Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
المجموعة 73 مؤرخين **** مؤسسة ثقافية لنشر الوعي بالبطولات المصرية *** مشهرة برقم 10257 لسنه 2016 ***

رواية بارون الميج - سمير عزيز - الحلقة السادسة والاخيرة

 

بارون الميج

المؤلف: زين الدين

الاسم كاملاً: محمد السيد طه محمد زين الدين

رقم الإيداع: 25020/2017

الترقيم الدولي:978-977-90-5077-5

            

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف, ولا يجوز النشر أو الطبع الا بإذن المؤلف, ولا يجوز الاقتباس دون الاشارة للمصدر.

 

- الايام العصيبة تصنع الرجال -

8 اكتوبر/ تشرين الاول 1973, ثالث أيام الحرب..

كم أحب هذا البلد, بكل ما فيه, شوارعه الرثة وقصوره الملكية وقطاراته العتيقة وأهراماته الخيلاء وعقوبات أمهاته القاسية وأيامه العصيبة التى تصنع الرجال.. ولطالما حلمتُ بالعيش فيه فى ثلاثينيات القرن التاسع عشر, حيث تعج شوارع القاهرة والاسكندرية بخليط من الازياء واللغات, العربية والتركية واليونانية والانجليزية والفرنسية..

وبرغم أن شوكولا جروبى لم تعد تسحر ملكات أوروبا, ولم يعد الاجانب يبحثون عن عمل فى مصر, الا أنني لن أكف يوماً عن حب هذا البلد.

مازلت قادراً على الوصول الى تفاصيل ثالث أيام الحرب وسط متاهات الذاكرة وأوراق دفتر مُلاحظاتي.. كنتُ مُصاباً بالزكام, وأستخدم سراً نقط أنف بريزولين خوفاً من ان يحرمني طبيب السرب من الطيران..

قبل الضوء الاخير بساعة, تحت سقيفة إستراحة الطوارىء المغطاة بكميات هائلة من الطين, طلب مني مجدى كمال (قائد السرب) إستلام حالة الطوارىء بدلاً منه, فى اللحظة التى وافقت فيها انطلقت خرطوشة إسكرامبل, نظرت اليه, تغير مزاجه وكأنه شعر بالذنب, لم يكن هناك وقت لوداعه, قفزت داخل الطائرة, اقلعت مباشرة وكان معي: صلاح (رقم 2) والقبانى (رقم 3)  وهمام (رقم 4)..

كان مجدى كمال أضخم مني, وقد اقلعت دون ضبط الاحزمة على جسدي, وكثيرا ما كنا نربط الاحزمة أثناء الاقلاع, لكسب عدة ثوان كفيلة بقلب نتيجة أيّ معركة جوية, لم أضبطها, وعليكم أن تتذكروا ذلك جيداً..

وجهنا الموجه الارضي الى بورسعيد, قائلاً ان هناك طائرات اسرائيلية تقذفها الان, عندما إقتربنا من بورسعيد امرتُ التشكيل برمى خزانات الوقود استعدادا للاشتباك..

فوجئت بأن خزانات الوقود الثلاثة مازالت عالقة بجسد طائرتي, قال لي صلاح فى اللاسلكي "الخزانات بتاعتك ماترمتش يا افندم", اخبرته أنني أعلم ذلك.. حينما أصبحنا فوق بحيرة المنزلة رأيت اربع طائرات ميراج فوقنا, انفصل القبانى وهمام, تسلقنا الهواء للاشتباك معها, فى تلك اللحظة كان هناك أربع طائرات ميراج أخرى مختبأة بين خرائب بورسعيد, على ارتفاع منخفض ولذا لم تظهر على شاشات الرادار, حضرت وارتفعت للاشتباك معنا, وهكذا أصبحنا أربع طائرات مصرية وسط ثمانية طائرات إسرائيلية..

(بعد ذلك باكثر من اربعين سنة علمتُ من قائد لواء الصواريخ ان الهجوم الاسرائيلي كان بأكثر من خمسين طائرة, بعضها للهجوم والباقى للحماية..)

كمين, تم إستدراجنا..

نظرت بجانبي فلم أجد طائرة صلاح, رأيت مكانها دخان أسود, وكأنما إبتلعها وحشاً خرافياً او باك مان (pac-man), لم يرد صلاح فى اللاسلكي, تمنيتُ لو كان قفز بالمظلة, لكن ذلك لم يحدث, فاز واستراح, لم يكن غريباً بالنسبة اليّ خسارة واحد (أو أكثر) فى الاشتباكات أو حتى أثناء التدريب, أتذكر "نهاد فخرى" فى مطار غرب القاهرة بعد النكسة, جلس فى قمرة طائرة ميج 21 من طراز (FL), جذب غطاء القمرة (الباغة) ناحية اليسار وأغلقه, أقلع بالطائرة ونسي جذب مقبض إحكام غلق القمرة, على بعد مائة متر تقريباً من سطح الارض إنفتح غطاء القمرة, وملئها الهواء, سقطت طائرته فوق المطار, وتناثر جسده فى أرجائه, رأيتُ ذلك بعيني, وجمعتُ ما أستطعتُ من جسده..

نعود للمطار بدون طيار من التشكيل أو اكثر, ننظر الى مُتعلقاته ببرود, وليلاً يُنحيها أحدنا فى جانب السرير, وينام مكانه وكأنه لم يكن, وفى الصباح نطير بدونه وفى أحيان كثيرة كنا نطير ودمائه لم تجف فى ذاكرتنا بعد, لقد جعلتنا الحرب نقبل ما لا يُمكن قبوله, الموت, أكثر الاشياء حدوثاً فى الحياة  بالنسبة لجندى وقت الحرب..

رغم تعودي على ذلك سألتُ نفسي: كيف سأعود بدون صلاح؟

أصبحنا ثلاث طائرات فقط, نظرت خلفي فوجدت أربع طائرات ميراج, حاولت تلقيم المدفع فلم يستجيب, حدث عطل فى الدائرة الكهربية, صعقتُ, أصبحت طائرتي كتلة من الفولاز عديمة القيمة.. قمتُ بالمناورة ناحية اليمين وكانت الطائرة بطيئة جداً لوجود خزانات الوقود, رأيت طائرتين خلفي..

منذ أكثر من ثلاثين عاماً (أكتوبر/ تشرين الاول 1941) كان الطيار الالماني "فرانز فون فيرا" يقود دورية من ثلاث مُقاتلات, فجأة تعطلت مُحركات طائرته فوق البحر, وكان أخر كلماته فى اللاسلكي: "أصدقائي, يبدو انني على وشك الاستحمام"..

يبدو أنني أيضاً على وشك الاستحمام, فبحيرة المنزلة فى الاسفلتفتح فكيّها, إستمرت المطاردة, كل طائرتين تحاولان ضربي أو وضعي فى مرمى نيران الطائرتين الاخرتين..

أبلغت الموجه ان هناك أربع طائرات خلفي دائماً, أخبرني ان هناك تعزيز قادم..

إتجهتُ بأنف الطائرة ناحية مياه البحيرة, وقبل أن ترتطم بالمياه عدلتُ جسد الطائرة فى وضع أفقى وحلقتُ بها قريباً من سطح المياه مُبتعداً عن المعركة, فيما يُسمى "وضع الغاطس", لم تتبعني فى المناورة الرأسية أى طائرة ميراج اسرائيلية لان الطائرة الميراج يكون رد فعلها بطىء للخروج من وضع الغاطس فترتطم بالمياه..

خرجت من القتال, وبعد ثواني قليلة قلت لنفسي: "هتسيب همام والقبانى لوحدهم!!, إنهم يثقون بي, أنا قائد التشكيل وسأفعل ما بوسعي من أجل سلامتهم", بعد جدال قصير قمت بالارتفاع والرجوع مرة أخرى..

عدتُ يا رفاق للقتال بدون صواريخ أو مدفع..

لطالما كانت مناورات القتال الجوى بالنسبة اليّ تُشبه مبارزات القرون الوسطي, لكن الفرسان فيها يمتطون طائرات وسيوفهم القنابل ومدفع الطائرة, وفيما بعد كنتُ أنظر الى الطائرات بدون طيار القتالية على أنها عمل جبان, وبات الطيارين مُهددين بالانقراض فى زمن الالة..

عدتُ ودخلتُ المبارزة ولكن بدون سيف, جذبتُ جميع الطائرات الجائعة فقد كانت طائرتي صيداً سهلاً..

***

رأيت طائرة ميراج عن يميني, قبل أن اتجه اليها شعرت بأن شىء صدمني بشدة من الخلف, (فى لقاء تلفزيوني عام 2016 مع صاحبة السعادة, قلتُ كأنني فوق دراجة وفجأة صدمها قطار سريع), رُجت الطائرة بقوة, إنكفئتُ للامام, لولا أحزمة تقيدني بالمقعد لقذفتُ خارج الطائرة مُحطماً الزجاج, زلزال أيقظ اجراس الانذار فى القمرة وأضاء جميع اللمبات الحمراء, خرجت الطائرة عن مسارها, نظرتُ خلفي فلم أجد ذيل طائرتي, فقط نيران, كانت مروعة وقبيحة جداً بلا ذيل, فقدتُ السيطرة عليها, توقف قلبي للحظة لابد أن شيئاً مخيفاً قد وقع, النهاية, رأيتُ الموت أمام عيني, سكتت قناة غرفة العمليات وصرخات أجهزة الانذار, كانت النيران تقترب مني والطائرة تنزلق الى أسفل وهي تدور حول نفسها, رأيتُ مياه بحيرة المنزلة تقترب بسرعة هائلة, يا الهي لا اريد ان اموت.. أصبحت الطائرة صندوق من الفولاز مُحكم الغلق يسقط من قمة وهو يحترق, البقاء بداخله يعنى الموت الاسود, مُحترقاً كرغيف فُقد ذكره فوق الموقد..

ليس هناك أصعب على النفس من السقوط من قمة شىء ما, مجد, سُلطة, مال.. على وشك جذب مقبض القذف, المنفذ الوحيد الى الحياة, ربما نظام القذف خارج الطائرة مُعطل أو أفسدته النيران, ان وقع ذلك فلا مفر من إمضاء بعض الوقت فى القمرة فى إنتظار وصول النيران اليّ أو إرتطام الطائرة بالارض, أيهما اولاً, بلا شك جميع الذين قبروا فى طائراتهم جذبوا مثلي مقبض القذف, أو على الاقل حاولوا, أقل من ثانية مرت كحياة كاملة, جذبتُ مقبض القذف حتى لمست يدي صدري, لا تخذلني أرجوك يا سيدي, اندفعتُ الى أعلى بسرعة خمسة واربعين متر فى الثانية تاركاً الطائرة, الحمد لله لكن مازال الخطر قائماً, انها اول مرة اقفز بمظلة فى معركة جوية, شعور مختلف عن القفز فى التدريب, لا تدرى ماذا ينتظرك فى الاسفل؟

إستقرت الطائرة المحترقة فوق سطح المياه..

لم أكن مٌثبتاً جيداً بمقعد القذف, مال نصف جسدي الاعلى الى الامام وشعرت بألم شديد فى ظهري وسمعتُ صوتاً قادماً من ناحيته يُشبة صوت جذع شجرة ينكسر (على ما يبدو كان أمراً مهماً ولا أعرف كيف تلقيتُ هذا النبأ ببساطة!!!), لو كان فى فمي ترمومتر للالم لتمدد الزئبق خارج الانبوب, ألم فظيع وكل ألم اظنه الاخير, كنتُ أعلم ان الالم يمكن أن يقتل الانسان, اعتقدت ان الموت قد امسك بي ولن يمنحني فرصة للهرب, أخذت أردد: "مش لازم أموت, مش لازم أموت"..

الالم شديد لكن الاصعب قادم لا محالة.

***

لم أمت بعد, إنفتح البراشوت وبدأت مرحلة الهبوط, أخذت الدنيا تتلاشى تدريجياً فى عيني وحل مكانها صورة أمي وصوت أبي الرصين وحنان زوجتي واختي, شعرت بأنني سأفقد الوعى, قمت بنفخ جاكت النجاة (الدنجى) كى يضغط على الدم ويرتفع الى رأسي واظل بوعيي..

إصطدم جسدي بقوة بصفحة المياه الباردة والمنعشة, كانت أشعة الشمس الذهبية تلمع على سطحها, تخلصت بصعوبة من البراشوت فأمسك بقدمي اليسري وأقسم الا يتركها, سحبني من قدمي فوق المياه وبدأت أتزلج وأشق ماء البحيرة وأشرب منها وأتنفس بصعوبة, سيكون رائعاً لو ان كاميراً تحت المياه تلتقط صورة رأسي وهي تضرب المياه مرراً وتكراراً وأنا ابصق ماء مالح دخل فمي, حاولت مقاومة البارشوت وكبح جنونه (لم اكن مستعداً لذلك ولم أحضر ملابس السباحة), فى النهاية تركت جسدي لتمارين التزلج القاتلة..

بعد دقائق ملّ البراشوت مني, ترك قدمي وطار فى الهواء بعدما استنفذ قوتي, أصبح جسدي حراً يطفو فوق المياه, تخلصت من الماء المالح الراكد فى بطني, أصبح لساني جافاً كورقة توت ميتة من العطش, بصعوبة, مزقتُ جاكت النجاة بالخنجر (معى خنجر ومُسدس) لانه كان يضغط على صدري بشدة, نظرت الى السماء فوجدتُ الطائرات تتعارك فوقي على إرتفاع شاهق..

أثناء متابعة العراك لم أستطيع الهروب من الشعور بالالم, او اغفاله..

***

بعد قليل, رحلت الطائرات, أصبحتُ وحيداً وعم الهدوء, وكانت الشمس بعيداً تحاول الهبوط داخل البُحيرة..

رأيت قارب صيد يقترب مني, يشق مياه البحيرة وعليه رجلين, إقترب جداً, مد أحدهم عصا تجديف غليظة وطويلة ناحيتي, بالتأكيد سيسحبني بها الى سطح القارب, إبتسمتُ للقدر وابتسم ليّ, سقطت العصا فوق رأسي بقوة, صرختُ, وانطلقت مدفعية شتائم بشعة من فمي, وسقطت دماء على وجهي..

(سيكون مُضحكاً لو اخبرتكم أنني للحظة فكرتُ فى طاقية الاخفاء والحيوانات القادرة على التخفى)..

إستقبال جيد ومُبشر, كنتُ ميتاً بما فيه الكفاية وكل دقيقة تحمل لي مفاجأة جديدة.. بالتأكيد ظنا أنني طيار اسرائيلي, اصابني الهلع وكاد قلبي أن يتوقف لان نفى هذه التهمة يتطلب وقتاً طويلاً ومناقشات, كما أن تجارب زملائي الطيارين السابقة فى هذا الامر غير مطمئنة على الاطلاق, فالمحظوظين منهم اكتفى الاهالى بتكسير عظامهم عظمة عظمة..

إقترب مني القارب أكثر, طلب مني أحدهم الا أتحرك والا حطم رأسي, رفعني من المياه, فور أن لمس جسدي سطح القارب صرختُ, قام بجذب ذراعي خلف ظهري بقوة وامسكهما جيداً ورفع بيده الثانية رأسي الى أعلى, ضغط على ظهري فصرختُ وقمت بسبه مرة أخرى, نزع الثانى المسدس والخنجر مني..

سألني: إنت مصري؟

صرختُ بكل ما تبقى من قوة: أيوة والله العظيم مصري..

أخبرتهما أن هناك سلسة فى عنقي عليها إسمي..

سألني احدهم: السلسة دهب؟, اخبرته أنها من الصفيح..

أخبرتهما وأنا مازلت مُقيداً أن هناك بطاقة عسكرية فى جيبي, فأخرجها أحدهم, وقال: "بسي احنا مابنعرفش نقرأ", طلبتُ منه أن يعيدها الى مكانها..

فجأة رأيت قارباً أخر (لانش) أمامي, عليه أقدام كثيرة, وقال أحدهم: أوومال فين الطيار المصري؟

أعتذر اليكم ثلاث مرات, أريد ان أخلد الى النوم وسأعود الى الكتابة فى الصباح, تصبحون على خير.

***

- معركة الملاءة -

 

ياصباح الخير يالى معانا, الكروان غني وصحانا..

تم نقلي كقطعة أثاث الى قارب غفر السواحل, وتسلم أحدهم المسدس من الصياد, فـرش أحدهم ظهري على دكة ضيقة, وإنطلق القارب الى مدينة المطرية, كان القارب يهتز بقوة وإستمرار, ومع كل إهتزازة يرتفع ظهري الى اعلى ثم يعود ويصطدم بالدكة فأصرخ..

بعد مئات الصرخات وصلنا المطرية, كان فى إنتظاري ضابط من المخابرات وسيارة إسعاف وطبيب, نقلوني فوق سرير الاسعاف.. سألني ضابط المخابرات إن كنتُ أريد شىء؟, طلبت منه ان يتصل باللواء طيار ماهر شنودة (قائد قاعدة إنشاص) ويخبره بسلامتي, لانه زوج اخت زوجتي, طلبت من المسعف ان يأخذني الى مطار المنصورة أولاً, فتعجب..

قال المُسعف: حضرتك, لازم تروح المستشفى حالاً..

قلتُ له بصوت ضعيف: المطار الاول آرجوك..

إستسلم لرغبتي وأومأ برأسه, نعم..

مكثتُ فى الطريق أكثر من ساعة, وكان هناك ألم بظهري لا يُحتمل, زاده إهتزاز سيارة الاسعاف لسوء الطريق..

أظلمت الدنيا بشدة, وصلتُ مطار المنصورة رغماً عن المُسعف والطبيب المُهذبان.. قابلت نبيل فؤاد وأمير رياض (لم تسلبه الحرب وسامته) وبعض الطيارين, قال أحدهم "داحنا هنا بنقول ازاى طيارة سمير عزيز تتضرب!!!", حذرتهم أن الطائرات الاسرائيلية تنصب الكمائن, وعليهم أن ينظروا خلفهم كثيراً, أقبل بعض الميكانيكية وسلموا علىّ, كانت وجوههم مُتعبة, فهم يقضون الليل عاكفين فى الدشم على صيانة وتجهيز الطائرات للصباح..

طلبتُ من المسعف نقلي الى المستشفى..

فى الطريق الى مستشفى المنصورة, أخذت مخدر وإستغرقتُ فى نوم عميق..

***

حينما إستيقظت أول مرة كانت الغرفة تدور بسرعة وكل شىء غارقاً فى الصمت, ممدد فوق سرير حديد أبيض وجسدي مغطي بملاءة بيضاء, أفرولي بجواري مشقوق لنصفين, وظهري داخل الجبس, نعم, كسر فى العمود الفقرى.. فكرتُ فى زوجتي لابد أنها الان بجوار الهاتف تنتظر مكالمة مني, كعادتي فى نهاية كل يوم..

خانات خالية فى الذاكرة..

إستيقظتُ للمرة الثانية, وجدتُ زوجتي الرائعة تحبس دموعها, متوترة كالجحيم وتنحنى على كتفي الايسر, كنتُ لا أشعر بالابر التى يغرسها الطبيب فى قدمي واكتشفت أني لا اشعر بكل عظمة فى نصف جسدي الاسفل, لا ألم لوخزات الابر على الاطلاق.. أردت أن أمسك يد زوجتي وأقبلها, لكن ذراعي الذى بجوارها لم يستجيب, هددته, نظرتُ اليه بطرف عيني ولم أحرك رأسي, تحرك ببطىء.. أصابني الذهول, حاولتُ ان احرك أصابع قدمي, ساقي, لكن بلا فائدة, كلما فشلتُ فى تحريك عظمة تفتحت عيناي أكثر وتسارعت دقات قلبي, صرخت حتى أتأكد اني لم افقد النطق..

أصابني اليأس وتوقفت..

أوه, شلل نصفي وكسر فى العمود الفقرى, قال الطبيب بصوت خافت..

مر على زواجي شهرين فقط, زفرت زوجتي بصوت عالى, ضغطت على يدي التى بجوارها ورفعتها ناحية فمها, وقبلتها, لم أشعر بشىء وكأنها ترفع يد غيري..

أصابتني الصدمة وحاولت أن أحرك رجلي, وأقول لهم أنها مازالت تتحرك, تتقافز أشياء كثيرة داخل عقلي, متاهات أدور فيها, يا إلهي انها لا تتحرك, أغلقت عيني, كرسي متحرك, لن أنتصب واقفاً مرة أخرى, مُقعد يلهث خلف الكلمات المتقاطعة, ظلام دامس, هكذا أصبحت حياتي..

خانات خالية فى الذاكرة..

***

فى قرى مصر, هناك نوعين من طائر الحمام, حمام بّري لا يمكن السيطرة عليه, وحمام بلدي يمكن ترويضه وتربيته.. وهناك طريقتين لتربية الحمام.. الطريقة الاولي, وضع أعشاش لها فى اماكن مناسبة يأوى اليها فى نهاية اليوم او بناء أبراج بها أعشاش.. والطريقة الثانية حبس الحمام فى عشة صغيرة, لن يغادرها طوال حياته, لن يرى السماء, الحمام المحبوس لم يتعلم الطيران وهو صغير, لذا لن يطير أبداً حتى ولو غادر العشة..

لا تندهش حينما ترى حمامة لا تستطيع الطيران, ربما لانها لم تتعلم الطيران وهي صغيرة, أو لان جناحها مكسور, أو لانها مشلولة مثلي..

فتحتُ عيني للمرة الثالثة, كان هناك صراخ وداع فى الخارج, رفعتُ رأسي فوجدتُ أمي ووالد زوجتي, كانت الانظار كلها مصوبة علىّ.. خيل الي أنني رفعتُ يد أمي وقبلتها..

مساحات خالية فى الذاكرة..

***

حقاً, الحمد لله..

رأسي كانت فوق وسادة من البنادق, هذا كل ما أتذكره حينما فتحتُ عيني للمرة الرابعة (لستُ متأكدا من العدد)..

وجدتُ نفسي فى الشارع أمام بوابة المستشفى, الشمس لم تُشرق بعد, ممدد فوق نقالة بجوار سيارة ضخمة, بدأت الروح تدب فى يدي بقوة, لم أصدقها, حركتها مرة ثانية وثالثة ورابعة..

أمسكت ممرضة طرف الملاءة من ناحية قدمي وبدأت تسحبها من فوقي, كنتُ عاريا تماما, سحبتها قليلاً فأمسكتها من الطرف المقابل ورفعتُ رأسي الى اعلى, تألمتُ وصرختُ فيها, تقهقرت خطوتين الى الوراء, عادت وجذبتها بضعف وريبة, أخبرتها بغضب أنني عاري, قالت بضيق: دية عُهدة.. تدخل ضابط فى "معركة الملاءة" وهو يضحك, تعهد بإحضارها اليها, فتركتها..

خانات خالية فى الذاكرة..

***

فتحتُ عيني للمرة الخامسة, يبدو ان الساعات قد جرت بشكل أسرع وأنني نمتُ لوقت طويل, نثرت الشمس نورها على إستحياء, صباح جديد غير مرغوب فيه, كنتُ مدفوناً داخل سيارة لنقل مصابى الحرب, برغم وجود نافذة صغيرة فالجو بداخل السيارة خانق والعرق الغزير يلدغ جسديمن كل ناحية كالناموس, وبفضل درجة الحرارة العالية كاد جلدي أن يذوب.. مازلت أتألم كلما يأتى المشهد على بالي, السيارة مقسمة الى رفوف مُكدسة بالجنود مبتروى الاطراف, شبة عرايا, أجسادهم سمراء من التصدى لاشعة الشمس لساعات طويلة, أجسادهم مُرقعة بالشاش الغاطس فى الدم, قطرات الدم تتساقط على الارض وأهات الصراع مع الموت تملأ أذني, كانت رائحة الدم مقززة وتُثير الغثيان, والصدمة جاثمة فوق الوجوه..

أحدهم إستيقظ فلم يعثر على يديّه, ظل يبحث عنهما ويكلم نفسه حتى نهاية الطريق, هناك إثنين يحدقان فى اللاشىء ولا يتحركان, غادرت روحهما, فما عند الله افضل..

إرتشفتُ نفساً عميقاً وملىء الموت صدري, أغلقت عينيّ ولم أرغب فى فتحهما مرة أخرى, لابد أنهم يحسدونني, فبرغم أن رجليّ لا تتحرك الا أنها مازالت تزيّن جسدي, بجواري مباشرة جسد بلا ذراعين, حركتُ ذراعي الى أعلى, إنني قعيد لكني أملك شيئاً يميّزني, لي يد تستطيع رفع فنجان قهوة كل صباح ووضع إسطوانة ام كلثوم فوق صحن الجرامافون..

قضيتُ وقتاً سيئاً حتى أنني لم أتذكر ان اتألم, ولم أسأل نفسي: "الى اين؟".. بقيتُ صامتاً حتى وصلنا المستشفى الفرنساوى بالعباسية صباح يوم التاسع من اكتوبر/ تشرين الاول, فيما بعد دونت فى ملاحظاتي "رحلة الحافلة الحزينة"..

إستقبلني على باب المستشفى, مقر الاقامة المؤقت, الدكتور أحمد رامي (ابن الشاعر احمد رامي), كان هناك صراخ ألم تهتز الارض من تحته, الكثير من مُصابي الحرب ومازال ضيوف وجيران جدد يصلون بسيارات الاسعاف, القليل منهم يستطيعون المشى, زحام شديد لدرجة انه يصعب العثور على مكان لقدم, كانت هايدي تشق الحشود تجاهد وتدفع بحثاً عني ومعها ماجدة التى تجهل ما جرى لنصفي الاسفل (لا أدرى كيف دخلتا المُستشفى العسكرى؟, لابد من تصريح), رأيتهما ولم استطيع مُساعدتهما, كان الطبيب يتفحص الاشاعات التى معي, لا أتذكر متي دخلتُ غرفة الاشاعة فى مُستشفى المنصورة؟

تكلمت هايدى مع الطبيب باللغة الانجليزية, كتمت ماجدة صرختها بيدها ونظرت بعفوية وشفقة ناحية رجليا, قال وجهها اشياء كثيرة, خدشت نظرتها غير المقصودة قلبي..  

***

كانت "مادج" تُدمن قراءة الروايات البوليسية وتتدعي أنها تستطيع معرفة شخصية القاتل فى مُنتصف الرواية, قالت لها شقيقتها:

-  أستطيع كتابة رواية, ولن تعرفي القاتل الا فى نهاية الرواية..

من أجل التحدى كتبت أجاثا روايتها الاولى "لغز جريمة ستايليس", ولمدة عام رفضت دور النشر طباعتها..

هكذا إكتشتف اجاثا كريستى انها ولدت لتكون كاتبة.. هناك لحظة يكتشف فيها المرء الذات العبقرية, تأتي مُبكراً وربما تتأخر, وقد لا تأتى أبداً ويعيش المرء متخبطاً فى الحياة.. لا أتذكر متي إكتشفتُ انني ولدتُ كي اطير؟, أعتقد ان ذلك مُبكرا قبل ان تنمو لي ذاكرة تسع ما يجرى.. إنني مدين الى الله بأن جعلني أكتشف قدري مُبكراً, ان اكون طياراً بأخلاق الصقر (قدر الامكان)..

هل هناك صقر قعيد!!!!

***

- صواريخ صديقة -

لم أكسب حتى الان "مارثون الشهادة", فاز به كثيرون وكان "إسماعيل امام" أخرهم, وهو من القلائل فى هذا العالم الذين خلقوا ليطيروا, ومثل كل الطيارين المحترفين كانت نهايته غير مُتوقعة..

إنتهت رحلة طائرة "اسماعيل امام" بسلام ووصلت الى مطار ابو حماد, وبينما كانت الطائرة فى السماء تتأهب للهبوط على الممر, كانت صواريخ ستريللا تتأهب لاستقبالها, كان التعارف بين الصواريخ المصرية والطائرة المصرية مفقود لسبب ما.. إقتنع موجة الصواريخ أنها طائرة مُعادية فاستقبلها بغضب وإستياء.. ناور اسماعيل بالطائرة وأفلت من الصاروخ الاول, لكن الصاروخ الثانى نجح فى إسقاط طائرته وتفحم بداخلها..

المدهش أنه تبين فيما بعد أن قائد الكتيبة التي اسقطت طائرة اسماعيل كان ابن خالته.

***

كنتُ أرقد على ظهري فى زنزانة لا تتغير بالمستشفى الفرنساوى, مُحاصراً بالموت والصداع وروائح الغرغينا والادوية والحقن, لا أتحرك وبلا أحلام ومُستقبل كعجوز تجاوز المائة ولا ينتظر سوى الموت, أرى كل شىء من حولي أسود, حياة فظيعة, أمضى قسماً عظيماً منها فى تخيل قدميّ تدبان على الارض, اتابع أخبار المعارك وبيانات القيادة العامة من الصحف ومذياع يقبع فوق منضدة بجوار السرير وفى نطاق يدي, احاول ابقاء نفسي فى مجرى الاحداث, أتابع برنامج "صوت المعركة", يُـقدمه المراسل الحربى "حمدى الكُنيّسي" من وسط المعركة, أتذكر ما قاله جندى: "الحرب بالنسبة الينا فُسحة, لان التدريبات كانت أقسى منها بكثير", وقال أخر "اول ما قالوا "إعبر" ماكنتش مصدق نفسي, كنا بنسبق المعدات بتاعتنا, المدفع اللى المفروض يشيله تلاتة, كان واحد بس بيشيله ويجرى بيه ويعبر القناة ويتسلق بيه الساتر الترابى"..

***

فى الثالث عشر من أكتوبر/ تشرين الاول إستمعتُ الى أول بيان سىء فى الحرب, بيان القيادة العامة رقم 34 عن إختراق طائرتين أمريكيتين من نوع SR-71 Blackbird مجالنا الجوى, فى تمام الساعة الواحدة وخمس دقائق بعد الظهر, على ارتفاع 25 كيلومتر (خارج مرمى الصواريخ وقتها) وبسرعة تعادل ثلاثة أضعاف سرعة الصوت, كما ورد فى البيان..

بد لي أن الجيش الاسرائيلي فى حالة لا يُرثى لها, عارى الظهر وغير قادر على رفع ذراعه ليقذف حجرا, ضعيفاً لدرجة جعلت أمريكا تتدخل مباشرة للدفاع عنه وإنقاذه قبل فوات الآوان, فهذا النوع من الطائرات لا يملكه سوى الولايات المُتحدة الامريكية, حلق الطيارين الامريكان فوق سيناء وقناة السويس وبورسعيد والقاهرة حتى نجع حمادى, ونقلوا مايحدث الى واشنطن وجولدمائير فى تل أبيب..

خبأتُ شعوري بالقلق عن الجميع..

ظهراً, وصلت الى غرفتي باقة ورد كبيرة من الفنانة "ميرفت امين", الكارت عبارة عن صورة أبيض واسود لوجهها, كتبت على الخد الايمن بالقلم الاحمر: "أتمني للبطل الشفاء العاجل- ميرفت أمين"..

كنتُ اعرف الفنانة المشهورة جيداً, وكذلك هي, كان اليوم مُخصص لزيارة هايدي (يوم لزوجتي واحياناً ماجدة ويوم لابويّ), قرأت هايدي الكارت وقالت بنبرة حادة: "ميرفت أمين مرة واحدة", لم يكفى لارضائها كلمات الغزل ومحاولات ضحد جمال ميرفت أمين (ليسامحني الله)..

غادرت المستشفى غاضبة..

***

وضعت الدبابات والطائرات الامريكية (الجسر الجوى) والمعلومات التى التقطتها الـ(Blackbird) الجيش الاسرائيلي على جهاز التنفس الصناعى بعد أن سقط مغشيّا عليه فى ساحة المعركة من هول الصدمة, وبعد أن فشلت الطائرات الاسرائيلية خلال هجومها ثانى وثالث أيام الحرب, تجمعت فى الرابع عشر من أكتوبر/ تشرين الاول من أجل الانتقام, أثناء ذلك كانت هايدي تتهيأ للانقضاض على باقة الورد المُهداة اليّ من الفنانة ميرفت أمين, وكان الفلاحين بجوار مطار المنصورة يكبسون القطن داخل أوعية من الخيش, يفصل بينهم فقط سلك شائك..

إختفت باقة الورد فى ظروف غامضة, وكأن شخص ما تسلل الى الغرفة, وفى غفلة مني خطف الباقة, ضاع الكارت, كنت أود الاحتفاظ به للابد ونسج الاساطير حوله.. زارتني هايدى مع ماجدة رغم أن اليوم لم يكن مُخصصاً لزيارتها, فهمتُ أنها حضرت من أجل الانتقام من المسكينة باقة الورد.. قالت هايدي الى ماجدة: "شوفتي, سمير طلع عارف ميرفت أمين وبعتاله بوكية ورد", ردت ماجدة: "ازاى!!, دية معاية فى كلية البنات, وعارفه سمير كويس, ولما عرفت إنه مصاب فى الحرب, اتصلت بيا وطلبت عنوان المستشفى.."

إعتقدتُ ان حرائق هايدي قد انطفئت, لكنها لم تصدق ماجدة وحتى يومنا هذا تظن أن هناك اتفاق بيننا.

 

 

فى الثالثة والربع, قرب ذبول زهرة النهار وصل الى غرف العمليات بجميع المطارات إنذار من مواقع المُراقبة بالنظر والرادار على ساحل البحر المتوسط بأن هناك عشرين طائرة فانتوم قادمة من البحر فى إتجاه بورسعيد ودلتا النيل, لم يتفاجأ أحد, على الفور أمر قائد اللواء الجوى 104 بخروج ستة عشر طائرة ميج 21 من مطار المنصورة للتصدى للفانتوم حال اقترابها من المطار, واصلت موجات الطائرات الاسرائيلية وصولها الى أرض المعركة حتى بلغ عددها أكثر من مائة, وهرولت طائرات الميج المصرية من المطارات للتصدى لها, وأصبحت السماء الشاسعة مزدحمة بالطائرات..

إهتزت السماء بشدة لاضخم وأطول معركة جوية بعد الحرب العالمية الثانية, إستمرت 53 دقيقة من الاثارة, هبط خلالها زملائي عدة مرات للتزود بالوقود والسلاح, فالطائرة الميج لا تمكث فى القتال الجوى أكثر من عشر دقائق بينما تمكث الفانتوم ساعة كاملة.. والطيار داخل القمرة كان الميكانيكة يرفعون الصواريخ ويثبتوها بجسد الطائرة بدون الرافعة, وفى وقت قياسي يجهزون الميج مرة أخرى للمعركة..

بأعصاب مشدودة تابع أهالى القرى المجاورة "معركة المنصورة الجوية", من فوق أسطح البيوت, ومن الاجران, ومن وسط زراعات القطن بعدما توقفوا عن جمع الذهب الابيض, لم تفارق أعينهم وقلوبهم السماء للحظة واحدة..

ومع كل طائرة تركض ناحية الارض وخلفها ذيل من النار, كان الاهالى يهرعون الى مكان سقوطها, يقتربون أكثر بدون خوف لأكتشاف لأيّ فريق تنتمى؟, وحينما يجدون على جسدها وشم نجمة داود, يشعرون بالفخر, يهللون, الله أكبر, تحيا مصر..

بعد إنتهاء المعركة كان لدي الاهالى سبعة عشر طائرة إسرائيلية محطمة وسط الاراضى الزراعية, طافوا بالحطام والزغاريد أزقة قُراهم, التقطوا معه الصور التذكارية, وصنعوا من قطع الالومنيوم هوائيات للتلفاز وألعاب للاطفال, على يد سلاح الجو المصري سقطت طائرات الفانتوم مع هالتها وأصبحت دُمى يلهوا بها الاطفال فى الشوارع.

 

كان ذلك اليوم عيداً لهم واصبح عيداً للقوات الجوية.

فى العاشرة مساءاً أذاع راديو القاهرة بيان القيادة العامة رقم 39, حاولت الاتصال بمطار المنصورة للاطمئنان على زملائي, لكن لم يرد أحد.

***

15 أكتوبر/ تشرين الاول..

صباحاً, زارتني خالتي وزوجها, قالت لي: "إذا نظرت الى رجليّـك, ووجدتها لا تتحرك, فأحمد الله أنك رأيتها."

أثناء الليل, كالصوص عبرت قوات شارون قناة السويس من ثغرة بين الجيشين الثانى والثالث (بالتأكيد اكتشفتها الـBlackbird ), واختبئت دباباته بين الزراعات بمنطقة الدفرسوار, أكره قول أنني حينما وقعت الثغرة اصبحتُ خائفاً جداً من المستقبل, وأخشي أن تكون المعارك القادمة فى القاهرة وليس فى سيناء, كنتُ أسأل نفسي بإستمرار: لمّا حدث لي ذلك فى بداية الحرب؟, لماذا أنا هنا بعيداً؟

***


- مستر جرادجريند -

ما عدتُ أذكر أخر عهدي بالمشى..

عشرون يوم ويوم فى السجن, قبر فى الطابق الثالث ليس فيها غيري, إستسلمتُ خلالهم للقيود التى فى قدميّ, أصبحت أكثر نحافة وأكبر عشرة أعوام على الاقل بسبب انتظار اللاشىء, توقفت الحرب لكنني لم أتوقف عن التفكير فى الطيران, وربما أجن وتتلف خلايا عقلي, لا انام, كل ليلة كنتُ أسأل نفسي: هل كنتُ على صواب حينما عدتُ الى معركة بورسعيد بطائرة بها مدفع خرب وبطيئة كالبطة؟

مشكلتي أنني لا اؤمن الا بالحقائق, وهناك صديق دائماً ما يشبهني بمستر جراد جريند فى رائعة ديكنز, أوقات عصيبة..

- إننا لا نحتاج فى حياتنا هذه الا للحقائق..

هذا ما كان مستر جراد جريند يردده دائماً, لكن بالنسبة لرجل مشلول مثلي غير قادر على النهوض فإن عليه كل يوم ان يهرب من امام الحقائق أكثر من مائة مرة, عليه ان يقول الى الله "أنت تعلم كل شىء, وأنا فى حاجة ماسة للمُساعدة"..

الا أن جاءت تلك اللحظة التى نظر فيها الله اليّ, كما نظر الى بني اسرائيل وخلصهم من العبودية.. إن كانت المسألة حظ, فإنني سأخسر, لكن الله دائماً ما يُدهشني, ينتشلني من طائرة تحترق, من وسط حزمة من الصواريخ, وحتى من وسط الشظايا والشلل, ومن كان له إله فلا ينبغى ان يخاف..

مُجدداً, أصبحتُ قادراً على تحريك أصابع قدمي, وساقيّ, ولكن ببطىء شديد, خلصني الله من عبودية الشلل بسبب صلوات الجميع من اجلي, رائع, لكن كلنا نُريد من الله المزيد, كلنا نُريد كل شىء, يا الهي هذا لا يكفى للطيران مرة أخرى.. إستدعيتُ الممرضة والطبيب على جناح السرعة, كنتُ فى حاجة الى أحد يؤكد لي إنني لا أحلم ولم تضرب عقلي هلوسة..

- حرّك أصابع قدمك اليُسرى,,,,,,, اليمنى..

سألتُ الممرضة: هل تتحرك؟

أجابت: الا تراها تتحرك!!!

- نعم, ولكني أريد ان أتأكد..

الجميع أكدوا إنها معجزة, وحتى اليوم مازال كثيرون يؤكدون ذلك أيضاً.

***

أول ليلة لي فى البيت, بالطبع كنتُ مُستلقي فوق السرير منذ ان وصلتُ, أشتغل بالتحديق فى سماء الغرفة, زل عقلي فى مستنقع التفكير بالاحتمالات القبيحة, سامكث هنا طويلاً, الاطباء يكذبون حينما قالوا أنني سأقف على قدمي بعد جلسات علاج طبيعى لأشهر وتدريبات على المشى كالاطفال..

فى الصباح, كنتُ فى عجلة من امري ومتحمساً, بدأت مرحلة جديدة عنوانها فى ملاحظاتي "إعادة التأهيل", أفاق عني النعاس فى الساعات الاولى, انتظرتُ فى السرير حتى التاسعة, كانت هايدى تدس رأسها بين وسادتين, ازحتُ الوسادة العليّا وأيقظتها, طلبتُ منها ان تصعد معي الى سطح المنزل..

بمشقة ومساعدة منها بدأت اصعد درج السلم, صرختُ فى وجهها: "لا لن أتمكن من ذلك", طلبتُ منها أن تعيدني مرة أخرى الى الشقة..

من الامور المحبطة جدا أن اصعد درج ثلاث طوابق فقط فى حوالى نصف ساعة قابضاً على الحاجز كى أحفظ توازني, وأجلس للاستراحة ثمانى مرات, كان الله كريماً حينما حبس الجيران فى شققهم ولم أقابل أحد منهم, أظن ان بعضهم يرغب فى رؤيتي هكذا, خصوصاً رجل فى الطابق الاخير, يضمر الحقد لكل ناجح لانه لم يكن عاديّا مثله, رجل من الثلاثينات كسيارته الاوكلاند, له بريق العملة, لكنها للاسف مزيفة ولا قيمة لها, سيفرح كثيراً لانه لم يعد هناك ما يحسدني عليه, لو قابلني, سيضحك من داخله ويسألني عن حالي (كعادته) مثل محقق الشرطة..

لكم أن تتخيلوا لو قابلتُ على السلم احد من الجيران الذين لم يحصلوا على تعليماً كافياً, ماذا كان سيفعل؟, يقصفني بنظرة شفقة قاسية وانا اصعد ببطىء شديد درجة درجة وعتبة عتبة, يتوقف فى مكان واسع ويفسح ليّ الطريق كما لو كانت سيارة لورى طائشة تمر بجواره, ويطلب مني أن أصعد اولاً, كما لو كنتُ عجوزاً او امرأة.. اننا كثيراً ما نفعل ذلك دون ان نشعر ونصدر على أشخاص مُعاقين حُكماً بأن الموت افضل لهم, لكننا لا نعلم ربما يكون أحدهم فخور بإعاقته, فقد يداً أو قدماً فى العمل أو دفاعاً عن الوطن فى حرب غيرت العالم ومجرى التاريخ..

وصلت السطح, ساعدتني هايدي فى الجلوس فوق كرسى من الخشب بجوار السور, يا الهي, جميع الناس فى الشارع يسيرون على أقدامهم, القطة فى الضفة الاخرى, حتى السيارات لها اقدام تسير عليها.. يبدو ذلك بديهياً لشخص طبيعي, اما بالنسبة لشخص قعيد فإن اول شىء ينظر اليه, الارجل السليمة..

أمسكت هايدي بيدي كطفل لا ينقصه سوى كتب تعلم الابجدية, دعتني الى نزهة على الاقدام فوق سطح البيت, برج إيفل, انه فى الركن الشمالي, تمثال الحُرية هناك, برج الساعة فى المنتصف (نظرا لحرص هايدي على اقتناء ساعات اليد), أما جسر هايدين فكان مُنتصباً بين عامودين, وهو جسر من الحبال والجريد عرضه ذراع ويربط بين قمتي جلبين شاهقين..

فيما بعد, حدثت أشياء فى سرية تامة وتم وضع خطة خداع استراتيجي, تولت ماجدة وصديقة لها عمل وشراء نماذج مُصغرة لأشهر المعالم السياحية فى العالم, وتثبيتها فوق سطح البيت اثناء وجود هايدي فى الكلية, كانت مفاجأة سارة جدا لها..

بالنسبة لهايدي كانت نزهة ملكيّة على الاقدام حول العالم, اما بالنسبة اليّ كانت نزهة بالطائرة, كنتُ دائماً أتخيل الاماكن من فوق جناح طائرة روسية.. رغم ان يدها فى يدي فإنها كانت تمر بجوار المعالم, اما انا فكنتُ أمر من فوقها.

أثناء يوميات اعادة التأهيل كنتُ لا أتحمل رؤية الجيران واتحاشي مواعيد خروجهم وعودتهم, احاول ان اتصرف وكأنهم غير موجودين, وحينما يقابلني أحدهم أمتنع منعاً باتاً عن النظر فى وجهه وكأنني اقترفتُ جريمة بشعة, أغلق أذنيّ الى أن يتوقف عن قذف خطبة المواساة, حينها أبدأ هجوماً مُضاد, أتكلم بطلاقة ودون خجل, أخبره أنني فخور بنفسي وما فعلته.

كانت أحلامي لا تختلف كثيراً عن الواقع, يلاحقني دائماً حلم أنني أثناء التدريب على المشى أسقط على الارض وتنكسر رجلي.

ثلاثة أشهر, نصف سنة, ثلاث سنوات, خمس سنوات, من يدرى كم يلزم من الوقت كى أعود كما كنت؟

***

- محاولات العودة للحياة -

 

المستشفى الفرنساوى..

هأنذا جالس بجوار هايدي, انتظر خارج حجرة الكشف, الجميع حولي صامتين, يقلبون سقف الغرفة, يتفحصون الممرضة المزدهرةللغاية, وشخص واحد يقرأ صحيفة.. حضرتُ اليوم من أجل الحصول على شهادة لياقة كى أرجع الى الطيران مرة أخرى.. فيما مضى, حينما وصلتُ الى هنا كنتُ قعيداً وبعد أربعة أشهر تغيرت أشياء كثيرة ولكن ليس بالقدر المطلوب..

مر ما يقرب من ساعة طغى فيها هاجس الرفض الطبى على عقلي, كيف أطير وانا لا أتمكن من الجلوس او النهوض دون مُساعدة!!, أستطيع فقط حك ظهري باظافري وتدليك كاحلي وذب ذبابة.. وكشريط سينمائى مر فى رأسي زملائي الطيارين الذين إصيبوا اثناء ست سنوات من الحرب وحتى خلال التدريبات, كنا نكذب على أنفسنا ونقول انهم توقفوا عن الطيران والحرب وباتوا ينعمون بالحياة..

صدقوني, لن يفهم أحد مصيبة ما الا حينما تنزل به..

***

أيقظتني أصابع هايدي من دوامة الهواجس, تُشير ناحية ممرضة كانت تخاطبني, قادتني من يدي بخطى بطيئة ناحية حجرة الكشف, فى الطريق رمت طفلة نظرة شفقة فى وجهي وابتعدت كى لا أصطدم بها, شعرت وقتها كأنني طائرة مُصابة تهرول على الممر وهى تتمايل وتتعثر بنفسها والجميع يفسحون لها الطريق..

من غير الجيد ان أدخل على الطبيب مسنوداً كعجوز يوشك على الموت, هب الطبيب واقفاً وعاون هايدي فى طرحي على مقعد امام المكتب, صافحني بحرارة بالغة, وكانت أسنانه بارزة من السعادة..

- الى حصلك دة معجزة..

- نشكر الله يا دكتور..

طلب مني أن انحنى حتى تلمس يدي قدمي, حاولت ان احني ظهري, تألمتُ بشدة, وصرخت كما لو كان عضني عقرب فجأة, تخلى ظهري عني, رفعت رأسي مسرعاً الى اعلى..

حاولتُ مرة ثانية ولم أفلح الا فى الصراخ..

بدأتُ أتكلم, لكنه أغلق النقاش دون أن ينظر اليّ, قال بجدية: روّح وتعالى بعد شهرين..

انغرست عيني فى عين هايدي, جمود تام للحظات, ابتسمت بلطف وقالت بضع كلمات دون أن تتكلم, أظلمت الدنيا كلها دفعة واحدة, لا يدرى الطبيب بماذا أفكّر؟, حاولتُ ان أنهض كى أقتله, لكن الدماء التى تغلى بداخلي لم تكن كافية لتمزق قيود قدميّ..

يالبرودة الطبيب, رافقني حتى الباب, وودعني..

لم نرجع الى البيت مباشرة, طلبتُ من هايدي أن تقود السيارة على غير هدى ودون استعجال, تحاشيتُ الكلام معها فصوتي كان مُختنقاً..

توقفت هايدي بالسيارة عند نهر النيل أمام المعادى, أوقفت المُحرك, كان ظهري يؤلمني وهواء الشتاء البارد يندفع الى داخل السيارة دون دعوة, سألتُ نفسي, هل الحياة تستحق هذا العناء والالم؟, سألتني هايدي ان أصبحتُ لا احب الحديث معها؟, أخبرتها انه لا شىء لدي لأقوله, لقد قُضى عليّ تماما والى الابد.

***

انقطع صوت اليأس بداخلي وتركني سيانيد البوتاسيوم بسلام, سوف أربح معركتي, مازالت طائرتي تنتظرني هناك فوق الممر, من أجلها يجب ان اواصل العلاج الطبيعى والتدريب على المشى.. أمام المرآة وقفتُ بصعوبة اتأمل رجليّ, فقدتُ اتزاني واوشك حطامي على السقوط..

الناس ثلاثة, انسان يريد التخلص من الماضى, وانسان يُريد التخلص من الحاضر والعودة الى الماضى, وانسان يُريد التخلص من الماضى والحاضر ولا يُريد المستقبل لانه يخاف من المجهول.. من اجل التخلص من الحاضر أصبحت أتدرب على المشى فوق سطح البيت لوقت طويل حتى ظننتُ أنني سأخسر ظهري للابد.. بعد شهرين, ثمة ضوء, أستطيع ان احني ظهري قليلاً دون أن أصرخ وليس دون ان اتألم.

***

- انظر, السماء صافية بشدة, ما أجمل اليوم!

كنتُ الاول فى الترتيب, بُشرة خير, دخلتُ على الطبيب بقدمان تقويان على حمل جسدي بصعوبة, دخلت هايدي خلفي مباشرة, بدَ وكأنني أسبقها, لم يكن ذلك مقصوداً..

إبتسم الطبيب حينما رأني وقال: "مر شهرين بسرعة", أخبرته ان ذلك كان بالنسبة اليه فقط..

لم أترك له الفرصة ليطلب مني شىء, ربما يغير الاختبار, إنحنيتُ بسرعة وبالطبع لم تصل أصابع يدي الى قدمي, كان وجهي يقوم أنني تألمتُ..

قلتُ للطبيب: خلاص أنا كدة باعرف اوطى والمس صوابع رجليا..

أخبرته انني الان أستطيع المشى على الحبل, فإبتسم..

هز رأسه الى اعلى واسفل, رفع حاجبيه وكانت ملامح وجهه تتهمني بالنصب عليه, دون ان يحرك شفتيه اخرج من الحلقوم صوت يعني انه غير مقتنع, كل ذلك فعله فى وقت واحد..

- عايز ترجع تطير مرة تانية..

- أيوة يا دكتور..

سكت يُقلب عقله ويتأمل الورقة امامه, كان عقلي فى حيرة ولم أكن واثقاً منه.. أمسك القلم وبدأ يكتب, كان يقرأ ما يكتبه بصوت مسموع, "أوصي بعودته الى الطيران مرة أخرى."

أصبحتُ رشيقاً, سقط الشقاء والعذاب النفسي من على جسدي فى لحظة واحدة ودفعة واحدة ولن يرمقني أحد بنظرة شفقة بعد الان, لدي رغبة هائلة فى انتزاع نفسي من المقعد واعيد التمركز بجوار هايدي واحتضنها, لكني خشيتُ ان اتعثر بنفسي واسقط..

الان أستطيع حجز تذكرة لحضور الحرب, يا الهي, شكراً لك.

***

تمت بفضل الله, خريف 2017


 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech