Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
المجموعة 73 مؤرخين **** مؤسسة ثقافية لنشر الوعي بالبطولات المصرية *** مشهرة برقم 10257 لسنه 2016 ***

رواية بارون الميج - سمير عزيز - الحلقة الخامسة

 

بارون الميج

المؤلف: زين الدين

الاسم كاملاً: محمد السيد طه محمد زين الدين

رقم الإيداع: 25020/2017

الترقيم الدولي:978-977-90-5077-5

            

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف, ولا يجوز النشر أو الطبع الا بإذن المؤلف, ولا يجوز الاقتباس دون الاشارة للمصدر.


 

 

 

 

 

 

- إتحاد الجمهوريات العربية المُتحدة -

لعبة استباق الهدف وإنتظاره..

منذ زمن بعيد, كانت الطائرات تُحلق بسرعات مُنخفضة, وكانت نيران بطاريات المدفعية تُسقطها بسهولة, لكن أثناء الحرب العالمية الثانية, باتت الطائرات الالمانية تمتلك سُرعات عالية, فأصبح التصويب ليس على الهدف مباشرة لكن على نقطة تسبق الهدف, أصبح علي جندى المدفعية أن يتوقع أين سيكون الهدف بعد زمن معين؟, هذه سياسة التعامل مع الهدف المُتحرك, عليك دائماً أن تكون أمامه لا خلف ظهره..

هكذا كانت الولايات المتحدة الامريكية أمام الاتحاد السوفيتي لا خلفه, لذا آمن السادات ان الحل بيد أمريكا, وبدأ يغازلها غزل صريح, فى فبراير/تشرين الثانى 71 عرض اتفاقية سلام مع اسرائيل فى مقابل انسحابها من سيناء, خرج السادات عن قـفة عبد الناصر, فما أخذ بالقوة سوف يُسترد بالمفاوضات, ولا صوت يعلو فوق صوت المفاوضات.

***

كان عام 71 مزدحماً بالاحداث السياسية يُشبة طريق صلاح سالم ساعة الذروة, فى مايو/أيار وصل صراع السادات مع مراكز القوّى الى حافة منحدر جبلى ولابد أن يرمى أحدهم الاخر.. بعدما أسقطت اللجنة العليا للاتحاد الاشتراكي العربي مشروع الوحدة الكونفدرالية مع ليبيا وسوريا أقال السادات على صبرى (شعرتُ بالارتياح وسلامتي منه الان باتت مضمونة), بعد أيام أقال السادات شعراوى جمعة..

فى متتابعة من الصدمات الكهربائية أذاع راديو القاهرة عاصفة هوجاء من الاستقالات الجماعية لرئيس مجلس الامة وعدد من الوزراء ومسئولين فى الاتحاد الاشتراكي, قلت مازاحاً لقائد السرب: "هو حضرتك مش هتقدم استقالتك فى المهرجان دة ولا اية!!!", فإبتسم.. وكأن السادات يعلم ان الاثارة تأتى من الخطوات السريعة للاحداث, قبل استقالتهم نهاراً وقبض عليهم ليلا, وهكذا حطم معارضيه بلكمة واحدة وزج بهم فى السجن بتهمة "الغباء السياسى", أزاحهم من طريقه كما لو كان يخلع ثوباً بزر واحد, كشف السادات وجه سياسي بارع ينطبق عليه قانون مكيافيلي: "ماكر كالثعلب وشجاع كالاسد..", وكيف لا يكون شجاعاً وقد إشترك فى تنظيم سرى أطاح بالملك وقرأ بيان ثورة يوليو وكان الملك مايزال على عرشه!!!

بدون توقف, ازاح السادات الفريق "محمد فوزى" عن الجيش وحل محله "محمد صادق", وبعد اربعة اشهر أصبح لمصر دستور دائم و"الجمهورية العربية المتحدة" أصبحت "جمهورية مصر العربية"..

بعد "ثورة التصحيح" أظهر السادات مهاراته فى الخطابة والتمثيل أمام عدسات الكاميرات, فى ذكرى النكسة أعلن ان عام 71 هو "عام الحسم" قال انه اصدر قرار للقوات المسلحة بالتجهيز للحرب قبل انتهاء العام.

عمت الفرحة جميع البلاد, وأصبح الناس يستيقظون صباحاً يفتحون أجهزة المذياع وينتظرون إعلان دخول الجيش سيناء كما ينتظرون حفلات أم كلثوم.

***

كان الدكتور لبيب صيدليّا معروفاً فى بنها, يمتلك أجزخانة بشارع المحطة يقضى فيها مُعظم وقته, وإبنته هايدي طالبة رقيقة بكلية الصيدلة جامعة القاهرة, وكانت تربطنا بالعائلة علاقة طيبة وكانت أخت زوجته صديقة لوالدتي منذ أيام الطفولة..

أول ما شعرتُ به حينما وطأت قدمي منزل الدكتور لبيب الاطمئنان والسكينة, كان واضحاً من إستقبال والدة هايدي لنا أنها تعارض الزواج, دخلت دون ضوضاء او كلام او ابتسامة وكأنها لا تعترف بوجودي, أما هايدي فكانت توزع النظرات بيني وبين أمها..

قالت الى أمي بصراحة: "هايدي لها أخت متزوجة من طيار, ولن أزوج هايدي لطيار وأنتي تعرفين اننا فى حرب", الغريب أن أمي تعاطفت معها, وبذلك أسدل ستاراً من الفولاذ على موضوع زواجي من هايدي..

ومع رفض والدة هايدي وإعلان السادات ان الحرب ستندلع هذا العام تخليتُ عن فكرة الزواج.

دونت فى ملاحظاتي: "يا الهى أعطنى حُباً بقدر حاجتى اليه, إعطنى قطرة حب فى هذه الارض القاحلة, لا تُسلم مجاديف قلبى الا لامرأة صالحة."

***

تمت الخِطبة بعد مفاوضات صعبة مع والدة هايدي, يرجع الفضل الى هايدي ووالدها, وقد صرح اليّ بأن أعمار البشر بيد الله..

سُرعان ما إتضح أنه لا شىء كالحب وأن هايدي مُنسجمة معي تماماً وإن الحياة قد جمعت بيننا عن قصد, وانها واثقة من نفسها بشكل رائع, ولو كانت لى سُلطة مجلس اللوردات لمنحتها لقب "دوقة", أعلى درجة فى سلم النبلاء..

كنت أقضى أجازتي معها فى بلفودير هيلتون النيل بميدان التحرير, أحاول انتقاء الكلمات لايماني أن "الذين يسرقون الاغنياء يرتدون ملابس أنيقة, والذين يسرقون قلوب النساء تكون كلماتهم رقيقة".. لا نتوقف عن الكلام الا حينما نتفاجأ بأن الساعة تقترب من الثانية عشر, ومثل سندريلا تصر هايدي على المغادرة بحيث تكون فى البيت قبل مُنتصف الليل, وطوال سنتين لم أستطيع ان أثنيها عن ذلك ولو مرة, والغريب أن تلك العادة استمرت بعد الزواج.

ذات مرة كنتُ أجلس فى وجه هايدي ناسيّا نفسي والحرب, أوزع عليها نظرات الاعجاب أما عينيها فكانتا تهربان ناحية نهر النيل وبرج القاهرة وبين احضان كفيّها كوب شاى ساخن..

 
من البلفودير, يظهر نهر النيل وبرج القاهرة (صورة حديثة)

فوق كتفها كان هناك شخص أخر نحو الاربعين عاماً يختلس نظرات غريبة ناحيتي ويفحصني, يجلس حول طاولة خلف ظهر هايدي تقع بعد ثلاث طاولات منا, بجواره سيدة شقراء كالاجانب تتكلم وهي تنحنى عليه..

نادى الرجل على من يقوم على الخدمة وتكلم معه وهو يُشير ناحيتي خلسة, وبعدها مباشرة جاء الاخير اليّ وسألني ان كنتُ سمير عزيز؟

تغير لون وجهي, وضعتُ يدي فوق جيبي وتحسست مسدس حلوان, فقبل أسبوع صدرت اوامر للطيارين بحمل السلاح دائماً لان هناك معلومات ان الموساد قد يُرسل قتلة لاغتيال الطيارين..

كانت هايدي تتكلم لكني لم أكن أسمع منها شىء, فجأة توقف كل شىء وأصبح جميع الناس حولي قتلة مُحتملين, أو مُساعدين لقاتل مأجور.

***

لم أنتظر, نهضتُ فجأة بينما كانت هايدي تتكلم, قررتُ أن أذهب اليه بنفسي وبذلك اكون قد اربكتُ خطته, حينما نهضتُ وقع الرجل فى الاضطراب والقلق وصوب ناحيتي نظرات وجلة, استمرت وانا اتقدم ناحيته, وكان المسدس ثقيلاً فى جيبي وبارزاً بسبب حجمه الكبير..

صافحته, وتبادل معي تحية المساء وهو مكانه وكأنه مُسمر فى المقعد, كنت حريصاً أن تظل يده فى يدي طويلا كي أقيد حركته واجعله يرتبك اكثر..

قامت هايدي وسارت خلفي, وصلتُ أولاً ووصلت هايدي ويدي مازالت فى يد الرجل, وصافحت المرأة الشقراء التى كانت تجلس معه, صافحت قريبتها.

حينما عدتُ الى البيت, أخبرتني أمي انها تلقت إتصالا من مطار المنصورة, يطلبون مني العودة الى المطار فى السادسة صباحاً, أعلنت حالة الطوارىء, لم أخبرها ان حالة الطوارىء تعنى شفا الحرب.

سألتني وأنا اعد حقيبتي : هل أنت ذاهب الى الحرب؟

***

مر "عام الحسم" بدون حسم, قال البعض ان السادات أصدر قرار رئاسي بمد عام 71 سنة أخرى.. وهكذا بدأ الشك فى الحرب يسرى فى عروق الناس, "حسم أيه اللى انت جاى تقول عليه, انت عارف قبلا معنى الحسم أأأيه!!!"..

فى "خطاب الضباب" برر السادات تأجيل قرار الحرب بالضباب الذى يحيط العالم بسبب حرب الهند وباكستان..

قال الناس "اصل سلاح الضبابات مش جاهز للحرب", وفى الجامعات رُسم السادات وهو يُدخن الشيشة وحوله دُخان كثيف (يرمز الى الضباب).. وبعد أيام قليلة من خطاب الضباب حدث إعتصام طلبة جامعة القاهرة مطالبين بالحرب, ثم انتقل الاعتصام الى ميدان التحرير, سُمي (فيما بعد) بإعتصام "الكعكة الحجرية"..

فضت الشرطة اعتصام الطلبة بالعصى والهروات وقنابل الغاز, وغنى الشيخ إمام: "رجعوا التلامذة ياعم حمزة للجد تاني, يا مصر انتي اللي باقية وانتي قطف الاماني".

بتلك الاضطرابات دخلت البلاد عام 72, وأصبح السادات فى حاجة الى خوض حرب.

***

- عام الطرد -

لازال دفتر ملاحظاتي يتذكر ملامح طيار باكستاني قال ليبصوت مكسور بعد مناورات وهمية (مصطنعة) تغلبت عليه فيها بطائرتي الميج 21:

- لن ادخل قتال مع طائرة ميج 21 مرة اخرى.

لازلتُ أتذكر سيدي طائرتك الميراج, كان ذلك فى وضح النهار, فى ليبيا, السنة التى طرد فيها السادات الخبراء الروس من مصر, وإشترت ليبيا طائرات ميراج من فرنسا لصالحها, لكن فى العتمة تم نقل الطائرات الى مطار طنطا, كانت هدية لمصر..

فى البداية, كان هو خلفي بطائرته, تعذر عليه قنص طائرتي, قمتُ بعمل دوران برميلى واختفيتُ من امامه, أصبحت خلف طائرته, وأصبح صيداً سهلا لي..

فى المناورة الثانية كنتُ خلفه, حاول أن يفلت من سهامي وفشل..

فى المناورة الثالثة كل طائرة تطير فى اتجاه الاخرى كأنها ستصدمها, وقبل الاصطدام بثوانى تنحرف إحداهما وتبدأ المناورة, كل طائرة تحاول وضع الاخرى أمامها وقنصها (مين يمسك ذيل التاني؟)..

لو كانت طائرتي محملة بالصواريخ, لدمرتُ الميراج ثلاث مرات, لكن للاسف كانت محملة فقط بكاميرا, حينما أضغط على الزناد فانها ترصد ما يحدث, أظهر الفيلم بعد تحميضه أنني فى كل مناورة كنتُ قادراً على نسف الميراج.

***

تفوقت الميج على الميراج فى المناورات, حتى أنني حينما حلقتُ فى السماء بطائرة ميراج حاولت القيام ببعض المناورات التى تقوم بها الميج بسهولة, صرخ مدربيّ الباكستاني الذى كان فى المقعد خلفي:

- توقف إنها لا تستطيع فعل ذلك, سوف نموت.

لعبتُ معه دور محقق البوليس, كان معي اسئلة كثيرة, لكنه لم يجب عنها جميعاً, واغلق الحوار قائلاً: "إسمع, انها مجرد طائرة وليست مركبة فضاء."

وسقطت هيبة الميراج الى الابد.

***

- معطف دافىء -

أهكذا تكون السعادة!

كانت أجمل لحظات حياتي منذ أربعة وأربعين عاماً, تحديدا فى مُنتصف يوليو/تموز 73بدأت أيام السعادة,كان زواجي من هايدي ميلاد جديد لي, فكما لِلكون عهدين قديم وجديد, لكل فُسيفساء كَونية عهدين وميلادين..

يالايام شهر العسل الرائعة التى أمضيناها بين فندق عمر الخيام بالقاهرة وهلنان بحديقة المنتزة فى الاسكندرية وفندق البوسيت بمرسي مطروح..

 
من حفل الزواج

                

من حفل الزواج, من اليمين, محمود القبانى, عبد المنعم همام, سمير عزيز, هايدي, رضا إسكندر, مدحت لبيب, إسماعيل امام بزى مدنى, شاكر فتح الله,

***

5 أكتوبر/ تشرين الاول 1973..

مساكن الطيارين, مدينة المنصورة..

جلستُ أنا وهايدي ونحن نمسك بأيدي بعضنا, تُضيف وهى تختتم ذكرياتها عن الطفولة وجسر بنها فوق النيل, غنت له داليدا "على كوبرى بنها": "الالعاب والاشياء الجميلة, دائماً ما كانت تضيع مني"..

برفق ألقت رأسها فوق كتفي..

- انت ليه عايز تخليني أرجع القاهرة النهاردة؟؟

قالت انها تريد أن تبقى بجواري,وانه لا حرب فى الافق فكل شىء على ما يُرام, وذرفت فى صمت دموعاً من أجلي.. حاولتُ التملص من نظرات عينيها لانني لا أستطيع ان اخبرها بكل ما يدور فى رأسي وما عرفته من الاشارات المُتفرقة وحالة الطوارىء, كذبت عليها وانه لأمر فظيع ان تصبح مضطراً الى الكذب, عفوا, أن تقنع نفسك انك مضطر الى الكذب وان الامر سيتوقف عند كذبة واحدة.. أخبرتها وانا أداعب يدها ان المسافات ما عادت تُقاس الا بالبعد أو القرب منها, فإطمئنت, وانتقل الحُبُور من يدها الى يدي..

وسط دموعها لم تنسي أن تسألني عن أيّ فستان ترتدي؟, فهي ذكية تجعلني دائماً اشعر انها تحتاج اليّ.. اخترتُ واحداً, ولبست غيره, قالت: لن أرتديه الا اذا كــنت معي..

نظرتُ اليها وهى تلبس الحذاء, تُشبة تمثال يوناني من رخام مرسى علم الابيض, حملتُ لها حقيبة الملابس,وحملت هي صندوق الساعات, به عدد كبير من ساعات اليد المتوقفة, فهي حريصة على شراء وجمع ساعات اليد النسائية, وحينما تفرغ بطارية الساعة فإنها تضعها فى صندوق الساعات وتشترى اخرى..

كانت سيارتي من نوع "فيت 124 سبشيال" فى إنتظارها, يقودها سائق من السرب, كان الشارع مزين بزينة رمضان متواضعة, فى مُنتصفها فانوس من الخشب يلبس ثوب بلون من كل جانب.. فى لحظة ما شعرت أنها قد تسقط, وداع حزين وعناق طويل للمرة الثانية بجوار باب السيارة المفتوح, فجأة انفكت أصابعنا, انطلقت السيارة ودخل دخانها أنفي, ظلت عيناها عليَ ويدها تودعني من الزجاج الخلفي, بعد وقت قصير غطست السيارة فى الشارع..

أريدها بجواري لكنها كانت صغيرة على أن تتحمل كل ما سيجرى..

اتصلتُ بها عندما وصلت بيت أبيها, سألتها: أتعرفين ما أكثر ما اخشاه؟, وبعد صمت, قلتُ لها: "الحرب يا عزيزتي, لانني ربما لن أراكى مرة ثانية", بكت بمرارة, أخبرتها انها تركت لي الصحون دون غسيل, اظنها ابتسمت وهى تبكي, أخبرتني انها تركت لي خطاباً بخط يدها فوق أجزخانة غرفة النوم.. إتصلتُ بأمي كى أسمع صوتها, وتحدثتُ مع ماجدة فقد كانت فى زيارة لوالدتي بعد أن تزوجت..

ليلة مأسوية بكل معنى الكلمة, كان وجه هايدى فى كل مكان, فارت القهوة وأغرقت الموقد, حاولتُ نسيان الذكريات المزعجة عن الحرب, وفشلت, وانا أقلب صور الزفاف طرحتُ ألف سؤال على المستقبل ولم أتلقي جواباً الا جواب هايدي الرقيق.

***


- ذبح الديك البربري -

6 أكتوبر/ تشرين الاول 1973..

لكل إنسان جانب فى حياته يستحق أن يفخر به, أما جنود أكتوبر 73 فكل حياتهم فخر لنا..

مثل بقية قرى دلتا النيل إستيقظت شاوة مع أول ضوء للفجر, خرج فلاحيها وأطفالها بتقاسيم وملابس مُتشابهة يحملون أوعية كبيرة من الخيش قاصدين الاراضى الزراعية الملاصقة لقاعدة المنصورة الجوية, كانت الالياف البيضاء تطل برأسها خارج لوزة القطن فى إنتظار من يقطفها ويكبسها مع أخواتها داخل وعاء الخيش, كان الذهب الابيض يُغطى الافق, وأصوات عصافير الجنة تملأ الفراغ.. بعيداً, كان أحد الفلاحين يغرس الحبوب فى الارض, وحينما فرغ ربط جاموسة مغماة فى الساقية, تدريجياً غمرت المياة التربة وتجمعت أعداد هائلة من طيور مالك الحزين "أبو قردان", وغطى لونها الابيض الارض, تخفض رأسها وتنقر الارض الرطبة بحثاً عن الدود.

كل شىء يبدو طبيعياً والحياة تتكرر بالطريقة المملة ذاتها, أمام المطار تمر القطارات فى وقتها والسيارات تدهس طريق السنبلاوين السريع, لكن داخل حدود السلك الشائك للمطار كان هناك شىء ما يُعد له فى صمت مخيف وكتمان وسرية, حرباً مُسلية ستدفع العالم الى شفا لعبة تراشق القنابل النووية.. لم ترضى أيّ من القوتين العظمتين أن تخسر زبونتها وحليفتها الحرب, ومع حلول الاسبوع الثالث هدد السوفييت (للمرة الثالثة فى تاريخهم) بفتح أبواب القيامة, كان العالم يكتم أنفاسه وتمر الارض بأصعب أوقاتها, كان الكوكب على حافة الهاوية وسينتهى طبقا للنظرية المعروفة: "بإمكان أمريكا ان تقتل كل مواطن داخل الاتحاد السوفيتي, وبامكان الاخير قتل كل مواطن داخل أمريكا وسينتهى العالم.."

عند الساعة العاشرة جمعنا قائد اللواء أحمد نصر فى قاعة المحاضرات, كان أمامه حقيبة سوداء وبجوارها آلة كاتبة لونها ازرق.. أخبرنا بحماسة وصوت رصين إعتاد عليه ان الحرب اليوم..

أخيييييراً, كنتُ أخشى أن يأتى يومي قبل هذا اليوم, الثأر لمطار فايد, لمطار إنشاص, لأطفال مدرسة بحر البقر, لأحمد نور الدين, لأحمد عطا, لمحمد الفولى..

"سأدك طائرتك كذبابة", وعدتُ الطيار الاسرائيلي, الذى دخل معي مبارزة فى فايد, أنا بمسدس وهو بطائرة سوبر مستير, أرجو سيدي أن تكون رأسك من نصيبي والا يكون أحد زملائي قد دك عنقكّ فى حرب الاستنزاف..

ضجت القاعة, تعانقنا لوقت طويل, كان السادات بارعاً حقاً فى الخداع, فالحرب لا يجب ان تندلع الا حينما يصير فى حكم المؤكد أنها لن تندلع, هكذا دون ان يسبقها قرع للطبول أو ضجيج يلفت النظرأو تهديد أو تعبئة اعلامية ونفسية مبالغ فيها, كما حدث فى حرب العام 67..

طلب منا قائد اللواء أن نجلس ونهدأ, أخبرنا ان ساعة الصفر الثانية ظهراً وأننا يجب ان نخبر العالم ان اليهود جأوا الى سيناء كى يموتوا, والخطة كما تدربنا عليها, وأمر بالالتزام بالصمت اللاسلكي, حتى لا يكتشف العدو وجودنا, وأمر بكسر صيام رمضان..

***

سأصبح طياراً فى الجيش, هذا ما أخبرتُ به أبي بينما كان يقرأ جريدة الاهرام ويتناول قهوته الصباحية قبل أن يخرج للعمل برئاسة القوات الجوية, طوى الجريدة ووضعها بجانبه, نظر الىّ نظرة اعجاب, كان أبي يعرفني بشكل ممتاز, فالفتى الصغير يُجيد اطلاق النار وتفكيك وتركيب وتنظيف البنادق, ولديه بندقية "لي آنفيلد" يعرف خباياها..

كان أبي مُتديناً ولعله وجد فى غرس الفكرة العسكرية برأسي بديلا عن شيوعية كان يمقتها بشدة, فلن يكن فى مصر وقتها صراعاً طبقياً كي نستدعي الذين لا يؤمنون بالله لمواجهته.. أذكر انه غضب بشدة حينما وجد يوماً ما فى يدي "المانفيستو الشيوعي", أعطاني إياه صديق شيوعي.. كان فى بيتنا مكتبة كبيرة تخلو تقريباً من كلمة ماركس, أنجلس, لينين.. اضافت أختي (ستصبح فيما بعد موظفة بالبنك الدولي) الى المكتبة روايات نجيب محفوظ وديكنز, كانت تحافظ على القرأة وسماع أغاني عبد الحليم وتبادل إسطوانات حفلاته مع صديقاتها بقدر إلتزامها بالاحتفال بيوم مولدها كل عام.. أما أنا فقد أضافت الى المكتبة كل ما يتعلق بالطيران والحربين العالميتين الاولى والثانية, وكتب عن الطيارين العظماء أمثال الطيار الياباني "سابورو ساكاي" الملقب بـ "ساموراي السماء"..

مضى على وجودي على الارض ثلاثون عاماً, مكثتُ منها فى الجيش المصري ثلاثة عشر عاماً, وطوال حياتي لم أفوت معاداً للحرب, شهدتُ حروب اليمن و67 والاستنزاف, وها هي الحرب الرابعة التى لا إسم لها حتى الان, وربما تكون حربيّ الاخيرة..

وضّحتُ لقائد اللواء ان وجود جميع الطائرات على الارض سيجعل إسرائيل تشك فى أن القوات الجوية تستعد لأمر ما, اتصل بقاعدة انشاص لبحث الامر, عند الساعة الحادية عشر أمر باقلاع تشكيل من السرب 46 وتشكيل من السرب 44 لعمل تدريب مُعتاد ومظلات على ارتفاع خمسة كيلومترات فوق الارض (كى نظهر على شاشة الرادار الاسرائيلي)..

عدنا عندما إنتصف النهار, كان هناك أعداد هائلة من الاطفال والكبار فى الاراضى الزراعية يجمعون القطن..

داخل إستراحة الطوارىء, قام قائد كل تشكيل بتلقين طياريه للمرة الاخيرة, تناولنا الغداء, قضينا بقية الوقت فى تبادل الاحاديث, تراشق نظرات التوتر والابتسامات الروتينية, ترك وصايا, متابعة مرور الوقت, التسلى بقصص الطيارين العظماء الذين عاشوا بلا خوف أمثال ريتشهوفين المُلقب بــ "البارون الاحمر", والمحاربين الشجعان أمثال "عزيز باشا المصري", الذى هتف له المصريين: "يا عزيز يا عزيز كُبة تاخد الإنجليز".. كان فى ذهني هجوم طائرات زيرو وإيشي اليابانية المباغت على الاسطول الامريكي الراكد فى مياه "بيرل هاربر", يوم السابع من ديسمبر/ كانون الاول 1941, بهذا الهجوم زجت اليابان بأمريكا فعليّاً فى موقد الحرب العالمية الثانية.

كان الوقت يتلكأ, وانتقلنا الى الدشم..

قبل الساعة الثانية بقليل, وفى تزامن دقيق, دارت محركات الطائرات, وإنطلق الدخان خارجاً من مداخن الدشم, فـتحت أبواب الحرب والدشم, كانت السماء تُنادينا, دوي صوت خرطوشة إسكرامبل, وكان ذلك إعلاناً ببزوغ شمس ليلة الخامس من يونيو/ حزيران 1967, ليت ناصر كان حيّاً ليرى.

ومثل كل الحروب الحديثة, فان الطائرات أول من يلتحق بالحرب, أول ما يظهر فوق خانات العدو على رقعة الشطرنج..

***

كان الجنود بطول قناة السويس يلوحون الينا, عبرنا القناة ولم يقف أيّ شىء فى طريقنا, رأيت مواقع المدفعية والصواريخ الاسرائيلية تنفجر ومراكز القيادة تذوب, كان كل شىء ينفجر, يحترق, يذوب..

كانوا نائمين لم يسألنا احد: من هناك؟

بعد تنفيذ المهام, أمرنا الموجه الارضي بالعودة الى المطار, إنتظرتُ لدقائق كقائد تشكيل رباعى وكى أشبع رغبة بداخلي, كان الجنود يعبرون القناة فى قوارب..

حينما إقتربتُ من مطار المنصورة, إنطلق صاروخ مصري على طائرتي, ناورتُ بالطائرة كى أتفاداه ونجوتُ بإعجوبة, نظرتُ فى الاسفل فوجدتُ صواريخ أخرى تنطلق نحونا مثل قطيع حيوانات مُفترسة وخلفها سحابة من الدخان والغبار (حينما ينطلق الصاروخ تضرب غازاته الناتجة عن مُحرك التسريع الارض فيندفع الرمل الى ارتفاع حوالى عشرين مترا.)..

يبدو أن أجهزة التعارف اللعينة فى غيبوبة..

***

حسناً, ان أصيبت الطائرة وقفزتُ بالمظلة, فسوف أعود الى المطار على قدمي وفى يدي المظلة, وهذه فائدة أن تسقط فى أرضك, يمكن أيضاً أن تطير بعدها بدقائق.. أسرعتُ فى الهبوط على الممر, أنقذتني صلوات أمي وزوجتي..

تبين أن الطيار "حسن خضر" كان فى برج المراقبة وأبلغ غرفة عميات المطار أن جميع الطائرات قد عادت ولم يعد لنا طائرات فى الجو, فظن الدفاع الجوى أننا هدف مُعادى..

عادت جميع الطائرات سليمة ولم تفقد قاعدة المنصورة أيّ طائرة, فقد العدو الوعى والاتصالات اللاسلكيّة, نجحت الضربة الجوية الاولى, ولسبب ما ألغيت الثانية المقررة عند الرابعة والنصف, حدثت مذبحة الهليكوبتر, كانت تقوم بإبرار قوات الصاعقة بدون حماية جوية والتهمت أغلبها طائرات العدو.. الاخبار القادمة من العُرس تقول ان أرض الجولان تهتز تحت أقدام الجيش الاول فى سوريا (خبطة قدمكن ع الارض هدارة, انتوا الاحبة وألكن الصدارة), أما الجيشين الثانى والثالث فى مصر فقد عبرا القناة ورمال بارليف واستولى الجنود على النقاط الحصينة التى تُشبة قلاع القرون الوسطى..

لم يكن هناك وقتاً لتدوين ما يحدث فى ملاحظاتي.. بقينا فى الطائرات فى حالات الاستعداد, او فى مظلات (دوريات) فوق بورسعيد والاسماعيلية.. وليلاً, رأيتُ فى سماء المنصورة وهج صواريخ كليت (جو أرض متوسطة المدى) تُضىء السماء وتنطلق الى اهداف فى عمق سيناء من طائرات تى يو 16 يُخفيها الظلام.

***


- كبسولة -

 

ملاحظتين:

  1. تُقلع الطائرات الاسرائيلية من مطارات سيناء صوب البحر المتوسط وتطير فوقه, متجنبة حائط الصواريخ, وبمجرد أن تصل السواحل المصرية وتطأ سماء الوطن بوجوه باردة ناحية أهدافها فى دلتا النيل, تبلغ عنها نقاط مُراقبة بالرادار أو النظر تمتد بطول الساحل, فور وصول الانذار تخرج طائرات مصرية للتصدى لها ومنعها من الوصول الى أهدافها.
  2. غالباً, توجد نقطة المراقبة بالنظر فى منطقة نائية قاسية أو صحراوية خطرة, عبارة عن عريشة لا تُلفت النظر, يعمل بها جنديين (او ثلاثة) فى نوبات, مُدربين جيداً على التمييز بين أنواع الطائرات الاسرائيلية, ومزودين بجهاز لاسلكي ومناظير وأسلحة خفيفة للدفاع عن النفس, يقضى أحدهم نوبته فى مُراقبة السماء وبمجرد رؤية طائرات للعدو يُمسك اللاسلكي ويبلغ عن عدد الطائرات وأنواعها, يصل الانذار مباشرة الى جميع غرف العمليات بالمطارات بالاضافة الى غرفة عمليات القوات الجوية الرئيسية والسرية.

- القطط المذعورة -–

 

7 أكتوبر/ تشرين الاول 1973, ثاني أيام الحرب..

السابعة والنصف صباحاً..

بينما كنتُ أقف بجانب إحدى الدشم أنتظر أوامر الاقلاع لعمل مظلات (دوريات), كانت الكلاب تنبح حول المطار والطائرات الاسرائيلية فى الطريق الينا, تسلك طريقها المُعتاد بعيداً عن الغول الرابض بطول قناة السويس, حائط الصواريخ..

فجأة سمعتُ ضجة, وبدأ القذف من السماء, كان الله معي حينما مرت بجوار اذني اليُسرى شظية تائهة سمعت صوتها جيداً, وكادت ان تسد فتحة اذني, إستقبلت صواريخ ستريللا طائرات العدو واصطادت طائرة فانتوم, سقطت بجوار المطار..

لا أبالغ حينما أقول أن الطائرات الاسرائيلية كانت مذعورة (من يبدأ حرباً عليه الا يبكي).. الكثير من القنابل وقعت فى الاراضى الزراعية حول المطار, كان نصيب المطار ثلاثة قنابل, قنبلة سقطت فوق دشمة, لم يحدث لها شىء, وقنبلة سقطت على الممر, حفرت حفرة عملاقة, تم دفن القنبلة فى حفرتها, وطمرت بأسمنت سريع وعاد الممر للخدمة خلال دقائق, أما القنبلة الثالثة فكانت لها حكاية..

سقطت القنبلة الثالثة عند نهاية الممر بجوار إستراحة الطيارين ولم تنفجر, كانت نصف مدفونة, وسببت قلقاً للجميع, قال لي مجدى كمال (قائد السرب): ماتيجى نشوف القنبلة دية نظامها اية؟

ركبنا سيارة جيب, وذهبنا فى زيارة عائلية للقنبلة, نزلنا من السيارة وطفنا حولها مرتين او ثلاثة, أخبرني أنها ربما تكون قنبلة موقوتة أو مُعطلة, ثم عدنا.. شجع ذلك العمل الجميع, وعاد العمل بالمطار وكأن القنبلة غير موجودة, كانت الطائرات تُقلع وتهبط بجوار القنبلة..

كنتُ أعلم ان بعض قادة الفرق والالوية, مثل اللواء سلامة غنيم, يجلسون فوق قنابل العدو الموقوتة ليحمسوا الضباط والجنود, يالها من شجاعة!!

بعد فترة, حضر جرار زراعي وقام بجر القنبلة النائمة الى خارج المطار, وتم تفجيرها بعيداً.

***

يقولون أن جوهر الكائن البشري يظهر وقت الشدة, والحرب أعظم شدة تمر على أيّ وطن, تُحلق الجملة السابقة فوق رأسي وأنا أكتب عن جندى يعمل سائق فى مطار المنصورة, مُسلياً مثل المذياع, مرح وابن نكتة ولم تفلح قسوة الحرب والقصف ومشاهد الموت وعقوبات قائد السرب فى تعديل سلوكه, لا يلتفت لطلبات نفسه وكثيراً ما يلغيها, يبيع لزملائه تعيينه اليومي من السجائر, يُغالى فى التقشف وقد عرفتُ انه متزوج ويعول والديه وإخوته, بعدما أجبرهم القصف الاسرائيلي على هجر بيت ودكان وحياة كريمة فى السويس, لم يُبح بذلك الجزء المُظلم من حياته الا للقليل.. فى أخر حديث بيننا كان مُحبطاً والامر بالنسبة اليه بات مُستحيلاً, فجأة سكت عن الفضفضة وقال "سمعت يا أفندم اخر نكتة؟" وألقى نكتة عن السادات, هكذا كان يقاوم الحياة, بالسخرية منها..

ذات صباح فى مطلع يناير/ كانون الثانى إستيقظنا ولم نجده, أرهقته الحياة ولم يصمد راتب الجيش الزهيد أمامها فقرر (مع الاسف) الهروب من الخدمة العسكرية, انقطعت أخباره (عدا أنه يعمل سائقاً بمحافظة الشرقية), لم يـُرى وجهه منذ تلك الليلة..

قرب ظهيرة ثانى أيام حرب اكتوبر, حدث شيئاً هزني الى درجة لن أنساها, حضر الجندى الهارب الى المطار بملىء إرادته, إستقبله زملائه إستقبال الفاتحين, كيف لا وهو من يجعلهم يضربون الارض ويقفزون فى الهواء من الضحك!!, قام بتسليم نفسه الىّ, نظرتُ اليه ملياً, كان هزيلاً وعنقه طويلة وندوب حبّ الشباب تعزو وجهه, عينيه غائرتين ومكسوتين بالحزن, هزمت الحياة مرحه, يرتدى ملابس ملكية (مدنية) رثة جداً ونسي أن يحلق ذقنه.. سألته بشىء من التطفل والاعجاب عن سبب عودته, لم يرفع بصره وكانت الاجابة على وجهه ولو كان سيجيب لألقى خطبة مؤثرة عن حُب الوطن والموت من أجله, بسرعة إنتشر خبر عودته فى المطار, وتسّلم العمل, أضافوا الى اسمه الاول "العايد" يعنى العائد.

***

فى نهاية اليوم هاتفتُ زوجتي فى بيت أبيها, كانت قلقة جداً وإنتظرت لساعات بجوار الهاتف..

طوال حياتي لا أجيد فن الغزل (عكس ما تقوله هايدي), فقط قلتُ لها: أنا أحبك, وبقيت حياً وأنا بعيداً عنك بإعجوبة.. لا ادري حقاً كيف قلتُ ذلك!!

قالت: أنا فى المكان الخطأ, يجب ان أكون بجوارك الان.

أغلقتُ الخط ومازالت السماعة فى قبضة يدي, وهاتفتُ أمي.

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech