Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

الناس والحرب - الحلقه الاولي

 

مقدمة

 

    لقد تحيرت كثيرا فى إعداد هذا الكتاب .. حيث وجدت لزاما على ان أتناوله من خلال موضوعات شتى ومتعددة .. سواء فى طبيعتها أو أماكنها او شخصياتها ..المتنافرة فى بعض الأحيان والمتجانسة فى أحيان أخرى .. ولكن من غرائب القدر انها جميعا كانت أحداثا حدثت لي بالفعل فى الزمان والمكان والشخصيات التى ذكرتها فيه.

    ورغم ان المؤلف يقدح أحيانا زناد فكره لكى ينسج قصصا من وحى خياله .. ويحاول بقدر الامكان ان يضفى عليها من عناصر التشويق مع الاحتفاظ بمنطق الاحداث ومحاولة الابتعاد عما نسميه المصادفات .. وانا لست مؤلفا بل انا أسجل ما عشته فقط كما هو .. ولست أدون سيرة ذاتية فأنا أتحدث عن فترة معينة لشعب مصر ولجزء هام بها وهو جيشها .. لذلك فاننى أرى انه إذا كان من عادة من يكتبون القصص والروايات والمستوحاة من الواقع ان يكتبوا فى المقدمة عبارة تقول ما معناه “اى تشابه بين أحداث هذه القصة وبين أحداث وشخصيات موجودة فى الواقع هو مجرد صدفة“.. لكنني هنا اقول وأعنى العكس تماما فكل الاسماء والأحداث والأماكن حقيقية لواقع سمعته ورأيته وساهمت فيه وتألمت وعانيت منه الكثير ولم يتدخل خيالى فى اى من تفصيلاته .. وكل ما أدخلته من تغييرات هو على الاسماء النسائية احتراما للقيم والمبادئ التى تربى عليها الشعب المصري وهى ضرورة أخلاقية بكل المعاني التى تحملها .. الاحداث لا فضل لخيالي فيها لانها وقعت وحدثت وبعض آثارها باق فى الوطن وشخوص منها موجودة على قيد الحياة .. وهذا ما جعلني أتردد طوال الأربعون عاما الماضية فى هل اكتب ما عشته او أظل احتفظ به فى عقلي.

     وكان الدافع الى محاولة إقحام هذا الموضوع فى الكتابة عدة نقاط جوهرية فى اعتقادي وهى تدور فى:

1- كان التحدث عن حرب 67 كأنها هزيمة عسكرية والجميع مسئول عنها وخاصة كبار القادة فى تلك الفترة .. لكنني اقول للمعلقين ومن كتبوا عنها  هل هناك حرب مهما كانت نتائجها مريرة بدون مقاومة وتكبيد العدو خسائر كبيرة؟ ولماذا نحن نفكر .. اما 100% او لاشيء .. ألا يفيد حتى ولو 20% ان لم يكن أكثر .. هل الناس فى مصر والعالم اعتقدوا ان الحرب انتصر فيها الإسرائيليون بدون خسائر وبدون مقاومة.

1- أهلنا التراب على أرواح ضحايا تلك الحرب سواء من استشهدوا فى القتال او لاقوا ربهم إثناء الانسحاب لكن فى الحالتين هناك أرواح أزهقت .. اذكروا هؤلاء بكل خير تخليدا لهم ولذويهم .. فنحن مازلنا نذكر صلاح الدين الايوبى وسليمان الحلبي وغيرهم.

2- تصحيح التاريخ.. وهنا لا اقصد التاريخ العسكري ولكن تاريخ مصر الحديث .. الصورة التى سيحصل عليها القارئ من هذا الجزء هى عبارة عن شريحة لمئات من الشباب المصري وما فعلوه أثناء الانسحاب بطولات فردية قاموا بها ولم يبخلوا على وطنهم بأغلى شيء .. وهى أرواحهم الطاهرة.

3- ليعلم جميع الشباب أنهم عُدة الوطن وأمله وانه لامناص من حروب مع الاعداء .. والأعداء هنا ليس دولة واحدة محددة .. بل العديد من الدول التى تريد القضاء على مصر ومنعتها وقوتها بكل الطرق.

كتاب “الناس والحرب” هو كتاب من جزأين ..

الجزء الاول : هو عن فترة الخمسون يوما منذ إعلان حالة الطوارئ فى مصر منذ 15مايو عام 1967 حتى الرابع من يوليو من نفس العام وهو يوم وصول جنودي وانا برفقتهم الى غرب قناة السويس .. وفيها تم انسحاب لمجموعة من الشباب المصري .. ستة من الجنود الأوفياء لبلدهم “ضابط برتبة ملازم وخمسة من جنود كتيبته”

     الجزء الثانى : ويشمل ما بعد وصول هؤلاء الرجال الى الضفة الغربية لقناة السويس ثم عودتهم لوحدتهم ومراحل إعداد القوات المسلحة والتى تتخللها مواقف اجتماعية وإنسانية على أعلا مستوى نظرا للحدث التى كانت تمر به مصر .

   يتناول الكتاب بجزأيه بعض المواقف الإنسانية الغير طبيعية والتى يُحكم عليها بالخوارق وهذه الأشياء كانت غريبة على وكنا نسمع عنها او على شاكلتها مثل حواديت أيام زمان .. ولكنها حدثت لي وأنا احكي عنها ولست طامعا فى شيء فانا اعتقد كل الاعتقاد ان الله أظهرها لكى يساعدنا وينجينا مما نحن فيه .. ولقد رسخ فى عقلي الصغير وقتها ومازال حتى الآن هو إننا بالبعد عن المناطق المأهولة بالبشر والعيش بالمناطق المهجورة نفاجأ بأشياء لم نكن نراها او نشاهدها ونتابعها ونحن فى وسط البشر والمدن .. وهذا ما يحدث مع أصحاب الكرامات والشيوخ وما يطلق عليه بالخلوة ويذكر اسمه بعدها .. هذا ما حدث بان أشياء وخوارق كنا نسمع عنها او نشعر بها ونخاف منها فى بعض الاوقات ولكنها لم تضرنا بل كانت نفعا وملاذا ونفحة من عند الله لنا نحن الضعفاء.

     إذن المعجزات والخوارق من عند الله وحده واى قول غير هذا يعتبر شركا مع الله القادر .. والمعجزات ترسل للأنبياء وأولياء الله الصالحين ونضيف عليها الضعفاء والمساكين والمحتاجين .. الله يمُدهم بمدد من عنده .. والقرآن الكريم خير شاهد على ما ينفحه الله لأنبيائه وعباده ….

        بسم الله الرحمن الرحيم:

قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ (11) .. سورة إبراهيم

وقد اختص الله سبحانه وتعالى الكثير من البشر بمعجزاته كما اختص بها أنبيائه ورسله وقد جاء فى كتابه العزيز:

       بسم الله الرحمن الرحيم:

                فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (11)

                سورة الكهف

 

فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)

 سورة البقرة              

 

وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)

ســـورة الحج

         السؤال الذي يتبادر للأذهان بعد ان أوضحت أجزاء الكتاب والغرض الموضح بداخله .. سؤال: ولماذا فكرت فى نشر الكتاب فى هذه الأيام ونحن على أبواب الذكرى الأربعين لتلك الحرب؟

الجواب : مكون من عدة نقاط سريعة .. الحدث لم يترك فكرى وعقلي منذ أن حدث حتى اليوم .. ثم أنه أثناء جلوسي مع بعض شباب العائلة فى مصر او أثناء تواجدي فى الولايات المتحدة كنت أروى للشباب من الجنسين عن تلك الحرب تنتابهم الدهشة من اختلاف روايتي عما يعلمونه فقد أصبحت ذكرى 67 هى رفيقة للحزن والصمت ولقد فوجئ الشباب بما قلته فتغير حكمهم على الأشياء .. صحيح لم ننتصر ولكننا قاومنا بكل ما نستطيع من قوة .. كما كان لإطلاعي عن الحرب العالمية الثانية وهزيمة الألمان ورغم هذا فان كتب كثيرة أظهرت بطولتهم وشجاعتهم ومنها بالطبع كتاب “الفيلق الافريقى”وفيها تظهر الحرب شجاعة رومل وجنوده .. إذن نعطى كل ذي حق حقه حتى حرب اليمن يجب ان نخلد ذكرى ضحاياها أيضا.

     لقد اخترت لهذا الكتاب بجزأيه عنوان “الناس والحرب” وشاهدت الرؤا التى شاهدتها والبعض من جنودي عاصروها .. كما أدعو الله ان أكون قد وفقت فى نقل صورة خالصة واضحة عن تجربتي ومعي خمسة آخرون متوخيا الصدق والصراحة سارداً الاحداث ذاكراً الأشخاص دون تعديل او تحريف إلا بتعديل فى أسماء بعض الشخصيات النسائية الغير مشهورة طالبا من جيل الأبناء والأحفاد الاستفادة بتلك التجربة طالبا منهم الثقة بالنفس بان جيل 67 كان جيلاً شجاعاً رغم الظروف المحيطة به ولم يسلم سلاحه .. كما أوجهها الى أقارب ضحايا تلك الحرب .. هذه صورة لما قاساه أبناءكم وأحبابكم وكيف لاقوا ربهم اما عطشا من قلة الماء .. أومن اثر إصابة لم تعالج .. او فى اشتباك مع العدو مثل ما حدث لأبطال المدرعات أمامنا.

أرجو ان تسعدوا بقراءة هذا الكتاب وان أنال رضاكم وهذه هى المكافأة العظمى ليس لي فقط بل لجنودي أيضا بل الأهم لشهداء تلك الحرب ولتترحموا عليهم ذاكريهم بكل خير وترفعوا رأسكم عاليا استعدادا لجولات أخرى مع أعداء آخرين تيمنا بقول الرسول الكريم:

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

 إذا فتح الله عليكم بمصر فاتخذوا منها جندا كثيفا فهم خير أجناد الأرض .. قيل ولما يارسول الله .. قال لأنهم فى رباط الى يوم القيامة.. صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

واللــــه المـــوفق

 

 

الجـــزء الأول

أهوال الانسحاب

 

 الجـيش المصــرى

وقف الخلق ينظرون جميعــا……….كيف أبنى قواعد المجد وحــــدي

وبناة الأهرام كـــــفون           الكلام عند التحــــــــــدي

انا تاج العلا فى مفرق الشرق            ودارته فرائط عقـــــــــدي

انا ان قدر أللاه مماتـــي             لاترى الشرق يرفع الرأس بعـــدى

 

      هذا مقطع من نشيد مصر تتحدث عن نفسها لشاعر النيل حافظ ابراهيم والتى تغنت بها كوكب الشرق ام كلثوم وإذا سمعتها اهتزت أعضاء جسدك حمية وقوة ووطنية ونحن جيل تربى على الوطنية والروح القومية والوحدة العربية ومقاومة الاستعمار وإذنابه من المحيط الى الخليج .. كان منهجا عاليا رائعا تبناه زعيم مصر والذى وهبه الله هذه النعمة .. نعمة اللباقة حديثا ومعنى ونظرته الى الجماهير تأثيرا وتوجيها وحبا من الشعب له لما يقول ويفعل .. لقد جاء عبد الناصر ابن مصرمن ترابها وطينها وبقى حتى وفاته كما هو يتحدث عن العامل والفلاح والموظفين الصغار .. وقد كان محقا فيما يقول ومن منا فى الريف وقد شاهد البؤس الذي كان يعيش فيه الفلاح ..عمل وسخرة طوال النهار وكل ما يحصل عليه من غداء هو بضع لقيمات خبز جاف وقطعة جبن مملح ومش وبعض من خضرة الأرض ثم شربة ماء من مياه الترعة اوالقناة الواصلة من الترعة لري قطعة الأرض التى يعمل بها .. وما بها من مهلكات تلك المياه وخاصة البلهارسيا والتى تدمر شبابهم وتشاهدهم فى سن الأربعين مرضى عجائز فاقدي المقدرة على العمل والعطاء ..لايعطون إنتاجا سوى الإنجاب المتتالي وزوجاتهم شديدي الخصوبة فهن قادرات على الحمل والإنجاب ومازال طفلها الصغير لم يكمل عامه الاول وكلها أعباء مادية عليه .. لا هو قادر على التفكير وعلاج مشاكله ولا من يعمل فى أرضهم يدفعون به لعلاج مشاكله ولا الحكومة قادرة على هذا وها هو أصل مصر وعنصرها الاساسى فى النماء غير قادر صحيا على فعل اى شيء

    ولهذا شعر بهم عبد الناصر وهو مُحق فى هذا حيث كانت هناك فجوة كبيرة بين الأغنياء والفقراء بين كبار القوم وأدناهم وهكذا حتى وصل هذا الى الجيش فأصبح الضباط هم أبناء الطبقات الكبرى الغنية صاحبة الجاه والتى ترسل بأبنائها للكلية الحربية لحماية مكاسبهم وإطماعهم من جشع الفلاحين وحماية ممتلكاتهم وليس حماية لمصر وعروبتها.

 

     تخرجت من الكلية الحربية عام  1966 من شهر أغسطس وتم توزيعنا على التشكيلات العسكرية كل حسب نصيبه والقليل حسب الواسطة والتى لم تكن ظاهرة وكانت معيبة فى حق طالب الواسطة بأنه اقل من الآخرين ويريد العون .. كنت من ضمن ضباط سلاح المشاة وهو اكبر سلاح فى الجيوش عامة وجيوش الدول ذات المساحات الواسعة والاراضى الصحراوية .. الحقت على الفرقة الثالثة المشاة فى منطقة وصلة الهايكستب والتى  تمتد حتى طريق السويس الصحراوي الذى كان يقف آخر عمران به عند علامة الكيلو 4,5 وهى المنطقة التى بها مصانع الهيئة العربية للتصنيع .. توجهت الى الوحدة ويحويني أمل باننى ساجد جنودا وضباطا على أعلى مستوى من التدريب والانضباط العسكرى خاصة ان بعض ضباط إدارة المشاة اخبرونا بان حظنا من السما حيث ان تلك الوحدة من الوحدات القديمة القوية وأنها قدمت من اليمن حديثا بعد انتهائها من العمليات الموكلة إليها هناك.

     عدد الضباط الجدد المنضمين على تلك الوحدة كان سبعة ضباط وهو عدد كبير لأنه فى العادة يكون العدد واحداً اواثنين على الأكثر ولكن نظرا لحدوث خسائر أثناء معركة اليمن .. وانتهاء خدمة بعض ضباط الاحتياط  فقد قررت إدارة المشاة تعويض تلك الكتيبة بعدد كاف من الضباط الجدد .. تقابلنا مع رئيس عمليات الكتيبة وبعد ان رحب بنا والقى علينا محاضرة عن أعمال الكتيبة فى اليمن والبطولات الخارقة التى تمت هناك على ايدى جنودها البواسل وزع الضباط على السرايا المشاة الثلاث الموجودة بالكتيبة وكنت من ضمن ضباط السرية الثانية مشاه وعددنا ثلاثة ضباط من السبعة الذين انضموا الى تلك الكتيبة.

      قوة الكتيبة قليلة العدد بسبب أنها قدمت من اليمن منذ شهر و الضباط والجنود فى إجازات حيث أنهم مقسمين الى عدة دفعات نزل منهم النصف ومتبقي النصف لكن ما لفت نظرى هو ان تأثير وجود الوحدة باليمن كان باديا عليهم وواضحا على الوحدة سواء من حالة عدم الانضباط  على الجنود او الصف ضباط او من سوء التدريب وهذا لم يكن خافيا على قيادة الوحدة لكن المسألة كانت مسألة وقت فالقائد منتظر انتهاء الجنود من انتهاء الإجازات التى مُنحت لهم حتى يُعدهم اعداداً جيداً بما يتمشى مع النظام العسكرى الذى لايستقيم سوى بالضبط والربط العسكرى الذى هو المعيار الاساسى لاى وحدة عسكرية فبدونه لن تقوم اى قائمة للوحدة وقد استوضحت من بعض الضباط القدامى عن كيفية هذا التحلل من الضبط والربط ولكنهم أفادوا بان هذا وضع طبيعي لتوزع الجنود فى مواقعهم فوق الجبال لفترات طويلة بدون تدريب يذكر حيث لا مكان يستطيعون فيه تدريب هؤلاء الجنود سواء لطبيعة الأرض او تحاشيا لاستهدافهم أثناء التدريب من القوات المعادية.

     ورغم ما شاهدته إلا ان حالة الجنود كانت محزنة .. جميعهم من كبار السن الأميين الذين لا يعرفون قراءة اى كلمة او يستطيعون كتابة اى حرف وكل ما يمتلكونه من مهمات هو عدد اثنين افرول .. يجنب احدهم للنزول إجازات وما اقلها لمن هم من الأقاليم والصعيد والافرول الثانى هو للتدريب والنوم والخدمة ليلا ويصبح هذا الافرول بعد عدة أسابيع مهلهلا وبه العديد من الرقع وعلى الجندي ان يغسله وينشره فى الشمس يوم الجمعة وهم جالسون بملابسهم الداخلية حتى يجف والمنشر هو سور السلك الشائك الفاصل بين الوحدات وقد يكون هذا اليوم غائم والشمس غير ساطعة  او ممطراً فتكون كارثة للجندى والذى يتحير كيف ينام و كيف يرتدى زيه للطابور فى الصباح الباكر وهكذا .. كانت كل الامور متداخلة متشابكة مغايرة لمفهومنا السابق بان هؤلاء الجنود ابطال وهم فى لياقة بدنية عالية ويتدربون ليل نهار وخاصة انهم عائدون من معركة اليمن .. ولكن للأسف لم يكن هذا صحيحا وكل ما فكرنا فيه هو وهم للدعاية المضللة من وسائل اعلامنا .. حتى القادة العسكريون اشتركوا انفسهم فى هذا التضليل .. وكل عمل الجندى بعد اداء طابور الصباح الذى هو فى الاصل تربية بدنية وبعد هذا يتوجه لتناول طعام الافطار ثم يعود لاستكمال طوابيره وهى عادة طوابير تعليم اولى للتدرب على السير للخطوة المعتادة رغم انه قضى فى التجنيد والاحتياط ما يزيد عن الخمسة اعوام والتجنيد فترته ثلاثة اعوام لمن فى حالتهم ولكن الجزاءات التى كانت توقع عليهم بدون سبب او “بسبب قلة الادراك والفهم المصاحب للأمية” جعلتهم يمكثون تلك الفترة الطويلة وهم لا حول ولا قوة لا يعرفون الى اى وقت ينتهى تجنيدهم .. ثم بعد ذلك يقوم الجنود بوضع قليل من الرمال فى مشمع الفرش الذى ينامون عليه ويسيرون ساحبين هذا المشمع خلفهم فيقوم بتسوية الرمال المنتشرة على اشكال مختلفة من اثر سيرهم فوقها بالحذاء ويستمر هذا الحال عدة ساعات وما تم تسويته منذ دقائق يتم هدمه وازالته بعدها لانه سيحضر جندى آخر خلف الاول بمشمعه ويخرب ما قام به الاول .. بدون هذا يصبح الجندى مشكلة .. اما الضباط فهم لاهون بالضحك والحكايات والمغامرات والتى اكثر من نصفها كذبا وخداعا على ابناء الاقاليم من نوعيتى .. اما اذا حادثت جنديا بهدؤ وسماحة تكون انت ضابط  ”طرى” وضعيف وان هذا الاسلوب سيقضى على الضبط والربط ويجب ان يكون الضابط  حازما وان كل تعامله مع الجنود بعنف وشخط والكثير من الاهانات والضرب على الوجه والقفا والشلاليت وقد دُهشت لهذا فانه شىء جديد على مسامعى ونظرى ولم ندرس مثل هذا الاسلوب فى التعامل وقد طلب منا الضباط  الاقدم رتبة ان نتجاهل ونهمل ما درسناه لانه على حد قولهم “بكش”

    اما طعام الجنود فهو اردأ ما يكون وحتى الان كلما تذكرت ما يقدم لهم من طعام تجزع نفسى سواء فى النوعية اواسلوب الطهى .. يطلق عليه اى اسم غير طعام واتذكر بعد عملى بعدة اشهر وكنت ضابط  نوبتجى لاستلام التعيينات الطازجة من المتسودع وذهبت الى هناك ورفضت استلام اللحوم الطازجة لقذارتها وردائتها وقد ضايق هذا المتعهد حيث سيعود باكثر من عجل ونصف غير مطابقة للمواصفات وقد جاء الرجل للسؤال عن المشكلة فنظر الى من اعلا الى اسفل كانه يقول ما هذا العصفور الصغير اللى عامل فيها عفريت .. وسالنى بصوت اجش يبعد عن الاحترام واللياقة .. فيه ايه يا فندى؟ .. وقد شعرت بضيق من اسلوبه فاوعزت الى رقيب نوبتجى المكلف معى بالرد عليه وعرض العيوب .. حيث قال له ان منظر اللحمة لايسر وانه توجد بعض القاذورات على اللحمة .. فيجيب الرجل بكل بساطة وسهولة .. ابدا والله .. مافيش حاجة .. ويمسح تلك القاذورات بيده ويقربها من انفنا وهو يقول والله ما فيه حاجة .. دى كلها جلة”روث الجاموسة” يعنى شوية ميه وتبقى فل وبالهنا والشفا .. هذا جزء من كثير فى هذا المجال.

    اما نومهم فحدث ولاحرج .. يفرش مشمع الفرش ارضا وفوقه بطانية ويغطى جسده ببطانيتين ولايوجد شىء اسمه مخدة فعلية تطبيق البالطو الصوف الكاكى ويعمله كمخدة .. الصابون المسلم له يجعله يتهرش طوال الليل اذا جاذف واستحم به .. اما الناموس والذباب فهو الرفيق والصديق لهم .. نهارا ذباب وليلا تغير النوبتشية ليتسلمهم الناموس تاركا الذباب راحة حتى الصباح .. وللنزول اجازات عليهم السير على الاقل عدة كيلو مترات حتى يصلوا قريبا من بوابة المطار والتى يكون عندها الاتوبيس الذى ينقلهم الى ميدان روكسى بمصر الجديدة وهكذا فى العودة ساعتين ذهابا وساعتين عودة .. اما داخل القاهرة فمطاردة القط والفأر مع جنود الشرطة العسكرية ويلقون القبض عليهم امام الشعب وهو حزين على حال جيشه .. اما راتبه فهو لايغنى شيئا لانه اقل من ثلاثة جنيهات واغلبهم متزوج ويعول.

    اما التدريب العملى فكان فى زيل الاهتمامات وخاصة الرماية فنحن مثلا كطلاب فى الكليات العسكرية لم نتدرب على الرماية سوى للاسلحة الصغيرة اما الاسلحة المضادة للدبابات او الطائرات فلم نتدرب عليها اكتفاء بالنظر اليها والحصول على بعض المعلومات الاولية فقط .. هذا ايضا فى الوحدات فكانت تدريبات الرماية بالذخيرة الحية فى اقل حدود مما يؤثر على نتيجة الوحدة وعلى تقارير القائد وترقيته فيتم الاحتيال بكل الطرق الغيرشريفة والغير ممكنة لعلاج الاخطاء سواء بالتزوير فى نتائج الاختبارات او ابدال اصحاب العاهات بآخرين ليقوموا بأداء الرماية بدلا منهم وهكذا خاصة لانتشار مرضى العشى الليلى الذى يجعل الجندى لا يرى بوضوح اثناء الليل .. كله بيضحك على كله فتغرق البلاد مثلما حدث ويحدث دائما.

    كانت الصفة الغالبة فى العلاقة ظاهرها العنف والترفع ضد هؤلاء الجنود ولكن فى حقيقة الامر وجوهرها الداخلى ان كثير من القادة والضباط  كانوا يعطفون على هؤلاء الجنود نظرا للمستوى المتدنى لحالتهم الصحية والاجتماعية والثقافية فقد تكالبت ظروف اجتماعية وسياسية ضد هؤلاء فكل ضغط عليهم يأتى بخسائر اكثر وهم لايستطيعون الشكوى اوالتألم .. و مما زاد الامور تعقيدا هو تمسك تلك الطبقة الفقيرة بالدين وايمانهم الاعمى والمفرط فيما يقوله رجل الدين الغير مؤهلين جيدا فان  هؤلاء الرجال المنتسبين لرجال الدين ظلما وبهتانا لايعرفون شيئا عن علوم الدين الا القليل لانهم ببساطة لم يتخرجوا من الازهر وماله من فضل على العالم اجمع .. كان هذا هو حال هؤلاء الذين استسلموا لكل الوان القهر والظلم لهذا كنت الاحظ بعض الضباط  يشترون بعض الاغراض المفيدة لهم او الحلوى اوماشابه ذلك على نفقتهم الخاصة وليس تظاهراً وتفضلا ًولكنه شعور انسانى ورحمة داخلية مبعثها انهم اخوة لهؤلاء الجنود البسطاء وان ظروفهم قاسية قسوة شديدة وقد لفت نظرى هذا لأول مرة بان حضر قائد سريتى وهو النقيب مصطفى ابو بكر وكان رجلا فاضلا واشترى بعض الاشياء التى تهمهم من ورنيش احذية وامواس حلاقة وكولونيا وكان عددهم يزيد عن المائة جندى ولكن الرجل وهو يوزع هذا قال لهم ان هذا الترفيه اشتراه حضرات الضباط لكم وهو يشير الى ثلاثتنا وقد دُهشنا مما قال لانه لم ندفع مليما واحدا وهو الذى تحمل كل شىء ثم حملنا فضل هذا .. وقد تعلمت اول درس فى حياتى على يديه وسرت على منواله بالعطف على الجنود وبمشاركة ضباطى معى فى تحمل كل شىء لانهم جنودهم مثل ما هم جنودى .. وكان درسا قيما لم انساه فى حياتى.

     ونظرا لاننى من محافظة الشرقية وليس لى سكن خاص بالقاهرة بل كنت اقطن واعيش فى منطقة ثكنات العباسية فى شارع باب ثلاثه المواجه لكلية الشرطة والمجاور لمبنى وزارة الكهرباء حاليا .. كان هناك مايسمى “بميس المشاه” وهو المكان المخصص لطعام ونوم الضباط المغتربين من سلاح المشاه بالاجر ولكنه اجر رمزى يقل عن الخارج بحوالى خمسين بالمائة.

   كان عدداً من ضباط الكتيبة يتهافتون للتودد لى ليس حبا ولاخوفا ولكن بغرض مصلحة شخصية وهو ان اتولى النوبتجية مكانهم فى الادوار التى تحل على كل  منهم لدرجة اننى كنت احصل على نوبتجية يوم بعد يوم رغم انها بمعدل كل خمسة عشر يوما نوبتجية واحدة .. هم يريدون التمتع مع عائلاتهم واصدقائهم اما انا فجلوسى فى ميس المشاه مثل جلوسى بالوحدة الشيئان متشابهان لكن قيامى بالنوبتجية كخدمة اقدمها لزميل يسعده ان اقوم بها وهو متوددا لى .. وبعد انتهائها يصبح كأنه لايعرفنى.

     فى معسكر الكتيبة حجرة حبس للجنود المخالفين ولكن الشىء الغريب ان بحجرة الحبس بعض الجنود والذين حكم عليهم بمحكمة عسكرية وهؤلاء حسب القانون يلزمون السجن الحربى ولكن لظروف الكتيبة باليمن وامتلاء السجون الحربية فى مصر فى ذلك الوقت من مدنيين محكوم عليهم بمحاكم عسكرية ابقت القيادات بعض المحكوم عليهم بوحداتهم.

    كنت اثناء نوبتجيتى احاول التخفيف عنهم باخراجهم من غرفة الحبس آخر النهار وأتركهم يلعبوا ويمرحوا مع زملائهم الجنود وكان هذا مبعث سعادتهم وسرورهم وسرور زملائهم الجنود .. ولكن فى احدى المرات وبعد مغادرة جميع الضباط الوحدة جاءنى حارس البوابة ليخبرنى بوجود شخص مدنى يريد زيارة شقيقه وذكر اسمه ولدى معلومات عن هذا المسجون فقد كان يعمل مدرسا فى حياته المدنية ولكنه اخطأ فى قائده فى موقعه باليمن وقد كان هذا القائد متعنتا وعنيفا ولكن القانون قاسى فى  اثناء العمليات ولهذا حول هذا الجندى الى محمكة عسكرية .. فحكمت عليه بثلاثة اعوام ونصف العام سجنا .. وهكذا فمنذ عام ونصف وهو نزيل السجن  ولايستطيع مغادرته لزيارة اهله .. سمحت له بمقابلة شقيقه وكان هذا المسجون يكبرنى فى العمر بعدة اعوام كما كان يحترمنى هو وجميع المساجين بعكس علاقتهم بباقى ضباط النوبتجية .. بعد اللقاء ترك شقيقه وجاء مع حارسه يحدثنى حيث امرت الحارس بان يقف بعيدا حتى لايعرف ما يريد قوله مراعاة لسره الشخصى وقد اخبرنى وعيناه تجرى بهما الدموع ان شقيقه حضر ليخبره بان امه مريضة جدا وانها تريد رؤيته وهو يعرف انها ستودع الدنيا وهى لم تراه منذ اربع سنوات منذ سافرت الوحدة الى اليمن وهو يسألنى الايمكن ان يذهب لرؤيتها ويعود فى خلال ست ساعات .. نظرت اليه وانا اتذكر حكاية الكذب بين الجنود بان يأتى كل منهم يريد الحصول على اجازة فيخترع حكاية بان امه ماتت اومريضة وستموت وكان هذا واضحا للجميع وهكذا وضع هذا المسكين كضحية لكذب الاخرين .. ولكننى سألته ماذا تفعل لوكنت مكانى وامامك مثل هذا الوضع .. اجاب بكل صراحة لن اوافق على نزول هذا المسجون حتى لو كان شقيقى .. اعجبنى رده ولا اعتقد ان تصرفى جاء اعتباطا او شجاعة او قل انه تهور الشباب حيث صرحت له بالخروج وقد حضر حكمدار حرس السجن بدفتر اسماء المساجين لاوقع امام اسمه اننى تسلمته .. حسب القانون .. وقعت وطلبت منه ان يطمئن على امه وان يعرف ان عدم عودته بالنسبة لى محمكة عسكرية .. شكرنى وهو يهم خارجا مسرعا ويبتعد سائرا بصحبة اخيه وانا اشعر ان قلبى ينقبض واحاول النكوص عن وعدى .. وهكذا خرج المسجون بموافقتى وتوقيعى متحملا مسئولية ما سيحدث لى من عواقب.

     استمر هذا الحال عصراً وتعداه الى المغرب ثم بعد صلاة العشاء .. توجهت الى السجن لاتمم على المساجين حسب التعليمات وقد قارنت اعدادهم بعدد ما هو موجود بالدفتر فوجدت العدد مطابقا ونظرت الى كحمدار الحرس .. فاذا بنائب حكمدار السجن .. وهذا تقليد فى السجون ان اقدم مسجون يكون الحكمدار والذى يليه هو النائب.. والذى خرج هو الحكمدار .. فقال نائبه اطمئن يافندم عليوه جاى انشاء الله النهارده بس احنا عملنا حسابنا يمكن ضابط عظيم اللواء يحضر يتمم علشان كده طلبنا من زميلنا “واشار اليه” ان يحضر للبقاء فى الزنزانة حتى حضور عليوه والكل عارف كده والحرس والموضوع مترتب ومحدش يقدر يوشى بينا .. شكرتهم عائدا الى حجرتى لا اقدر على تناول الطعام وانا اشعر باننى مصاب بالحمى وقد تعدى عليوة الثمان ساعات وقد سقط فى يدى بانه لن يعود وان نصيبى من هذا العمل الانسانى المحكمة العسكرية فذهبت الى فراشى وتمددت وانا اهذى مما سيلحق بى بسبب انسانيتى سواء مع زملائى حيث اعمل بدلا منهم وهم يمرحون ويسعدون وانا بديلا لهم او مع هذا المسجون الذى اوقعنى حظى العاثر امامه.

     بعد منتصف الليل رن جرس التليفون والمتحدث الرائد(…..) ضابط عظيم اللواء طالب منى الذهاب الى مقره فى قيادة اللواء بدفتر المساجين حيث وصلتهم اخبارية بفرار عدد من مساجين الوحدات باللواء .. لم استطع ان اجيب وكل ماهو دار بذهنى انه تم القبض على عليوه او ان احد افراد الامن بالوحدة اوشى بنا الى مجموعة المخابرات وهذا هو عملهم .. المهم التجسس داخليا قبل التجسس على العدو .. ارتديت ملابسى وارسلت فى طلب سيارة بسائق للتوجه الى قيلادة اللواء وبعد ان حضرت السيارة اتصل هذا الضابط ليلغى ما طلبه منى حيث ان مساجين اللواء لم يهرب منهم احدا .

     عادت بعض الدماء القليلة الى وجهى واستطعت ان احصل على بعض الهواء وان اعيد اتزن نفسى واحاول ولكن بدون جدوى او افكر .. وها انا ممدا فى سريرى منتظر وكلها ساعات قلائل ويحضر القائد والضباط والكل يعرف ان هذا الضابط الصغير اودع السجن منتظر محكمه عسكرية للمساعدة فى تهريب مسجون نظير اموال اخذها منه ولن يقول احد انه عملها بدافع انسانى والا يكون ابله ومجنون ..  وانا فى غمار العراك النفسى الداخلى سمعت احدا يحدث الحارس امام غرفتى وقد حضر الحارس على استحياء خوفا  من ايقاظى ولكننى فى ضؤ الظلام استفسرت عما يريد فاخبرنى قائلا : اصل يافندم عليوه جه وكان عايز يدى تمام وصوله لحضرتك .. انتعشت امالى وعادت الدماء تتدفق فى شرايينى التى جفت منذ ساعات وامتلأ قفصى الصدرى بالهواء النقى وظهرت ابتسامات عديدة على وجههى وشعرت اننى الناصح المفكر ابو الشهامة والجدعنة .. طلبت منه ان يدخله .. دخل محييا ويقف امامى بشحمه ولحمه ولكن الهيأة غير الهيأة .. لقد ماتت امه بعد دقائق من وصوله ولكنه كلمها وكلمته وقبلته وقبل يديها ودعت له ولمن ساعد فى نزوله لها حتى يبرد قلبها قبل ان تفارق الدنيا وهو يقص على كل شىء وهو يقول كنت ابكى على امى ولكنى كنت بداخل نفسى ادعو لك ان ربنا يكون معاك .. لم احضر العزاء .. اردت العودة قبل موعدنا ولكن ظروف السيارة على طريق السويس تعطلت وحاول السائق اصلاحها فخشيت ان يحدث كمين من الشرطة العسكرية ويقبضون على ويضيع كل شىء واكون انا المتسبب لك فى مشاكل فغادرت السيارة الى الجبل باحثا عن مكان الكتيبة وانا جاهل به حيث لم اغادر هذا المكان منذ عودتنا من اليمن .. لقد ضللت الطريق الذى لا اعرفه اصلا واسأل فى كل وحدة تقابلنى لمدة اربع ساعات وانا هنا امامك اقبل يديك واشكرك على هذا الجميل الكبير .. واعيدها لو كنت مكانك ما فعلتها ولكنك اشجع منى .. طلبت منه ان يعود الى الزنزانة وطلبت من حكمدارالسجن تسجيله وشطبت توقيعى .. وعاد كل شىء الى وضعه ولكنها كانت تجربة انسانية مرة ومؤلمة وخطيرة.

    

 الزحف الى ســيناء

 

      منتصف شهر مايو 1967 وقد اعلنت حالة الطوارىء فى الجيش ورفعت درجات الاستعداد .. لم يكن هذا جديدا على وحدتنا حيث كان اللواء الذى اعمل به (اللواء116مشاه) دائما ما ترفع درجات استعداده حيث كان مرشحا للعمل بالجبهة السورية ضد اسرائيل .. كل مناوشات بين الفلسطينيين والاسرائليين على الجبهة السورية ترفع درجة استعداد هذا اللواء وبالتالى يهدىء الاسرائلييون من تهديدهم لسوريا .. كنا نعتقد جميعا ان هذه الطوارىء مثل سابقتها ولكن المختلف هذه المرة هو ان الطوارىء تمت على جميع وحدات القوات المسلحة على مستوى الجمهورية .. امرنا بالانتشار خارج المعسكرات فى التلال المحيطة بنا تحاشيا لغارات جوية اسرائيلية ومكثنا على هذا الحال اربعة ايام وجاء الامر الانذارى بالتوجه الى سيناء.

    تحركت الكتيبة الى المنطقة الشرقية وهى البديل السابق للجيشين الثانى والثالث حاليا ولانعرف كيف نتحرك .. نحن مع جنودنا محشورين فى سيارات نقل الجنود العادية ولم نكن مشاه ميكانيكى بل كان اللواء مشاه مترجل  لم نعطى فرصة لوداع الاهل وقد يكون امام الاقدم منا رتبة هذه الفرصة او الذين يقيمون بالقاهرة لأن كل ما اتيح هو عدة ساعات لكل فرد فى تلك الفترة ولم تكن تلك السويعات كافية للسفر الى بلدتنا الزقازيق والعودة فى نفس اليوم .. كما كان لرؤيتنا السابقة بانها زوبعة سوف تنتهى قريبا مثل ما تم من قبل .. لكن الصحف كانت تضخم الحدث وكذلك اجهزة الاعلام والاذاعة وخاصة اذاعة صوت العرب وبدا ان جميع الزعماء العرب يتصلون بالزعيم جمال عبدالناصر مؤيدين ومشجعين وبعضهم يعد بأنه سوف يرسل قوات والبعض الآخر يفكر فى هذا وحدث هرج ومرج اعلامى كبير حتى وصل الى الامم المتحدة ولكن الجيوش لاتأخذ اوامرها من تلك الاجهزة بل من قياداتها .. لكن المهمة التى كنا متجهين اليها غير معلومة ولانعرف لماذا نحن متجهين لسيناء والذى لم نكن نعرف عنها الا القليل .. ولم يسبق لى ولا صغار الضباط ان خدموا بها من قبل او زيارتها او استطلاع منطقتها للتعرف عليها رغم انها مسرح العمليات الرئيسى للقوات المسلحة .

   نستعد لعبور قناة السويس على كبارى انشأها سلاح المهندسين وكان هذا مساء بعد الغروب وكان الموجهين لنا كثيرين من القادة والشرطة العسكرية والمخابرات الحربية ونحن صاغرين لتلك الاوامر .. اوامر بان نقف بعد عدة كيلومترات وبعدها امر بالتحرك الى الجهة الفلانية ونحن نسير ضمن رتل من السيارات وجميعنا لايعرف  شيئا عن الوجة التى نحن بصددها ولانعرف ماذا سنفعل فى سيناء ..انها اوامر للتنفيذ .. تعطى للسائقين والذين يقودون السيارات بجهل مطبق حيث ان غالبيتهم لم يقود سيارة خارج الوحدة والبعض مستدعى من عمله حيث كان مجندا من عدة سنوات كسائق وترك الجيش وهو يعمل فى عمل آخر.

    اما المشكلة الاهم والتى كانت تخيف الجميع ان الطرق الى سيناء ضيقة وتكفى بالكاد لسيارتين متقابلتين من السيارات الصغيرة وغير قادرة على تحمل المعدات الثقيلة والتى كنا نشاهدها تتحرك معنا فى نفس الاتجاه .. قول من سيارات المشاه  وقول آخر من الدبابات المحملة على حاملات نقل الدبابات وهى ضخمة وقول آخر من المدافع الثقيلة كله يسرع فى اتجاه سيناء لأن كل وحدة محدد لها موعداً لوصولها الى موقعها متجاهلين الكثافة على الطريق او جهل السائقين بقيادة تلك المركبات وكان منظرا عاديا ان نشاهد اصطدام حاملة نقل المعدات الثقيلة بلوارى المشاه وانقلاب احد اللوارى على جانبى الطريق ويسرع رجال الشرطة العسكرية والاسعاف لانقاذ من يستطيعون انقاذه كان المنظر شبيه بمنطقة ضيقة تتحرك بها الجمال والماعز .. ومما شاهدته اثناء تلك الرحلة الغريبة على نظرى وحياتى العملية هى نقاط توزيع الوقود .. حيث توجد كميات ضخمة من الوقود مختلف الانواع حسب نوع المركبات ومعبأة فى عبوات الوقود سعة 20لتر .. يسأل مختص الوقود السائق عن نوع السيارة فيخبره كما حدث امامى”اللورى جاز 63″ وهو لورى يعمل بالبنزين وسعته200لتر .. فيسلمه عشرة عبوات مملؤة بالبنزين واللورى به اكثر من نصفه وقود فيعيد السائق باقى الوقود ولكن مسئول الوقود يخبره بان يعيد العبوات فارغة ولم يجد السائقون سوى افراغ تلك العبوات على الرمال .. اى والله على رمال سيناء.. الرحلة من الشاطىء الشرقى للقناة حتى منطقة الحسنة قرب مدينة العريش لاتزيد عن 250 كيلومتر ولكننا قطعناها فى عشرة ساعات والشمس ساقطة على رؤوس الجميع ودرجة حرارة مرتفعة والجميع محشورين فى تلك اللوارى التى تحمل الافراد والسلاح والذخيرة والخيام وادوات الحفر.

     وصلنا الى المكان المحدد لنا من قائدنا واعطى اوامره العنترية بسرعة الحفر .. وتسلسلت الاوامر حتى الى الضباط الاصاغر وبالتالى الى الجنود ووقفنا نشرف على عمليات الحفر لتجهيز الموقع الدفاعى الذى امرنا ان نعده لقواتنا .. استمرت تلك الاعمال حتى عم الظلام المنطقة وكنا لم ننتهى من اعداد الموقع وُطلب منا استمرار العمل على اضواء كشافات السيارات وهكذا استمر الحفر الى ما بعد العاشرة مساء و جاء الليل ببرودة الصحراء الشديدة ليلا.

   كل قائد وحدة صغيرة اعطى تمام بانتهاء تجهيز موقعه كما وزع الطعام على الجنود وهو تعيين قتال معد فى مطابخ متنقلة وعليك ان تستسيغه سواء اردت او لم ترد لان الجميع بذل جهداً وعرقاً والكل فى احتياج لطاقة لتعويض هذا المجهود المضنى ومقاومة البرودة الزاحفة الينا .. وزعت الخدمات ونام الجميع فى الصحراء حيث لانعرف اين نحن بالضبط  .. فانت تنفذ الاوامر وليس عليك السؤال او الاستفهام .. فقط نفذ الاوامر.

     جاء الصباح برطوبة الصحراء المتعبة للجهاز التنفسى والنوم الغير مريح ولم تكن هناك دورات مياه لقضاء الحاجة فالكل يفعل مثل الانسان البدائى .. وجاء القائد يشاهد ماتم انجازه ليلا وفوجىء ومن معه ان حفر المواقع جاء معاكسا لاتجاه احتمال تقدم العدو فبدلا من ان نعدها لتكون شرقا اعدت لتكون غربا بحيث نكون فى مواقعنا وظهورنا تواجه تقدم العدو .. ولهذا الغيت تلك المواقع لنعدلها بالاتجاه الصحيح وان نعكس اتجاه حفرنا السابق واختار القادة المواقع الجديدة واعطيت الاوامر لبدأ الحفر .. وماتم ليلاً فعلناه نهاراً تحت اشعة الشمس الساطعة من شهر مايو .. وقبل آخر ضؤ انتهينا من اعداد المواقع بالطريقة الصحيحة كما تنص عليها كتب التكتيك وفن القتال واعطيت المهام وهى ببساطة مقاومة العدو اذا هاجمنا .. الان نحن ننفذ ما سبق ان تعلمناه وما حدث مساء امس حدث هذا المساء من تناول طعام لانعرف ماهو ولكنه طعام على كل حال.

     صباح اليوم التالى جاءت التعليمات بالتحرك لمكان آخر لان الخطة قد تغيرت  واعدنا حشو سيارات النقل بالجنود والمعدات التى افرغناها منذ ثلاثة ايام وتحركت قوافل اللوارى نهارا الى اين؟ لانعلم .. حتى وصلنا الى مكان جديد .. قيل .. هذا هو موقعكم المختار .. اعدوا العدة لتجهيز موقع دفاعى .. الان ننفذ الامر وانتهينا منه فى ظهيرة اليوم التالى بين اعياء الجنود والضباط .. اسعدنا ان هذا هو موقعنا وبقينا يومان وجاءت تعليمات اخرى جديدة باحتلال منطقة ثالثة وما تم فى الموقعين الاولين تم فى هذا الموقع وقد تكسرت الكثير من ادوات الحفر وهى كواريك وازم وقام الجنود باصلاحها بنزع اعمدة الخيام الخشبية ووضعها مكان ما كسر من كثرة الاسستخدام.

   كل ما اعرفه واتذكره اننا بقينا على هذا الحال حتى قبل قيام الحرب بثلاثة ايام ويقول البعض اننا نقلنا مابين خمس الى ست اماكن وكل مرة يتم الحفر والتجهيز .. طلبنى قائد السرية وهو يخبرنى باننى وبعض الجنود سوف نتوجه الى قاعدة المليز الجوية حيث سيكون هناك لقاء مع احدى القيادات وعلينا ان نكون هناك قبل العاشرة صباح الغد .. قبل السادسة تجمع من وقع عليهم الاختيارللذهاب لمقابلة القائد الزائر للجبهة ولانعرف من هو .. وصلنا الى مكان القاعدة قبل العاشرة وانتظرنا وصول القائد الذى حضر بعد الثانية عشرة ظهرا .. وشاهدت عدداً كبيراً من القادة وكان الزائر المشير عبدالحكيم عامر ووزير الحربية حينئذ شمس بدران وقائد فرقتنا اللواء عبدالحليم عبدالعال وبعض القادة الذين لا اعرفهم من حداثة خدمتى او من عدم رؤيتى لهم فى اماكن وحداتنا  بالقاهرة حيث ان ظهورهم امام الجنود والضباط كان عزيز المنال.

    اسعدنا حضور سيادة المشير وهو شخصية رقيقة المستوى ومتواضع بمقارنته بقائد فرقتنا والذى كان اسمه يثير الهلع والخوف من جراء ما يوزعه من جزاءات قاسية على من تقع عينه عليه صدفة.

    كان اللقاء معنويا وهو ينصب على تلقين اسرائيل درسا لن تنساه ونحن الضباط نعرف مستوانا ولكنهم الاكابر يعرفون مالا نعرفه وكان التصفيق والتهليل هو سمة اللقاء .. وبعد هذا عُدنا ونحن نعلم اننا سوف نفعل الافاعيل بل ان البعض اقسم ان اسرائيل تستجدى من دول العالم ان تبعد مصر بجيشها الفتاك عنها وانها لن تهدد احداً بعد ذلك وقد نزلت علينا تلك الاخبار بسعادة لانهم شعروا بالعين الحمراء لمصر .. وتمادينا فى احلامنا واننا لمنتصرون وادخلت الغزوات الدينية  والاحاديث وآيات من القرآن الكريم فى الحوارات وجلسنا فى مواقعنا ننتظر العدو او هو ينتظر هجومنا عليه ولسان حال كل منا يشكر الله اننا لم نغير مواقعنا منذ ثلاثة ايام.

     قدم الى الوحدة جنود جدد لاستكمال النقص حيث كان العدد الموجود لايزيد عن 50% من القوة المفروضه لكل وحدة ولكن هؤلاء الجنود اتو بملابسهم المدنية ويغلب عليهم الجلباب او زى عمال المصانع وتسلموا ملابس عسكرية والغير مناسبة المقاس ولاحظت ايضا ان البعض تسلم حذاء ميرى الفردتين شمال او يمين والبعض تسلم الفردتين مقاسين مختلفين واللوارى التى احضرتهم كان بها بعض الصف ضباط “شاويش” كل تعاملهم معهم بالسباب والصياح والضرب بالقايش على اجسادهم والملاحظ ايضاً هو الفارق العمرى مع الجنود الموجودين لان اغلبهم يصل عمره الى مايزيد عن الثلاثين عاما بعدة اعوام .. البعض فى الاربعين او الخامسة والثلاثين واجسادهم مترهلة ولهم كروش ويصيبهم الاعياء من اقل مجهود كما انهم غير منضبطى السلوك فى تنفيذ الاوامر والتعليمات ولايتحدثون بالطريقة العسكرية المعتادة فى مثل تلك الجيوش .. فلا افندم ولاحضرتك .. اما يخاطبك بلقب بيه اوباشا او الافندى وكأن على رؤسهم الطير وحالتهم النفسية سيئة وهم تاركين اسرهم وابنائهم واذا سألته عن السلاح المسلم له فيخبرك بانه لايعرفه وانه شىء جديد عليه وهو يعرف كيفية استخدام البندقية القديمة “لى انفيلد والتى يستخدمها الجنود فى الحرب العالمية الاولى” والارقى استخدم البندقية النصف آلى التى شاركت فى حرب بورسعيد والعدوان الثلاثى واستخدمها الروس فى الحرب العالمية الثانية وكل تلك الانواع غير موجودة بالجيش فالمتوفر هو البندقية الالية “كلاشنكوف” وصدرت التعليمات بتدريبهم .. شعرت اننى خولى انفار لجمع الدودة او تطهير الترع وليس ضابطا فى الجيش المصرى من الحالة التى وصل اليها الجنود فالحفر كل فترة ولا اعرف هل ذهبنا لسيناء للحفر والبحث عن المعادن ام ذهبنا لقتال العدو بل كان عدد كبير من الجنود قد اصابت يداه تسلخات من كثرة ما قام بالحفر .. قمنا بالتدريب النظرى لانه غير مسموح بالرماية فى الموقع الدفاعى وهكذا اصبح عدد من الجنود المنضمين الينا عالة علينا فهم لايعرفون استخدام البندقية ولم يكن لديهم الاستعداد من الاصل للعمل اما موضوع الخدمات الليلية فكان النوم هو رفيقهم ولم يكن اى انسان يتخيل انك فى موقع عسكرى وفى حالة حرب والعدو جاثم امامنا بعدة امتار وجنود الخدمة يغطون فى نوم عميق .. وقام القادة بتوقيع الجزاءات عليهم محملين الضباط الاصاغر السبب فى الاهمال والتسيب بان جنودهم لايطيعون اوامرهم.

      اذا وجهت سؤلا الى اى جندى عن كيفية استخدام القاذف الصاروخى “رب جى” فلا احد يعرف سواء من جنودى النظاميين ولا من الاحتياط الذين ينظرون له كأنه شىء قادم من السماء .. حتى تجهيز القنابل اليدوية ووضع المتفجرات بها لايعلمون عنها شىء وكان على الضباط الاصاغر القيام بتلك المهام محملين انفسهم عملا فوق اعمالهم. 

 ولم يكن هذا قاصرا على وحدتى الصغيرة المكونة من ثلاثون جندى نصفهم من الإحتياط  بل فى جميع وحدات الكتيبة وهم جالسون القرفصاء مثل عمال التراحيل ضاربين بكل ما يصلنا من تعليمات عرض الحائط وقد اثر هذا سلبا على جنودنا النظاميين فهم يشاهدون هؤلاء بدون عمل سوى الحضور لاستلام الطعام والشكاوى والبلادة المصاحبة لكل تصرفاتهم وافعالهم فتتأثر معنوياتهم ويصابون بالاحباط .. وقد تذكرت ان هؤلاء من ابناء شعب مصر الذين يهتفون بالهتاف الشهير بالروح والدم  نفديك ياريس .. ويتغنون فى حب مصر ورئيسه وهم ساكنى الحركة كأنهم خشب مسندة.

 

 قتــال بدون خطــة

 

     اليوم هو الخامس من شهر يونيو عام 1967 وهو يوم لن ينساه المصريين ولكن الذى لن ينساه ليل نهار هم من كانوا فى الحرب وخاصة على الخطوط الامامية .. فصيلتى المشاة تحتل موقع دفاعى فى منطقة ابو عجيلة على الخطوط الامامية ويخترق هذا الموقع طريق العوجة الدولية والذى كان معروفا قبل قرار التقسيم عام 1948 ولهذا طلب منى قائد سريتى الحيطة والحذر لانه طريق مرصوف ويصل مابين مصر واسرائيل وقد يستغله اليهود فى التقدم وكان كل ما هو متوفر معى ثلاثون جنديا نصفهم لايعمل ولن يعمل .. انهم هالكى القوة والصحه النفسية حيث جاء جنودى يخبروننى بان هؤلاء الجنود هم من حضروا معركة عام 1956 وهم يعرفون ان اليهود سيضربون فى الاماكن التى لن نتوقعها واننا سوف ننسحب وسينصب لنا اليهود كمائن اثناء الانسحاب فيقتلون البعض منا ويأسرون البعض ويفر البعض ليلقى جزء منهم ربه من حرارة وعطش الصحراء كما حدث لهم قبل ذلك .. كل هذا قبل بداية الحرب بيومان او ثلاثة وقد اخبرت قائدى الذى حضر وعنفهم على هذا القول الانهزامى مهددا بانه سيطالب بمحاكمتهم عسكريا ويجب عليهم الايفتوا من عضد الجنود والا شملنا الهلاك جميعا.

      حوالى الساعة التاسعة من هذا اليوم الدامى الحزين لمصر شعبا وجيشا هجم الاسرائيليون على مواقعنا بغارات جوية يقول الاقدم رتبة عسكرية منا انها طائرات قديمة وعتيقة وقد تصدت وحدات الدفاع الجوى (مواسير) لأن الصواريخ لم نكن نعرفها بعد ولكن دون جدوى وكان هجومهم مرتبا حيث دمروا مخازن الذخيرة اولا ثم مستودعات الوقود والمياه والطعام ثم القيادات حيث وصلنا فى نهاية هذا اليوم ونحن لانعرف من اين يأتى القذف وماهو سبيلنا لتفاديه .. مساء اسقطت وحدات مظلات معادية على وحدات مدفعية الميدان و

حدثت خسائر بينهم وشاهدت بعض جنودهم قادمين لموقعى ليلا يطلبون اسلحة خفيفة وذخيرة حتى يقاوموا هجوم العدو حيث لاينفع المدفع الثقيل فى هذا وملابسهم ملطخة بالدماء.

  دفع قائد الكتيبة بعدد من الفصائل المشاه لمهاجمة قوات العدو ونحن متوقفين عن اطلاق النار حتى لانصيب قواتنا وحتى الصباح لم تعد تلك الفصائل وقد غمرنا حزن عميق بعد ان علمنا انهم لاقو حتفهم من حديث لجندى مصاب عاد صباح اليوم التالى ليخبر الكتيبة بما حدث لهم.

   العقيد مصطفى توفيق فهمى .. هذا هو اسم قائد كتيبتنا فى حرب الايام الستة .. كان رجلا عنيداً وصلباً ولا يعترف باوامر الانسحاب حيث انه اتجه لتلك الحرب لأخذ ثأئر شقيقيه اللذان استشهدا فى حرب 1948 ومعركة 1956 كما انه خريج نفس عام التقسيم 48 وشهد وعاصر هذه الحرب التى اثرت فى هذا الجيل والتى دفعتهم بعد ذلك الى القيام بثورة 1952 .. يتميز هذا القائد بالهيبة والوقار فهو قليل الكلام وضخم البنية وهو من ابناء الاسكندرية التى انجبت الكثير من عظماء مصر فى كل المحافل على مر العصور .. كان يعتبرها فرصة ذهبية اتت له فى هذا الموقع المتقدم وها نحن نوشك على نهاية اليوم التالى وهو رافضا الانسحاب بينما القوات من حولنا تعود مسرعة فى اتجاه الغرب .. اتجاه قناة السويس .. مساء حدثت اشتباكات مع الاسرائليون وقد اقتربوا منا كثيرا .. الان جنود امام جنود ودارت معارك معهم بالاسلحة الخفيفة وقد حدثت خسائر بشرية بينهم وكنا نسمع انينهم ونواحهم على قتلاهم ونحن لانراهم فالظلام حالك واثناء تلك الاشتباكات التى رفعت روحنا المعنوية جاءت طلقة رشاش اسرائيلى من النوع خارق حارق لتصيب كف يدى اليمنى .. لم اشعر الا ودماء ساخنة تخرج من كف يدى والم شديد واحضر احد جنودى رباط ميدان وربط هذا الجرح والذى احدث شقا طوليا بطول الكف من الرسغ حتى اصبع السبابة ولكن الالم كان شديدا حيث شاهدت اثره نهارا فكان مثل اى شىء محترق وعلى جانبى هذا الشق اللون الاسود الذى يماثل شواء اللحم المحترق.

   هذا هو اليوم الثالث قتال .. الموافق السابع من يونيو وقد قطعت وسائل التموين الغذائية فلم يعد هناك ماء ولاطعام واستبدل ذلك بالتعيين الجاف من بسكوت مخصص لذلك وعلب محفوظة بينما قادة السرايا بالكتيبة يحاولون اقناع القائد بان نلحق بباقى القوات الى خط الدفاع التانى “جلال وحلمى ” والذى يبعد عنا لجهة الخلف بحوالى ثلاثون كيلومتراً حيث اننا اصبحنا بمفردنا وانه لاجوار معنا وهاهو الامداد الغذائى قطع ..لا اعرف الى اى مدى وصلت تلك المحاولات ولكن كل معلوماتى اننا خسرنا عدد من الجنود والضباط وكان من بينهم الضابط “الملازم جلال انور البهنساوى” وهو نجل المستشار البهنساوى وكان لفقده اثر عميق فى حالتى النفسية وبعض الضباط نظرا لانه الدفعة التى تخرجت قبلنا بعام وليس هذا هو السبب الرئيسى بل ما كان يمتاز به هذا الضابط من خلق على اعلى مستوى .. واذا اردت ان تضع صورة مثالية للشاب المصرى فيكون هذا هو النموذج الذى نفخر ونحتذى به .. التدين والهدؤ والمعلومات العسكرية الكثيرة وتمكنه منها كما يتمتع برأى ثاقب فيما يعن لنا نحن الشباب من مشاكل وكان يلجأ اليه بعضنا فيعطيه من الاراء السديدة وكل هذا فى طى الكتمان فكان حافظا للسر ولايبوح به لاحد كما انه عف السان حتى فى الضحك والهزار والنكات اضف الى هذا صورته الجميلة وبنيان جسده الذى وهبه الله له.

    حوالى الساعة العاشرة صباحا ونحن فى انتظار قرار الانسحاب او الاستمرار فى موقعنا والجميع فى حالة من التوتر لما اصابنا من خسائر وما نحن نشاهده فى اليومين السابقين من انسحاب وحدات مدفعية ومدرعات ضخمة قادمة من داخل الحدود الاسرائيلية مع التدمير التى قامت به نيران سلاح المدفعية للمستعمرات الاسرائيلية تاركين هؤلاء الجنود الضعفاء بسلاح شخصى لا يغنى فى مثل معارك الصحراء امام الطائرات والدبابات شاهدت احد جنودى خارجا من موقعه الدفاعى حاملا بندقيته فى وضع الضرب موجه نحوى الماسورة وفى حالة من التوتر صارخا بى بصوت مرتفع طالبا منى الموافقة على انسحابه والاسيفرغ فى جسدى خزنة البندقية .. توقف كل تفكيرى للحظات وقد ادركت خطورة الموقف فلا يغنى ويفيد فى تلك الحالات ان اصرخ فيه واهدده بالعقاب فالجندى فاقد لاعصابه مثل العديد منا وانا بالطبع احدهم ونحن بشر يصيبنا ما يصيب الاخرين مع تفاوت فى درجات التحمل وحسن التصرف .. وقد هدانى الله ان اعالج الموقف بكل ثبات حيث دفعة من بندقيته ستكون فيها نهايتى ونحن فى حالة انسحاب ولاضابط ولا رابط فيها.. حدثته قائلا .. فيه ايه يادمنهورى؟ بنفس طريقته الهستيرية اجاب عايز امشى .. عايز انسحب سيبنى امشى ..مازلت واقفا فى مكانى وجنودى واجمين والجميع اصابهم الخوف من احداث اى تصرف يكون رد فعله القضاء على اكبر عدد فينا رغم ان غالبية تلك الجنود ضعاف فى الرماية ولكن فى مثل تلك الظروف فهم شجعان فى اصابة زملائهم!

حدثته .. عايز تنسحب يا دمنهورى؟ ..

صارخا:  ايوه ومش عايز احارب وينعل دين ابو الحرب والى بعتنا لها ..

قلت : طيب ما تنسحب يادمنهورى .. انت شايفنى ماسكك .. الناس حوالينا بتنسحب اعمل زيهم .. وقد اراح هذا الاقتراح او التصريح له بالانسحاب من نفسه المتوترة .. فقال ايوه كده .. انا ماشى .. ونظر الى زملائه

قائلا : فيه حد عايز ييجى معايا؟..

اجبته .. لك الحق فى الانسحاب ولكن ليس لك الحق فى ان تأخذ الاخرين معك .. فاهم كلامى .. كل واحد مسئول عن نفسه .. عندئذ

قال: حاضر يافندم ووضع سلاحه جانبا وهو مازال ممسكا به وبعض الجنود ينظرون لى بان نفعل شيئا معه ولكننى تجاهلت نظراتهم واستفساراتهم .. سار قليلا وهنا سألته

على فين يا دمنهورى؟ فاجاب ..

ايه رجعت فى كلامك؟..

اجبته لا طبعا لكنك لاتريد الحرب لهذا فاترك لنا سلاحك لنحارب به حتى لايفقد منك ويخصم عليك بمبلغ كبير.. وطلبت منه ان يسلمه لرقيب الفصيلة حتى يخلى زمته منه.. وافق سعيدا باننى خلصته من تلك العهدة الخطيرة وسلم السلاح الى رقيب الفصيلة .. فسار قليلا ولكننى ارسلت فى عقبيه اثنين من زملائه فقبضوا عليه واحضروه منهارا الى .. لم احاول التعدى عليه ولكننى جمعت كل جنودى طالبا منهم عدم اخبار احد بذلك لان فى هذا العمل الذى قام به الاعدام رميا بالرصاص وانه جندى ممتاز وافلتت اعصابه .. كما اخبرتهم باننا ننتظر اوامر الانسحاب ولايجب على اى فرد فيكم ان يعرض نفسه لهذا الخطر.. اننا مازلنا فى الجيش والهروب من المعركة عقابه الرمى بالرصاص .. انا اخاف عليكم لانكم جنودى .. ارجوكم الهدؤ .. بعد ان هدأ هذا الجندى طلبت احضاره وعانقته ..

قائلا : يخرب عقلك يا دمنهورى عايز تودى روحك فى داهيه .. استنى شويه ونمشى سوا مع بعض .. وقد بكى الجندى معتزرا طالبا منى ان احميه والا اخبر احدا.. فحضنته ثانية قائلا ولا يهمك كأن مافيش حاجه حصلت .. وهكذا استطعت بفضل الله ان اسيطر على هذا الانفعال كما استطعت ان احمى نفسى بالايقوم احد بفعل فعلته ولكنه بدلا من التهديد قد يطلق عليا الرصاص ..

   دقائق وحضر قائد السرية والذى تصادف ان شاهد هذا الموقف دون ان نراه وقد اخبرنى بانه كان يرثى لحالى خوفا من الاندفاع والتهور ويقول لى كنت اهمس: ياريتك يا اسامه تسيبه يروح بدل ما يضربك دفعة وتضيع فطيس .. لكن الحمد لله ثم خاطب الجنود قائلا اننا يا شباب ننتظر اوامر الانسحاب واعتقد عصر هذا اليوم سنترك موقعنا ولكن اوصيكم بالمحافظة على موقعكم وسلاحكم حتى اثناء الانسحاب نكون سويا ونحمى بعضنا بعضا .. كان لحديثه اثراً هاماً فهو قائدى وقائدهم وهو له معرفة قديمة بهم قبلى وكان معروفا عنه الهدؤ والحصافة فى عمله كما انه لم يذكر ما حدث من الدمنهورى ..

   انقذنا الله من انفسنا .. لم يمر على هذا الحادث حوالى ساعة الا وشاهدنا دبابة قادمة من جهة العدو وقد طلب القائد من المدفع المضاد للدبابات ان يدمرها وكنا نعرف سوء عمل تلك المدافع حيث لاتدريب ولا معرفة للجنود بارقام ضبط الزوايا والاتجاه لانها مكتوبة باللغة الانجليزية .. فاذا كانت زاوية التصويب 25 درجة يمين يحاول الجندى التأكد من هذا الرقم بأن يعد الشرط الافقية الموجودة على جهاز التصويب .. وهذا يماثل لو سألت احدا عن ساعته كم الان وهو لايعرف الفارق بين الرقم ثلاثة من الرقم سبعة فيقوم بعد الشرط بالساعة .. وفى هذه الاثناء يكون اتجاه الدبابة تغير او تكون قد شاهدته واطلقت عليه النيران .. ولكن لم يحدث هذا رغم ان بعض الجنود شاهدوا فانلة داخلية بيضاء تضعها الدبابة على هوائى جهاز الارسال الخاص بها .. وبسرعة البرق بين نداء البعض بانها قد تكون دبابتنا وليست دبابة العدو واراء اخرى بانها دبابة للعدو ولو كانت دبابتنا قد يكون العدو قام بخدعة فلتقصف .. بكل مساوىء الرماة استطاع المدفع من اول طلقة ان يدمر الدبابة بين فرح البعض وتوتر البعض ان تكون الدبابة لنا .. هرع البعض للدبابة لاحضار اسرى منها ان كان بها احد على قيد الحياة .. واتوا بعد خمسة عشرة دقيقة يحملون جثمان قائد الدبابة نقيب من الجيش المصرى حاملين معهم مذكراته وتحكى انه هاجم العدو بسبع دبابات واحدث خسائر بهم وفقد الدبابات الست بعد ان دمر بعض المستعمرات حيث كان يختبىء طول النهار ويهاجمهم ليلا خوفا من الطائرات .. كل هذا مدون بمذكراته ساعة بساعة وكانت نهايته على ايدى جيشه الذى حضر اليهم طالبا مساعدة من الطعام والوقود والذخيرة .. كان وحيدا فى دبابته لمدة يومين يعيش داخل الدبابة مختبئا داخل النباتات الصحراوية الطويلة الموجودة بالمنطقة .. كان استشهاد “النقيب عزالين” اكبر مآساة تعرضنا لها طوال الثلاثة الايام السابقة وغطى الحزن الجميع وقام بعض الضباط بالصلاة عليه ودفنه وكنت من بينهم ولاول مرة اشاهد جثمانا والدماء تلفه وقد تمزق من اثر القنبلة التى اصابته وهو الذى لم يذق الماء والطعام ليومين حسب مذكراته.

     جلسنا صامتين ولو حضر فى ذلك الوقت بعض الجنود اليهود لأسرونا جميعا بدون مقاومة حيث انهارت معنوياتنا الى ادنى درجة .. ارسل الى قائد السرية يخبرنى بأن اوامر الانسحاب وصلت وعلينا الانتقال لخط الدفاع الثانى وهو “جلال وحلمى” وانا لا اعرف من هو جلال ومن هو حلمى ولكن البعض قال سوف نسأل وكانك تسير فى ميدان التحرير وتسأل عن شارع القصر العينى .. انها صحراء سيناء الشاسعة الكبيرة التى بها من الجبال الضخمة والوديان الكثير.

    قفز الجنود باللوارى ولا اعرف لماذا وقفنا اصطفاف ننتظر لنسير قولا كأننا نسير فى موكب النصر بشارع النصر فى مدينة نصر والطائرات منتظر ان تأتى فى اى وقت .. سرنا قولا خلف قائد السرية وبعد حوالى نصف ساعة سمعنا انفجاراً ضخماً .. واسرعت اللوارى تجرى فى اى اتجاه ومازالت الانفجارات تتوالى وهنا شاهدت السائق ينحرف باللورى الى احد الاجناب وكنا فوق منطقة صخرية وبجوارنا منطقة اقل ارتفاعا بحوالى المتر.. انقلب اللورى بنا جميعا وخرج الجنود من تحته يجرون فى اى اتجاه وقد استطاع السائق ان يخرج بعد ان تحطم زجاج اللورى الامامى ووجدت نفسى مقلوبا داخل اللورى وساقاى لاعلى واريد ان اعرف اين انا .. حاولت الخروج ولكن يدا واحدة لم تساعدنى .. طلبت العون ولكن الجميع كانوا قد اسرعوا للحاق بقطارالنجاة تاركين المحطة فارغة .. اى لم يكن احداً قريبا منى والى اين هم يهربون وبهذه السرعة والدبابات الاسرائلية مازالت كامنة لنا وصوبت مدافعها ناحيتنا ولم نجد مرشدا او موجها لكى نتصرف .. مكثت على حالى هذا لاكثر من ساعة الى ان جاء بعض الجنود وسمعوا استغاثتى فساعدونى على الخروج وقد اصابتنى بعض شظايا الزجاج كما تقطع افرولى من اثارها وهم يجذبوننى الى الخارج بدون عناية كأنهم يسحبون جوالا وليس انسانا .. خرجت انظر حولى وانا جالس ارضا حتى استعيد وعى مما حدث متسائلاً .. هل هم جنود من الكتيبة؟ .. ووجدها الجنود الخمسة فرصة بوجود ضابط معهم فهو يعرف اكثر منهم وهذا فكرهم الذى عودناهم نحن القادة عليه.

     ساعدونى على الوقوف ولملمة نفسى المبعثرة وسالتهم من تكونون .. فاجاب احدهم احنا يافندم من فصيلة “ال م/ط” وهذا اختصار لفصيلة المدافع المضادة للطائرات .. كنت لا اعرفهم ولكن احدهم كان من فصيلتى وهو الجندى جلال فراج عسران والباقى يعرفوننى باننى ضابط بالكتيبة خاصة من كثرة ما توليت نوبتجيات بدلا من زملائى ابناء القاهرة قبل قيام الحرب.

   استفسرت منهم عما حدث وقد افادونى بان كمين الدبابات قصف لوارى الكتيبة وان عددا كبيرا اصيب وقتل ومن بينهم بعض الضباط وسالت عن قائدنا العقيد مصطفى فافادونى بانه مازال موجودا بالموقع لمقاتله اليهود بمفرده .. شعرت اننى فقدت ابى وكيف سأعود فهو الذى يعرف اين “جلال وحلمى” والذى قال عنه قائد السرية وان به قواتنا الضخمة والتى ستقوم بهجوم مضاد تدمر به اسرائيل .. لم نكن نعلم حجم الكارثة وهو ان قواتنا الجوية دمرت .. ان كل معلوماتنا ان جيشنا قوى وسيدمر اسرائيل وان كل المشاكل التى نواجهها هى موجودة فى كتيبتنا فقط اما باقى الوحدات فانها من اعظم القوات .. رضينا اننا الاضعف المهم ان يكون هناك الاقوى ويرد ما حدث لنا ويحمينا ونجد عنده المأوى والحماية.

   سرنا نحن السته ونحن لانعرف اين نسير وسألنى احدهم .. افندم : عارف فين خط الدفاع “جلال وحلمى”؟ واجبته نافيا وقد نظر الى احدهم وهو يتمتم بصوت منخفض “امال عامل ظابط ازاى” وقد نهره من بجواره وقد تجاهلت ذلك وكأننى لم اسمع وقد عاهدت نفسى منذ ثورة الدمنهورى ان اكون حليما هادئا حيث لاقانون ولاضابط ولارابط .. سرنا حتى اقترب الظلام وكنا قريبين من احد الجبال الشاهقة وعرفت بعد ذلك انه جبل لبنى ولم اكن قد سمعت عنه من قبل .. اقترح احدهم ان نستريح حيث سرنا اكثر من اربع ساعات وقد ارهقنا التعب ودرجة الحرارة وكنت مثلهم احتاج الى الراحة.

       استلقى كل شخص فى احد الاماكن وبعد عدة دقائق سمعنا صوت اقدام من ارتطام الاحذية بكميات الزلط الموجودة بالمنطقة .. حيث هتف احد جنودى .. انت يادفعة .. مين هناك؟ .. ولم نسمع اجابة ولكنها دقيقتين وشاهدنا ظلين لشخصين وهما يسألانا بصوت مرتفع  وبطريقة ابعد ما تكون عن اللياقة .. فين ياد انت وهو “خط جلال وحلمى”؟ واجاب احد الجنود بدون اكتراث على هذا السائل بنفس طريقته .. روح دور وانا عارف .. فاذا بهاذين الشخصين يضربونا جميعا بالشلاليت والسباب بالام والاب .. ضربونا نحن الستة ونحن مستلقين ارضا وقد افزعنا هذا وقال احدهم وهو يسبنا باقزع الالفاظ .. معاكم ظباط؟ .. فاجبوا خوفا ايوه .. اهه فى الظلام يشيرون جهتى  بعد ان حصلت على كام شلوت محترمين .. احدهم يخاطبنى .. رتبتك؟..فاخبرته “الملازم اسامه الصادق” وضحك الاثنان بسخرية وكاننى حشرة امامهم .. وسالنى احدهم .. تعرف فين خط الدفاع التانى يانطل والا انت غبى زى اللى معاك؟ .. سالته .. مين انت عشان تكلمنى بالطريقة دى؟ .. فمسكنى احدهم من كتفى وهو يهزنى بعنف .. بتسأل مين .. طيب .. سيادة العميد جلال قدامك وانا العميد حلمى .. اديت التحية بعد ما نلته من تحيتهم السابقة وقد اعتذرت باننى لا اعرف المكان فسارا سويا بعد ان تركونى وجنودى واحدهم يقول للاخر .. واحنا نعرف نحارب ومعانا شوية الحمير اللى شفناهم .. جيش زفت.

    لقد عرفنا الان الفارسين الذين اهاننا ونحن لم نقترف ذنبا يسمح لهم بمثل هذا ونحن فى ظروف صعبة .. هاهم الفارسان اصحاب خط الدفاع الذى نحن مطلوبين ان نتوجه له لا يعرفون الى اى مكان يذهبون وهما قائدى لوائين من قواتنا المسلحة وقد سمحت لهم الغطرسة العسكرية بان يعاملوننا بتلك الطريق المهينة فى ارض المعركة .. وقد علق احد الجنود بانه كان يعتقد انهم يهود ولكن زميله نبهه بان اليهود يتكلمون انجليزى وليس عربى وقد افاده بانه لو عرف بانهم مصريون لاطلق عليهم النيران من المسدس الذى كان معه .. حتى الجندى حرم دم اليهود عليه واباح دم المصرى.

      امضينا ليلتنا فى هذا المكان وقد اعيانا الظمأ حيث الان اقتربنا من اربعة وعشرين ساعة بدون مياه ولا نستطيع السير لاننا لا نعرف الطريق .. امضينا ليلة قاسية باردة رغم ان الليلتين السابقتين كانتا اشد ايلاما من المعارك والشهداء وتوتر اعصابنا من مناظر القوات التى تنسحب تاركة هؤلاء الجنود العجزة بهذا السلاح الهزيل .. قام بعض الجنود يجرون حول انفسهم اتقاء البرد الذى يشبه برودة الشتاء فى شهرى يناير وديسمبر.

    اضاءت الشمس الارض وبدا ضوئها يسرى وكنا ايقاظا من البرودة واصواتنا مبحوحة من شدته .. شاهدنا ما حولنا .. سرنا بدون هدى ويسألنى احدهم هل اعرف الطريق ولكننى انفى واقول ان مصر فى الغرب ولهذا نجعل الشمس حتى الظهيرة فى ظهورنا وبعد العصر امامنا .. ساروا وليس امامهم خيار غير ما قلت .. كان سيرنا بعيدا عن الطرق المعروفة حيث نشاهد من على بعد تحرك الدبابات والعربات المدرعة وتحليق الطائرات المعادية.

     لا اثر لمياه او قوات .. اننا ظمآى ونريد الشراب وشمس سيناء فى شهر يونيو قاتلة وضوئها الشديد ولا مكان نستر به اونختفى او نجد ظلا .. اقبل منتصف النهار وقد بلغ منا الاعياء اشده والعطش منع اصواتنا من الخروج .. ارتمى احد الجنود ارضا سواء تعبا اويأسا ونظر اليه زملائه فتبعوه وانا بالتالى .. رقدنا على الرمال الحارقة ووجهنا للسماء تفعل به الشمس والحرارة ما تريد .. عصراً سمعنا اصواتاً وهممة بعيدة خشينا ان يكون اليهود قادمين الينا فسوف يطلقون نيرانهم بدون سبب .. رقدنا فى اماكننا وقلوبنا تدق مثل اصوات انفجار قنابل المدافع ولايوجد عَرق يلطف من درجة الحرارة .. اقتربت الاصوات واستطعنا ان نميز انهم مثل حالنا .. فهم التى ارسلتهم حكومتهم ليلقوا حتفهم بدون قتال سواء من العدو او من الطبيعة اهمالاً وعطشا.

      كان عددهم كبيراً وقد اقتربوا منا وشاهدونا ونحن بالمثل شاهدناهم فانبطحوا ارضا للتعامل معنا ونحن بالاحرى اخافنا هذا التصرف وهذا يدل على انهم اعداء رغم اننا سمعنا بعض احاديثهم بالعربية ولكن اليهود يقلدون كل اللغات هذا ما اخبرونا به وتصرفهم هذا لايبشر بخير .. تحدث احدهم قائلاً : انتم عدو ولا صديق؟ .. وكان الجندى القريب منى ابن نكتة رغم ظروفنا الصعبة فاجاب: انا صديق وحبيب .. فسأله الجندى من الجانب الاخر .. ايه الدليل؟ .. فين الهدايا ؟ فاخبره الجندى قائلاً : انا جايبلكم هدية عظيمة ورفع خوزته فشاهدها الاخرون وهتفوا .. تاج عظيم ..”السلطانية”!! وقاموا فرحين ونحن الاخرين ورقصوا يدرون حول انفسهم قائلين “السلطانية .. تاج الجزيرة”

      كان كل منا يمنى نفسه بان الاخرين سيساعدونهم فى الارتواء بجرعة ماء ومعرفة الطريق ولكن تبين ان حالهم مثل حالنا .. عددهم وصل الى الاثنين والعشرون شخصا وهم جنود لاحدى ورش الجيش وليس لهم دراية بالحرب ولا بفنونها ولا حتى استخدام السلاح الشخصى .. انهم اجساد تتحرك .. تشجعنا وسرنا .. لم يكن يرافقهم ضباط ولكن كان المرافق لهم مساعد “صول” وبالطبع فهو اكبر منى عمراً وخبرة وقد يصل عمره الى ضعف عمرى وقد استأذن الرجل بأنه سيقود المجموعة بعد ان علم منى اننى لا اعرف الطريق لأنه يعتقد باننى اول مرة احضر الى سيناء ثم  ضحك قائلا : سيبها عليا انا عارفها خُرم خُرم .. اسعدنى هذا وزاد من سعادتى اننى ساجد احدا ارتكن عليه ويتولى مسئولياتنا .. سرنا خلفه نتبعه .. انه “المساعد عبد الراضى” انه شخصية تزيدك اعجابا .. فهو نحيف الجسد قصير القامة له شارب كثيف لايقل طول جناحيه عن خمسة عشر سنتيمتراً وقد تلون الجزء العلوى اسفل انفه بلون بنى نظراً لشراهته فى التدخين .. اما صوته فهو عشرة امثال حجمه ويستطيع اى انسان ان يسمعه من على مسافة بعيدة وكان كثير الحديث والقاء المعلومات والاخبار ويقص قصص عجيبة لم اسمع عنها لمغامرات قام بها ضد اليهود فى هذا المكان عام 54 وفى مكان آخر عم 56 وبهذا اشعر من معه انه بطل ابطال سيناء وانه لايقل عن روميل ومنتجمرى الافى شيئين .. يقف وهو يقول:

سامعينى يا بقر..

(جموع المنسحبين) سامعينك يافندم ..

ايه هما الحاجتين اللى باختلف فيهم عن روميل .. ده كان يابانى ومونتجمرى كان قائد امريكى وانا مصرى كمان دول كانوا  ظباط  كبار زى ما تقولوا كده مقدمين والا عقدا وانا لسه .. احد الجنود .. صول يافندم .. يتوقف عن السير والحديث وهو يؤنب العسكرى الحمار طالبا منه تنفيذ امر”تسعة استعد” (احد التمرينات الرياضية الصعبة التى نعاقب بها فى الجيش حين اقتراف خطأ ما) الجندى يتوسل له ان يرحمه لانه متعب ويسير منذ ثلاثة ايام ولكن الصول يزداد حنقا عليه وهو يقول له ..

يابجم .. عندكم كام صول فى داركم .. ينفى الجندى وجود مثل تلك الالقاب الرفيعة .. يوبخه وهو يجذبه من اذنه .. اسمها ايه؟..

يصحح الجندى “ح الصول” ينظر للجميع قائلا:اسمى ايه؟..

الجميع “ح الصول يافندم” يتنحنح ويعدل شاربه وهو يقول “مارش يا بقر”

كنت اضحك فى نفسى من تلك الشخصية التى مازالت تعيش فى مراكز التدريب بالقاهرة وليس فى ميدان قتال وانسحاب.

   اسدل الليل ظلامه وهنا استشارنى “ح الصول” او انه تذكر بأن بالقطيع الذى يقوده ضابط قال .. افندم .. احنا نريح هنا والصباح رباح .. ونظر الى الامام وهو يقول حضرتك فيه وادى هناك .. شايفه؟ .. اجيبه

اعتقد ولكننى غير متأكد منه .. نسير فى اتجاه الوادى وهناك نجد منطقة منخفضة تستطيع استيعاب عدة لوارى ولكن يكثر بها بعض النباتات المشابهه للغاب حول الترع والجسور.

 وادى الثـــعابين

      نحن فى مساء الثامن من يونيو ويعتبر اليوم الثانى لنا بدون طعام او مياه وقد وصلنا الى الوادى الذى اشار اليه المساعد عبدالراضى .. هبطنا اليه ولم نتبين ملامحه سوى من بعض الهيش والحشائش الطويلة التى تتواجد فى بعض الاماكن المنخفضة وقد حل بالجميع الاعياء من ارتفاع درجات الحرارة والشمس الساطعة شديدة الاضاءة ولعدم وجود الماء فقد شعر الجميع بان حناجرهم مغلقة واصبحوا قليلى الحديث واخيرا اثر عليهم المجهود الذى بُذل فى السير حوالى عشرة ساعات طوال النهار.

    ارتمينا ارضا فالاجساد متهالكة من فرط الارهاق وقد غشى الجميع نوم عميق لم ننتبه الى طول فترة النوم او الى برودة الطقس ليلاً مثل الليالى السابقة وكنت اتقلب احيانا وانا نائم  واشعر او اتخيل بان شىء ما يسير على يدى او قريبا من راسى لكن كل هذا لم يفزعنى او يبعد النوم عن عينى كما شاهدت البعض اثناء تقلبى وهم غارقين فى نومهم وكان للشخير نصيب من هذا الوضع السىء لتلك المجموعة من شباب مصر.

   استمعت واستمع الآخرون لاصوات وجلبة لمحركات واصوات جنازير دبابات وقد اعتقد احد الجنود انها لقواتنا ولكن آخرين منعوه من الخروج حتى لايرانا من هم بداخل تلك المركبات .. سكن الجميع بدون اى حركة وكل ماقام به قائدنا روميل المصرى بأن اقترب من حافة الوادى ونظر خارجا قليلاً وعاد مسرعاً مرتجفاً وهو يخبرنى بانهم اليهود ودباباتهم اللعينة وهم يفتشون فى المنطقة عن قواتنا مستخدمين كشافاتهم القوية وكنا نلاحظ ذلك بان خارج الوادى اضواء مبهرة .. استمر هذا حوالى نصف ساعة حتى ابتعدت تلك المعدات عن منطقتنا وعاد الينا الهدؤ والسكينة حيث تخوفنا جميعا بان تصل اى دبابة الى الوادى وتشاهدنا وتفتح نيرانها علينا فتقتلنا نحن الثمانية والعشرون نفسا.

      غلبنا النعاس ثانية وجثم على اجفاننا وعدنا الى نوم هادىء بعد ان انقذنا الله من تلك القوات المعادية .. انبلج ضؤ النهار وما زالت الرطوبة المرتفعة تحيط بنا وقد فعلت سحرها باجسادنا حيث رطبت وقللت تأثير حرارة النهار الجافة .. قام احد الجنود يتسكع ويتمطع وكنت اشاهده وانا نصف نائم واذا به يصرخ ويجرى وهو يصيح تعبان .. تعبان وكرد فعل هرعنا من اماكنا نجرى واذ الاحظ بان المنطقة تعج بعشرات الثعابين من احجام مختلفة بدءا من حجم القلم الرصاص حتى اطول من المتر كما يغلب عليها اللون الاسود بخلاف لون الثعابين فى سيناء .. لكن كل ما شاهدته وانا اعدو كاننى داخل مسابقة اختراق ضاحية هو ان الثعابين كثيرة وان البعض منا وهو يجرى تسقط منه ثعابين وخاصة الصغيرة وتفاجأ وانت تعدو بان امامك ثعبان او اكثر .. بعد ان تركنا هذا الوادى اللعين والذى قضينا به ليلة باحضان الثعابين جلسنا نلتقط انفاسنا ونشاهد على مرمى النظر اثنين من الثعابين الضخمة السوداء قادمة فى اتجاهنا باقصى سرعة وقد تنبه مستر روميل وهو يصرخ قائلا : ياولاد الابالسه كل واحد يفتش نفسه لازم فيه تعابين صغيرة وامهاتهم جايه ورانا .. وقد انشغل كل فرد فينا بان يفلى نفسه من الثعابين وليس من البراغيث .. وهتف احد الجنود وهويصرخ ويرمى حذائه بعيداً حيث وجد ان مجموعة من الثعابين”البيبى” الصغيرة قد استولت على تجويف الحذاء ونامت به ساكنة .. قذف الحذاء وافزع هذا الثعابين الصغيرة فخرجت من الحذاء تجرى .. كان المشهد محيراً ونحن جميعا فى حالة من الرعب حيث وقعنا ما بين فكى الثعابين اوان يأتى اليهود فى تلك الظروف ويحصدونا .. توقف الثعبانان الكبيران عن التقدم جهتنا ولكنهما رفعا نصف جسدهما الى اعلا وهنا صرخ عبد الراضى ينهار اسود “كوبرا سيناوية” ووقفنا جميعا لنعى ما يقول لكنه انشغل باستقبال امهات الثعابين لاطفالهما .. حيث اسرعت صغار الثعابين نحو الامين وقد التفت كل ام حول صغارها .. كيف عرفتهم؟ .. وكيف عرفوها؟ .. لاندرى .. لكن عبدالراضى اوضح لنا بأننا نزلنا بطريق الخطأ فى وادى الثعابين وان اى انسان لايستطيع ان يقترب من هذا الوادى لانه معقل ثعابين الكوبرا بسيناء وهى اخطر انواع الثعابين فى العالم ولايوجد مصل لها لان اللدغة منها قاتلة فى ظرف ثلاثة دقائق .. سمعنا ما قاله وقد وصلنا الى مرحلة احتباس الانفاس ولكن احد الجنود صرخ وهو يقفز تعبان .. تعبان .. ولكن المدهش انه لم يكن ثعبانا ولكنه كان سحلية واقتربت من يده وهو واضعها خلفه جالسا يستمع الى محاضرة السيد روميل.

    تعجبت مما سمعته ورايته وقد عادت بى الذاكرة لما كنت اشاهده او اشعر به وانا نائم من ان اشياء تسير بالقرب من اذنى او على اصابعى كما شعرت بان شيئا ما يدفعنى فى ظهرى وانا نائم مثل اصبع طفل وقد تبين كل هذا ونحن نتبادل الحديث اننا نمنا فوق فتحات جحور تلك الثعابين فلم تستطع الخروج والتى كانت بالخارج تبحث عن فرائصها لم تستطع الدخول .. ولكن الله سلم وقد علق احد الجنود على ذلك بان “حضرة الصول عبد الراضى” .. اسعده هذا التوقير وان الجندى سوف يمتدحه .. يكمل بانه خلع حذائه وقد اثرت رائحة الحذاء على الثعابين فحدث اغماء لهم جميعا وهذا الذى منعهم من اذيتنا .. وقد جرى الصول خلف الجندى ليخبره بانه منتظر مكتب .. يا ابن ….

      اعيانا الجرى من المنطقة التى بها هذا الكم من الثعابين وكل فرد فينا يفتش جسده خوفا بان يكون هناك ثعبانا او اكثر عالقا بملابسه بل ان بعض الجنود خلع ملابسه بالكامل يفتش بداخلها خوفا من يفاجأ باحد تلك الثعابين وخاصة الصغيرة منها التى كانت كثيرة بشكل لافت للنظر ..

        بعد عدة كيلومترات صاح احد الجنود قائلاً : لقد وجدت كنزاً واسرعنا جميعا جهته وهو ممسك بهذا الكنز .. انها بصلة صغيرة اكبر من الليمونة بقليل وتهافت الجميع عليها ولكن روميل اخذها منه وقسمها بالعدل على الثمانى والعشرون شخصا ولم تكفى حيث نال البعض قطعة من قشرة البصلة الخارجية وما تغنى بصلة جافة مع رجال يحتاجون الماء اولا ثم الطعام ثانيا.

     الكل يتوجه الى الله بالدعاء فى السر والعلن بان يهبنا بئر ماء او شخص من البدو نشاهده فيدلنا على الماء والطريق الصحيح لانسحابنا حيث تبين ان السيد روميل مُسطح المعلومات فهذا هو اليوم الثانى لقيادته ونحن نسير على غير هدى وكاد ان يهلكنا قتلا بسموم تلك المجموعة الراقدة من الثعابين .. مازلنا نسير وكلنا احباط بانه لليوم الثالث لا جدوى من سيرنا فلا نحن عثرنا على مياه تروى عطشنا ولانحن انضممنا الى وحداتنا التى وصلت التعليمات بالانضمام اليهم خاصة بعد لقاء امس الاول مع اصحاب الموقع وهما العميدين “جلال وحلمى” والذى فوجئنا بعد سيرنا بمسافة طويلة وقد اقترب موعد الظهر بوجود سيارة جيب مدمرة واسرعنا اليها حيث لاحظنا وجود ثلاثة من القتلى اثنين متدلين خارجها والثالث هو السائق قضى نحبة على عجلة القيادة وتعرفنا عليهما .. انهما العميدين جلال وحلمى الذين اشبعونا ركلا وصفعا وسبابا منذ ثلاثة ايام .. كان منظرا مؤلما ان تجد مصريين مقتولين بتلك الطريقة الوحشية من دانة دبابة اقتنصتهم بعد ان عثروا على سيارة جيب تقلهم الى مايبغون .. ترحمنا عليهم وحفرنا بايدينا حفرة لدفنهم وقرآة الفاتحة عليهم والصلاة على ارواحهم بدون وضؤ سوى قليل من التيمم .. اهلنا الرمال على الشهداء الثلاثة  وجمعنا بعض الصخور والاحجار المنتشرة هنا وهناك حتى نحمى اجسادهم الطاهرة من بنات آوى”الثعالب والذئاب والضباع” جلسنا نستريح من آثار المجهود وقد ازدادت نفوسنا عطشا وشعر البعض انهم هالكون فها هو اليوم الثالث بدون شربة ماء وما رأيناه فى الصباح من هجوم حجافل الثعابين وما ريناه الان من استشهاد ثلاثة من ابناء مصر وودعناهم الثرى وما ادراك ما يقتل ويبقى اكثر من يومين فى تلك الحرارة وعوامل التعفن والتحلل السريعة ورائحتها النفاذة الى انفاسنا اللاهثة ..

   رغبنا فى الاستراحة قليلا وقبل ان نجلس نفاجأ بطائرة هليكوبتر قادمة فى اتجاهنا بسرعة ونحن شبه عرايا فى تلك الارض المفتوحة فلا ساتر نختبىء اونحتمى خلفه ولاحفرة تقى الفرد منا ومازال منظر الثلاثة الذين دفنوا منذ قليل عالق فى اذهاننا وعقولنا وقلوبنا .. اسرع كل منا يجرى فى اى اتجاه على غير وعى والبعض ارتمى على الارض يهيل الرمال فوق راسه لعل وعسى ان تحميه تلك الحبات القليلة من الرمال من رصاصات الطائرة او صواريخها .. هاجمتنا الطائرة وهى على ارتفاع منخفض واحد الرماه بداخلها يطلق مدفعه الرشاش فتتطاير الرمال من حولنا ونسمع اصوات “سكترما” الطلقات التى تصطدم بالحصى والزلط وكلها تبعث الرعب فى اى شخص فينا فالروح عزيزة  .. دارت الطائرة دورتين حولنا وهى تفعل هذا ونحن نشاهد الرامى والطيار وهما يضحكان على منظر تلك الاغنام الهائمة على وجوهها بالصحراء وكل منا ينظر لهم بكل عيون حزينة دامعة بدون دموع من عدم وجود ماء بالجسم .. ايها البشر لاتقتلوننا نحن اضعف من ان نقتل .. اتركونا لحال سبيلنا وسوف نموت اليوم او غدا على اكثر تقدير هالكين بحكم الطبيعة القاسية والتى حرمتنا ثانى اهم شىء بعد التنفس الا وهو الماء .. ما زالت الطائرة تهاجمنا والبعض منا وقوفا بان تصطدمه بعجلاتها وهى طائرة بتلك السرعة فينقلب الجندى على الارض صارخا والدماء نازفة منه ثم تركتنا الطائرة لحال سبيلنا بدون ان يقتل احد الا من بعض الاصابات التى حدثت من اصطدام عجل الطائرة برؤوس بعض الجنود المساكين وهم ما زالوا ينزفون والدماء تغطى وجههم ومن المؤكد انهم كانوا يستطيعون قتلنا جميعا لو ارادوا .. شعرت  وكانهم يلعبون بنا مثل ما نشاهد فى الافلام من مطاردة المغامرين الاجانب للحيوانات فى سهول افريقيا .. نحن مثلهم ولكن تلك الحيوانات احسن منا حالا فقد تكون قد انتهت من وجبتها منذ قليل وارتوت من مياه الانهار او البرك ولكن نحن اصبحت الدماء لزجة فى اجسادنا ثقيلة لن تنزف اذا حدث جرح او اصابة.

      تركت الطائرة المنطقة بعد ان ارعبتنا واخافتنا واذلتنا زيادة على ما نحن عليه وقد استطاع روميل ان يجمع المشتتين بان ينادى عليهم بصوته الجهورى والذى وهبه الله له والجميع فينا لايستطيع ان يحادث جاره الاهمسا من الخوار والضعف والهلاك الذى يحدث قبل الوفاة.

      جاء الجنود كسالى خائفين وهو يحاول ان يشد من ازرهم ويقوى من عزيمتهم وانا مثله اشارك بقدر طاقتى وقد ضاعت الثقة به فهم كادوا ان يهلكوا مرتين .. سرنا ونحن نجرجر اقدامنا والسراب يفعل بينا فعله الاسود فنشاهد سطح مياه على بعد وتتصاعد منه الابخرة فنهرع اليه جريا وسيرا ودفعا ولكن لا نجد شيئا ونجد ان المسافة الفاصلة بيننا وبينه ما زالت كما هى .. جلسنا نستريح او كما قال احدنا يابخت من يموت منا اولا .. لانه سيجد من يدفنه ويوارى جسده التراب .. بعد جلسة قصيرة لم نستطع ان نكملها لصعوبة الجلوس على الرمال المشتعلة من درجة الحرارة وقد اصبحت الشمس عمودية فوق رؤسنا .. فاصبحنا محاصرين بين نارين ولا فكاك منها والى اين؟ ..

      قال احد الجنود .. انا شايف عربية هناك .. واشار بيده على جانب الطريق الذى كنا نخشاه ونبتعد عنه خوفا من كمائن الدبابات .. اسرع الجميع وانا اطلب منهم التروى حتى لانفاجأ بسيارة معادية تطلق نيرانها علينا ولكنهم كانوا فى شغل آخر عن تلك المخاوف التى فى عقلى وهو شربة ماء .. كنت اسمع صوت احذيتهم الثقيلة وهى تطرقع على الاسفلت حتى وصلوا الى اللورى واقتحموه وركبوا فوقه يبحثون عن اى شىء تصل اياديهم اليه .. انه لورى من لوارى الجيش المصرى الضخمة تحمل كميات كبيرة من صناديق القنابل اليدوية .. لم يجدوا شيئا ولكن احدهم قال ..”راديتير العربية” ولم يكمل حديثه.. فقد اسرع البعض بفتح طبة الردياتير وتناطحوا فيما بينهم وكنت اشاهد الرؤوس ترتطم بمقدمة اللورى معتقدا بأنهم سيصابون باصابات بليغة واخذ احدهم بخوذة قديمة كانت باللورى واندفعت مياه الردياتير الى الخوذة فملئها وهويهم بالشرب وهذا يريد وذالك يريد ووقعت الخوذة ارضا وانسكبت المياه على ارضية الاسفلت المشتعلة نارا بجانب ان باقى المياه مازالت تندفع من الفتحة الخاصة به .. اصبح الاسفلت ممتلئا بالمياه واندفعت الرؤس تشفط تلك المياه وترشفه وتبعتهم فيما يفعلون ولكننى بمجرد ان شربت رشفتين حتى كدت ان اتقايأ .. فرائحة المياه مثل الجاز كما ان لونها احمر من الصدأ اما درجة حرارتها فاقرب الى الغليان فالبخر كان يتصاعد من اثر نزولها على ارضية الطريق خاصة وقت الظهيرة وحرارة يونيو القاتلة.  

      كان من المؤكد والذى رايته ان المياه التى سقطت ابتلعها الجنود وكنت تستطيع ان تسمع رشفهم لتلك المياه من على مسافات بعيدة .. اما منظرنا فكان اقرب الى الحيوانات التى تدلى افواهها الى جدول مياه لتروى ظمأها .. وقفوا بعد ان شربوا وعبوا من الماء كل حسب ما استطاع من قوة فى ان يجاهد ويحصل على نصيب اكبر وآخرين اكتفوا بشربة ماء قليلة لعدم استطاعتهم المناطحة التى كانت تحدث بينهم وكنت اسمع ارتطام الرؤس بينهم .. كل ينظر الى الاخر .. خاصة سعداء الحظ منهم الذين حصلوا على جزء كبير وبعد دقائق بدا الكثير منهم يشعر بالآم ومغص ولا اعرف سببا وقد يكون سخونة المياه والبعض يقول انها مياه فاسدة تحتوى على زيوت وشحومات وسولار من ماكينة تلك السيارة وخاصة ان هذا النوع توضع به المياه لعدة شهور.

     واصلنا السير بعد ان اصيب البعض بالمغص والالم ونحن ننظر لهم آسفين وليس فى مقدورنا شيئا نفعله .. اثناء سيرنا الغير محدد الهدف حيث لانعرف الى اين ولكن اصبحنا مثل قوم موسى الذى كتب الله عليهم التوهان فى سيناء اربعين عاما عقابا من الله لهم .. نشاهد واديا منخفضا وبه بعض النباتات .. اصابتنا السعادة والبهجة .. فهذه خضرة .. وطالما توجد خضرة ستكون هناك مياه .. اسرعنا الخطى جميعا الى الوادى ولكننا لم نعثر على بغيتنا وهى المياه فتطفل البعض لاكل هذة النباتات والتى كانت تحيط بها الاشواك وقد اعتقد انها تين شوكى ولكن منظرها لايدل على ذلك فهى كبيرة الحجم وذات اشواك اطول .. لم يمنع الجميع ان يحاولوا ازالة الاشواك ثم تقشيرها بالسونكى حيث فاحت منها رائحة مثل الخيار او البطيخ فانتعشوا لهذا فيأكلون ولكنهم سرعان ما بصقوا ما تناولوه لقد كان نبات الحنضل شديد المرارة .. جلسنا نشاهد تلك النباتات ونحن نقول لبعضنا البعض ان الله غير راضى عنا .. حتى النباتات ضارة وذات مرارة .. لو ان الله راض عنا لكنا وجدنا الكثير من النباتات مثل البطيخ او القثاء وقد انعشت تلك الاسماء الجميع الذين رقدوا على ظهورهم مع تلك الاحلام حتى جن الليل وقد احترقت وجوهنا واصبحت جلودنا جافة والبعض ظهرت به تشققات واثار دماء بنية اللون متجمدة نظرا لكثافة الدماء لقلة المياه بالجسم .. اثناء تلك الفترة لم نتذكر الله سوى بالدعاء ولم يفكر احد منا بالصلاة والتضرع للخالق القادر على كل شىء.

       ودعتنا الشمس بحرارتها الملتهبة لتسلمنا الى نسيم الليل الرطب فى اوله .. شديد البرودة فى منتصفه .. كان الالم هو رفيقنا ليلاً اونهاراً .. بالنهار نطلب ان يجن الليل وبالليل نطلب ان ياتى النهار لنهرب من لسعات البرد القاسى وقد من الله على عباده بذلك فلولا برودة الليل لتقطعت جلودنا من الشمس القاتلة ولولا النهار ما انقذنا الله من البرودة القاتلة ايضا .. كان النوم اقرب الى نفوسنا كما اصاب البعض منا بعض حالات الهستيريا واللوثة الخفيفة فنسمع من يهزى او من يكلم زوجته وابنائه ومن يبكى وما لبكاء الرجل من صوت مُرعب لا استطيع ان اصفه رجل يشعر انه هالك وقد اقترب موعد نهايته وهو ينتظر الدقائق ليلقى حتفه اما عطشا واما على ايدى اعدائنا .. وهنا تراود الكثير منهم بان نسلم انفسنا اسرى لليهود حتى ننجى بانفسنا بدلا من هذا الهلاك المحقق وكنت انا من اشد الناس معارضة لهذا لما درسته من الازلال من العدو ومن هم اليهود الذين لايحترمون المواثيق كما ان الجنود الاحتياط هم الاخرين لهم تجربة مريرة فى حرب العدوان الثلاثى ويعرفون ما حدث لاخوانهم من زل بعد الاسر بل ان البعض قتل وهو يسلم نفسه لهم .. وقد تراجع الجنود عن تلك الفكرة الشيطانية وقد وصلنا الى قرار طوعى انه لا استسلام الا مجبرين وان الموت عطشا وجوعا هو اهون على النفس بان نذهب لعدونا حتى يتسلمنا ليفرغ فى اجسادنا الرصاص الغادر.

     جاء صباح اليوم الرابع انسحاباً وعطشاً وارهاقاً وقد تأثر الصول عبد الراضى بدنيا وصحيا فهو متقدم فى العمر وعلى هذا المجهود فلم تساعده قواه فاصبح قليل الحركة واختفى صوته وكان لابد من قيادة .. توليتها مجبراً واى قيادة هذه والتى بدون سلطة وبدون امكانيات .. واصلنا سيرنا نسير ساعة ونرقد تحت اشعة الشمس ساعتين وكل اصبح يطلب من الله ان تنتهى حياته فلا حياة بعد هذا العذاب .. ما زلنا نسير وشاهدنا بعيدا وبجوار الطريق غراب الماء”وهو عبارة عن ماسورة طويلة على شكل رقم (6) وبالمنتصف محبس وفى النهاية خرطوم يساعد على توزيع المياه والخط يستقبل المياه من مدينة الاسماعيلية مرسل الى القوات فى سيناء .. اسرعنا جميعا اليه وكلنا امل بان الله قد من علينا بشربة ماء هنية ولم يستطع عبدالراضى اللحاق بنا وطلبت منه السير على قدر امكانياته واننى سوف ارسل اليه بالمياه .. اقتربنا من غراب المياه وهناك شاهدنا ما لم يكن يخطر ببالنا .. عدد من الجنود المصريين قتلى حول منطقة الغراب والرائحة تزكم الانوف .. وقد انتفخت اجسادهم ورائحة التحلل تصاعدت منها ولكننا سمعنا صوت انات .. انه احد الجنود المصابين مازال حيا .. اسرعنا اليه نحاول ان نرفع من معنوياته وهو ينظر الينا مستغيثا “ميه .. ميه .. حاموت وعايز اشرب .. حد يبل ريقى بنقطة ميه” ننظر بعضنا الى بعض حتى ان احد الجنود بكى من توسل هذا المسكين الذى كان فى النزع الاخير وقد وعده البعض باننا سنبحث عن مياه وسوف نحضر له مايريده وقد علمنا منه ان الدبابات الاسرائلية هاجمتهم عندما وجدتهم فى اتجاه غراب المياة لغرض الشرب وهو يقول مع ان الغراب ليس به ماء لان المسئولين فى الجبهة الشرقية بالاسماعيلية منعوا المياه حتى لايستفيد بها العدو .. يضحك وهو فى النفس الاخير وهو يقول : يمكن القيادة عارفه ان المصريين مش بيشربوا الميه وان اليهود حيحتاسوا من غير ميتنا .. يعيد ندائه نقطة ميه .. نق ….  فارق الحياة بعد اصابتة لمدة ثلاثة ايام وهو جريح بدون ان يجد احدا ينقذه وقد ارسلنا الله  له لكى نقوم بدفن هؤلاء الجنود الذى تعدى عددهم الخمسون شخصا وقد ادمت اصابعنا من حفر مقابر لهم .. وكما قال احد الجنود لو ربنا انقذنا حنشتغل “حانوتيه”.

        اسدل الليل وجاء الظلام بوحشته وبرودته وها نحن قد اكملنا يومنا الرابع بدون شربة ماء الا من بعض جرعات مياه فاسده من راديتير اللورى وقد اصبحنا نعانى من الام الجروح الغير ناذفة وتهتك بعض جلود وجوهنا كما اصبح تفكيرنا فى اجازة ولا نستطيع ان نفكر فى شىء وجميعنا تلا الشهادة على نفسه متمنيا من الله ان يجد احدا يدفنه مثل ما دفنا البعض امس واليوم .. اتذكر بأننى كنت اجلس قريبا من الجنود وانظر اليهم بدهشة متسائلا : من يكونون هؤلاء القوم؟ .. ومن انا؟ .. وما هو اسمى؟ .. وماذا افعل فى هذا المكان؟ .. شعرت بأن برأسى سقف فى اعلى الرأس قد سقط مثل حالة الغيبوبة المفاجئة التى تصيب الانسان او حالات التيه اللحظية التى تصيب الصائمين فى شهر رمضان .. لكن حالتنا كانت تتعدى الاربع او الخمس ساعات حيث نجلس ساكنين بدون حركة والشمس مسلطة على رؤوسنا تلهبها ونغمض عيوننا لنريحها من الضؤ المبهر الناتج من انعكاس اشعة الشمس على الرمال الناعمة .. لا ننتبهه الا على صوت طائرة او صوت احد الجنود باكيا صارخا من الام يشعر بها ونحن مازلنا فى وضعنا ناظرين له بدون ان نقدم له اى مساعدة .. بل اننا سمعنا صرخة مؤلمة لأحد الجنود وهو يتلوى وكأن شيئا بظهره من حركاته .. اسرعنا اليه وهو يتلوى امامنا ولا نستطيع السؤال لعدم قدرتنا على الحديث وهو لا يستطيع شرح ما به ولكنه اشار الى ظهره .. اتجهنا الى ظهره ورفعنا السلاح الموضوع على ظهورنا بطريقة متقاطعة حتى لا نفقده او يضيع منا .. رفع احدنا قميص الافرول وكانت دهشتنا .. لقد شاهدت علامة حمراء منتفخة على ظهره وتبين انها من اكتساب كتلة الحديد بالبندقية الكلاشنكوف وبثها ثانية على ظهره فالتهبت كأن مكواه ساخنه سقطت على ظهره وكان السبب الرئيسى لما حدث له بخلاف الباقين ان فانلته الداخلية مقطوعة من القدم وبظهرة مساحة فى حجم الطبق لا تغطيها الفانلة .. اسرع البعض فى الحفر فى الرمال حتى وصلوا الى الطبقة الرطبة واحضروا رمال رطبة ووضعوها على ظهره كل هذا اسفل درجة الحرارة الملتهبة .. استمروا على هذا حوالى ربع ساعة .. كل عدة دقائق يحضرون رمال رطبة وتوضع على ظهره حتى شعر بالراحة وازالت بعض هذا الالتهاب الذى شاهدناه .

   قضينا ليلتنا بجوار هؤلاء الشهداء ليس حبا فيهم ولكن لعدم مقدرتنا ان نكمل المسير.. بعد منتصف الليل شاهدنا ضؤا لسيارة مسرعة  وسرعان ما سمعنا انفجاراً مكتوماً فاسرعنا نجرى فى اتجاه هذه السيارة الموجودة على الطريق .. كان منظروجوهنا يخيف اى شخص يرانا اما بالنسبة لنا فنحن نرى بعضنا يوميا ونرى الهلاك النامى لاجسادنا واشكالنا .. وصلنا الطريق الاسفلت وبيننا وبين السيارة مسافة لاتقل عن خمسمائة متر .. كان صوت الاحذية البيادة المزودة بحدوة حديد مثل حدوة الخيل يحدث صوتا شديدا اثناء سكون الليل .. لكن المشاهد للسيارة انها سيارة اسعاف اسرائيلية .. وقد انفجرت احدى عجلاتها واراد سائقها ان يغير العجلة فسمع بهذا الضجيج من البشر فخاف واسرع مبتعدا عنها لانه وحيداً .. هجم الجنود على السيارة فى الظلام واشاهد السيارة وانا قريبا منها تتأرجح واسمع اصواتاً وعراكاً بالداخل والظلام حالك وسباب من كل نوع واشاهد احد الجنود يقذف من داخلها للخارج بعد ان حصل على عدة لكمات ويتبعه آخر وآخرين يقتحمونها بالاضافة الى من بالداخل .. هرج ومرج واصوات عالية واصوات تكسير زجاجات وصراخ وما زالت السيارة تتأرجح يمينا ويسار بقوة من كثرة ما بها ومما يحدث بداخلها .. لم يتركوا شيئا الا وعبثوا به وانا اصرخ بهم “عربية اسعاف .. مافيهاش حاجة تنفع ويمكن تلاقوا حاجة تضر” ولكن الجميع معزورين  جاءت روائح الادوية والمطهرات واشياء لا اعرفها لان كل هذا فى الظلام ولكن المعاين لهذه الليلة ان احد الجنود صرخ وارتمى على ارضية الطريق وفارق الحياة واسرعنا حوله وكل يسأل الاخر عن السبب ولانعرف سوى انه شرب زجاجة اعتقد انها بها ماء اوعصير ولكن رائحة فمه تنبعث منه رائحة مبيد حشرى .. كان من يحدثنى قد غطى فمه ووجهه بشىء ما وقد علمت انه وجد علبة بها شىء مثل الزبادى فاكله وقد ظهر انه تناول كريما مضادا للحروق وقد شعر بعد ذلك بالم وتعب فى زوره من اثر تلك المادة واخرين كسروا انبولات الحقن وشربوها .. لكن النتيجة وفاة جندى فوراً..

     مازال الجنود فى سيارة الاسعاف وجلس البعض قريبا منها لأنهم لا يستطيعون المناطحة والحصول على بعض الجرعات التى يحصل عليها زملائهم .. اشاهد على مسافة ليست ببعيدة شىء يلمع ثم يختفى .. خشيت ان يكون ذئبا رغم اننى لم اشاهد ذئبا فى حياتى سوى فى حديقة الحيوان ولا استطيع التفريق بينه وبين الكلب .. اتجهت باحتراس الى هذا الشىء اللامع فى الظلام وجذبت اجزاء السلاح لأطلق على هذا الحيوان المفترس عدة طلقات لاحمى نفسى وباقى الجنود .. اقتربت اكثر ولكننى بدأت اتبين من يكون هذا الشىء .. انه الجندى الاسرائيلى سائق السيارة .. جندى صغير ونحيف ويرتدى نظارة قراءة ويرتجف باكيا وهو مختفى خلف بعض الصخور .. شاهدنى شاهر السلاح .. بكى فاردا ذراعيه جهتى محدثنى بالانجليزية ( pleese don’t shot me) من فضلك .. لا تطلق على النار .. اقتربت منه ونزلت على ركبى فشاهدت دموعه تتساقط من عينيه اسفل النظارة .. اخبرنى بأنه طالب بكلية الطب بجامعة دبلن بأيرلندا وُطلب منه كيهودى ان يأتى لتأديب العرب الهمج والفترة التى سيقضيها اسبوعا يعود بعدها الى بلدته بعد ان يحصل على بركة الحاخام … لا اتذكر الاسم الذى قاله .. شاهدت نفسى فى هذا الشاب .. انه فى مثل عمرى ونحيف مثلى ولا حول ولا قوة .. ماذا افعل .. لو شاهده الجنود لقتلوه فوراً سواءا عضا باسنانهم اوضرباً باحذيتهم .. طلبت منه السكينة حتى نغادر المكان .. اجزل لى الشكر وانه لن ينسى ما قمت به .. لقد كانت صحوة فى الضمير الذى بداخلى والذى لا يستطيع الانسان ان يتحكم به .. كانت مشابهة للصحوة التى تمت مع المسجون عليوة .. تتأثر بموقف فتتصرف بعكس ما هو مفروض .. قد يكون خطأ لكنه تم .. حصلت على سلاحه حتى لا يهاجمنا ونحن سائرون .. تركته وبعدها شاهدت الجنود مغادرين سيارة الاسعاف وحالتهم مزرية من الارهاق والوان الادوية التى سقطت عليهم .

 

 

 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech