر, وقال عن نفسه "لقد أصبحت أعرف السر حقاً, إنه بسيط للغاية ......"

ذات مرة أهديتُ رواية "المقامر" الى أحد الطيارين الجدد وكتبت فى الاهداء, "إن لم يقامر الطيار بحياته فسيكونعادياً مثل الجميع".. كنتُ أقصد ان "اليكسى ايفانوفتش", بطل الرواية يقامر كى يُشبع غريزة بداخله, واضعاً امواله فى كفة, وحظه فى كفة, تماماً مثل طيار يطير فوق سطح الارض بإرتفاع متر واحد بسرعة تتجاوز الالف كيلو متر فى الساعة, يضع حياته تحت رحمة خطأ بسيط أو شىء مُرتفع قليلا عن الارض, يفعل ذلك كى يُشبع غريزة ما بداخله, ربما الشعور بالزهو وهو يُسيطر على تلك الالة العجيبة, ومن اجل ذلك الشعور فإنه يقامر بحياته.

***

هل جربت يوماً ما دخول الاكوبارك والانزلق داخل انبوب مياه مُستدير يُشبة السوستة, إن كنت فعلت ذلك فما رئيك أن تكررها بطائرة حربية!!!

يقول الروس أشياء كثيرة خاطئة عن الميج 21, منها أنها لا تستطيع الطيران بسرعة أقل من 450 كيلومتر فى الساعة, ولا تستطيع عمل "سبن" (مناورة رأسية تتلوى فيها الطائرة كأنها تنزلق داخل سوستة), فوق مطار المنصورة علمتُ الخبير الروسي كيف يبقى الطائرة فى الهواء عند سُرعات أقل من 450 كيلومتر فى الساعة بكثير؟, وفوق مطار الغردقة عملت "سبن".

ذات ظهيرة, كان قائد مطار الغردقة, عبد العزيز بدر (يُصارع سمير عبد الرازق) يقف بجوار طائرة ميج 21 بمقعدين, إستدعاني الى مغامرة جوية قائلاً: سمعت انك بتعمل سبن بالميج 21, والميج لا تعمل الحركة دي وتخرج منها سليمة, تعالى وريني..

قلتُ لنفسي "ما بلاش", جلس فى المقعد خلفي, إنطلقتُ بالطائرة الى ارتفاع شاهق يتجاوز أطول ناطحة سحاب قد يصل اليها الانسان يوماً ما مئات المرات.. بدأت أنزل بالطائرة رأسياً بسرعة عاليه كأفعي تنزلق على غضن شجرة وهى تلف جسدها حوله, كان عبد العزيز خلفي يُردد بعض أيات القرأن وقلبه يقفز..

على الارض وضع يده على كتفي وضغط عليه, قال وهو يبتسم:

- انت كنت هتموتني ياسمير..

وعانقني..

***

- نهاية شهر العسل-

حدث ذلك فى يوم لن أرهق ذهني بمحاولة تذكر تسلسله فى أيام الله..

إنطلقت الكلمات من حنجرة الرجل الاصلع ذو الملامح الصعيدية الصارمة, كان يرتدي نظارة شمسية سوداء, قال باندفاع وحرارة: "انتو جايين تتفسحوا؟", دوت كلماته الجافة فى ارجاء استراحة المشير, إنتفضت يده فى الهواء بقوة وادار ظهره الينا.. مضغتُ كلامه المر وتأملتُ سقف الاستراحة وأثاثها الراقى, عرفتُ أن أيامها أصبحت معدودة, وقد كان..

رميتُ نظرة صارمة ناحية وزير الحربية "محمد فوزى", وتمتتُ ببضع كلمات لا تليق..

بسرعة عالية, قامت شركة الكبريت ببناء إستراحة للطيارين داخل مطار الغردقة, فى حقيقة الامر لم تكن سوى كشك بشع (زنزانة) من الخشب المضغوط وبداخلها أسرة, فى ذلك الوقت, كان من الحكمة توقع أيّ شىء سىء..

أصبح المطار عبارة عن, ممر للطائرات, كشك مطعم, كشك للطباخ والسفرجي, وكشك إستراحة للطيارين, أما الحمّام (لا يمكن ابداً تسميته بيت الراحة) فكان كشك فى وسطه حفرة فوقها خشبة يجلس المرء عليها, وبرغم بشاعة الحمَام فإنه كان افضل من حمامات مطار المليز, ففى الشتاء تكون درجة الحرارة فى المليز تحت الصفر ومياه الخزانات تكون مُتجمدة, ولذا قبل دخول الحمَام يصعد جندى فوق خزان المياه ويُكسر الثلج بأله حادة, وفى النهاية لا تجد سوى بعض النـقط..

ظل الماء فى مطار الغردقة مخلوطاً بالجاز..

***

أمام المعيشة القاسية والحياة البائسة فى مطار الغردقة (الاصلاحية) لم يصمد بعض الطيارين أكثر من أيام, من ينزل اجازة لا يعود بدعوى المرض.. توسلتُ الى الله أن يعود "علاء شاكر" كى يستلم حالة الطوارىء مني وأنزل اجازة, كنتُ اقضى جل يومي فى قمرة الطائرة, حالة طوارىء اولى, ساخطاً على عدم عودته.. كانت الوقت يمر ببطىء وحلقتُ شعري زيرو بشفرة الذقن, كنتُ أبدو مُخيفاً, أقسمت أن يكون سقوط طائرة للعدو ثمن عودته كما كان..

لابد أن يعود "علاء شاكر" اليوم والا ستضيع التذكرة التى حجزتها بخمس جنيهات لحضور حفلة شم النسيم بحديقة الميرلاند, أخيراً ها هو فوق الممر الفرعي, يمشى وكأنه فى رحلة تصوير بأدغال أفريقيا, كان ذلك أبعد الامور عن التصديق, إحتاجت عيناي ثوانى كي تتذكر ملامحه, سحبته من يده على حين غرة ناحية الاستراحة, ابتسم إبتسامة المذنب ثم انفجر بالاعذار والتأسف..

لاحقاً, إرتديتُ ملابس ملكية غاية فى الاناقة, وكانت القاهرة و"نايت كلاب" حديقة الميرلاند فى انتظاري.

***

- لا تُحطمني أيها الوغد -

 

بمجرد أن دخلت البيت وانا مازلتُ وسط القبلات والاذرع رن جرس الهاتف, رفعتُ السماعة, كان رضا إسكندر (من مطار غرب) على الناحية الاخرى, بعد تبادل السلامات طلب مني الحضور الى مطار غرب, تعثرت فى نطق الكلمات, أخبرته أنني فى اجازة وانني أتبع مطار الغردقة, فقال: "تعالى بس, فيه حاجات من اللي انت بتحبها هتحصل"..

طلبتُ منه سيارة فأخبرني أنها اسفل البيت فى إنتظاري.. أغلقتُ الخط وذهبتُ ناحية الشرفة فوجدتُ سيارة جيب سوداء فى إنتظاري..

إنها فكرة جديدة لقضاء السهرة بدلا من الفرجة على سهير زكي فى "نايت كلاب" حديقة الميرلاند, الان التذكرة التى حجزتها فى اجازة سابقة بخمسة جنيهات أصبحت عديمة الاهمية, يا إلهي, لو كنت قضيتُ الليلة فى "نايت كلاب" حديقة الميرلاند لما واجهت الموت ولما تم إتهامي بإسقاط طائرة مصرية.

***

كم كنتُ أتمني أن تقرأ أمي هذه الاوراق, أستطيع كل ليلة أن أقرأ اليها صفحة او صفحتين رغم أنها لم تعد موجوده..

وصلتُ مطار غرب القاهرة ودخلتُ مكتب قائد اللواء, وشرح لي المهمة, حماية طائرتين سوخوى تنفذان مهمة الاستطلاع والتصوير لممر متلا ومطار المليز, ولحمايتهما تم اختيار رف (أربع طائرات) ميج 21, تم إختياري مع سمير عبد الله (ليدر), رضا صقر, وإسماعيل امام الذى أرفع قبعة السيد تشرشل لمهارته..

الهبوط بمطار بلبيس, وهناك تتمركز السوخوى, الطيران zero feet, أى التسلل أسفل حدود رؤية الرادار حتى القناة, ثم الارتفاع خمسة كيلو مترات فوق سطح الارض والطيران حتى الهدف, تصويره ثم العودة..

تحمستُ للغاية, لكني لم أستطيع نسيان حفلة الميرلاند, فى تلك الليلة زارني فى المنام حلم سىء, جعلني استيقظ مفزوعاً, لكن تفاصيله ضاعت من ذاكرتي للابد, ولم أستطيع العودة الى النوم بعده..

فى صباح اليوم التالى 14 أبريل/نيسان 1969(عيد شم النسيم), تناولنا اخر جرعات التلقين فى قاعة المحاضرات..

كنا فى الهواء عند الساعة التاسعة, إرتفاع منخفض جدا (zero feet) حتى مطار بلبيس, وهناك كانت السوخوى جاهزة, التحقت بالرحلة وأقعلت فى حماية الميج 21..

إجتاز "سمير" (الليدر) ومعه "رضا" طائرتي السوخوى واصبحا امامهما, فى اللاسلكى أخبرنا أننا سنحمي السوخوى من الامام والخلف, وبذلك أصبحتُ أنا و"اسماعيل" خلف السوخوى كما لو كانت تجرنا خلفها بحبل.. لم أقرأ ذلك فى كتاب (لا أقصد الاساءة الى أحد ولكن هذا ماحدث.)

الطيران (zero feet), كانت الطائرة تشق الحقول, العشب يُغنى والازهار والورود متفتحة, مشهد رائع للربيع يشبة تورتة عيد الميلاد, على ارتفاع أمتار كان بإمكاني رؤية ثمار التوت بلونها الابيض والاحمر والاسود واضحة فوق اغصان أشجارها, بل واحيانا كانت تشتبك مع بطن الطائرة, وحينما تجاوزنا القناة, كانت الصحراء..

فوق الهدف إلتقطت السوخوى الصور, وأثناء الدوران فوق ممر متلا للعودة سمعتُ صوت الموجه الارضى (المُرشد اللاسلكي), صوت محمد الطباخ..

- طيارات وراك ب 40 كم..

بعد الدوران, كان سمير ورضا قد إبتعدا وخلفهما السوخوى تحاولان اللحاق بهما كما لو كانتا فرستان عجوزتان, لم يكن هناك سبباً للعجلة..

سمعتُ صوت الموجه مرة أخرى..

- طيارات وراك ب 20 كم..

قلتُ فى نفسي: على الرحب والسعة..

بعدها بثوانى..

- طيارات وراك ب 3 كم..

شعرتُ بإحساس غريب غير مُريح, بسرعة عالية قمتُ بمناورة حادة ناحية اليسار ومعي اسماعيل, لاننا أصبحنا فى نطاق صواريخ طائرات الميراج (تستطيع إطلاق الصواريخ من مسافة ثلاثة كيلومترات..)

إنفجر صاروخ فى تلك المساحة الضيقة بين طائرتي وطائرة اسماعيل إمام, يا الهي كان ذلك وشيكاً!!, تنهدتُ بعمق وسعادة كمن نجي من الموت فى الوقت المُناسب, وميض هائل, أصبح الفراغ الضيق بين الطائرتين مزدحماً بشظايا الصاروخ, ألقيتُ خزانات الوقود استعداداً للاشتباك, اخبرني إسماعيل فى اللاسلكي ان شظية أمسكت بحلقة مُحرك طائرته وأنها لا ترضخ له, رمقتُ بغضب الطائرة التى إنطلق منها الصاروخ, طلبت منه التخلص من الاشتباك والهبوط فى اقرب مطار, وأنا سأتدبر أمري..

وبذلك, أصبحتُ وحيداً وسط أربع طائرات اسرائيلية, نظرتُ فى البيرسكوب فوجدت طائرتين خلفي تحاولان إقتناصي..

يا الهي, ماذا أصنع؟ , تأكدتُ انها نهايتي وقدمت لله كل الوعود كى ينقذني,لم أكن أدرى ان وثق الله فى وعودي أم لا؟, كنتُ فى حاجة الى صلوات الجميع من اجلي لمدة تسعة وتسعين يوماً..

***

الاسر والتعذيب والذل والمعتقل فى إنتظاري لو سقطتُ هنا فى الجزء الشرقى من قناة السويس (المُحتل), أثناء الحرب العالمية الثانية كان الطيارين اليابانيين ينتحرون بقنبلة يدوية قبل أن يُمسك بهم جنود البحرية الامريكية..

"ميتاً أو حياً لا أريد ان يُمسك بي الاعداء", قال هتلر فى أخر أيام الرايخ الثالث, بينما كان الروس يكسرون أبواب برلين.. غاصت فكرة "الموت أفضل" داخل عقلي ولم يسبق ان مرت عليّ, ولم أكن اتوقع ان تكون نهايتي هكذا..

مرت دقائق عصيبة, كافحتُ وقاتلتُ فيها من اجل البقاء فى السماء, قمتُ بعشرات المناورات الاكثر إثارة من أحدث العاب الفيديو, وفى كل مرة أقترب من قناة السويس ساحباً معي الطائرات الاسرائيلية, حتى ان سقطت طائرتي يمكنني أن اقفز بالمظلة فى الجزء الغربى من القناة, كانت عينيّ ترقصان والوقت لا يمضى والقناة تهرب أمامي والنجاة تبدو مُستحيلة وعليّ أن أستمر..

لم تخذلني طائرتي وأرض سيناء, فعبر التاريخ العسكري لا توجد حقيقة ناصعة أكثر من أن "الارض تلفظ مُحتلها وتعمل ضده", أخيييرا, أصبحت فوق قناة السويس, كنتُ فى حاجة للمُساعدة, هبت ثمانية طائرات لنجدتي مقسمة بالتساوى بين مطاري المنصورة وإنشاص..

ارسلت اسرائيل اربع طائرات أخرى..

وبدأت معركة جوية ضخمة..

رفعتُ طائرتي الى السماء, كشفتُ سماء المعركة وتمنيتُ لو كنتُ رساماً, دائرة واسعة, مُتحركة كدوامة, مكدسة بستة عشر طائرة, ميراج إسرائيلية خلفها ميج مصرية خلفها ميراج وهكذا.....

اشتد الصراع, كل طائرة تحاول اقتناص الطائرة التى أمامها..

لا أحب الانتظار طويلاً, كمياه شلال هائج هبطت من أعلى بسرعة عالية فوق طائرة ميراج كأنني أقع عليها, فزع الطيار, كنتُ على وشك الارتطام به لكنه خرج من الدائرة..

وهكذا, إنهارت الدائرة بالقوة..

إتجهت الميراج ناحية العودة, كادت ان تهرب لكني صعدت مرة اخرى ورائها, أصبحت قناة السويس خلفي, حان الوقت المُناسب, أطلقتُ الصاروخ, فاصطدم بمحرك الطائرة, انفجرت وتصاعد منها دخان اسود, أطلقت الصاروخ الثانى, قبل أن يصطدم بالطائرة إرتفع لأعلى ومر من فوق الانفجار الذى بدَ كالانفجار الكبير الذى تكونت منه الارض..

شعرتُ بسعادة بالغة لن أنساها, فالطيار لا ينسي أول مرة يطير فيها, أول طائرة يقتنصها فى اشتباك جوى..

الان يستطيع شعري أن يكبر ويرى النور..

أصبحتُ وحيداً فوق سيناء, وكانت طائرات الميراج تعود الى قواعدها بعد فض المعركة الجوية, سيدفعها الانتقام للاشتباك معي وسأكون صيداً سهلاً لها, قررتُ العودة سريعاً.

حينما تجاوزت قناة السويس, ظهر بجانب شعور النصر شعور أخلاقي اخر أستطيع وصفه فى سبع كلمات "فى طريقي للنصر قضيتُ على شخص ما", لابد أن خلفه إمرأة ستصرخ ويرتفع عويلها, لكنه كان أيضاً حريصاً على قتلي..

لم أستطيع انتزاع عقلي من دوامة الفكرة, وكأنه يُعاقبني بموته, لكن صدقني أنتم من بدأ الحرب, هل جئتم الى بلادنا من اجل السياحة والنزهة وزيارة الاقصر وأهرامات الجيزة وتحية ابو الهول!!!, لقد جئتم لقتلنا وإحتلال مُدننا, ومن يعتدى على مدينة تكون نهايته فى باطن ارضها, هذا ذنبك أنت..

لم يستطيع الرد, وبعد مناقشته تقبلتُ فكرة قتله, وتحمستُ للفتك بمزيد من الطائرات والطيارين.

***

كانت لمبة الوقود الحمراء تومض, بالكاد أوصلني الوقود الى مطار بلبيس, أوقفتُ الطائرة على ممر فرعى بالقرب من إحدى الدشم, نزلتُ سلم الطائرة والزهو يغمرني, كان الجو ربيعاً, تجمع الميكانيكية حولي, كانت الطائرة بلا صواريخ وعيونهم تسألني أين الصواريخ؟, أخبرتهم أنني أسقطتُ طائرة ميراج, حملوني على الاعناق وهتفوا "تحيا مصر", كانت الفرحة تشع من وجوه الجميع, عدا شخص واحد كان يقف بعيداً بوقار وجديّة, الطلياوى ( قائد لواء السوخوى)..

ذهبتُ اليه, قدمتُ له التحية العسكرية, كان وجهه غريباً وفى أسوأ حالاته, عينيه حادتين وطافحتين بالغضب, يحتاج الى كلمة واحدة ليحترق دون عود ثقاب, لف رأسه وأشار ناحية الطائرة, كانت تشق طريقها بالظهر ناحية باب الدشمة, يدفعها أربعة من الميكانيكية بأيديهم (حينما تكون الطائرة قريبة من الدشمة, يلفها الميكانيكيّة حتى يُصبح ظهرها الى باب الدشمة ويدفعونها بالايدي الى الداخل, وحينما تكون بعيدة يسحبها تراكتور (جرار زراعى صغير) الى الدشمة, وفى كلتا الحالتين تدخل الدشمة بالظهر, تستقر بالداخل ويكون وجهها للباب, حتى تكون جاهزة للخروج مرة أخرى), سألني الطلياوى: فين الصواريخ؟, أخبرته أنني اطلقتها على طائرة ميراج إسرائيلية وانفجرت, إنتظرتُ استقبال التهاني وقصائد الثناء وطوق من الياسمين فى عنقي, حدق فيّ وقال بحدة وخشونة: "خلاص إكتب تقرير", وإنصرف وهو يُغطى أوراقه وأفكاره..

لماذا أكتب تقرير الى قائد لواء السوخوى وأنا طيار ميج 21؟, لماذا يعاملني هكذا, وكأنني أسقطتُ طائرته, أو سرقتُ كيس نقوده !!!!!!!!!!!!!

دخلت الطائرة الدُشمة, ودخلت خلفها سيارة الوقود (البوزر) الضخمة, تقف فى باب الدشمة وتسده, تضع أقدامها الخلفية داخل الدشمة وأقدامها الامامية خارجها, وتصب الوقود فى خزانات الطائرة..

توقف الطلياوى فى الطريق, نادى عليّ, ذهبتُ اليه, سألني: "إنت شوفت الطيارة كويس قبل ما تضربها؟", قلتُ فى نفسي: "يكونش ضربت طيارة عبد الناصر!!"

***

داخل إستراحة الطيارين إتصل بي ممدوح طليبة من مطار إنشاص (قائد لواء الميج 21, وصاحب الكمين الشهير, كمين طليبة فى أكتوبر/تشرين الاول 68 وراح ضحيته أربع طائرات ميراج إسرائيلية), قال: "إنت متأكد يا سمير انك ضربت طيارة إسرائيلية؟", تعجبتُ وسألته عما يقصد, أجاب: "يعنى إنت ماضربتش طيارة أحمد نور الدين؟".. أربكني وشعرتُ بصدمة قوية, اخر شىء كنتُ أتوقع حدوثه, إسقاط طائرة مصريّة, دفعني طليبة من ظهري دفعاً فى بحيرة الحيرة والاحتمالات, لا أدرى بماذا أجيب؟

- يا افندم, الفيلم اللي ع الطيارة هيوضح كل حاجة..

- ماكنش فيه ع الطيارة أفلام للتصوير..

وضعتُ يدي على رأسي, أخذتُ أعصر ذاكرتي وأتذكر ماحدث..

فجأة, صرختُ فى الهاتف بحماسة: "يا أفندم, ازاى اضرب طيارة من غير ما اشوفها؟ وبعدين انا اكيد اعرف أميز الطيارة الميراج من الطيارة الميج..", لكن الحمد لله كان طليبة قد اغلق الهاتف قبل مُدة..

ندمتُ على الاجازة وكل شىء, دونتُ التقرير وجلستُ انتظر, تمنيتُ لو تناولتُ زجاجتين كونياك.

عند الظهر, إستدعاني قائد اللواء الى مكتبه, حملتُ التقرير ومضيت اليه بتركيز, كانت أشعة الشمس حارقة وتمكنت تلك المسافة القصيرة من إستهلاك جميع افكاري, أفزعتني فكرة المحاكمة العسكرية.. انني لا يمكن الا أن أكون طياراً, حلمت بهذا منذ أن ذهبت مع أبي الى مطار الماظة ورأيت هناك طائرات المواصلات, شعرت أنني عثرتُ على عالمي, مُستقبلي, المكان الذى انتمى اليه وكنتُ أبحث عنه, اصبحتُ أخزن الجزء الاكبر من مصروفي فى حصالة من الخشب كى أشترى طائرة حقيقية, وكان أقراني يذهبون للسيرك أو يشاهدون أفلام ديزني أما أنا فقد وهبتُ نفسي للطيران, يسرني الوقوف بعيداً عن سور المطار فوق مكان مُرتفع وأمتع نظري برؤية الطائرات وهى تقف أو تتحرك فوق الممر, وعلى مدى اعوام كنتُ أطير أثناء نومي, وحينما أستيقظ اظل فى السرير لدقائق أتخيل نفسي أحلق فى السماء بطائرة, ثم أنهض واغسل وجهي واذهب الى أبي واتوسل اليه ان يأخذني معه الى المطار, كان يقول لي "ان لم تذهب الى المدرسة فلن تكون طيارا ابداً.", هذا ما جعلني أصغي الى كلمات أساتذتي عن النحو والصرف والعلوم والجغرافيا, كنتُ أسال نفسي: لماذا يجب ان اتعلم كل هذا إنني فقط أريد ان أكون مثل الصقر؟

كنتُ قد قرأت انه الطائر الوحيد الذى ليس له جفون (يرمز الى الالهه الوثنية التى لا يجب أن تنام او تغفل عما يحدث), ومن نُبلة لا يهاجم اعشاش الطيور ولا يأكل الحيوانات الميتة, لا يغدر ولا يصطاد فرائسه الا وهي تُحلق فى السماء..

كنتُ ومازلتُ مولعاً بالطيران وفى غرفتي طائرة كبيرة, للاسف, من الورق المقوّى.

 

 

 

كتيب الطيران المدون بة كل طلعات اي طيار من وقت تخرجة من الكلية الجوية وحتي توقفة عن الطيران 

***

- صلي من أجلي يا أمي -

إستقبلني قائد اللواء بإبتسامة مموهة خارقة للبصر تفور فوق شفتيه, كان وجهه صعباً على القراءة..

- أنا اسف.

قالها بطريقة لطيفة جعلتني أنظر اليه بريبة, هل يعتذر عما حدث أم يعتذر عن مصيبة قادمة؟ , أخبرني أن "احمد نور الدين" قفز بالمظلة بعد وقوع طائرته فى إسبن ولم تستجيب للخروج منه, وأنهم ظنوا انني أسقطتُ طائرته بالخطأ..

حصلتُ على مكافأة نصف ألف جنيه.

 
 

- إنشاص, محظية الملك -

 

كعادة الطيور لم يمكث السرب 16 فى مطار الغردقة طويلاً, أعيد تمركزه بعيداً عن البحر, فى مطار إنشاص, على حدود القاهرة الشرقية, فى تلك الايام عبر ضفتي القناة كان الجنود المصريين يتحدثون مع العدو, يتراشقون معهم الشتائم ويرشونهم بدانات المدفعية الثقيلة, وذلك رغم سريان وقف اطلاق النار, يمكن مقارنة تلك المناوشات بشجارات الشوارع غير المؤذية, فالحرب لا تُـقاس بعدد طلقات مدافع الهاون والصواريخ, ولكن بعدد من نجح منهم فى الوصول الى قلب هدف حقيقى, على ايّة حال, كان ذلك الشجار الذى يسبق إندلاع الحرب, حرب الاستنزاف..

فى اواخر ايام الهدنة, كنتُ أقود طائرة ميج 21 فى منطقة التدريب رقم 3 (zone 3), شرق مطار إنشاص, بالقرب من الاسماعيلية, مدينة ساحرة وشابة, تبدو من نوافذ الطائرات غابة خضارها ناصع لا شائبة به, تتقنفذ بداخلها بيوت قصيرة وأنيقة, الصف الاول منها يقع على حافة قناة السويس, لم تكن المدفعية والطائرات الاسرائيلية قد عاقبت المدينة الجميلة بعد بالقذائف والقنابل وحولتها تدريجيّاً الى خرائب وقتلت ودفنت ذكريات من تبقى من أهلها بين الانقاض, لا يعلم هؤلاء المساكين أنه بعد أشهر ستجبرهم قسوة القذف على إخلاء المدينة وتركها للاشباح, فيما يُشبة سياسة "القذف الاستراتيجي" التى ذبح بها الحلفاء المُدن الالمانية أثناء الحرب العالمية الثانية..

فى منطقة التدريب رقم ثلاثة, كنتُ أدرب طيارين جدد عائدين من روسيا على تكتيكات القتال الجوى, وكما يُغطى التلج فى الشتاء طُرقات موسكو وبيوتها, غطى الروس حماسة هؤلاء الطيارين وحبهم للمغامرة بأقوال مثل, "لو فعلت هذا ستتحطم طائرتك مثل كأس من الزجاج", "لا تُجرب, لانك إذا فشلت حتماً ستموت", ويرجع ذلك لان الطيارين الروس يتعاملون مع طائرات الميج بالورقة والقلم ويقدسون دليل الاستخدام ولا يعصون أوامره, أما الطيارين المصريين فقد تعلموا الكثير بالاعتماد على الله والمجازفة بالنفس وإقتراف جرائم يُحرمها كتاب الميج, مثل الهبوط اضطرارياً (بسبب قلة الوقود أو عطل فى الطائرة) فوق طُرق مُغطاة بالحفر والمطبات, (أتذكر ما قاله ليّ مدحت زكي رفيق الميج 21 هبط بطائرة ميج 21 فوق طريق سريع, وصف الطريق بأنه غير مؤهل لقيادة السيارات أصلاً), كل هذا لأنقاذ الطائرة بدلاً من التخلى عنها والقفز بالمظلة.. تخيل أنك تقود سيارة على طريق سريع, وهناك طنين قوى لطائرة فوق سيارتك مُباشرة, يتخطى الطنين سيارتك وتهبط الطائرة أمام عينيك على الطريق, هذا مُثير بالنسبة اليك, وأكثر إثارة بالنسبة لقائد الطائرة, فحياته قد تتوقف عند المرور فوق مطب أو حفرة, تُصبح الطائرة قنبلة هو فى قلبها.

***

أثناء الحصة إستدعاني الموجه الارضي عبر اللاسلكي, "back to base21", يطلب مني العودة الى المطار, لابد أن هناك شىء ما..

فور أن هبطتُ سُلم الطائرة, أخبرني أحد الميكانيكية (كان يحمل السلم وثبته بطائرتي فور أن توقفت على الممر), أخبرني ان رئيس شعبة عمليات القوات الجوية, اللواء صلاح المناوى, ينتظرني داخل غرفة مكتب قائد اللواء, وضعتُ الخوزة فى يده, وكان التراكتور(جرار زراعى صغير) يسحب الطائرة الى داخل الدشمة, تحركتُ ناحية إستراحة الملك فاروق حيث غرفة مكتب قائد اللواء, قرعتُ الباب ودخلت, لم يكن قائد اللواء موجوداً, كان رئيس شعبة عمليات القوات الجوية يجلس على كنبة يمين المكتب, وحيداً, يُدخن السجائر, أشار الى مقعد عن يساره, يقصد إجلس هنا, أخبرني بإختصار أن هناك مروحيات إسرائيلية من نوع بايتر (مروحية صغيرة بمحرك واحد), تُحلق يوميّاً فى الجانب الشرقى لقناة السويس, ولا تتجاوزه, تصوب للمدفعية الاسرائيلية مواقع الاهداف المصرية (وربما تشوش على أجهزة الرادار المصرية والموجات اللاسلكيّة, حسب ما أتذكر)..

المطلوب إسقاطها..

سألته: بيكون معاها طيارات حماية, يا افندم؟

أجاب: لا..

داخل إحدى الدشم, تم تجهيز طائرة ميج 21 خصيّصاً للعملية, حُملت بصاروخ جديد موجهة بالاشعة عوضاً عن صواريخ البصمة الحرارية..

***

داخل الدشمة, كان معي مذياع من نوع Aiwa ياباني, لم أشغله مرة واحدة, أسوأ ما فى الامر انه عليّ الانتظار بملابس الطيران منذ أول ضوء للنهار, مُستعداً للاقلاع فى أيّ وقت, فى الغالب يبدأ الهدف عمله ما بين الساعة العاشرة والثانية عشر لذا اكون فى ذلك الوقت حالة أولى داخل قُمرة الطائرة, فرشتُ بطانية أسفل جناح الطائرة والصواريخ, أسترخي فوق نصفها وأثني النصف الثاني فوقي كغطاء (أتمني من الله الا يصل ذلك الى مسامع قادتي), قضيتُ أوقات ثقيلة وطويلة جدا على هذه الحالة واحياناً من شدة البرد كنتُ أرتدي فوق ملابس الطيران معطف أسود طويل, لحسن الحظ تذكروني بعد ثلاثة أيام, حضر قائد السرب الى الدشمة وطلب مني الانتقال الى إستراحة الطوارىء, والانتظار بجوار هاتف العمليات..

الاستراحة عبارة عن دشمة من الخرسانة, تتكون من صالة بها أنتريه من الجلد وهاتفين وحمام وحجرة للطعام واخرى للنوم بها آسره, فى اليوم السادس أو السابع, رن هاتف غرفة العمليات, فقزتُ مُسرعاً ناحيته, قال بإختصار ودون تفاصيل: "الهدف الان على شاشة الرادار", هذا ما كنتُ أنتظره لأيام, دُشنت العمليّة, لا أتذكر ان كنتُ وضعتُ سماعة الهاتف مكانها أم لا, هرولت الى الدشمة, وأقلعتُ بالطائرة..

فى منتصف الطريق, تلقيتُ رسالة على اللاسلكي, "back to base21", تعنى "إرجع حالاً, لا تكمل الطريق", أكملتُ, فكرر الموجه الارضي بغضب, "back to base21", أبلغتُ فى اللاسلكي, "Ruger", وبدأت فى عكس إتجاهي والعودة.. كان التعارف بين المدفعية المصرية والطائرات المصرية مفقود, ولم يستطيعوا التواصل مع الدفاع الجوى, لذا خافوا من إسقاط طائرتي بمدفعية صديقة, الحمد لله لم يتم التضحية بي..

فيما بعد وصلت من الاتحاد السوفيتي اجهزة تعارف بين المدفعية والطائرات (أجهزة تمييز), وتم تدمير مروحيات تصويب المدفعية بصواريخ أرض جو, وبعدها مباشرة إندلعت حرب الاستنزاف.


 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech