Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

الفارس الذى هزم الموت : المجموعة القصصية قصر فى الجنة

 

 

الكاتب - اللواء طيار متقاعد محمد زكى عكاشة

الكاتب هو بطل القصه

 

كان المساء لطيفا فهو أول أيام شهر مايو، هبط توفيق وحيدر من عربتهما في حديقة نادي الضباط.. لم يكونا شقيقين فقط وأنما كانا متلاصقين، بينهما في العمر عام واحد وطوال الدراسة سويا حتى التحقا بالكلية الجوية وتخرجا طيارين في القوات الجوية في دفعتين متتاليتين، وإن فرَق بينهما مكان العمل، توفيق الشقيق الأكبر يعمل في أسراب المقاتلات في قاعدة أبو صوير أما حيدر مدرسا بالكلية الجوية.. كانا علي موعد مع محمد الذي تربطه بهما علاقة حميمة فهو من ناحية دفعة توفيق وفي نفس الوقت يعمل مدرسا بالكلية مع حيدر.

انعزل ثلاثتهم في أحد أركان النادي يتبادلون الذكريات يتخللها التعليقات الساخرة. ثم انحرف  بهم تيار النقاش إلى موضوع الطيران الذي لا ينتهي فيه الحديث طالما اجتمعوا سويا. توفيق من ناحية يشرح لهما أن الخدمة في المقاتلات مرهقة، وهما يشكوان له من صعوبة التدريس في الكلية.

-  ألعن حاجة في الدنيا انك تكون مدرس في الكلية، أنا ومحمد قدمنا طلب علشان نرجع المقاتلات.

- اسمعوا كلامي والله.. المقاتلات شغلها أخر قرف، والكلية أريح ميت مرة…..

قاطع حيدر أخاه

- إحنا حا نسهر هنا الليلة كلها ولا إيه؟ يا للا بينا علي الاوبرج، عازمكم الليلة علي حسابي.

نزولا علي رغبة حيدر وإصراره قضوا السهرة في الاوبرج مستمتعين.. لم يمض علي تلك الليلة سوي أسبوعين فقط، إلا واندلعت الأحداث في تيار هادر اخذ الجميع علي غرة، بداية من إعلان الطوارئ في مايو 67. تلاحقت الأحداث بعدها وصدرت مئات التعليمات والأوامر فألقت بحيدر في أحد أسراب المقاتلات في سيناء.. أما محمد استقر به الأمر في السرب المتمركز في اليمن. بينما توفيق ظل بمكانه في قاعدة أبو صوير كما هو.

جاء الخامس من يونيو بضربة إسرائيل الجوية المباغتة التي هزت كيان الملايين، إلا نفر قليل منهم توفيق. بعد الهجمة على مطار ابوصوير، انطلق توفيق وزملاؤه بطائراتهم واقلعوا من علي الممر الفرعي الذي كان قد دمر جزء منه.. كانت الموجه الإسرائيلية الثانية ستصل خلال دقائق واستطاع هو وزملاؤه الذين نجحوا في الإقلاع منعها من استكمال تدمير المطار والطائرات، لكن تكاثر هجمات  العدو أغلق مطار أبوصوير في الثانية ظهرا.

 في اليوم التالي كان قد تم إصلاح الممر الفرعي، أقلع توفيق ضمن تشكيل من أربع طائرات لحماية القوات البرية فـي سيناء التي كانت تحت رحمة الهجمات الجوية الإسرائيلية. فـوق سيناء اشتبك التشكيل مع تشكيل إسرائيلي من ثماني طائرات، واندفع توفيق بطائرته خلف طائرة إسرائيلية ودخل معها في معركة عنيفة تمكن خلالها من إسقاطها لكن طائرة إسرائيلية أخرى أسقطته. استشهد النقيب طيار توفيق دبوس فـي صمت بعد بطولة رائعة، لكـن ظروف الهزيمة جعلت منه رقما ضمن آلاف الأرقام التي ضمت شهداء حرب67.

توالت الأيام ثقيلة بعد 67، وعاد محمد وحيدر للتدريس في الكلية. التقيا في مطار مرسي مطروح وفي نفس كل منهما الكثير من آثار الفترة التي افترقا خلالها.. لقاء قصيرا عابرا في أول الأمر.. ثم جاء المساء وضمهما مجلس منعزل علي شاطئ البحر، ساد بينهما صمت عميق، كل منهما يعرف ما يدور في خلد الأخر.. إلى أن قطع حيدر هذا الصمت بالترحيب بمحمد وسؤاله عن اليمن.

- رجعت أول أغسطس، وأول امبارح قالوا لي علي الكلية من ثاني. طبعا أنا مش ناوي أقعد في الكلية، ومن بكره حا أقدم طلب نقل للمقاتلات. ولو إني عارف أنه أمر صعب.

- ده اللي أنا عملته. أنا هنا من أسبوع وبعد وصولي قابلت كبير المعلمين وقلت له علي النقل.

- الكلية مش حا توافق علي النقل  بسهولة، لكن لو وصل الأمر للوزير حا نروح له.

 ساد الصمت بينهما مرة أخري بعد أن توتر حيدر وهو يتحدث عن النقل من الكلية.. ووجد محمد أنه لابد أن يواجه الموضوع الذي يحاول أن يتجنبه.

    – البقية في حياتك.. طبعا أنت عارف أن توفيق كان أخويا زي ما هو أخوك.

قابل حيدر كلمات محمد بصمت كان أبلغ من أية كلمات تعبر عما بداخله.

-         أنت عارف طبعا أن الشهيد في الجنة، وهو كسب والله. ياريت إحنا نلحقه.. شوف ربنا بيقول

    “أحياء عند ربهم يرزقون “ توفيق كان بالنسبة لك أخ وصديق.. لكن دي إرادة ربنا ولازم

     نتقبلها.. مش عايز أقولك حزني قد إيه عليه، لكن ربنا يصبرنا يا حيدر..

وتكلم حيدر أخيرا بعد طول صمت.

-         أنا عارف إنك زعلت عليه قوي، كل الكلام اللي قلته عن الموت وعن الشهيد أنا عارفه

    كويس. وبا أدعي ربنا كل يوم أنه ينزل علي الصبر.. بس البني آدم ضعيف.

شعر محمد من النبرات المختنقة أنه يبكي، فصمت قليلا حتى تمسح الدموع تلك الأحزان الهائلة.

-         دي أول مرة دمعة تنزل من عيني علي توفيق من يوم ما ربنا اختاره. حاسس بحاجة

    مش عارف أوصفها.. أنا رجعت من سينا في عربية نقل يوم 6 يونيو وشفت مناظر مش

    ممكن تروح من عيني أبدا.. وصلت الإسماعيلية وقعدت أبص علي  سيناء والنار مولعة

   فيها قدام عيني، ساعتين وعرفت أنه استشهد. ومن ساعتها حاسس أن النار جوايا.

-    النار مش أنت لوحدك اللي حاسس بيها.. كلنا النار مولعة فينا..هو اللي حصل ده سهل.. كويس أن إحنا لسة واقفين وبنتكلم، لكن ده درس علشان نعرف قد إيه إحنا وحشين.

-         وحشين دي كلمة بسيطة قوي.. لو شفت اليهود عملوا إيه فينا واحنا بننسحب تقول علينا

    وحشين من هنا لبكرة..آآآآه.. نفسي أعرف الحرب دي كان سببها إيه؟ وسينا ضاعت ليه؟.

-         بكره حا نقف تاني، وسينا حا ترجع إن شاء الله.. فينا ناس كويسه قوي، بس القيادات

     هي اللي ضيعتنا.

استرسل الحديث ومحمد يحاول أن يزيل عنه بعض يأسه الذي كان يسيطر عليه تماما.

-         الوالدة والوالد عاملين إيه؟.

-  الوالد كويس المحكمة والقضايا واخذين وقته كله، لكن المشكلة في الحاجة، كل ما أنزل أجازه

    ألاقيها بتعيط. كل كلمة تجيب سيرة توفيق. بتتكلم كأنه حايدخل عليها في أي لحظة.

-         طبعا دي أم.. إذا كنا إحنا مش مصدقين.. ربنا يكون في عونها.. والبركة فيك أنت وأخواتك.

-    أخواتي .. هه .. نادية يا سيدي حاتسافر الكويت خلاص لأن أجازة جوزها خلصت، وسمير طلع في دماغه يهاجر أمريكا بعد اللي حصل.

-         حا أقول إيه؟ ربنا موجود وأحسن من الكل.

توالت الأيام في توتر وقلق، فقد شرعا في السعي للنقل إلى أسراب المقاتلات، لكن رغبتهما قوبلت بالرفض بحجة حاجة الكلية إليهما. تحول الموضوع إلى مدير الكلية الذي قابلهم عدة مرّات بود مصطنع محاولا إقناعهما بسحب طلبات النقل لكنهما أصرا على موقفهما.

-    يا حضرات أنتم مش عارفين الظروف اللي إحنا فيها.. سينا محتلة، واليهود على بعد100 كيلو متر من القاهرة.. والبلد عايزه طيارين بأي شكل، وانتم عايزين تتخلوا عن واجبكم.

-    يا سيادة المدير إحنا مش بنتخلى عن واجبنا.. واليهود اللي محتلين سينا دول إحنا عايزين نتنقل علشان نخرجهم منها. يا فندم سيادتكم عارف أن الشغل في المقاتلات قد هنا عشر مرات، يعني لو بندوّر علي الراحة كنا وافقنا سيادتك.

  ساد الصمت لفترة وشعر المدير في قراره نفسه انه أمام نماذج وطنية حقيقية تعبر عن نفسها بصدق وحماس الشباب.. فجاءت كلماته من نبع أنساني زاخر كان محتجبا خلف الرتبة والمنصب.

-    أنا مقدر شعوركم يا أولاد.. ومصر بخير طول ما فيها شباب زيكم.. وأنا لو مكانكم يمكن كنت ها أعمل زيكم. محمد مستقبلك في الكلية، سنك صغير وخبرتك في التدريس كويسه،

    وأنت يا حيدر كلنا عارفين ظروفك العائلية، فكر في والدك ووالدتك.

استفزت كلمات المدير أحزان حيدر المكتومة فانطلق منفعلا، ناسيا الاحترام الواجب للمدير وللرتبة.

     – أبويا وأمي وموضوع أخويا ده شئ يخصني أنا وبس.. سينا علشان ترجع لازم ناس تموت..

 اندفع حيدر خارجا من المكتب دون استئذان غاضبا. بهت محمد من هذا التصرف حيال مدير الكلية، فظل يعتذر نيابة عنه ويكرر اعتذاره حتى لا يؤثر هذا الموقف علي قرار النقل. لم يغادر المكتب إلا حين اطمأن وتأكد أن المدير هدأت نفسه تماما. بعد أسبوع تمت الموافقة علي نقلهما إلى أسراب المقاتلات وذهبا سويا لوداع المدير الذي انطلقت مشاعره بلا حدود.

-    حا نسمع عنكم كل خير إن شاء الله. أنا متأكد. وأنا مش زعلان منك يا حيدر، بس خللي بالك من نفسك. الانفعال لازم يخللي الواحد يغلط.. وإحنا طيارين يعني الغلطة تساوي حياتك.

-         أوعى يا محمد تجيب  سيره في البيت أنى اتنقلت المقاتلات.

تولي محمد قائد ثان السرب المتمركز في قاعدة المنصورة بينما حيدر نفس المنصب في السرب المتمركز في مطار قويسنا. وتفجرت طاقات حيدر المختزنة فانطلق يعمل ليل نهار. لكن رغم هذا النشاط، صامت دائما.لا يتكلم مع الزملاء إلا في أمور العمل والطيران بأقل الكلمات. حاول الزملاء  اختراق حاجز الصمت، لكن الفشل كان نصيبهم، وانتهي الأمر باحترام تلك العزلة.

 جاء يوم20 يوليو1969 صدرت الأوامر للقوات الجوية المصرية بالدخول في حرب الاستنزاف التي بدأت منذ شهور مع إسرائيل. تلقي حيدر أوامر بتدمير محطة رادار إسرائيلية في عمق سيناء. اندفع كعادته يشرح ويؤكد المهام علي الطيارين، يراجع الخرائط  حتى يضمن دقة التنفيذ. حتى حانت لحظة الإقلاع بتشكيله الذي يقوده والمكون من أربع طائرات. وجاءه صوته الداخلي.

سيناء المحترقة.. محمد قال سنقف مرة أخرى. الخضرة الممتدة حولي في الحقول، القرى المتناثرة، الترع والطرقات الترابية، الأوامر صمت لاسلكي تام حتى عبور قناة السويس.من يوم 6 يونيو والنار في داخلي. بوادر نجاح الهجوم ظهرت. لم تعترضنا الميراج الإسرائيلي. توفيق استشهد فوق سيناء.. نحن فوقها مرة أخرى. قطعة لحمي التي نزعوها مني في حرب يونيو.. غالية تلك الرمال الصفراء.. لم نشعر بكل هذا الحب لها إلا حين ضاعت منا.

انقض بتشكيله في هجمات متتالية عنيفة متجاوزا الأوامر. كان في نشوة غريبة كمن بلغ به الوجد الصوفي حد الثمالة.. كان منظر النيران المشتعلة في الموقع الإسرائيلي يشعره بطعم رجولته. كانت الصواريخ والطلقات التي يلهب بها الموقع تندفع من لحمه ودمه وليست من مدافع الطائرة.

-         كل الطائرات شرق القناة ترجع فورا.. الميراج الإسرائيلي ظهر في المنطقة.

 أفاق على تلك الأوامر التي تكررت في اللاسلكي من مركز القيادة، أعطي أوامره علي الفور إلى تشكيله لاتخاذ أوضاع العودة.. اندفع فـي اتجاه الغرب نحو قناة السويس، ما أن هبط حتى اتصل بالمنصورة حتى يطمئن على محمد الذي عاد بتشكيله بعد مهاجمته موقع للعدو في سيناء أيضا.

-          با أتكلم من مصر يا محمد. تقدر تنزل النهاردة، فيه موضوع مهم وعايز أشوفك ضروري.

وصل محمد إلى القاهرة، اتجه علي الفور إلى حيدر والقلق يشغل تفكيره.

-         الحاجة عرفت موضوع نقلي. ومن ساعتها، طول النهار تعيط وعايزاني الغي النقل.. وبابا طالع عليه أنى لازم أتجوز دلوقتي.

تنهد محمد بعد أن عرف حقيقة الأمر..وأشعل سيجارة مستهينا بالموضوع.

-         يا عم قلقتني، افتكرت أن فيه حاجة. الحاجة نريحها بكلمتين، وموضوع الجواز ده….

-         خد الموضوع جد .. أنت ما عندكش فكرة ماما شكلها إيه ؟

     -  طيب وماله لما تتجوز.. مش غلط اللي بابا بيطلبه منك. أنت النهاردة عندك 25 سنة…..

وفوجئ محمد بالوالدة وهي تقتحم عليهما حجرة الصالون ثم أصيب بالدهشة من الانهزام الذي وضح في ملامحها.. كان الحزن قد امتص منها رحيق الحياة.

     – بقي يا محمد تبقي عارف أن حيدر إتنقل من الكلية وما تقولش حاجة.

وانعقد لسان محمد وشعر بان الموقف ليس بسيطا كما كان يتخيل.

     – معلهش ..يا حاجة..أصل الموضوع…..

لم تعطه فرصة ليقول شيئا وانما اندفعت كلماتها مغلفة بدموع لا تستطيع السيطرة عليها.

-    هو أنت نسيت توفيق يا محمد. مش كفاية حرقة قلبي علي واحد..لازم يبقوا أثنين.. وهو أنا

   أقدر استحمل حاجة تاني بعد توفيق. حرام عليك يا ابني ده أنا أمك.. ده أنت اللي فاضل لي.

   توفيق راح، يبقي أنت عايز تحارب علشان يجري لك حاجة، ما حدش حاسس منكم النار في

   قلبي شكلها ايه.

قامت الوالدة دون مقدمات بعـد أن أفرغت جزءا مما يملأ صدرها، ومحمد صـامت يريد أن يبكي مشاركة لها، لكن دموعه كانت صعبة جدا، فهو لا يذكر انه بكي من سنوات عديدة.

-         قلبي عندك والله.. ربنا يصبرها.. وكان الله في عونك أنت.

-    أنت شفت حاجة بسيطة.. أمال لو قعدت معاك وحكت عنه والبنت اللي كانت حا تخطبها له، والفرح،والمعازيم، وحاجات كثيرة.. والأخر تقول ده مات وتقعد تستغفر ربنا.

 أشعل محمد سيجارته لعلها تزيح عنه جزءا من حالة الحزن التي غمرته بشدة. واقترح عليه أن يشرع في الزواج إرضاء لرغبة والده، وحتى يزيح عن أمه بعض من الحزن.

-    يا سيدي دلوقت وآلا كمان سنة ما أنت حا تتجوز. وبعدين إن كان علي الواحدة ندور عليها أكيد حا نلاقيها..والدتك شاعرة إن الأمل اللي كانت عايشه علشانه بيموت قدامها، خصوصا بعد سفر أخواتك..لازم تلاقي أمل جديد، وده حا يبجي لما تتجوز وتخلف عيل وآلا اثنين.

لم يمض سوي شهر علي هذا اللقاء إلا وتوقفت حرب الاستنزاف. كانت فرصة لالتقاط الأنفاس بعد أن هدأت الأمور.انقضت ثلاث سنوات بعد وقف إطلاق النار.. تزوج خلالها حيدر. ثم شاءت الأقدار أن يجتمع الصديقان مرة أخرى في ليبيا للتدريب علي الطائرة الميراج. اصطحب كل منهما أسرته إلى طرابلس حيث تجاورا في مساكن الضباط. وسمح لهما البعد عن جبهة القتال أن يمارسا حياة أسرية هادئة مع الأصدقاء المصريين الذين كانوا هناك، لكن حتى في تلك الأوقات كان حيدر صامتا لا يتكلم الا في النادر. كان محمد يعتذر عن صمته للآخرين بحجة أنه حتى في مجال العمل لا يتكلم كثيرا، علاوة على صدمته في أخيه الشهيد.

انفرد محمد بحيدر في ركن منعزل بعيدا عن المجموعة التي كانوا يمضون معها السهرة.

- إحنا موجودين في الحياة علشان نعيشها.

-         هو أنا مش عايشها.. سمعت كلام أبويا واتجوزت، ومني حامل، وقاعد معاكم زي بقية الشلة فيه حاجة أقدر أعملها تاني؟

-  ده أنا اللي عارفك أنت بتتفرج علي الدنيا ومش عايز تشارك في أي حاجة.

- الحاجة الوحيدة اللى أشارك فيها وأعيشها زي ما بتقول هي الحرب وشكلها مش حا تحصل ؟

-    لا حا تحصل والله.. وحا نحارب تاني. تفتكر الناس اللي قاعدة مش نفسها الحرب تقوم. اللي شايفهم بيضحكوا دول ضحكتهم كلها مرارة وحزن.

مض علي تلك الجلسة شهر، سافرت بعده زوجته إلى القاهرة حتى تضع مولودها الأول.. ثم صدرت الأوامر بعودة الطيارين المصريين إلى القاهرة.. واستقر الاثنان في السرب 69 الذي تمركز في قاعدة طنطا الجوية بطائراتهم الميراج.. شعر حيدر أنه عاد إلى موقعه الطبيعي، وشاهد ابنته التي ولدت بعيدة عنه. لكن توالت الأيام في تدريب روتيني. وكان هذا ينعكس علي الجميع احباطا ويأسا.. إلي أن بدأت الأوامر تطلب تجهيز خطط للعمليات، كان محمد هو المسئول عن ذلك فبدأ تدريب الطيارين علي هذه الخطط. كان حيدر يشترك في هذه التدريبات لكن دون حماس، كان شبه مؤكد له أن الحرب لن تقوم، رغم أن الشواهد كانت تتزايد بأن الحرب قادمة.

    -  بقي لنا سنين واحنا بنعمل الكلام ده.. وفي الآخر حا يطلع إنه مشروع أو مناورة.

-         بس المرة دي متهيأ لي انه جد.

-         نفسي أصدق يا محمد بس مش قادر.

بعد هذا الحديث بيومين فقط جاءت أوامر الحرب.. تلقي محمد الأوامر التفصيلية مساء الخامس من أكتوبر 73. في صباح اليوم التالي اجتمع قائد التشكيل بالطيارين أعطي أوامره الخاصة بالأهداف والخطة وغادرهم إلى غرفة العمليات تاركا لمحمد شرح الأوامر بالتفصيل.

-    أولا.. نقرأ الفاتحة كلنا أن ربنا يوفقنا ويكتب لنا النصر.. ثانيا كل واحد يفطر.. ثالثا أنا اللي اختار أسماء التشكيل علي حسب المهمة المطلوبة.. يعني مش عايز حد يقول اشمعني فلان أسمه في الطلعة وأنا لا.

انطلق يشرح للسرب المهام. ما إن انتهي الشرح وغادر غرفة المحاضرات حتى لحقه حيدر مسرعا.

-         محمد.. موضوع الأسماء والطلعات مش حا تنازل عن دوري فيه أبدا..أنت الوحيد اللي أقدم

     مني. يعني أول تشكيل أنت والثاني يبقي أنا علي طول.

-         طيب لما أنا الأقدم زي ما أنت بتقول، يبقي أوامري هي اللي تنفذ.

-    مقدم محمد.. أنا طول عمري عارف كويس إن فيه أقدميه بيني وبينك، زي ما فيه اخوة وعشرة.. طول عمري أفصل بين الاقدمية والصداقة.. لكن موضوع الطلعات ده.. بالأقدمية يعني بالأقدمية.. ثاني تشكيل أنا اللي حا أكون فيه.

-    يا سيدي سيبني أجهز للطلعة بتاعة النهاردة مش يمكن أروح وما أرجعش.. حا تبقي ساعتها أنت أقدم واحد وحط الأسماء علي كيفك.

-         لا يا سيدي حا تروح وحا ترجع بالسلامة إن شاء الله عمر الشقي بقي.

قام محمد بقيادة أول تشكيل ضمن الضربة الجوية الأولى التي انطلقت الثانية ظهرا معلنة بداية حرب تحرير سيناء.. كانت هذه الطلعة بمثابة البعث الذي أيقظ الجميع وكأنهم أهل الكهف دبت فيهم الروح مرة أخرى. اجتمع الطيارون في المساء تملؤهم فرحة ممزوجة بقلق.

-         مش قلت لك حا نحارب ثاني.

-         والله وحا ترجع أيام الاستنزاف ثاني.

-         لا.. استنزاف إيه.. الجيش بتاعنا عبر القناة.. المرة دي حرب علشان نرجع سيناء كلها.

وفي صباح السابع من اكتوبر هاجمت الطائرات الإسرائيلية قاعدة طنطا ونجحت في إغلاق المطار وتدمير جزء من الممرات.

-         يا خوفي أحسن تتكرر ثاني 67.

-         يا حضرات طنطا بس اللي أتقفل.. المنصورة وأنشاص وأبو حماد وكل المطارات سليمة.

 جاءت أوامر الطلعة الثانية بتدمير مواقع للعدو في سيناء بتشكيل مكون من ثمان طائرات، علي أن يتم التنفيذ بمجرد صلاحية الممر..استدعي محمد الرائد حمدي علي انفراد وأبلغه بأنه سيقود التشكيل الذي سيقوم بتنفيذ هذه الطلعة.. وما هي إلا دقائق حتى اندفع حيدر مقتحما المكتب علي محمد.

- أظن يا محمد أنا تكلمت معك في موضوع ترتيب الطلعات، وأنت طلعت أول طلعة يبقي أنا اللي

   لازم أطير الطلعة مش حمدي.

حاول أن يمتص غضبه ويكبح انفعاله، تعمد أن يخاطبه بلهجة رسمية.

-         رائد حيدر.. أنا قلت الموضوع مش حا يكون بالدور أو بالأقدمية. أنا شايلك للطلعات الثقيلة.

-         ثقيلة وآلا خفيفة.. أنا اللي حا اطلع يعني أنا.

-         دي أوامر العقيد علي..روح له غرفة العلميات أتناقش معاه.

اندفع حيدر خارجا دون تعليق وبعد حوالي نصف الساعة اتصل العقيد علي بمحمد تليفونيا.

- مفيش فايده، حاولت معاه بكل الطرق.. خلاص أكتبه هو قائد التشكيل.

وتنهد محمد في صمت واستدار الي دفتر أوامر الطيران وكتب أسماء التشكيل بقيادة الرائد طيار حيدر دبوس وجلس في مكتبه علي انفراد حتى دخل عليه وعلي وجهة ابتسامة وكأنه انتصر عليه.

-          خايف أحسن أموت.

-         مش موضوع خوف.. الحكاية إن…..

ولم يتركه يكمل فقد كان يشعر بمدي الحرج الذي يعانيه واستراح محمد لمقاطعته.

-         ده أنا ساعة اليهود ما هجمونا الصبح، شظية قنبلة فاتت جنبي بمتر.. يعني كان ممن أتوكل وأنا علي الأرض.. هو أنا حا أقولك أنت الكلام ده.

 ولم ينتظر رد محمد بل اندفع مناديا علي أفراد التشكيل حتى يشرح لهم المهمة والاحتمالات التي يمكن ان تقابلهم.

-         يعني في النهاية عايز التشكيل يهد الموقع علي اللي فيه ما يفضلش فيه طوبه واحده.

قبل موعد الطلعة قام محمد بدعوة أفراد التشكيل علي كوب من الشاي، وجلس معهم لكن المرارة  كانت تثقل صدره، كان حيدر يتكلم كثيرا على غير عادته وهو صامت إلا من كلمات مقتضبة.

-     تصور”ملك” بنتي ابتدت تعرفني مع إن عندها خمس شهور..بقت عفريتة ولذيذة.

-     رينا يخليها لك.. وتمتم في نفسه ويخليك لها.

حان موعد الطلعة بعد أن تم إصلاح الممر. أصر محمد على أن يقود العربة الجيب بنفسه ويقوم بتوصيل الطيارين إلى أماكن طائراتهم.. هبط حيدر عند طائرته،ولحقه محمد وانفرد به أمام الطائرة.

-  حيدر..أوعى تكون زعلان مني.. أنت عارف إن أنا…..

نظر اليه بنظرة ملؤها الحب والعتاب.

-         إدعي لي يا محمد.

-         موفق إن شاء الله.. خللي بالك، وبلاش الانفعال.

لم يسلم عليه أو يأتي بأي شئ غير طبيعي رغم انه كان في داخله متوترا وقلقا بصورة كبيرة. انطلق التشكيل بقيادة حيدر وقد انتابه شعور غامر بالفرحة، لم يشعر به حتى في ليلة زفافه.. في دقائق كان يعبر قناة السويس. كأنه يلقي بنفسه في أحضان حبيبته سيناء التي طال الشوق إليها.. وانتابه ذلك الإحساس الصوفي الرقيق. سمع صوت يناجيه من داخله.

وحشتيني.. ثلاث سنوات فراق. توفيق أخويا مات هنا. ست سنين والنار في قلبي.. رملك غالي.. ملك بنتي لما تكبر لازم تيجي وتشوف سينا.. شمسك حا تطلع يا مصر.. إحنا فينا ناس كويسين قوي. النهاردة يومك.. طعم الرجولة حلو.. دبابات مصر شرق القناة.. بلاش الانفعال لأنه حا يخليك تغلط.. اليهود الكلاب.

انفصلت الطائرات استعدادا لمهاجمة المواقع المحددة.. واستسلم حيدر لحالة الوجد والنشوة التي تنتابه في كل مرة يهاجم فيها اليهود.. كان الدفاع حول الموقع كثيفا، والنيران المندفعة كنافورات من لهب تطارد التشكيل. قرر أن يهاجم ومعه حسن المدفعية وباقي التشكيل يهاجم المواقع. انقض علي الموقع الأول وثقته كبيرة في نتيجة الهجوم..فهو يهاجم المواقع بطائرة ميراج. حبس أنفاسه بعد أن التف جهاز تنشين الطائرة بالموقع، ضغط علي زر إطلاق ثمانية صواريخ كانت كافية لتحويل الموقع إلى شظايا وأشلاء تتطاير في كل اتجاه.. تكرر ذلك في الموقع الثاني. ارتفع  بطائرته حتى يهاجم الموقع الثالث، كان باقي التشكيل قد اندفع يقصف ويدمر في المواقع الإسرائيلية.. لكن المدفعية كانت أسبق منه هذه المرة فقد لحقه مخروط النيران واتجه نحو طائرته.

  -  خللي بالك يا فندم.

لكنه لم ينتبه إلى تحذير حسن بل ربما لم يسمعه فقد كان صوت السكون يطغي علي كل شئ حتى علي هدير محرك الطائرة. كل ما كان في حواسه تركز في عينيه التين تحجرتا علي الموقع الذي سيهاجمه.. كان لابد وأن يصطدم بتلك النيران.. تهتز الطائرة بعنف لكن بكل ما أوتى من قوة استطاع إبقاءها في وضع الهجوم منقضة علي الموقع تماما. غاب عن الوعي تماما، تحجرت يداه علي عصا القيادة. شريط سريع يمر بخياله يري فيه صورا متداخلة لأمه ومدير الكلية، وأقاربه الفلاحين.. وتهوي الطائرة وتحيل الموقع كله إلى دمار شامل.

يعود التشكيل دون قائده ويهبط في القاعدة، محمد هو أول المستقبلين لطياري التشكيل يسجل تقاريرهم عن الخسائر التي تمت في مواقع العدو، ويقوم بإبلاغها لغرفة العمليات.. يستفسر عن كيفية استشهاد حيدر.

- والله يا فندم لولا هو ماكنش حد فينا عمل نص اللي عمله.

ويخرج الطيارون من غرفة المحاضرات والصمت يغمر الكون كله.. ومحمد.. يسير بمفرده ينظر إلى الشمس الزاحفة نحو الغروب ويتمتم في سره ” أحياء عند ربهم يرزقون”.

 

 

 .........................................................................................

 

كان المساء لطيفا فهو أول أيام شهر مايو، هبط توفيق وحيدر من عربتهما في حديقة نادي الضباط.. لم يكونا شقيقين فقط وأنما كانا متلاصقين، بينهما في العمر عام واحد وطوال الدراسة سويا حتى التحقا بالكلية الجوية وتخرجا طيارين في القوات الجوية في دفعتين متتاليتين، وإن فرَق بينهما مكان العمل، توفيق الشقيق الأكبر يعمل في أسراب المقاتلات في قاعدة أبو صوير أما حيدر مدرسا بالكلية الجوية.. كانا علي موعد مع محمد الذي تربطه بهما علاقة حميمة فهو من ناحية دفعة توفيق وفي نفس الوقت يعمل مدرسا بالكلية مع حيدر.

انعزل ثلاثتهم في أحد أركان النادي يتبادلون الذكريات يتخللها التعليقات الساخرة. ثم انحرف  بهم تيار النقاش إلى موضوع الطيران الذي لا ينتهي فيه الحديث طالما اجتمعوا سويا. توفيق من ناحية يشرح لهما أن الخدمة في المقاتلات مرهقة، وهما يشكوان له من صعوبة التدريس في الكلية.

-  ألعن حاجة في الدنيا انك تكون مدرس في الكلية، أنا ومحمد قدمنا طلب علشان نرجع المقاتلات.

- اسمعوا كلامي والله.. المقاتلات شغلها أخر قرف، والكلية أريح ميت مرة…..

قاطع حيدر أخاه

- إحنا حا نسهر هنا الليلة كلها ولا إيه؟ يا للا بينا علي الاوبرج، عازمكم الليلة علي حسابي.

نزولا علي رغبة حيدر وإصراره قضوا السهرة في الاوبرج مستمتعين.. لم يمض علي تلك الليلة سوي أسبوعين فقط، إلا واندلعت الأحداث في تيار هادر اخذ الجميع علي غرة، بداية من إعلان الطوارئ في مايو 67. تلاحقت الأحداث بعدها وصدرت مئات التعليمات والأوامر فألقت بحيدر في أحد أسراب المقاتلات في سيناء.. أما محمد استقر به الأمر في السرب المتمركز في اليمن. بينما توفيق ظل بمكانه في قاعدة أبو صوير كما هو.

جاء الخامس من يونيو بضربة إسرائيل الجوية المباغتة التي هزت كيان الملايين، إلا نفر قليل منهم توفيق. بعد الهجمة على مطار ابوصوير، انطلق توفيق وزملاؤه بطائراتهم واقلعوا من علي الممر الفرعي الذي كان قد دمر جزء منه.. كانت الموجه الإسرائيلية الثانية ستصل خلال دقائق واستطاع هو وزملاؤه الذين نجحوا في الإقلاع منعها من استكمال تدمير المطار والطائرات، لكن تكاثر هجمات  العدو أغلق مطار أبوصوير في الثانية ظهرا.

 في اليوم التالي كان قد تم إصلاح الممر الفرعي، أقلع توفيق ضمن تشكيل من أربع طائرات لحماية القوات البرية فـي سيناء التي كانت تحت رحمة الهجمات الجوية الإسرائيلية. فـوق سيناء اشتبك التشكيل مع تشكيل إسرائيلي من ثماني طائرات، واندفع توفيق بطائرته خلف طائرة إسرائيلية ودخل معها في معركة عنيفة تمكن خلالها من إسقاطها لكن طائرة إسرائيلية أخرى أسقطته. استشهد النقيب طيار توفيق دبوس فـي صمت بعد بطولة رائعة، لكـن ظروف الهزيمة جعلت منه رقما ضمن آلاف الأرقام التي ضمت شهداء حرب67.

توالت الأيام ثقيلة بعد 67، وعاد محمد وحيدر للتدريس في الكلية. التقيا في مطار مرسي مطروح وفي نفس كل منهما الكثير من آثار الفترة التي افترقا خلالها.. لقاء قصيرا عابرا في أول الأمر.. ثم جاء المساء وضمهما مجلس منعزل علي شاطئ البحر، ساد بينهما صمت عميق، كل منهما يعرف ما يدور في خلد الأخر.. إلى أن قطع حيدر هذا الصمت بالترحيب بمحمد وسؤاله عن اليمن.

- رجعت أول أغسطس، وأول امبارح قالوا لي علي الكلية من ثاني. طبعا أنا مش ناوي أقعد في الكلية، ومن بكره حا أقدم طلب نقل للمقاتلات. ولو إني عارف أنه أمر صعب.

- ده اللي أنا عملته. أنا هنا من أسبوع وبعد وصولي قابلت كبير المعلمين وقلت له علي النقل.

- الكلية مش حا توافق علي النقل  بسهولة، لكن لو وصل الأمر للوزير حا نروح له.

 ساد الصمت بينهما مرة أخري بعد أن توتر حيدر وهو يتحدث عن النقل من الكلية.. ووجد محمد أنه لابد أن يواجه الموضوع الذي يحاول أن يتجنبه.

    – البقية في حياتك.. طبعا أنت عارف أن توفيق كان أخويا زي ما هو أخوك.

قابل حيدر كلمات محمد بصمت كان أبلغ من أية كلمات تعبر عما بداخله.

-         أنت عارف طبعا أن الشهيد في الجنة، وهو كسب والله. ياريت إحنا نلحقه.. شوف ربنا بيقول

    “أحياء عند ربهم يرزقون “ توفيق كان بالنسبة لك أخ وصديق.. لكن دي إرادة ربنا ولازم

     نتقبلها.. مش عايز أقولك حزني قد إيه عليه، لكن ربنا يصبرنا يا حيدر..

وتكلم حيدر أخيرا بعد طول صمت.

-         أنا عارف إنك زعلت عليه قوي، كل الكلام اللي قلته عن الموت وعن الشهيد أنا عارفه

    كويس. وبا أدعي ربنا كل يوم أنه ينزل علي الصبر.. بس البني آدم ضعيف.

شعر محمد من النبرات المختنقة أنه يبكي، فصمت قليلا حتى تمسح الدموع تلك الأحزان الهائلة.

-         دي أول مرة دمعة تنزل من عيني علي توفيق من يوم ما ربنا اختاره. حاسس بحاجة

    مش عارف أوصفها.. أنا رجعت من سينا في عربية نقل يوم 6 يونيو وشفت مناظر مش

    ممكن تروح من عيني أبدا.. وصلت الإسماعيلية وقعدت أبص علي  سيناء والنار مولعة

   فيها قدام عيني، ساعتين وعرفت أنه استشهد. ومن ساعتها حاسس أن النار جوايا.

-    النار مش أنت لوحدك اللي حاسس بيها.. كلنا النار مولعة فينا..هو اللي حصل ده سهل.. كويس أن إحنا لسة واقفين وبنتكلم، لكن ده درس علشان نعرف قد إيه إحنا وحشين.

-         وحشين دي كلمة بسيطة قوي.. لو شفت اليهود عملوا إيه فينا واحنا بننسحب تقول علينا

    وحشين من هنا لبكرة..آآآآه.. نفسي أعرف الحرب دي كان سببها إيه؟ وسينا ضاعت ليه؟.

-         بكره حا نقف تاني، وسينا حا ترجع إن شاء الله.. فينا ناس كويسه قوي، بس القيادات

     هي اللي ضيعتنا.

استرسل الحديث ومحمد يحاول أن يزيل عنه بعض يأسه الذي كان يسيطر عليه تماما.

-         الوالدة والوالد عاملين إيه؟.

-  الوالد كويس المحكمة والقضايا واخذين وقته كله، لكن المشكلة في الحاجة، كل ما أنزل أجازه

    ألاقيها بتعيط. كل كلمة تجيب سيرة توفيق. بتتكلم كأنه حايدخل عليها في أي لحظة.

-         طبعا دي أم.. إذا كنا إحنا مش مصدقين.. ربنا يكون في عونها.. والبركة فيك أنت وأخواتك.

-    أخواتي .. هه .. نادية يا سيدي حاتسافر الكويت خلاص لأن أجازة جوزها خلصت، وسمير طلع في دماغه يهاجر أمريكا بعد اللي حصل.

-         حا أقول إيه؟ ربنا موجود وأحسن من الكل.

توالت الأيام في توتر وقلق، فقد شرعا في السعي للنقل إلى أسراب المقاتلات، لكن رغبتهما قوبلت بالرفض بحجة حاجة الكلية إليهما. تحول الموضوع إلى مدير الكلية الذي قابلهم عدة مرّات بود مصطنع محاولا إقناعهما بسحب طلبات النقل لكنهما أصرا على موقفهما.

-    يا حضرات أنتم مش عارفين الظروف اللي إحنا فيها.. سينا محتلة، واليهود على بعد100 كيلو متر من القاهرة.. والبلد عايزه طيارين بأي شكل، وانتم عايزين تتخلوا عن واجبكم.

-    يا سيادة المدير إحنا مش بنتخلى عن واجبنا.. واليهود اللي محتلين سينا دول إحنا عايزين نتنقل علشان نخرجهم منها. يا فندم سيادتكم عارف أن الشغل في المقاتلات قد هنا عشر مرات، يعني لو بندوّر علي الراحة كنا وافقنا سيادتك.

  ساد الصمت لفترة وشعر المدير في قراره نفسه انه أمام نماذج وطنية حقيقية تعبر عن نفسها بصدق وحماس الشباب.. فجاءت كلماته من نبع أنساني زاخر كان محتجبا خلف الرتبة والمنصب.

-    أنا مقدر شعوركم يا أولاد.. ومصر بخير طول ما فيها شباب زيكم.. وأنا لو مكانكم يمكن كنت ها أعمل زيكم. محمد مستقبلك في الكلية، سنك صغير وخبرتك في التدريس كويسه،

    وأنت يا حيدر كلنا عارفين ظروفك العائلية، فكر في والدك ووالدتك.

استفزت كلمات المدير أحزان حيدر المكتومة فانطلق منفعلا، ناسيا الاحترام الواجب للمدير وللرتبة.

     – أبويا وأمي وموضوع أخويا ده شئ يخصني أنا وبس.. سينا علشان ترجع لازم ناس تموت..

 اندفع حيدر خارجا من المكتب دون استئذان غاضبا. بهت محمد من هذا التصرف حيال مدير الكلية، فظل يعتذر نيابة عنه ويكرر اعتذاره حتى لا يؤثر هذا الموقف علي قرار النقل. لم يغادر المكتب إلا حين اطمأن وتأكد أن المدير هدأت نفسه تماما. بعد أسبوع تمت الموافقة علي نقلهما إلى أسراب المقاتلات وذهبا سويا لوداع المدير الذي انطلقت مشاعره بلا حدود.

-    حا نسمع عنكم كل خير إن شاء الله. أنا متأكد. وأنا مش زعلان منك يا حيدر، بس خللي بالك من نفسك. الانفعال لازم يخللي الواحد يغلط.. وإحنا طيارين يعني الغلطة تساوي حياتك.

-         أوعى يا محمد تجيب  سيره في البيت أنى اتنقلت المقاتلات.

تولي محمد قائد ثان السرب المتمركز في قاعدة المنصورة بينما حيدر نفس المنصب في السرب المتمركز في مطار قويسنا. وتفجرت طاقات حيدر المختزنة فانطلق يعمل ليل نهار. لكن رغم هذا النشاط، صامت دائما.لا يتكلم مع الزملاء إلا في أمور العمل والطيران بأقل الكلمات. حاول الزملاء  اختراق حاجز الصمت، لكن الفشل كان نصيبهم، وانتهي الأمر باحترام تلك العزلة.

 جاء يوم20 يوليو1969 صدرت الأوامر للقوات الجوية المصرية بالدخول في حرب الاستنزاف التي بدأت منذ شهور مع إسرائيل. تلقي حيدر أوامر بتدمير محطة رادار إسرائيلية في عمق سيناء. اندفع كعادته يشرح ويؤكد المهام علي الطيارين، يراجع الخرائط  حتى يضمن دقة التنفيذ. حتى حانت لحظة الإقلاع بتشكيله الذي يقوده والمكون من أربع طائرات. وجاءه صوته الداخلي.

سيناء المحترقة.. محمد قال سنقف مرة أخرى. الخضرة الممتدة حولي في الحقول، القرى المتناثرة، الترع والطرقات الترابية، الأوامر صمت لاسلكي تام حتى عبور قناة السويس.من يوم 6 يونيو والنار في داخلي. بوادر نجاح الهجوم ظهرت. لم تعترضنا الميراج الإسرائيلي. توفيق استشهد فوق سيناء.. نحن فوقها مرة أخرى. قطعة لحمي التي نزعوها مني في حرب يونيو.. غالية تلك الرمال الصفراء.. لم نشعر بكل هذا الحب لها إلا حين ضاعت منا.

انقض بتشكيله في هجمات متتالية عنيفة متجاوزا الأوامر. كان في نشوة غريبة كمن بلغ به الوجد الصوفي حد الثمالة.. كان منظر النيران المشتعلة في الموقع الإسرائيلي يشعره بطعم رجولته. كانت الصواريخ والطلقات التي يلهب بها الموقع تندفع من لحمه ودمه وليست من مدافع الطائرة.

-         كل الطائرات شرق القناة ترجع فورا.. الميراج الإسرائيلي ظهر في المنطقة.

 أفاق على تلك الأوامر التي تكررت في اللاسلكي من مركز القيادة، أعطي أوامره علي الفور إلى تشكيله لاتخاذ أوضاع العودة.. اندفع فـي اتجاه الغرب نحو قناة السويس، ما أن هبط حتى اتصل بالمنصورة حتى يطمئن على محمد الذي عاد بتشكيله بعد مهاجمته موقع للعدو في سيناء أيضا.

-          با أتكلم من مصر يا محمد. تقدر تنزل النهاردة، فيه موضوع مهم وعايز أشوفك ضروري.

وصل محمد إلى القاهرة، اتجه علي الفور إلى حيدر والقلق يشغل تفكيره.

-         الحاجة عرفت موضوع نقلي. ومن ساعتها، طول النهار تعيط وعايزاني الغي النقل.. وبابا طالع عليه أنى لازم أتجوز دلوقتي.

تنهد محمد بعد أن عرف حقيقة الأمر..وأشعل سيجارة مستهينا بالموضوع.

-         يا عم قلقتني، افتكرت أن فيه حاجة. الحاجة نريحها بكلمتين، وموضوع الجواز ده….

-         خد الموضوع جد .. أنت ما عندكش فكرة ماما شكلها إيه ؟

     -  طيب وماله لما تتجوز.. مش غلط اللي بابا بيطلبه منك. أنت النهاردة عندك 25 سنة…..

وفوجئ محمد بالوالدة وهي تقتحم عليهما حجرة الصالون ثم أصيب بالدهشة من الانهزام الذي وضح في ملامحها.. كان الحزن قد امتص منها رحيق الحياة.

     – بقي يا محمد تبقي عارف أن حيدر إتنقل من الكلية وما تقولش حاجة.

وانعقد لسان محمد وشعر بان الموقف ليس بسيطا كما كان يتخيل.

     – معلهش ..يا حاجة..أصل الموضوع…..

لم تعطه فرصة ليقول شيئا وانما اندفعت كلماتها مغلفة بدموع لا تستطيع السيطرة عليها.

-    هو أنت نسيت توفيق يا محمد. مش كفاية حرقة قلبي علي واحد..لازم يبقوا أثنين.. وهو أنا

   أقدر استحمل حاجة تاني بعد توفيق. حرام عليك يا ابني ده أنا أمك.. ده أنت اللي فاضل لي.

   توفيق راح، يبقي أنت عايز تحارب علشان يجري لك حاجة، ما حدش حاسس منكم النار في

   قلبي شكلها ايه.

قامت الوالدة دون مقدمات بعـد أن أفرغت جزءا مما يملأ صدرها، ومحمد صـامت يريد أن يبكي مشاركة لها، لكن دموعه كانت صعبة جدا، فهو لا يذكر انه بكي من سنوات عديدة.

-         قلبي عندك والله.. ربنا يصبرها.. وكان الله في عونك أنت.

-    أنت شفت حاجة بسيطة.. أمال لو قعدت معاك وحكت عنه والبنت اللي كانت حا تخطبها له، والفرح،والمعازيم، وحاجات كثيرة.. والأخر تقول ده مات وتقعد تستغفر ربنا.

 أشعل محمد سيجارته لعلها تزيح عنه جزءا من حالة الحزن التي غمرته بشدة. واقترح عليه أن يشرع في الزواج إرضاء لرغبة والده، وحتى يزيح عن أمه بعض من الحزن.

-    يا سيدي دلوقت وآلا كمان سنة ما أنت حا تتجوز. وبعدين إن كان علي الواحدة ندور عليها أكيد حا نلاقيها..والدتك شاعرة إن الأمل اللي كانت عايشه علشانه بيموت قدامها، خصوصا بعد سفر أخواتك..لازم تلاقي أمل جديد، وده حا يبجي لما تتجوز وتخلف عيل وآلا اثنين.

لم يمض سوي شهر علي هذا اللقاء إلا وتوقفت حرب الاستنزاف. كانت فرصة لالتقاط الأنفاس بعد أن هدأت الأمور.انقضت ثلاث سنوات بعد وقف إطلاق النار.. تزوج خلالها حيدر. ثم شاءت الأقدار أن يجتمع الصديقان مرة أخرى في ليبيا للتدريب علي الطائرة الميراج. اصطحب كل منهما أسرته إلى طرابلس حيث تجاورا في مساكن الضباط. وسمح لهما البعد عن جبهة القتال أن يمارسا حياة أسرية هادئة مع الأصدقاء المصريين الذين كانوا هناك، لكن حتى في تلك الأوقات كان حيدر صامتا لا يتكلم الا في النادر. كان محمد يعتذر عن صمته للآخرين بحجة أنه حتى في مجال العمل لا يتكلم كثيرا، علاوة على صدمته في أخيه الشهيد.

انفرد محمد بحيدر في ركن منعزل بعيدا عن المجموعة التي كانوا يمضون معها السهرة.

- إحنا موجودين في الحياة علشان نعيشها.

-         هو أنا مش عايشها.. سمعت كلام أبويا واتجوزت، ومني حامل، وقاعد معاكم زي بقية الشلة فيه حاجة أقدر أعملها تاني؟

-  ده أنا اللي عارفك أنت بتتفرج علي الدنيا ومش عايز تشارك في أي حاجة.

- الحاجة الوحيدة اللى أشارك فيها وأعيشها زي ما بتقول هي الحرب وشكلها مش حا تحصل ؟

-    لا حا تحصل والله.. وحا نحارب تاني. تفتكر الناس اللي قاعدة مش نفسها الحرب تقوم. اللي شايفهم بيضحكوا دول ضحكتهم كلها مرارة وحزن.

مض علي تلك الجلسة شهر، سافرت بعده زوجته إلى القاهرة حتى تضع مولودها الأول.. ثم صدرت الأوامر بعودة الطيارين المصريين إلى القاهرة.. واستقر الاثنان في السرب 69 الذي تمركز في قاعدة طنطا الجوية بطائراتهم الميراج.. شعر حيدر أنه عاد إلى موقعه الطبيعي، وشاهد ابنته التي ولدت بعيدة عنه. لكن توالت الأيام في تدريب روتيني. وكان هذا ينعكس علي الجميع احباطا ويأسا.. إلي أن بدأت الأوامر تطلب تجهيز خطط للعمليات، كان محمد هو المسئول عن ذلك فبدأ تدريب الطيارين علي هذه الخطط. كان حيدر يشترك في هذه التدريبات لكن دون حماس، كان شبه مؤكد له أن الحرب لن تقوم، رغم أن الشواهد كانت تتزايد بأن الحرب قادمة.

    -  بقي لنا سنين واحنا بنعمل الكلام ده.. وفي الآخر حا يطلع إنه مشروع أو مناورة.

-         بس المرة دي متهيأ لي انه جد.

-         نفسي أصدق يا محمد بس مش قادر.

بعد هذا الحديث بيومين فقط جاءت أوامر الحرب.. تلقي محمد الأوامر التفصيلية مساء الخامس من أكتوبر 73. في صباح اليوم التالي اجتمع قائد التشكيل بالطيارين أعطي أوامره الخاصة بالأهداف والخطة وغادرهم إلى غرفة العمليات تاركا لمحمد شرح الأوامر بالتفصيل.

-    أولا.. نقرأ الفاتحة كلنا أن ربنا يوفقنا ويكتب لنا النصر.. ثانيا كل واحد يفطر.. ثالثا أنا اللي اختار أسماء التشكيل علي حسب المهمة المطلوبة.. يعني مش عايز حد يقول اشمعني فلان أسمه في الطلعة وأنا لا.

انطلق يشرح للسرب المهام. ما إن انتهي الشرح وغادر غرفة المحاضرات حتى لحقه حيدر مسرعا.

-         محمد.. موضوع الأسماء والطلعات مش حا تنازل عن دوري فيه أبدا..أنت الوحيد اللي أقدم

     مني. يعني أول تشكيل أنت والثاني يبقي أنا علي طول.

-         طيب لما أنا الأقدم زي ما أنت بتقول، يبقي أوامري هي اللي تنفذ.

-    مقدم محمد.. أنا طول عمري عارف كويس إن فيه أقدميه بيني وبينك، زي ما فيه اخوة وعشرة.. طول عمري أفصل بين الاقدمية والصداقة.. لكن موضوع الطلعات ده.. بالأقدمية يعني بالأقدمية.. ثاني تشكيل أنا اللي حا أكون فيه.

-    يا سيدي سيبني أجهز للطلعة بتاعة النهاردة مش يمكن أروح وما أرجعش.. حا تبقي ساعتها أنت أقدم واحد وحط الأسماء علي كيفك.

-         لا يا سيدي حا تروح وحا ترجع بالسلامة إن شاء الله عمر الشقي بقي.

قام محمد بقيادة أول تشكيل ضمن الضربة الجوية الأولى التي انطلقت الثانية ظهرا معلنة بداية حرب تحرير سيناء.. كانت هذه الطلعة بمثابة البعث الذي أيقظ الجميع وكأنهم أهل الكهف دبت فيهم الروح مرة أخرى. اجتمع الطيارون في المساء تملؤهم فرحة ممزوجة بقلق.

-         مش قلت لك حا نحارب ثاني.

-         والله وحا ترجع أيام الاستنزاف ثاني.

-         لا.. استنزاف إيه.. الجيش بتاعنا عبر القناة.. المرة دي حرب علشان نرجع سيناء كلها.

وفي صباح السابع من اكتوبر هاجمت الطائرات الإسرائيلية قاعدة طنطا ونجحت في إغلاق المطار وتدمير جزء من الممرات.

-         يا خوفي أحسن تتكرر ثاني 67.

-         يا حضرات طنطا بس اللي أتقفل.. المنصورة وأنشاص وأبو حماد وكل المطارات سليمة.

 جاءت أوامر الطلعة الثانية بتدمير مواقع للعدو في سيناء بتشكيل مكون من ثمان طائرات، علي أن يتم التنفيذ بمجرد صلاحية الممر..استدعي محمد الرائد حمدي علي انفراد وأبلغه بأنه سيقود التشكيل الذي سيقوم بتنفيذ هذه الطلعة.. وما هي إلا دقائق حتى اندفع حيدر مقتحما المكتب علي محمد.

- أظن يا محمد أنا تكلمت معك في موضوع ترتيب الطلعات، وأنت طلعت أول طلعة يبقي أنا اللي

   لازم أطير الطلعة مش حمدي.

حاول أن يمتص غضبه ويكبح انفعاله، تعمد أن يخاطبه بلهجة رسمية.

-         رائد حيدر.. أنا قلت الموضوع مش حا يكون بالدور أو بالأقدمية. أنا شايلك للطلعات الثقيلة.

-         ثقيلة وآلا خفيفة.. أنا اللي حا اطلع يعني أنا.

-         دي أوامر العقيد علي..روح له غرفة العلميات أتناقش معاه.

اندفع حيدر خارجا دون تعليق وبعد حوالي نصف الساعة اتصل العقيد علي بمحمد تليفونيا.

- مفيش فايده، حاولت معاه بكل الطرق.. خلاص أكتبه هو قائد التشكيل.

وتنهد محمد في صمت واستدار الي دفتر أوامر الطيران وكتب أسماء التشكيل بقيادة الرائد طيار حيدر دبوس وجلس في مكتبه علي انفراد حتى دخل عليه وعلي وجهة ابتسامة وكأنه انتصر عليه.

-          خايف أحسن أموت.

-         مش موضوع خوف.. الحكاية إن…..

ولم يتركه يكمل فقد كان يشعر بمدي الحرج الذي يعانيه واستراح محمد لمقاطعته.

-         ده أنا ساعة اليهود ما هجمونا الصبح، شظية قنبلة فاتت جنبي بمتر.. يعني كان ممن أتوكل وأنا علي الأرض.. هو أنا حا أقولك أنت الكلام ده.

 ولم ينتظر رد محمد بل اندفع مناديا علي أفراد التشكيل حتى يشرح لهم المهمة والاحتمالات التي يمكن ان تقابلهم.

-         يعني في النهاية عايز التشكيل يهد الموقع علي اللي فيه ما يفضلش فيه طوبه واحده.

قبل موعد الطلعة قام محمد بدعوة أفراد التشكيل علي كوب من الشاي، وجلس معهم لكن المرارة  كانت تثقل صدره، كان حيدر يتكلم كثيرا على غير عادته وهو صامت إلا من كلمات مقتضبة.

-     تصور”ملك” بنتي ابتدت تعرفني مع إن عندها خمس شهور..بقت عفريتة ولذيذة.

-     رينا يخليها لك.. وتمتم في نفسه ويخليك لها.

حان موعد الطلعة بعد أن تم إصلاح الممر. أصر محمد على أن يقود العربة الجيب بنفسه ويقوم بتوصيل الطيارين إلى أماكن طائراتهم.. هبط حيدر عند طائرته،ولحقه محمد وانفرد به أمام الطائرة.

-  حيدر..أوعى تكون زعلان مني.. أنت عارف إن أنا…..

نظر اليه بنظرة ملؤها الحب والعتاب.

-         إدعي لي يا محمد.

-         موفق إن شاء الله.. خللي بالك، وبلاش الانفعال.

لم يسلم عليه أو يأتي بأي شئ غير طبيعي رغم انه كان في داخله متوترا وقلقا بصورة كبيرة. انطلق التشكيل بقيادة حيدر وقد انتابه شعور غامر بالفرحة، لم يشعر به حتى في ليلة زفافه.. في دقائق كان يعبر قناة السويس. كأنه يلقي بنفسه في أحضان حبيبته سيناء التي طال الشوق إليها.. وانتابه ذلك الإحساس الصوفي الرقيق. سمع صوت يناجيه من داخله.

وحشتيني.. ثلاث سنوات فراق. توفيق أخويا مات هنا. ست سنين والنار في قلبي.. رملك غالي.. ملك بنتي لما تكبر لازم تيجي وتشوف سينا.. شمسك حا تطلع يا مصر.. إحنا فينا ناس كويسين قوي. النهاردة يومك.. طعم الرجولة حلو.. دبابات مصر شرق القناة.. بلاش الانفعال لأنه حا يخليك تغلط.. اليهود الكلاب.

انفصلت الطائرات استعدادا لمهاجمة المواقع المحددة.. واستسلم حيدر لحالة الوجد والنشوة التي تنتابه في كل مرة يهاجم فيها اليهود.. كان الدفاع حول الموقع كثيفا، والنيران المندفعة كنافورات من لهب تطارد التشكيل. قرر أن يهاجم ومعه حسن المدفعية وباقي التشكيل يهاجم المواقع. انقض علي الموقع الأول وثقته كبيرة في نتيجة الهجوم..فهو يهاجم المواقع بطائرة ميراج. حبس أنفاسه بعد أن التف جهاز تنشين الطائرة بالموقع، ضغط علي زر إطلاق ثمانية صواريخ كانت كافية لتحويل الموقع إلى شظايا وأشلاء تتطاير في كل اتجاه.. تكرر ذلك في الموقع الثاني. ارتفع  بطائرته حتى يهاجم الموقع الثالث، كان باقي التشكيل قد اندفع يقصف ويدمر في المواقع الإسرائيلية.. لكن المدفعية كانت أسبق منه هذه المرة فقد لحقه مخروط النيران واتجه نحو طائرته.

  -  خللي بالك يا فندم.

لكنه لم ينتبه إلى تحذير حسن بل ربما لم يسمعه فقد كان صوت السكون يطغي علي كل شئ حتى علي هدير محرك الطائرة. كل ما كان في حواسه تركز في عينيه التين تحجرتا علي الموقع الذي سيهاجمه.. كان لابد وأن يصطدم بتلك النيران.. تهتز الطائرة بعنف لكن بكل ما أوتى من قوة استطاع إبقاءها في وضع الهجوم منقضة علي الموقع تماما. غاب عن الوعي تماما، تحجرت يداه علي عصا القيادة. شريط سريع يمر بخياله يري فيه صورا متداخلة لأمه ومدير الكلية، وأقاربه الفلاحين.. وتهوي الطائرة وتحيل الموقع كله إلى دمار شامل.

يعود التشكيل دون قائده ويهبط في القاعدة، محمد هو أول المستقبلين لطياري التشكيل يسجل تقاريرهم عن الخسائر التي تمت في مواقع العدو، ويقوم بإبلاغها لغرفة العمليات.. يستفسر عن كيفية استشهاد حيدر.

- والله يا فندم لولا هو ماكنش حد فينا عمل نص اللي عمله.

ويخرج الطيارون من غرفة المحاضرات والصمت يغمر الكون كله.. ومحمد.. يسير بمفرده ينظر إلى الشمس الزاحفة نحو الغروب ويتمتم في سره ” أحياء عند ربهم يرزقون”.

 

...............................................

 

 

من المجموعه القصصيه الرائعه – قصر في الجنة

 

 جلس يتصفح أحد المجلات الأجنبية التي تمتلئ بالشرح والتحليل عما دار في حرب أكتوبر 1973 التي انتهت منذ شهرين.. كان مشدودا بكل تفكيره إلى أراء الخبراء العسكريين الأجانب وخاصة أراء الإسرائيليين الذين أشادوا بما فعلته القوات المسلحة المصرية أثناء الحرب.. خرج من استغراقه علي رنين التليفون.

-         الو.. منزل العقيد فاروق عليش.

-         نعم.. أنا هو يا سيدتي

كأنها وجدت ضالتها أخيرا فاندفعت في الحديث دون توقف.

-         اسفه يا سيدي أنت لا تعرفني.. أنا والدة الملازم طيار عبد القوي شمس الدين.. أريد أن أراك لحاجة ضرورية..هل يمكن أن أزورك بمنزلك أم أن هذا شئ يزعجك.

-  تشرفت بمعرفتك يا سيدتي.. وأهلا بك في أي وقت.. لكن الواجب أن احضر أنا إليك.

-         إذن ليكن لقاؤنا في السابعة مساء اليوم بمنزلي.

في الموعد المحدد كان أمام فيلا العائلة الواقعة علي النيل بالجيزة. يتساءل في نفسه عن سر هذا اللقاء.. مر بهذا الموقف كثيرا ويعرف انه لقاء ثقيل علي نفسه ويصيبه بحزن كبير رغم مشاعره التي تبدو باردة أمام الآخرين. لم يجد فيلا كما توقع إنما قصر محاط بحديقة مترامية. رافقه حارس البوابة، ثم في الصالون استقر مبهورا من الثراء الذي ينم عنه الأثاث البالغ الفخامة. وجد أن القهوة مناسبة في تلك الظروف، اخذ يتجول بعينيه في التحف الموجودة حوله. سمع خطوات السيدة التي جاء لزيارتها وهي تهبط درجات السلم. كان لديه مسافة كافيه كي يتأملها وهي قادمة إليه.. كانت في الأربعين من عمرها لكن جمالها مازال نضرا، تمشي في ثقة وثبات.. استلفت نظره أنها مُحجّبة وكان الحجاب نادرا في هذا الوقت.

-       خالص عزائي يا سيدتي

-       شكرا .. لكن الأحياء لا يقبل فيهم عزاء.

  أفحمته كلماتها الواثقة فجلس وهو لا يدري ماذا يقول إلى أن بادرته هي بالكلام.

-       كان أبني طيار تحت قيادتك.. هل كنت تعرفه جيدا ؟

-       نعم يا سيدتي، أعرفه جيدا

-       هل كنت تعرف انه وحيد ؟.. لقد توفي والده وهو في العاشرة ومن يومها ونحن متلاصقان لم يكن أحد يخفي عن الآخر شئ في حياته.

-       لم اكن اعلم تفاصيل حياته العائلية.. ومعرفتي به كانت من خلال العمل.

-       إذن فيما كان الخلاف بينك وبينه ؟

-       بالعكس كان قريبا إلى نفسي مثل كثير من الطيارين الذين تحت قيادتي.

   فناولته ورقة مطوية وهو في دهشة كبيرة من الموقف كله.

-       أذن أرجو أن تقرأ هذا.

كانت الورقة خطاب من عبد القوي إلى والدته أرسله لها بعد أسبوع من بداية الحرب.

أمي الحبيبة: سلام الله عليك. أنا وزملائي بخير يا أمي. الحرب نحن منتصرون فيها بأذن الله.. دعواتك يا أمي أن تكون مصر دائما منتصرة. أنا أبذل قصار جهدي كما تعودت مني طوال حياتي. لكن العقيد فاروق منذ يومين أمر ألا أشارك في طلعات مهاجمة اليهود، ولا ادري سبب هذا القرار؟.. ورغم أنه قائد متزن وأشعر نحوه بحب واحترام لكن هذا الأمر ضايقني كثيرا.. أرجو أن تكوني راضية عني وهذا ما يهمني كثيرا. أعاهدك بان نكون من المنتصرين بإذن الله.

                                                      ولدك: عبد القوي

 انتهي من قراءة الخطاب، رفع رأسه ببطء والصمت يلف المكان كله إلا من صوت قطرات المطر ترتطم بزجاج الصالون.. كان يشعر انه في حلم غريب وأنه عاجز عن الكلام.. لكنها لم تتركه لنفسه بل عاجلته كلماتها.

-       لقد طلبت زيارتك لكي تفسر لي أمرين أولهما هذا الخطاب.

واخذ يسترجع زمام نفسه حتى يواجه تلك السيدة وهدوءها المثير.

-   سيدتي. إن ابنك تخرج من الكلية الجوية منذ عام، والتحق باللواء الجوي الذي أتولى قيادته ضمن ثمانية من دفعته، وكنت أتولى تدريبهم علي القتال بنفسي، وتولدت بني وبينهم رابطة خاصة.. كانوا أخوة صغار لي وليس ضباط تحت قيادتي.

-       إذن لماذا حرمته من الاشتراك في الحرب بعد اليوم الخامس

 شعر بان ثقته بنفسه عادت إليه تماما وأنه أصبح المسيطر علي الحديث.

-  لم يكن الأمر شخصي يا سيدتي، أو لأنه لا سمح الله مقصر أو ضعيف عن زملائه.

-       إذن ما هو السبب ؟.

-       السبب يا سيدتي أن أوامري منذ بداية الحرب كانت أن يتساوي جميع الطيارين في عدد الطلعات، فليس هناك إنسان أجدر من الأخر بالحياة أو أجدر منه بشرف الشهادة.. وفي اليوم الخامس فوجئت بأن عبد القوي يسبق أقرانه في عدد الطلعات بمقدار الضعف فأوقفته لهذا، وبعد ثلاثة أيام أمرته بالطيران معي في نفس التشكيل وقد استشهد في هذه الطلعة. اعتقد الآن أنك مطمئنة إلى أن إيقافي لعبد القوي لم يكن عن غضب منه أو عقاب له.. بل بالعكس تماما. ولكنه أمر الله الذي لا راد لقضائه…

قاطعته بكلماتها الهادئة الشديدة الثقة.

-       هذا هو الأمر الأول أما الثاني فهو هل استشهد ابني وهو مقبل أم مدبر؟.

لم يفهم معني سؤالها فاستفسر: أفندم

-       هل عبد القوي استشهد وهو يهاجم أم وهو ينسحب ؟

أدرك معني سؤالها وانتابته مشاعر الانبهار بهذه السيدة والدهشة والغرابة من كلماتها.

-       سيدتي أن ابنك شهيد حق. لقد استشهد وهو يقاتل قتال الأبطال.استشهد في سبيل الله حقا.. شاهدته بعيني وهو يدمر موقع العدو ثم اشتبك مع طائرتين إسرائيليتين ولولا هذا لما تمكنا منه. إنه في الجنة مع رفقاؤنا الذين سبقونا.

ران الصمت ولم يدر ماذا يقول بعد هذا، صوب نظره نحوها ينتظر قولها. فوجد أن وجهها قد تألق بفرحه غريبة وأشرقت عينيها وهي تقوم إلى علبة من الفضة كانت علي المائدة تفتحها.

-       أشكرك سيادة العقيد. لقد أسعدتني كلماتك أيما سعادة. ومن الواجب الآن تناول الحلوى.

تناول قطعة من الحلوى وهو في دهشة من هذه السيدة التي أثارت في نفسه مشاعر متضاربة شتي. كان لابد أن ينهي الزيارة بعد أن جثمت أحزان كبيرة علي صدره. خرج من القصر  وقد خفت حدة الأمطار إلا من رذاذ خفيف. انطلق بسيارته عائدا وقد توقف تفكيره عند هذه السيدة وما أثارته في نفسه. لاحظ أن المطر المتساقط علي زجاج السيارة يعوق الرؤية أمامه فقام بتشغيل مساحات الزجاج الأمامية.. لكن لم يجد لها تأثير. كانت عيناه تدمعان

 

.........................................................................................."

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech