Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

نسور الصبر

 

نسور الصبر

قصة استشهاد

الشهيد المقدم طيار / محمود على سرى

 

كتابة : أسماء محمود كاشف  

     د. أحمد مختار أبو دهب

 

 

 

 

 

* * * * * * * * * * * * * * *

انتبهت على صوته يداعب صغيريهما ويرمقهما بنظراته الحانية ، كانت ضحكات ابنتهما الصغيرة ذات الأعوام الثلاثة لوالدها تضج فى أرجاء المنزل ، بينما حركات ابنهما إيهاب ذو الأعوام الخمسة تنثر الحيوية والنشاط ، فيم كان زوجها يجلس فى بهجة طاغية بدت على وجهه ، وإن كان وجدانه مشغول بما تعرفه ، إنها على دراية تامة بما يشغله باستمرار حتى فى أيام إجازته .

أيام الإجازة ، إنها أيام قلائل يقضيها كل حين بينهم ، يحاول خلالها إسعاد أسرته ، بنزهة ، أو هدية ، أو لعب يقتنيها لصغيريه ، يحاول بعطفه وحبه لهم أن يستعيض تلك الأيام التى يغيب عنهم فيها إذ يكون فى حضرة الوطن والواجب فى أغلب الأوقات ، ورغم ذلك فإنها تحيا فى حالة سعادة قصوى ، إذ أنها تعيش فى كنف زوج حنون ، مقدام ، يعشق وطنه ويحب أسرته ، إنه ورفاقه الأبطال يذودون عن الوطن ويدفعون عنها وعن جموع المصريين شرور العدو .

ورغم ضحكات الرائد محمود وابتساماته لمن حوله ، إلا أن ذهنه كان يأبى أن يصفو لحياته الأسرية ، دون أن يفكر فى المعركة المرتقبة ، لقد طالت سنوات الصمت والصبر ، ولا زال النسر ينتظر أن يثأر بنفسه من العدو ، لطالما وفرت القيادة جهود القاذفات الثقيلة من طائرات تى – يو 16 إلى المعركة الشاملة الحاسمة ، لكن السؤال الذى لا يفارق تفكيره ، متى ؟

فالمعركة قادمة لا محالة ، ونسور الصبر فى تدريب دائب واستعداد مستمر لها ، لقد سبق وأن دارت معارك جوية محدودة ، نشبت خلال حرب الاستنزاف ولقن رفاقه أبطال مقاتلات ميج 21 وطائرات ميج 17 و أبطال الهليكوبتر ، وأبطال الاستطلاع ، لقنوا جميعاً العدو دروساً متواصلة ووجهوا إليه صفعات متتالية .. ولكنه ورفاقه أبطال القاذفات الثقيلة يتوقون إلى معركتهم الكبرى .

لقد قطع شوطاُ طويلاً فى هذا الطريق منذ أن انتقل من الدراسة بكلية العلوم إلى الدراسة بكلية الطيران ، إذ كان وازعه الوطنى دافعه الكبير كى يلتحق بكلية الطيران ، ليصبح أحد طياريها ويتخرج عام 1964 ضمن أبطال الدفعة 16 طيران .. ولم يكن هذا بجديد على أسرته التى نشأ أبناؤها على حب الوطن ، إذ سبقه أخيه الأكبر وقدوته " على " والتحق بالكلية الحربية ليتخرج ضابطاً مصرياً أبيّاً .

كان كلاً من الحنين والذكريات يأخذانه إلى الأسكندرية ، حيث ميلاده ونشأته وتعليمه ، عائلته التى يكن لها كل حب وتقدير ، والديه ، أخيه الأكبر " على " وأختيه وأيام لا تُنسى ، صديق طفولته إيهاب ، كم أسعده أن يختار الاسم نفسه لابنه ، إنه لم يستقر فى القاهرة إلا بعد تخرجه طياراً ، ضمن حراس سماء المحروسة وحماتها .. النسور البواسل .

فى الأسكندرية ، مارس رياضته المفضلة ، إنها السباحة ، وحاز العديد من البطولات فيها ، إذ أنه سباح ماهر ، بلغ من عشقه للسباحة أنه تخلف عن امتحان النظرى فى عامه الأخير بالكلية الجوية ، مما أجل تخرجه ضمن أبطال الدفعة 15 إلى العام التالى مع أبطال الدفعة 16 ، وهناك أيضاً ، التقت عينيه بجارته ، فأحبها وتزوج منها ، أنها رفيقة دربه الآن ، التى انتقلت معه إلى القاهرة ، ليبدأ برفقتها حياة جديدة هانئة فى عام 1966 ، لم ينغص حياتهما شىء سوى تلك الفجيعة التى ألمت بمصر ونغصت عيش المصريين جميعاً ، إنها نكسة يونيو التى آلمت مصر ، فقد أصبحت سيناء على أثرها أسيرة فى قبضة العدو .

إنه يتوق بشدة ويترقب كل يوم تلك المعركة الحاسمة التى تتحرر بها أرض سيناء ، وتتحرر معها مصر وطناً وتاريخاً من قيود يونيو ونكسته .

لقد روت معارك الاستنزاف بعض من الظمأ إلى الثأر والانتقام من العدو ، و أضافت إلى نسور مصر البواسل ومقاتليها الثقة ، بينما بدأت الصورة التى رسمها العدو لجيشه تتداعى .

ولكن .. متى تنشب المعركة الكبرى ؟

متى يدك ورفاقه مواقع العدو وتحصيناته ؟

متى يبدأ القتال منهياً سنوات الصمت والصبر ؟

متى يجهزون على غرور العدو وغطرسته ويردون له الصاع صاعين ؟

نظرت إلى وجهه البشوش وقد امتلأ بالتفاؤل ، شاركته التفكير والمسئولية ، وتطرقت فى كلماتها إلى الحرب آملة أن يجلب وزملائه النصر ، وبثقة تامة كما عهدته أخبرها أنه على يقين بنصر آت بإذن الله .

كانت كلماته الهادئة ، ووجهه الممتلىء سعادة ويقيناُ وثقة ، آخر عهدها بزوجها البطل .

فما هى إلا أيام معدودة حتى لاحت بشائر المعركة المرتقبة ، ففى القاعدة الجوية ، اجتمع قائد اللواء الجوى وقائد السرب بالأبطال ، فى صبيحة يوم السادس من أكتوبر 1973 ، معلنين اليوم .. يوم المعركة والقتال .

وهنا دوت القاعة بتكبيرات الأبطال وهتافاتهم ، وتجلت السعادة والبهجة على وجه الرائد طيار محمود على سرى ، فأخيراً تنتهى سنوات الصمت والصبر ، ويفتتح صفحة جديدة ، إنها صفحة الأمجاد ، يملأها المقاتل ، أنها صفحة لا تخطها الأقلام ، ولكن يخطها المقاتل بدمه وإقدامه وبذل الغالى والنفيس من أجل الوطن ..

تلقى الرائد محمود ورفاقه مهامهم ، كانت المهام محفوفة بالخطورة القصوى ، فأبطال القاذفات الثقيلة سيخرجون لنزال العدو دون حماية من الطائرات المقاتلة ، سيقلعون ويطيرون على ارتفاعات منخفضة لدك غرور العدو ومواقعه ، سيهاجمون بطائراتهم النفاثة فقط ، غير آبهين برادارات العدو الحديثة وأجهزته الالكترونية المتطورة ، ولم تستطع صواريخ العدو المضادة للطائرات أن تبذر فى نفوسهم ذرة من الخوف أو التردد .

ساعات عدة ويقلع الرائد محمود سرى وطاقم طائرته إلى عمق العدو ، كانت المهمة الموكلة إليه وأفراد طائرته هى ضرب عمق العدو فى النقب ، طائرتان من قاذفات القنابل ستنفذان المهمة ،الأولى بقيادة قائد السرب المقدم طيارأحمد سمير، والثانية بقيادة الرائد طيار محمود سرى .

حلقت طائرات نسور مصر ، تشق عنان السماء ، و يندفع مع أزيزها هتافات الجنود على الضفة الغربية وتكبيراتهم ، لقد كان اندفاع النسور إلى عمق العدو إيذاناً ببدء المعركة لتحرير سيناء .

بينما أقلعت طائرتى قائد السرب ، والرائد محمود سرى ، فوق الأجواء إلى السعودية ، ومنها إلى الأردن ، فإيلات ، ووصلتا إلى عمق العدو ، كانت سعادته لا توصف ، إذ بدأ للتو قتاله ضد المعتدين ، لقد انكسر الصمت ، واستحال إلى فعل ، وبلغ الصبر منتهاه وبدأ النزال .

لكن المهمة محفوفة بالمخاطر ، رادارات العدو ، صواريخه ، طائراته ، ستعترض طريقهم ، لكنها لن تثن الأبطال عن مساعيهم نحو أهدافهم ، وبالفعل ما إن اقتربت الطائرتين من الهدف حتى أسرعت مقاتلات العدو تطارد التشكيل بكل قوتها .

كانت قاذفات القنابل كطيور رخ ضخمة ترقبها حداءات العدو اللئيمة في ترقب ، و هيهات أن تناور طيور الرخ بهيبة أجنحتها الكبيرة ، تلك المقاتلات السريعة الصغيرة ، لقد اضطر الأبطال أن يغيروا مسارهم عن المهمة المحددة ، إلا أن رغبتهم في القتال و الانتقام من العدو لم تمنعهم من البحث عن هدف بديل تدكه حمولتهم من القنابل .

لقد كانت معركة غير متكافئة ، فقاذفات القنابل الثقيلة طائرات ضخمة مخصصة لدك الأهداف الأرضية بمنتهي القوة ، لكنها بحكم حجمها ووزنها و سرعتها البطيئة نسبياً ليست مؤهلة مطلقاً لمواجهة الطائرات المقاتلة ، كما أنها كى تصيب الأهداف لابد أن تكون فوق الهدف مباشرة ، لذا كان انحرافها عن مسارها واختيار هدف آخر تأجيلاً للشهادة لحين أداء المهمة و ليس فراراً منها .

و قد كان للنسور ما أرادوا تماماً ..

لقد ألقى الأبطال القنابل على معسكرات العدو ومبانيه فى حقول أبو رديس للبترول ، ودفعوه إلى تجرع مرارة الخسارة وويلات الحرب ، و أضافوا إلى سطور نزيفه علي يد أبطالنا سطراً جديداً .

لكن دفاعات العدو وطائراته لم تستسلم ، فما إن نالت قذائف الأبطال من حقول أبو رديس ، حتى كانت صواريخ المقاتلات المعادية ترتقي نحو قاذفة الرائد محمود سرى ، لتحولها للهب رهيب يعلن بدء معركة التحرير و النصر العظيمة ، و يرقي بقائد الطائرة وطاقمها شهداء إلي عنان السماء .

* * * * * * * * * * *

المصادر :

أ / أحمد محمد كريدى   

  أ/ إيمان محمود سرى

أ/ حمدى لطفى ، العسكرية المصرية فوق سيناء

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech