Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

الناس والحرب - الحلقه الثانيه

اليـوم الخــامس

      جمعنا بعض الصخور ودفنا المتوفى بجوار الطريق واقبل ضؤ الفجر فوجدنا اننا قريبين من جبل لانعرف اسمه لكن المهم ان نتدارى فى ثناياه خوفا من هجمه اسرائيلية علينا.

   ظهر نور الصباح عن يوم جديد فى معاناتنا اليومية .. فهذا هو اليوم الخامس منذ انسحابنا وحرماننا من الماء والطعام كما انه اليوم السابع للارهاق المتواصل من عمليات الخامس من يونيو وصلنا الى داخل فتحة بجبل مجهول وكانت المرة الاولى التى اشاهده كما اننى لم اكن مزوداً بخريطة ومازلنا نسير وقد وصلت حالة المساعد عبد الراضى الصحية الى وضع سىء فقد امتنع عن الكلام وقلت مقدرته الحركية وتساوى معنا فى العطش الشديد الذى يدخل يومه الخامس بدون ان نجد حلا لتلك المشكلة كما كان للاحداث التى تمت امامه فى عربة الاسعاف اثر سىء عليه وهو الرجل الكبير فى السن والذى كان ينظر الينا كأبنائه او اخوته الصغار فكان عطوفا على الجميع ويريد مساعدتنا باحساس منه باننا اقل منه تحملاً وجلداً وخبرة.

       من احدى ثنايا الجبل دخلنا اليه وهذا ابعدنا عن انظار العدو البرى لكن الطائرات كانت كاشفة لكل شىء امامها وكنا نحمد الله اننا لانشاهدها كثيرا خاصة بعد موقعة امس الاول والتى هاجمتنا فيها الطائرات الهليكوبتر بدون ان تصيبنا .. وكان هجومها الغرض منه بث الرعب والخوف بيننا .. كان واضحا ان بعض الجنود مازالوا متأثرين مما حدث فجر هذا اليوم بالهجوم على سيارة الاسعاف الاسرائيلية .. لقد قضى احدهم نحبه ودفن بجوار الطريق بوضع بعض الصخور والاحجار فوق جثمانه فلا مقدرة على حفر مقبرة له .. ولكن الملاحظ ان اثنين او ثلاث مازالا يعانيان من اثر ذلك ولم يساعدهم احد او يمد لهم يد المساعدة حتى ولو بالكلام لان الجميع لايستطيعون تقديم هذا الدعم البسيط  فلقد بلغت الحلقوم الحناجر .. كنت اشاهد الجنود واتحسس بشرتى واقول فى نفسى ان الانسان هذا لقوى .. بل ان الله قوانا على تحمل تلك المصاعب حتى الان .. وعندما تذكرت شهر رمضان وما يعانيه الصائم من عطش لفترة لاتزيد عن اربعة عشرة ساعة ولحظة آذان المغرب يندفع الى الشراب ليروى ظمائه وبعدها يشعر انه ردت اليه روحه وحياته .. لهذا عذرت هؤلاء الجنود البسطاء الذين يعتقدون ان اى سائل او اى شىء يسيل ويشعرون انه يحدث رجا بداخل الزجاجة هو ماء اوشراب مفيد ولايفكرون فى حياتهم العادية ان هناك تشابه بين الماء مع ادوية شديدة وقاتلة ونحن ليس معنا خبرة ولا اى وسيلة تساعدنا على اكتشاف ذلك

      سقط ثلاثة جنود آخرين تباعا على الارض واحدهم فى النفس الاخير والاخران مازالا يشعران بالم شديد فى امعائهم .. وقفنا ننظر اليهم بدون مبالاة بل جلس بعضنا بجوارهم وهم يطلبون منا العون ويصرخون باصوات اقرب منها الى الهمس فلا قدرة على اخراج صوت كامل ونحن بجوارهم ايضا وكل ما اشاهده امامى عيون صغيرة متحجرة وشفاه ممزقة بدون دماء وذباب يدخل الانف والعين والفم دون ان يتحرك الرجل .. كانت حالة رهيبة قابلتنا من الاستسلام الكامل لاستقبال الموت لامحالة

     توالى وفاة الجنود الثلاثة وكنت راغبا فى معرفة اسباب هذه الوفاة ولكننى لا استطيع السؤال نظرا لما انا فيه من خوار فى القوى كما ان باقى الجنود اذا نظرت الى اى منهم فسوف تشعر انه على شفا الموت .. كل ما استطعت فعله هو الزحف الى مكان نوم الجندى ارضا وقد فارق الحياة ولم يعد احد منا مستعدا لدفنهم .. احد الجنود وجدت آثار لون احمر حول فمه واعتقد انه عثر على زجاجة ميكركروم فشربه وآخر شاهدت لون ازرق لامع لم اعرف ماهو ولكن المساعد عبد الراضى اخبرنى بانها مادة تسمى”جنتيانا” وهى شبيهة بالميكركروم والاخر لم اعرف سبب وفاته ويعتقد انه تناول زجاجة فيتامين او اى شىء من مثل تلك الانواع.

   ونحن جلوس هكذا متفرقين وعلى مسافات بعيدة نسبيا والبعض اخلد الى نوم متقطع لكن الكل اصابه اليأس والقنوط والاحباط بالاضافة الى عدم المقدرة على الحركة او التحدث حتى السمع قلت كفأته .. شاهدت احد الجنود يقف مترنحا كأنه سكير ويسير بصعوبة بالغة على غير هدى ممسكا بكعب زمزميته المصنوعة من البلاستيك ويدور على زمالائه طالبا منهم ان “يتبولوا” له بعضا من بولهم .. البعض لايجيب عليه او لايسمعه والبعض يستنكر هذا متعللين بانهم احوج الى بولهم بدلا من ان يحصل عليه ويستفيد منه والبعض يوضحون له بانه لابول عندهم فهم لايشربون ماء منذ عدة ايام .. كان منظراً فريداً وصلنا اليه نحن الجنود بعد هذا العناء الشديد من العطش وارتفاع درجة الحرارة حتى ان رائحة وملمس الافرولات التى نرتديها كانت محترقة كأن كواء قام بكيها الان .. الملمس جاف وكأنه به نشا ورائحته مع الشمس تعطيك الشعور بتلك الحرارة المرتفعة.

       تحدثت بصوت اقرب الى الهمس قائلاً : يجب علينا الاستمرار ووضعنا هذا فيه خطر علينا .. سنموت عطشاً .. ان خلف هذه الجبال مدينة الاسماعيلية وبها المياه والطعام .. فهيا نتحرك .. نظر الغالبية لى عندما سمعوا هذا الحديث وكنت لا اكذب ولكن كان هذا هو اعتقادى .. قال احدهم نريد التاكد بان خلف هذا الجبال مدينة الاسماعيلية وزرع وحياة وماء ..”ميه يا اما.. هىء هىء ..”وانخرط الجندى فى دور بكاء مؤلم .. قلت لنتأكد .. فليصعد احدنا الجبل ليرى ويشاهد .. لم يتحرك احد .. فاعدت رجائى .. لم يتحركوا ولكن تكلم بعضهم واحدهم يشير الى .. اطلع انت “بصيغة آمرة” .. ما انت الظابط بتاعنا .. روح وشوف وتعالى قلنا .. مش بتدى اوامر على طول .. كان القرار صعباً فاذا رفضت لن نحصل على اية معلومات وسيتكاسلوا وينامون فى تلك المنطقة حتى يلفظوا انفاسهم الاخيرة .. كنت لا اخشى من تهور اى جندى من الاعتداء على شخصى حيث الجميع خائر القوى .. اجبتهم سوف اصعد ولكن على شرط ان تقوموا بدفن زملائكم الثلاثة .. تشجعوا وهكذا سنعمل وسنتحرك ولكن الصول عبد الراضى سألنى وهو غير قادر على اكمال جملته .. ازاى حتطلع وايدك فيها الجرح الكبير ده .. انت لازم ايدك ورجلك يكونوا سلام .. تسلق الجبال عايز كده وانت مش معاك حبل ولاحاجه .. ده خطر عليك .. نظر اليه احد الجنود بضيق وهو يقول له .. خليك محضر خير .. ح الظابط حيروح ويشوف ايه فوق الجبل.

       وهكذا صدر الحكم على بالاجماع بان اتسلق الجبل لأعرف ما خلفه .. كان هناك شيئين اجهلهما .. الاول اننى كنت اعتقد بان الجبل مثل الحائط بمجرد ان اصل الى القمة فسوف اشاهد ما خلفه وهذا اعتقاد خاطىء ومخالف للواقع .. الثانى هو تقدير قمة ارتفاع الجبل .. فكنت انظر من اسفل واعتقد ان ارتفاعه ليس كبيراً وقد ثبت خطأ هذا التقدير.. وهكذا قررت صعود الجبل وخلفى نقطتين خطأ بالاضافة الى توقعى الاول من ان خلف هذا الجبل تقع مدينة الاسماعيلية .. تجمعت اخطاء ثلاث ضدى.

    لم يكن رافضا تلك المهمة لى سوى الصول عبدالراضى الذى شاهد ما الم بيدى من جرح غائر اثر على قدرتى فى الامساك باى شىء .. تخيرت اقل منطقة بها ارتفاعا وان تكون ذات ميول حتى تساعدنى على التسلق وبدأت تلك العملية وبعد ربع ساعة تقريبا نظرت الى الاسفل وقد دفعنى هذا الى التسلق اكثر حيث قطعت مسافة معقولة وخصوصا ان الجنود لم يشجعوننى ليس ضيقا منهم ولكن لسؤ حالتهم وعدم مقدرتهم على اخراج اى اصوات الا بصعوبة شديدة .. كل فترة زمنية اتوقف وانظر الى اسفل وقد شعرت اننى قطعت مسافة كبيرة لصغر احجام الجنود وفى نفس الوقت انظر لأعلى لأرى ما المسافة المتبقية حتى اصل لقمة هذا الجبل .. لم استطع بالطبع تحديد تلك القمة ولا اراها لاننى كنت ملتصقا بجانب الجبل وبالتالى ليس امامى اية مساحة رؤيا تساعدنى فى تحديد المسافة المتبقية خاصة ان قواى ضعفت وقوة الدفع الاولى تخلت عنى ولاتشجيع ولااقتراب من الهدف كما ان جرح يدى شعرت به كأن ما يشبه السكين يقطع فيه وهكذا دخلت دوامة صعبة للغاية فلا انا قادر على ان اكمل المهمة التى تسلقت من اجلها ولا انا قادر على ان اعود من حيث بدأت لأن الهبوط هو الاخر يحتاج مجهود واخيرا لايوجد احد يستطيع تقديم العون لى .. ولذا فكانت الاختيارات امامى صعبة للغاية والاهم من هذا وذاك هو ضآلة التفكير حيث العقل لم يسعفنى فى الحل الامثل والاجدى فى مثل تلك الظروف.

     التصقت بعض الوقت بصدر الجبل استعيد انفاسى وعافيتى وكل وزنى محمل على زراعى وقدماى ولكنهما بدئتا تهتزان تحت طول فترة التعلق هذه وخشيت ان اهوى من هذا الارتفاع وهذا معناه النهاية والهلاك .. فاستعنت بالله واكملت صعودى وها انا ساصل الى قمة الجبل وبدا الهواء يلفح يداى ثم وجهى حيث ان هذا الجرف بداخل الجبل شديد الحرارة نظراً لعدم وجود تيارات هوائية به كما انه مرتفع فى درجة الحرارة كل هذا جعل المنطقة اسفل التى بها الجنود مثل البوتقة المنصهرة رغم تعرضنا فى الايام الخمسة للانسحاب للحرارة المرتفعة الا ان وجودنا فى مناطق مفتوحة يشعرنا فى بعض الاحيان بنسمات هواء جافة وليست رطبة ولكنها احسن حال من داخل هذا الجبل.

       وصلت الى قمة الجبل والتى كنت انظر اليها من اسفل ولكننى لم اجدها قمة فكان على ان اتسلق عدة امتار اخرى حتى اصل الى الارتفاع الذى اشاهده امامى وكانت المساحة المضافة ارحم مما تسلقته حيث انها مائلة بدلا من المساحة السابقة التى كانت اقرب ما يكون للحائط المتعرج .. واصلت تسلقى ويعترينى شعور بالثقة واننى قد اقتربت من نهاية الطريق الصعب وامنى نفسى باننى سوف اشاهد الاسماعيلية اواشاهد الناس وارى المزروعات والخضرة فى كل مكان وقد تدافعت الاحلام فى ذهنى حيث سأطلب من اول شخص اشاهدة كمية من المياه واحضرها لهؤلاء المساكين وانزلها لهم بحبل حتى يرتوا ثم بعد هذا كميات من اشهى الطعام بل فكرت بان احضر لهم بطيخ ..آه على البطيخ الرطب ومابه من مياه وحلاوته ستنعشهم وسيفرحون بها ويشعرون ان هذا الضابط الصغير الذى لا يأبهون به انما هو قائد صغير وممتاز وما العيب فى اننى صغير السن كل انسان يبدأ صغيراً ثم مع مرور الايام يكبر وينمو ولكن القيادة عنصر هام والتاريخ القديم ملىء بمثل هؤلاء القادة العظام والذين كانوا فى مثل عمرى .. الملك العظيم توت عنخ آمون والقائد اليونانى الاسكندر الاكبر .. كلهم كانوا صغاراً ولكنهم بعد آلاف من السنيين مازالت كتب التاريخ تذكرهم وتذكر امجادهم .. فسوف انضم لهؤلاء !! .. مازلت اتسلق مثل السلحفاة .. تعاودنى مشاعرى الفياضة بالنجاح وانا فى تلك المشاعر هبت نسمة هواء شديدة فنظرت امامى حيث كنت اثناء تلك الافكار السعيدة والاحلام الهانئة انظر بين يدى وانا ابدل على تلك الصخور القاسية الملتهبة.

   نظرت امامى وانا فى هذا الوضع اجلس على اربع مثل الانعام او الحيوانات ذات الاربع  لأكحل عيناى بمدينة الاسماعيلية او اى قرية بجوارها ولكن هيهات ولا استطيع ان اصف بالتحديد المنطقة التى شاهدتها ورايتها بعد كل تلك الاحلام .. حتى من شدة ما شاهدته انكفأت على وجهى ارضا فوق الصخور المشتعلة بدون نيران والقاسية مثل قطع من الحديد الساخن وكل وجهى بين يدى وانا ابكى بدون صوت اودموع ومن اين احصل على تلك القطرات الدامعة ومن اين تأتينى القوة لأحدث صوتا .. لكننى بكيت داخل نفسى وبمشاعرى وبتشنجات عصبية كنت اشعر خلالها ان جسدى يهتز .. فردت ذراعى للأمام وساقى للخلف وكأننى انام على وسادة من ريش النعام وانا بهذا الوضع وقد استسلمت لقدرى المحتوم شاعراً اننى فعلت كل ما استطيع ولم ابخل على نفسى وحياتى ولم اركن وانام حتى يأتينى الانقاذ .. الان خمسة ايام بالتمام ولم يدخل اى شىء جوفنا ويقولون ان الانسان يستطيع تحمل تلك الفترة .. قد يكون لكن فى هذه الحرارة المرتفعة وهذا الخوف من العدو .. ان كل شىء حولنا ضدنا ونحن لانستطيع ان نفعل شيئا وكل ما معى من جنود مساكين وقدراتهم الصحية والعلمية بسيطة وقد جبلوا منذ نعومة اظفارهم على انهم مقودون وليسوا قادة ولذا فهم دائما فى انتظار الامر لتنفيذه ولايستطيعون الابتكار او التفكير فى اى مشكلة .. وهكذا اصبح كل من معى عاجز عن امدادى باى شىء ذا نفع فيما نقابله من مشاكل عويصة .. كما اننى جاهل بكل ما يتعلق بطبوغرافية تلك المنطقة ودروبها ومسالكها وقد اكون بالطريق الخطأ ولكننى اصبحت مثل جنودى الذين تعودوا ان يقادوا وانا بالاحرى اقاد من الطبيعة حيث اسير على خطاها مبتعداً عن العدو .. هذا هو كل اختيارى حسب مقدرتى وطاقتى العملية.

    اسمع اصوات من اسفل تسألنى عما اشاهد وارى .. واصواتا اخرى تستنكر فعلتى وبأننى وجدت المن والسلوى وتركتهم باسفل وقد غضب البعض مصححين بانهم كان عليهم ارسال شخص اخر وقد قال قائل منهم ماذا لو لم يعد الضابط .. كيف سنسير ونكمل مشوارنا وقد اجابه آخر باننا نفعل مثله ونصعد الجبل ولكن الصول عبدالراضى اعترض على ذلك وانه من الصعب فعل هذا وكان يعتقد بان الضابط هالك لامحالة ولكن الله سترها معه وليس كل مرة تسلم الجرة وقد خنع الجميع وهم الغير قادرين على استخراج اصواتهم من افواههم وحناجرهم.

    كنت اسمع كل هذا رغم صوتهم المنخفض حيث الهدؤ التام والذى تشاركنا فيه الطبيعة لاشعارنا بالحزن والالم ونحن ننتظر الموت بعد عذاب تلك الايام الخمسة وكأنه كتب علينا الانقابل الله الابعد ان نسدد للدنيا فاتورة اخطائنا رغم اننا جميعا صغاراً فى العمر ولم نصل الى مراحل البغى والظلم الذى يقوم به بنى آدم فى الحياة.

    وقفت من محنتى وانا احاول ان اعيد الاتزان الى عقلى الذى كنت اشعر بانه اجوف ولايستطيع تذكر بعض ما مر بى من مواقف اثناء حياتى بل وصل الامر انى فكرت فى عائلتى واخوتى اجدنى قد نسيت بعض اسمائهم .. ولهذا انتابتنى حالة من فقدان الثقة فيما افكر او اقترحه بانه سليم .. بل تاكدت اننى مخطىء وهذا اول دليل ان افكر بان خلف هذا الجبل الاسماعيلية .. فما الذى دفعنى لقول هذا وبناء خطتى عليه .. نظرت امامى فوجدت مساحة منبسطة من الارض وهى فى نفس مستوى الارض اسفل الجبل اى اننى لابد ان اهبط اليها اذا اردت ولكن تلك الارض كانت قاحلة وهى قليلة الرمال كثيرة الصخور وصخورها بين الاسود والاحمر وتمتد تلك المساحة الى مايزيد عن ثلاثة الى اربعة كيلومترات وتحيط بها الجبال من كل جانب ولايوجد بها شىء من الحياة فلا اشجار ولانخيل ولا انسان بالطبع .. تكسرت كل افكارى التى كنت افكر بها حتى استطيع الصعود لهذا المكان .

      كانت الهوة شديدة بين ما كنت احلم به وما شاهدته ورايته فلقد تحطم كل شىء ولم استطع ان افكر ما هو الحل .. تسمرت فى مكانى عدة دقائق حتى استطيع استيعاب الموقف ومازالت اسمع ندآت الجنود وكلها ندآت حزينة بائسة خارج اطار اللياقة والعلاقة العسكرية يغلب عليها طابع الالفاظ البذيئة والساخرة وغالبت روحى واجبتهم باننى اشاهد جبلا على مسافة عدة كيلومترات واحتمال خلف هذا الجبل يكون املنا فى العثور على مدينة الاسماعيلية او مشاهدة بوادر حياة تعيد الينا ما سلبته الطبيعة القاسية منا .. وقد وقع هذا الخبر عليهم بكل الم لم ينتج عنه اى شىء سوى السكون المطبق ثم سماع البعض يتألمون باصدار الاهات والتنهدات الحزينة القاسية .. وانا اشاهد هذا الموقف من اعلى قمة الجبل مائلا برأسى جهتهم واتابعهم وهم يتحركون باحجامهم الصغيرة لبعد المسافة بيننا واثناء ذلك جاء غراب ينعق قريبا منى وكان لسان حاله يخبرنى بانك وزملائك ستكونون طعاما لنا ولزملائى على مدار الايام القادمة ومعروف ماهو تأثير نعيق الغراب على الاخرين .. نظرت اليه وقد وصلتنى رسالته وكان رد فعلها صعب على جداً ولأول مرة فى حياتى فكرت فى الانتحار ووقفت على حافة الجبل وانا انظر الى اسفل واشاهد الجنود مترنحين مثل السكارى مابين جالس ومابين ممد ارضاً واصبحنا كمن حكم عليهم بالاعدام عطشا وجوعا وهم ينفذون هذا الحكم وماهى الا مسألة وقت وقد كان الوقت قد ازف واقبل وها نحن نفقد اربعة منهم فى حادث سيارة الاسعاف كما ان عبدالراضى على وشك ان يلفظ انفاسه واحتمال ان يلحق بهم ومعه نفرآخر من هؤلاء الجنود .. اذن سأكون انا الاخر من ضمنهم وانهى حياتى بنفسى وكما يقول المثل العربى “بيدى لابيد عمرو” .. اتممت كل اجراءاتى واستعدادتى بالقفز من هذا الارتفاع الشاهق واغمضت عينى وبدا جسمى يترنح ليس بدافع منى ولكن بدافع الضعف والهزال الذى اصاب الجميع وانا فى هذا الوضع الذى سيوصلنى بعد ثوانى الى الدار الاخرة وينهى الامى وعذابى واذا بى تراودنى فكرة .. لماذا الانتحار؟ ولماذا بعد كل هذا العذاب اموت كافراً واقابل ربى وانا عاص امره وماذا يحدث لى وانا سابح فى الهواء الى نهايتى المحتومة ان اردت ان اعود فى قرارى؟ لن يكون امامى اى خيار لأن هذا السقوط او الانتحار مثل طلقة القنبلة التى اذا خرجت لاتستطيع استعادتها وفكرت ايضا ماذا ساشعر به عند ارتطام جسدى بتلك الصخور الشديدة القوية والتى تشبه قطع من الحديد الساخن الملتهب بفعل درجات الحرارة المتساقطة عليها من اشعة شمس هذا الشهر شديد الحرارة .. تنبهت ولأبتعد بسرعة قبل ان يسبق السيف العزل .. عدت لاهثاً بعيداً عن حافة السقوط من فوق الجبل وجلست استجمع انفاسى المتلاحقة وقد بلغ الظمأ بى اشده ومازلت جالسا تفعل بى اشعة الشمس فعلها وحرارة الصخور الجالس فوقها لايستطيع انسان تحمله وماهو السبيل والحل لتفادى تلك الحرارة؟ هل ساظل طوال النهار واقفا حتى لا اجلس فوق تلك الصخور المشتعله .. كله مشتعل نهاراً بارد ليلاً وهكذا وضعنا القدر بين هذين الفكين .. نهارٌ ساطع الرؤيا شديد الحرارة وظلام ليلاً مع عدم الرؤيا بارد قاسى ومابينهما فاصل كبيرمن عدم وجود شربة مياه اوقطرة واحدة لليوم الخامس على التوالى .. تنبهت على نعيق الغراب ثانية وقد هداه الله الى ذلك حيث يشعر هذا الطائر بان هذا الجسد النحيل الذى يتحرك بصعوبة هو فريسته تلك الليلة .. لقد اندهشت وانا اشاهد جرح يدى فلقد جف واصبح مثل الحطب او التين الصلصال الجاف ولهذا أصبح خشن الملمس مثل الاشواك فى يد الانسان.

   اسرعت الخطى والعزم بالعودة ثانية الى رفاقى ولكن عند التنفيذ قابلتنى مشكلة كبيرة وهى كيف سأهبط؟ انها مهمة صعبة للغاية وتذكرت الحكمة الهندية والتى تقول”ان النمر كل يوم يأخذ ابنه ليعلمه الصيد وتسلق الاشجار وفى احدى المرات شعر النمر الصغير انه ليس فى حاجة لعون الاب وبعد ان صعد الى الشجرة ومعه الفريسة التى حصل عليها طلب من والده ان يتركه وقد ساله الأب .. اتستطيع ان تعتمد على نفسك؟ .. فقال الابن بكل ثقة اننى اعتمد على نفسى دائما وانا الذى دربت نفسى وانت لم تفعل لى شيئا .. فغضب النمر الأب من جحود ابنه قائلا له الم اعلمك اى شىء؟ .. ونفى الأبن ان الأب علمه اى شىء .. ضحك النمر الأب وهو يقول : اننى لم اعلمك كيفية النزول وساتركك لتلقى حتفك حيث لم تتعلم هذا وارجو ان اشاهدك وان تنزل من فوق الشجرة .. وهكذا اراد النمر الصغير ان ينزل فوجدها شديدة الصعوبة ونادى بصوت عال على والده ان يحضر ليساعده ولكن الأب رفض نداءه وبكى الصغير ولكن الأب ظل واقفاً ومعه باقى ابنائه وهم يشاهدون الاخ العاق ماذا سيفعل واخيراً نزل النمر الصغير ولكن كما يقول المثل على جدور رقبته حيث قتل من اثر سقوطه من فوق الشجرة .. وهكذا تعلم ابناء النمر ليس المهم فى الصعود الى الشجرة او التل لكن الاهم هو كيفية النزول ..

   دار كل هذا براسى الفارغ من عقله وذكائه وماذا افعل ليس لى اب ولا موجه سوى الله واذا نزلت بنفس طريقة الصعود فلن استطيع ان ارى موضع اقدامى وقد هدانى الله الى ان اهبط ووجهى للخارج وظهرى لبطن الجبل حتى استطيع ان اشاهد موضع اقدامى .. تحركت للتنفيذ وانا مازلت اشاهد الموقف المأساوى من هذا الارتفاع الشاهق والذى لا استطيع تحديد ارتفاعه ولكنه لايقل عن ارتفاع عمارة رمسيس اوبرج القاهرة وهذا مبعثه حجم الجنود المتنامى فى الصغر بالنسبة لاحجامهم الطبيعية .. قطعت مسافة لابأس بها وحادثتهم بصوت اجش كما هو متعارف بيننا منذ يومان .. البعض نظر الى بدون مبالاه والاخرين لم يكلفوا انفسهم النظر الى وتحركوا سائرين وانا معلق فى الهواء وامامى نصف ساعة على اقل تقدير حتى اصل الى الارض وقد افزعنى هذا طالبا منهم الانتظار وعدم تركى هكذا دون جدوى .. اصبح قاع الجبل فارغا الامن الثلاث جثث التى دفنت بوضع الصخور عليها لعدم امكانية الحفر فى تلك الصخور وعدم توفر ادوات حفر معهم .. هبطت الى الارض بعد صعوبة كبيرة وقد استمر هذا الهبوط حوالى الساعة على اقل تقدير .. نظرت حوالى فلم اجد سواى وبعض الغربان التى جاءت تحاول الوصول الى زملائنا المدفونين .. ووصلت اليهم وهى تتقاتل على تلك الوليمة وقد افزعنى كل هذا وخاصة عندما كنت انادى على الجنود واسمع صدى صوتى فى بطن الجبل واصبحت حرارته مثل حلة فوق النيران  بدرجة لاتطاق.

   تحركت لا الوى على شىء ولا اعرف الى اين اسير حيث شاهدت عدة دروب فى كل الاتجاهات وانا لا ادرى الى اى درب سلكوا ولكننى سرت فى اتجاه ما وبدون قصد وكل فتره ارفع صوتى على قدر استطاعتى واطلب منهم ان يخبرونى اين هم دون مجيب .. صعدت عدة صخور وكأن الطبيعة نحتتها فى هذا الجبل لتكون سلما كبيراً فسقطت من فرط الاعياء ومن الجروح التى بظهرى ويداى من اثر التسلق او الهبوط حيث أدت ندوب الصخور الى حفر جروح مابين المتوسطة والشديدة بجسدى ولم تكن تؤلم كثيراً ولم ينتج عنها نزيف لكن كل ما ظهر هو رشح دموى او لون احمر غير ظاهر فوق الجلد من اسفله فقط .. سقطت ارضاً على هذا السلم ناظراً بعينى الى اسفل هربا من شدة الضؤ ويالهول مارأيت .. كنت اعتقد انه سراب مثل الذى كنا نشاهده ولكنه كان حقيقة .. لقد شاهدت لمعانا فى داخل حفرة بصخرة وهذه الحفرة ضيقة لاتزيد قطرها عن حجم القطعة المعدنية العادية اى اقل قليلاً من قطر ساعة اليد .. لم اصدق نفسى ووضعت اصبعى بداخلها لأتأكد من انها مياه وقد تأكدت انها مياه ذات طعم جميل مثل باقى المياه .. لم اشعر الا وانا اصرخ باعلى صوتى .. لقيت ميه .. ميه .. اللى عايز يشرب .. ميه .. ميه .. ياعالم ميه .. الله اكبر ميه .. اللى سامعنى باقول ميه .. والله ميه ياعالم ميه .. الله اكبر .. الله اكبر .. وصمت فقد ضاع صوتى الذى يتردد صداه .. بعد قليل سمعت اصواتا كأنها لقافلة من الحمير او الخيل واصوات طرقعة ودربكة وشاهدت الجنود قادمين مسرعين وكانهم فى نهاية سباق الدورة الاوليمبية ويتدافعوا ناطحى الرؤس دافعى الاجساد وكل يريد ان يصل الى المياه حتى وصلوا الى وهم مرهقين لاهثين وقد فقدوا آخر قطرة من الماء كانت ستعينهم على حياتهم ..  دفعنى احدهم بعيداً وهو قابض على رقبتى وكاد ان يخنقنى متسائلا فين الميه؟ .. فين الميه يا ابن دين ….. فلقد شعروا اننى اهينهم او اسخر منهم او قد اكون شربت الماء بمفردى .. فلم يشاهد احداً الماء معتقدين انهم سيشاهدون بئرا ضخما من المياه .. تقدمت جهته دافعا اياه قائلاً : كلكم صف واحد لان كمية المياه بسيطة .. اما انت فستعرف كيف تسبنى بهذه الطريقة وقد اقتربنا من قيادة سلاح الحدود وسوف اسلمك لهم .. لم يكن هذا سوى نوع من الضغط والتخويف حتى يرتدع البعض ولكننى عزرتهم جميعا .. ترجانى الا افعل هذا طالبا منى ان آخذ حقى منه سبابا ولعنا .. ولكننى رفضت وقبلت اعتذاره ووقفوا صاغرين لاهثين مثل ما نشاهد فى بعض الاحيان الكلاب فى عز الحر فاتحة افواهها لاهثة ولسانها تدلى من فمها .. هكذا كنا بالاضافة الى ضمور عام فى الوجه وخاصة العيون التى اقتربت ان تقفل والذباب يفعل بها مايريد .. جلسوا خلف بعضهم البعض فى الصف واخبرتهم ان الكميه بسيطة وسنقسمها فيما بيننا.

     اصبحت المشكلة امامى مزدوجة .. اولا ضيق الفتحة التى سنستطيع الحصول على الماء منها وقطرها لايزيد عن البوصة .. والمشكلة الثانية هى قلة المياه المتواجدة بها بالنسبة لجموع الجنود والذى وصل عددهم بعد وفاة اربعة الى ما يقرب من الاربعة والعشرين فرداً .. اصطف الجميع سكونا واحتراما وليس خوفا بل وداعا للحياه وفقداً للامل فى النجاة فاصبحت اللا مبالاة هى الطابع الغالب مع قلة الطاقة فلا قوة تدفعهم لعمل شىء كما انعدم التفكير فى ايجاد حل لأى مشكلة تافهة حتى ابعاد الذباب عن وجوههم واعينهم اصبحت غير ذات بال.

     هدانى الله ” لأن تفكيرى كان مشلولا مثل الاخرين” الى ان استخدم منديلى القماش والفه مثل الحبل واسقطه فى الحفرة وانا ممسك بالطرف الاخر.. وحتى تلك اللحظة لم اتذوق الماء الا فى المرة الاولى لاختباره ليس شجاعة اوحبا فى جنودى ولكن لنفس ذات السبب وهو انه لا امل فى الحياة .. اول جندى وضعت المنديل فى فمه وهو يمتصه مثل الطفل .. واجذبه منه لأعيد الكرة ثانية مع آخر وهكذا .. كانت رشفات قليلة واعتقد ان كل عصرة منديل لاتزيد كمية المياه بها عن معلقة شربة من المياه ولكنها كانت ذات تأثير نفسى وعضوى عليهم حيث انتعشوا قليلاً وأصبح هناك امل قادم بالحياة وبدون الامل والاحلام تتحطم الامم امام اى ضغط او مشكلة ما .. فى منتصف تلك العملية شاهدت اشياءاً تتلوى وتتحرك بالمياه ولقد تبينتها .. انها ديدان ووقفت برهة ماذا افعل؟ وقد سالنى من عليه الدور بصوته الذى سمعته بصعوبة .. الميه خلصت؟ ولكننى اجبته بانها مازالت موجودة ولكن اشاهد بها بعض الديدان .. ابتسم بصعوبة وهو يقول لو فيها حنشان”ثعبان” حاشربها وهكذا اكملنا الدورة حتى بقيت واخذت حقى وقد اقتربت المياه من النفاذ وقد اعدت بعض جرعات للبعض خاصة الصول عبد الراضى الذى كان يعانى سكرات الموت وهو يطلب منا توفير المياه لمن هم على قيد الحياة اما هو فهو ذاهب للقاء ربه.

    انه شىء مؤلم على النفس ان يجلس الانسان بجوار زميل فى الضراء التى نحن بها واحدهم يعانى سكرات الموت ونحن جلوس حوله لانستطيع فعل اى شىء .. حتى الكلمة الطيبة لانستطيع التحدث بها حيث كان هذا هو حالنا .. بعد ساعات او باكر على أ قصى تقدير سنلقى الله وكان البعض يفزعه ان يموت ولا يجد احداً يدفنه وقد تلاحظ هذا فى الثلاثة الذين لقوا حتفهم أخيراً مما تناولوه من سيارة الاسعاف الاسرائيلية حيث دفنوا سطحيا وليس لهم حفر تقيهم شر الضوارى من الحيوانات المفترسة التى تخرج ليلاً لمثل تلك الحالات ومثل الطيور المفترسة من النسور الجبلى والغربان والحدايات.

       تعدى الوقت منتصف النهار وقد الهبت صخور الجبل اجسادنا جميعا وكنا مازلنا على هذا الممر الذى عثرنا على مياه به وعرفت بعد ذلك انها مياه متجمعة من سيل حدث فى بداية الشهر الماضى اى قبل رفع حالة الطوارىء فى الجيش المصرى .. وقد تجمعت فى تلك الصخور .. كانت توجد بتلك المنطقة جيوب فى جوف الجبل تسع الواحدة منها شخص او اكثر فتوجه البعض الى تلك الجيوب للراحة وهربا من شمس الصيف وحرارتها وقد حاولت ان اثنيهم عن هذا وهم يخبروننى انه لفترة وبعد ان يتحسن الجو سيخرجون منها لنكمل مشوارنا ولكنه ثبت بعد ذلك بانها آخر مرة يشاهدون الناس وقد حدث معهم مثل ما حدث مع اهل الكهف بان دخلوا تلك الكهوف ليقابلوا الله بعد عدة ساعات وقد رواهم الله بقطرات من الماء قبل ان يقابلوه ويصحبهم الى جنة الخلد.

      بعد هذا صعدت المرتفع الصخرى حتى نهايته وكنت وحيداً حيث تفرق الشمل هربا من شدة الحرارة التى تخرجها علينا الصخور .. استطعت النزول مستخدما مقعدتى وارجلى للمرة الثانية وانزل زحفا عليهما ووجهى للخارج حتى اتبين اين اضع قدمى مثل ما فعلته فى هبوطى قبل هذا من قمة الجبل .. وبعد جهد ووقت هبطت الى سطح الوادى الفاصل بين الجبلين والذى شاهدته منذ عدة ساعات واعطانى فكرة الانتحار لاول مرة فى حياتى .. تحركت سيراً عدة امتار وانا اشاهد هذا الوادى والذى اعتقد انه لامثيل له فى كوكب الارض من الصخور رصاصية اللون والقاتمة به .. ادور حول نفسى اتفحص المكان فلا اجد اثراً لحياة فى تلك المنطقة ولن يكون وكيف تكون حياة هنا فى تلك الصخور القاتمة .. اكثر من اربعة كيلومترات مربعة من الصخور السوداء والبنية والرصاصية اللون وقليل من الرمال.

      شاهدت شجيرة لا ترتفع عن سطح الاض باكثر من ثمانين سنتيمترا فاقتربت منها ولكنها كانت شجرة شوك وشعرت اننى اقف فى صينية من النحاس فوق لهب بتلك المساحة الضخمة حيث ارتفاع درجة الحرارة والضؤ الشديد فخلعت سترة افرولى ووضعتها فوق شجرة الشوك ونمت فى ظلها وقد تذكرت الجندى الذى كان يمر علينا مستعطفا ان نتبول له ليروى ظمأءه

واعتقدت ان تلك المياه صالحة للشرب ولكننى تذكرت ايضا الجندى الذى اخبرنى انه سيشرب مياه العين التى بها ديدان حتى لو كانت بها ثعابين .. لكن لا يوجد دافع للتبول وانا اعتقد اننا منذ اربعة ايام لم يكن عندى هذا الدافع وانا فى هذا الحوار البولى شعرت باننى لدى الدافع للتبول فاسرعت واحضرت كعب الزمزمية محاولا التبول .. اسعدنى نجاح التجربة ونزول البول ببطىء وقد كسى لونه الاحمرار او اللون البنى الغامق .. انهيت التبول وها انا مستعد لاحصل على جرعة ماء تزيد عن نصف الكوب  العادى .. قربت الكوب من فمى ولكننى شعرت برائحة نفاذة شديدة دفعتنى للقيىء ولكن لم يتم هذا القيىء .. اوكلت سبب ذلك الى ان البول مازال ساخنا ولو وضعته بجانبى فترة حتى يبرد سيكون حلو المذاق!!!!

    كانت الامال والاحلام تراودنى فى اليقظة والمنام بانى اسمع اصوات طرقعة بائع العرقسوس بصاجاته وهو ينادى على مشروبه الرائع المثلج “خمير ى متلج اشرب العرقسوس وطفى نار الصيف .. يا خمير يا عرقسوس” وكنت اتلفت يمينا ويساراً لابحث عنه فلقد سمعت هذا الصوت وعندما لا اجده اعتقد انه سيظهر من خلف احدى تلك الجبال او الصخور وقد لازمنى هذا الشعور والاحساس لقرابة اربعة ايام خلت واصبحت هاجسا شديدا يدور فى عقلى ولم استطع التخلص منه .. استلقيت على ظهرى لاستريح واحصل على قسط من النوم وقد حجبت سترة الافرول ضؤ الشمس عن وجهى ولكن حرارة الصخور تحت جسدى وخاصة ظهرى مؤلمة وخاصة ان جزءاً من اذرعى وظهرى عار سواء امام الحرارة او من الصخور الملتهبة والمتعرجة ولكن رغم هذا خلدت الى نوم عميق.

      لقد روانى الله واطفأ ظمأى وانا نائم .. فقلد حلمت اننى اقضى الصيف على بلاج راس البر وحولى الناس من مختلف الاعمار يلعبون ويلهون والجميع سعداء وامامى طبق بطيخ مثلج وفى نفس الوقت امسك بيدى زجاجة “كوكاكولا“ونسائم البحر ترطب وجهى وجسدى وانا جالس بالمايوه وكلى شباب وحيوية واتفرس وجوه واجساد الحسان امامى وهن رائحات غاديات والبعض ينظرن الى هذا الشاب الوسيم الذى تملؤه الحيوية والنشاط وبجوارى ترابيزة صغيرة وعليها راديو ترانزستور وعبدالوهاب يشدو باغنيته”الميه تروى العطشان وتطفى نار الحيران “وانا اتمايل زهوا وسعادة بتلك النعم التى وهبنا الله اياها وقد جاء احد الاصدقاء يمرح وهو يقلد اصوات الغربان التى اكرهها ويدفعنى بشىء مدبب فى بطنى واجنابى وانا اتألم من تلك النغزات واطلب منه الكف عن ذلك ولكنه تمادى وقد ازدادت تلك النغزات حتى وصلت الى وجهى فقمت من نومى مذعوراً لاشاهد مجموعة من الغربان فوق جسدى وحولى وكلها تنهش فى جسدى شملنى الرعب مما رايته وشاهدته واصابتنى حالة من الهستيريا وقد احدثت تلك الطيور بمنقارها بعض الثقوب فى يدى ووجهى وقد اصابنى الهلع ان اشاهد هذا المنظر واكثر من ثلاثين غرابا يغطوننى والبعض يهبط من السماء فى اتجاهى وقد تذكرت فيلم الطيور للمخرج العالمى الفريد هتشكوك والذى يصور طيوراً جارحة تهاجم الناس وتقتلها واردت ان اصرخ ولكن لايوجد صوت لدى فههمت واقفا فابتعدت بعضها والبعض ما زال واقفا على راسى اواكتافى العارية ودفعنى حب الحياة بالا اكون لقمة سائغة وانا مازلت اتنفس لأن اتناول بعض الاحجار واقذفهم بها وجسدى يرتعد خوفا والما لما اصابنى وامسكت بجاكت الافرول وارتديته بسرعة خوفا من عودتهم وانا فى تلك الاحوال اسمع صوت احد الجنود وهو يصرخ بالم مناديا امه “ياما الحجينى ياما حاموت ..ابنك عطيه بيفرفر وحيحصل ابوه .. آه ياما” كان الصوت مزعجا فهو صوت لرجل فى آخر لحظات حياته وهو منكفأ على وجهه والغربان تغطى ظهرة تنهش لحمه وهو لايستطيع ان يفعل شيئا فكل قوته خارت ولا امل امامه فاسرعت جهته واقذفه بكميات من الحصى فتصيبه بعضها والبعض منها تصيب الطيور فتبتعد حتى طردت كل الطيور عنه واشاهد رقبته وكلها ثقوب من اثر هجوم الغربان عليه بل تعداها الى اذنه وجوانب من وجهه .. كان مشهداً فظيعاً ان تلتهم تلك الطيور الجارحة انسانا ما زال حيا وهو لا يستطيع مجرد الدفاع عن نفسه .. اجلسته وظل ساكنا وهو يشاهد الغربان تحاول العودة للهجوم عليه وهو غير مبالى او انه لا يشعر بما يجرى حوله .. واصبحت معركتى هى مع الغربان وليس اليهود ولا الماء .. فى اثناء ذلك شاهدت احد الجنود واسمه “عامر”وقد اسرع الى كوب الزمزمية والتى كنت انتظر ان يبرد ونسيته فى لحظة عراكى مع الغربان وهو يهجم على الزمزمية وقبل ان الحق به كان قد افرغها فى جوفه دفعة واحدة ما بين حسرتى والمى وانا اطارده ببعض الصخور الصغيرة ولكنه ابتعد ثم عاد يسير الهوينا فاتحا فمه وهو لايستطيع الكلام ثم امسك ببعض الرمال واضعا بها فى فمه بغرض ازالة ما شربه من بول لم يستطع تحمله ولم يستطع ان يتقيئه وقد لصقت الرمال بداخل فمه ولم يستطع ان يقفله وكان للذباب نصيب فى الدخول الى فمه والعبث به ثم الى اذنه وانفه وهو يصرخ ويتألم ورغم انه سرق كنز حياتى الا اننى اشفقت عليه فهو مثلى يريد شربة ماء وانا كنت ساكون مثله لو شربتها ولكنى لم احزن لهذا فقد شعرت بانه انسان بائس.

   اقف انظر الى كل من عطيه وعامر وانا لا ادرى ماهو المتبقى لنا من دقائق سنقابل بعدها الله .. دعيت الله فى سرى وتذكرت اننا لم نصلى حتى الان وتذكرت انه يمكن التيمم ولهذا اشرت اليهم بالحضور فحضروا كسالى لانهم يعرفون انه لاجديد عندى .. فحالنا واضح ووصلنا الى التنافس فى سرقة البول وشربه .. جاؤا كسالى وقد اشرت اليهم بان نصلى لله وندعوه بان يقلل ما نحن عليه من الم وتفوهت بكلمات قصيرة متحشرجة قائلا: نطلب منه الرحمة وان ينهى حياتنا اذا كان اجلنا قد قرب او ان يمنحنا القوة ويكشف لنا عن الماء ويساعدنا فى محنتنا .. نظروا الى صامتين وهم يقولون فى انفسهم ليس هذا هو وقت الوعظ ولكننى تيممت وفعلوا مثلى وصلينا صلاة لانعرفها ولانعرف اين جهة القبلة ولكنها كانت صلاة ساكنة من داخل النفس وانا اطلب من الله الرحمة وان يدخلنا جنته ويرفع مقته وغضبه عنا وان يكون ما لاقيناه من عذاب حتى الان هو تكفير عما قد نكون قد اقترفناه من ذنوب فى تلك الاعوام القلية من اعمارنا .. جلست ارضا بعد صلاة لم اعرف عدد ركعاتها وانا جالس ناظراً امامى فاذا بى اشاهد شيئا ابيض يتحرك ويختفى من على مسافة بعيدة واعتقدت ساعتها ان المسافة لاتقل عن ثمانمائة متر حيث كان حجمه مثل حجم عود الكبريت والتى كانت تدرس لنا عن تحديد مسافة الاشخاص على الابعاد المختلفة .. لم اتحرك ولكننى دققت النظر رغم حالة الضعف التى المت باجسادنا ومنها النظر .. اعتقدت انه نوع من خداع النظر لما نحن فيه ومثله مثل حالات السراب التى كانت تحدث لنا باننا نشاهد بركة مياه على بُعد .. ثم بعد ان نسير لمسافات طويلة تحت اشعة الشمس نكتشف انه سراب .. نظرت الى الجنديين الذين كانا يبكيان بجوارى فقد قربت ساعتهم والغربان تقف امامنا ترمقنا منتظرة سقوط اى شخص لتهجم عليه وتتناول لحمه فى دقائق .. وبصوتى المتحشرج وباعلى ما عندى من صوت صرخت قائلا : .. “بدوى .. انا شايف بدوى ..” نظرا الى مندهشين من هذا القول الذى كان حلمنا منذ بداية الانسحاب وهم لى غير مصدقين معتقدين انه اضغاث احلام يقظة مثل التى تنتابهم .. وقفت وانا اشير “بدوىىىىى … بدوىىىىى” قاما ووقفا بجوارى ليشاهدوا ما اتحدث عنه وفى تلك اللحظة اختفى البدوى .. ارادا العودة جلوسا على الارض لعدم قدرتهم على الوقوف ولكن عامر شاهده .. صرخ .. الله .. بدوى وشاهدته يعدو مسرعا وقد اندهشت لتلك القوة الكامنة به واعتقدت ان هذا ناتج من كمية البول التى شربها وحرمنى منها .. تبعه الاخر وانا مازلت اقف اشاهد مايفعلون خوفا من ان ابذل مجهودا فوق طاقتى خاصة ان آلام مناقير الغربان مازالت تؤلمنى .. جاء من خلفى الثلاث جنود الاخرين الذين بدؤا معى تلك الرحلة ” جويلى / فراج / مصطفى ” وهم يستفسرون منى عن سبب هذا الصراخ وما هو الذى جعل كل من عطية وعامر يسرعان فى هذا الاتجاه فاخبرتهم بما رايناه وقد ارتفعت معنوياتهم خاصة انهم شاهدوا البدوى بملابسه البيضاء فاسرع الثالث فى اعقابهم وهو يوعدنى بانه سيحضر الماء الينا انشاء الله .. شعرت وشعر الجنديان الاخران باننا قد شربنا بعض الماء وقلت حدة العطش .. مازلنا نراقب البدوى والجنود وقد اصابنا الخوف ان يختبىء البدوى عندما يشاهد الجنود يهرعون اليه مسرعين فانها حالة حرب .. واخيرا شاهدنا الجنديان يقفان مع البدوى ولحق بهم الثالث وبعد وقت قصير سارا سويا عائدين الى الجهة التى كان البدوى يسير قادما من جهتها فى اول مشاهدة له ثم اختفى الاربعة وقد بدأ قرص الشمس فى النزول وكلهـــا  نصف ساعة ويحل الظلام ولانشاهد البدوى او الجنود الثلاثة وبقيت مع الجنديان الاخران وهما يسألانى هل سيعودون ام سيسيرون مع البدوى ولكننى طمأنتهم وفى الحقيقة كنت اريد ان اطمئن نفسى .. غابا اكثر من عشر دقائق عن انظارنا واعتقدت انهما اختفيا الى الابد فالفترة كانت طويلة وقاسية على قرار الحياة او الموت .. ظهر البدوى ثانية بدون الجنود الثلاثة واعتقدنا انه اما قتلهم او سلمهم الى الاسرائليين وتوترت نفوسنا واذداد المنا ولكنه كان واضحا ان صورة البدوى تزداد وضوحا وهذا يعنى انه يقترب منا ولايبعد عنا .. وقد تأكد هذا بعد ان قطع مسافة جعلتنا نستوضح حجمه وطريقة سيره ولكن الاهم انه كان ممسكا بحمار معه ونظر كل الى الاخر يستوضح ما سبب ان ياتى البدوى لنا ممسكا بحماره وقد تحدث الجندى مصطفى وهو من ابناء الاسكندرية قائلا ” يظهر يا افندم انه حيبعت معانا الحمار يورينى الطريق .. ضحك قليلا واكمل الراجل عرف اننا مش فاهمين السكة فلقى ان حماره احسن منا وعارف كل حاجه .. كويس على كل حال .. حمار .. حمار” وقد ابتسمت انا والجندى فراج لكن السؤال الذى كان يدور فى رأسى ماذا فعل مع كل من عطيه وعامر وجويلى .. لم افكر كثيرا حيث البدوى امامنا بعدة امتار والبسمة تعلو شفتيه وهو يرحب بنا وقام الجنديان يحتضنانه ثم اقبل الرجل جهتى وهو يقول حضرة الضابط .. اتفضل معايا وهو يصافحنى بحفاوة .. مددت يدى مصافحا وانا سعيداً باشاً معه فقال: اركب الحمار .. انا جايبه معايا لما “الدفعة”قالوا انك معاهم وتعبان شوية .. كان هذا هو اللقب الذى يطلقه البدو على الجنود فهم لايعرفون كلمة عسكرى او جندى .. ساعدنى على ركوب الحمار ولكن بعد دقائق قليلة شعرت بالم فى مقعدتى وفخذاى حيث عملية الهبوط مرتين من فوق الجبل فى هذا اليوم اسخنت بى جراح كثيرة.

     طلبت منهم مساعدتى فى النزول بينما اخذ احد الجنود الحمار وركبه مسرعا فى اتجاه زملائه الذين بدؤا يظهرون لنا وخاصة ان البدوى اخبرنا بان الدفعة يشربون من بئر المياه .. اذن لقد عثرنا على المياه وسنرتوى بعد خمسة ايام عطش وشمس حارقة وليل بارد مؤلم .. وليكن ما يكون وسنكون مستعدين للقاء الله بعد ذلك .. كنا نسير اليهم وانا اعد الخطوات كأنها اميال طويلة .

      نحن امام بئر المياه .. انه بئر عميق وله منزل مائل حتى يستطيع ان يصل اليه الانسان وليس بئرا عموديا مثل ما نعتقد نحن فى مصر .. خوذه قديمه لااعرف من اين عثروا عليها وهم يشربون ويمرحون ويغسلون وجوههم وراسهم واحدهم يضع الماء فوق ثيابه .. احضروا لى خوذة مملؤة ماء لاشرب منها .. كانت مياه باردة مثلجة وبها طعم مياه الابار التى تختلف عن مياه النيل لكنها مياه نقيه على كل حال .. ارتوينا جميعا شاكرين الرجل قبل ان نشكر الله وهو غافر لنا هذا الوزر وقد عم الظلام ولكن الرجل قال تعالوا معى الى الدار فوق الجبل حتى اقدم لكم الطعام ولكننى شكرته مكتفيين بهذا الاعجاز الذى تحقق .. لكنه نظر الينا قائلا: منذ كم يوما لم تتناولون طعاما فتحدث فراج وهويقول “يابوى من ستة ايام من غير وِكل وخمسة ايام من غير شرب” يتحدث فراج بلهجته الصعيدية ولكن الرجل قال لابد ان تأكلوا معانا اليوم وبكرة نشوف حل لكم .. ثم قال : نحن سنسير على طريق على جرف الجبل وهذا الجرف لايسع شخصين بل يسع شخص واحد فقط ولهذا كونوا حذرين لان اختلال توازن احدكم معناه السقوط من ارتفاع كبير .. ارجوكم ان تكونوا بالجانب الايسر للجبل .. تبعنا الرجل سائرين خلفه وامامنا مشكلة الصعود الجبل ليلا بطريق غير معلوم  لم نعهده من قبل كان شيئا خطيراً وعاودنا الرعب والخوف ثانية.

  

 ليلة بكل ايام عمــرنا

 

     استمر صعودنا لهذا الممر اللعين قرابة الساعة الاربعا انهكنا خلالها الالم والعرق والخوف .. كنا نشعر ونحن صاعدين بالهواء يلفحنا من الجهة اليمنى اما من الجهة اليسرى فمازالت حرارة الجبل تلسعنا بحرارتها التى اكتسبتها من اشعة الشمس وكان طبيعيا ان نستند بايدينا على جسم الجبل مائلين عليه وقد اكتشفنا بعد ذلك الجروح والشرط المدممة التى اصابتنا فى تلك الليلة.

      وقف الرجل وهو يقول : خلاص وصلنا ومافيش خوف من السقوط الحمد لله  كنت متخوفا عليكم من هذا الصعود ولكننى لا استطيع ترككم فى تلك المنطقة التى تملئها الذئاب والافاعى ليلاً .. انتم هنا فى امان خذوا راحتكم هنا وانا ساتغيب عليكم عشر دقائق واحضر لكم ما تيسر من الطعام واعزرونى اذا كان قليلا او رديئا لاننا مهاجرين من مكاننا بُعدا عن الحرب .. اختفى فى ظلام الليل الدامس ونحن سعداء بعض الوقت وخائفين اوقاتا اخرى ولكن الذى كان يؤنس وحدتنا اننا وصلنا الى منطقة بها بشر وبها بدو ولم يكن لنا خبرة فى التعامل معهم قبل ذلك .. اصابتنا حالة من الاسهال حيث اندفعت المياه فى اجسادنا تجرى من الفم حتى خرجت من الجهة الاخرى فالمعدة فارغة والامعاء خاوية .. استراحت اجسادنا اكثر فالمياه قد غسلت اى شائبة فى امعائنا خاصة هذا المسكين عامر الذى تناول البول فقد استطاع عند البئر ان ينظف اسنانه وفمه من البول ومن الرمال العالقة بفمه .. بعد قليل بدأت تظهر ُبقع دماء فى وجهى واجنابى وايضا الجندى عطية من آثار مناقير الغربان .. كنا اشبه بمرضى الحصبة ولكن الدم كان بديلا عن البقع الحمراء.

     ظهر ضؤ خافت من خلف الصخور التى كنا نجلس خلالها حيث اختار الرجل مكان تحيط به بعض الصخور ومن خلالها يمكن المرور .. نحن جلوس فى ظلمة الليل الحالك وقد تعودنا على هذا قرابة الاسبوع .. جاء حاملاً لمبة كيروسين صغيرة نسبيا” لمبة جاز نمره خمسة” معتذراً بان الضؤ الخافت افضل منعا لمشاهدة طائرات العدو التى تظل طوال الليل سابحة فى السماء ثم تركنا وعاد مسرعاً حاملا طبق المنيوم ولم اصدق انا ولا الجنود الخمسة ما شاهدناه .. طبق بيض مقلى بالزبد وخبز طازج مثل الخبز الفلاحى وساخن وقطعة جبن وعدد من حبات الطماطم والخيار الطازج .. نظر بعضنا الى بعض والرجل يضع امامنا كل هذا الطعام ثم اخرج من جيبه راديو صغير الحجم وفتحه بصوت منخفض لتنساب بعض اغانى حلوة رطبة واستأذن فى العودة لاحضار الشاى .. كنا فى اشد حالات الجوع وطبق الطعام شهى ورائحته التى تسيل لعاب الشبعان فما بال الجوعان وجميعنا ينظر الى الطعام فى شك وريبة .. فنحن لم نعتاد مثل هذا الترف واحدنا يتساءل .. هل هذا معقول ويجيب آخر موضحا .. انا خايف يا فندم يكون الراجل ده ناوى يسمنا .. انا فاكر كان بيقولوا لنا فى البلد ان امنا الغولة كانت عايزه تعمل كده فى الشاطر حسن .. نبهتهم الى ان تلك الخرافات لاداعى لها هنا ونحن جوعى خاصة بعد شرب الماء شعرنا بالمطلب الثالث بعد الهواء والماء .. فيكون الطعام .. واخبرتهم اننى ساتناول الطعام .. ستة من الايادى امتدت الى الطبق وكنا نسمع اصوات مضغ الخيار والطماطم بين الضحكات والانبساط الذى داعبنا بعد خمسة ايام اوبعد مالا يقل عن “مائة وعشرون ساعة” بدون ماء.

   جاء الرجل بعد ان التهمنا الطعام  وانهينا عليه بالكامل وهو ينظر الينا سعيداً معتزرا عن قله الطعام ونحن نشكره بكل مانستطيع من كلمات الثناء وحتى كتابة هذه السطور ادعو له بالعيش الهنيىء اذا كان على قيد الحياة وان يدخله الله جنته لما قام به معنا نحن الستة من مجهود لايمكن ان ينسى .. كان ممسكا ببراد شاى سوقى .. اى عبارة عن كوز من الصاج وحوله سلك مبروم  ليصبح مثل الكنكة واشعل بعض العفش الجبلى ووضع الشاى والسكر مع الماء وانتظر الى ان يتم سواء الشاى والذى بدأت رائحته فى الظهور والتى غزت انفاسنا برائحته ونحن مثل صاحب المكيفات والذى حُرم من هذا اكثر من ثمانية ايام منذ بداية الحرب فنحن الان فى يوم الثانى عشر من شهر يونيو.

    وزع علينا الشاى واخبرنا بقصة تنحى الرئيس عبدالناصر وحزنا كثيرا لهذا لانه معناه ان البلد هزمت ونحن لم نكن نعرف حتى الان اننا هزمنا ولكن القوات الموجودة بجوارنا هى التى اصابتها الهزيمة حيث كان شعورنا قوى بالنصر..اما ثقتنا بزعيمنا جمال عبدالناصر فلم تشوبها اى شائبة انه الزعيم العظيم وطوال تلك الرحلة الشاقة التى تكبدناها لم نتأثر او يقل شعورنا وثقتنا به كما ان البدو هم الاخرين كانوا يشعرون بانه الزعيم المخلص المحبب لهم جميعا لم يكن هناك اتحاد اشتراكى ليدفعهم او يدفعنا لهذا الشعور كما عرفنا بعد هذا بسنوات ان الاتحاد الاشتراكى هو الذى دفع بالجماهير لتفتعل تلك المظاهرة او التمثيلية واقولها بكل اخلاص وصراحة اننا كنا جنودا وبدوا نحُب هذا الرجل ومهما كان من اخطاء حدثت فقد كان مخلصا لمصر ونحن الذين عانينا من اثر تلك الهزيمة ولم يعانيها الشعب مثلنا رغم انه تكبد خسائر وحزن ولكنه لم يقتل ولم يصاب ولم يلعق جراحه وتدمى آدميته مثلنا ومثل بدو سيناء ولكن الناس تنسى وتريد من المحبوب ان يكون مكروها وقد اثبتت الايام انه رجل مخلص بعد ان شاهدنا ماذا فعل اللاحقون به بعد ان وارى الثرى واصبح بجوار ربه.

   اسعدنا كلام الرجل البدوى ان الزعيم عاد ليتقلد امور الدولة ثانية فهو القادر دون غيره على اصلاح ما افسده مساعدوه وحتى لو كان مشاركا فيما حدث باختياره لهؤلاء المفسدين الانهزاميين الذين اساؤا لمصر وجيشها…لقد عدد هذا البدوى مآثر الزعيم الذى كان يرعاهم فى تلك الصحراء القاتلة بمدهم بالمساعدات التموينية من ارز ودقيق وسكر وشاى وبن واطباء لعلاجهم وادوية وحفر آباروكل هذا بدون ان يتكلفوا اى مبالغ انه يعرف انهم من ابناء الوطن وانهم فقراء والصحراء قاسية عليهم فكان عونا لهم مثل ما كان عونا للفقراء المصريين ويحاول اسعادهم وحمايتهم من غول الاغنياء وقسوتهم.

   تركنا لنرتاح وقد احضر لنا بطانية من عنده لنتقى برد الليل .. اى والله فالرجل لم يكتفى بكل ما فعله معنا بل زاد عليها بتلك البطانية والتى ادفئتنا رغم عدم كفايتها ولكن المكان الذى اختاره وقانا برودة الايام والليالى السابقة ونمنا لاول مرة ونحن سعداء وقد ارتوينا وشبعنا وشربنا الشاى ونلنا غطاء يقينا من البرد والاهم اننا قريبين من بشر سيمدون يد العون والمساعدة لنا بعد ان ضنت تلك الايام والليالى السابقة برحمتها علينا بل زاد من طيبة وخلق هذا الرجل بان اخبرناه بقصة العدد الذى تخلف فى المنطقة التى حضرنا منها فاخبرنا انه سيطلب عون رجال القبيلة للبحث عنهم وانقاذ ما يمكن انقاذه.

    كانت ليلة بكل ليالى عمرنا السابقة واللاحقة فلم نتعرض قبل هذا لتلك المأساة ولا اعتقد اننا سنتعرض لمثل هذا الاختبار الانسانى المؤلم علينا جميعا..كنا فى حالة من الارهاق الجسدى الشديد فقد تفككت عظامنا وبعد ان شربنا الماء ونلنا طعامنا بدأنا نشعر بالام ما قاسيناه وخاصة نقرات منقاير الغربان حيث رشح الدماء انقلب الى نزف بعد ان سالت الدماء بفعل تناولنا مياه واصبحت دمائنا عادية وليست لزجة مثل سابق عهدنا وكل هذا لم يطغى على ما نحن فيه من فرحة وبهجة بعد ان كدنا ان نهلك من الظروف الصعبة .. داعب النوم جفوننا ونمنا حتى ايقظتنا اشعة شمس اليوم التالى ولكنه صباح غير سابق عهده صباح لأحياء وليس لأشباه اموات نتحدث ونتكلم وبدات عيوننا تتفتح بعد ان اصبحت ضيقة وغير ظاهرة كامنة بالداخل كما ان بروز عظامنا قل نسبيا وشفاهنا بدات فى الالتئام من كثرة ما اصابها من تشققات اما وجوهنا فهى لازالت محترقة من اشعة الشمس كما اننا نستطيع ان نقف ونتحرك بسهولة اكثر من سابق عهدنا ..اى اننا اقتربنا من عالم الاحياء وابتعدنا عن عالم الموتى والذى كانت علاماته واضحة فيما شهدناه من شهداء او موتى من اثر الهجوم على سيارة الاسعاف ومازالت حتى الان اريد ان اتفهم كيف لانسان ان يتناول دواءا او صبغة يود او مطهرات قاتلة ويبتلعها فى جوفه .. آه من ويلات الحرب وآه على هؤلاء المساكين الذين يسيرون على غير هدى وقد دفعهم قادتهم الى تلك الاتون القاتلة تاركيهم للقدر  يفعل بهم مايشاء وغير مبالين لما يحدث لهم سواء فى الحرب اوالانسحاب.

     حضر الرجل الكريم يلقى علينا بتحية الصباح وهو باش الوجه والابتسامة تعلو شفتيه ولا اعلم سببا لذلك غير شعوره بان الله ساعده فى انقاذ الارواح الستة التى يلقى بتحيته عليهم وقد تحدث معنا معلنا اسفه لأنهم لم يستطيعوا انقاذ زملائنا حيث بعد وصولهم متأخرين ليلاً فى تلك البقعة المهجورة عثروا عليهم بعد ان فارقوا الحياة الا واحداً منهم فقط واثناء احضاره خرجت روحه هو الاخر كأنه رافضا ان يعود لتلك الحياة تاركا زملائه الذين قاسوا معه.

       ازعجنا هذا الخبر لكننا فى نفس الوقت شعرنا  انهم انتهوا من عذاب الايام الخمسة التى لاقيناها سواء بالموت او بالحياة لكن تلك الحياة التى يغلب عليها الموت او انك تنتظر الموت كل ساعة فهى مؤلمة جدا .. عاد الرجل الكريم واحضر لنا طعام الإفطار وهو مكون من فتة لبن وقطعة جبن وخبز تناولنا طعامنا بهدؤ حيث اننا لم نتعود على طعام وشراب كل فترة قصيرة كما ان وليمة الليل اشبعتنا واعطتنا جرعة من الراحة الجسدية والنفسية لامثيل لها وانعكس هذا على قضاء ليلتنا بنوم هادىء واستيقاظنا بنشاط وحيوية.

    انتهينا من طعامنا وشرابنا مع شرب الشاى وتحدث الرجل مبديا عذره بانه لن يستطيع مصاحبتنا حيث ان عائلته معه وهو لايستطيع تركهم فى تلك المنطقة الغريبة فترة طويلة وخاصة فى ظروف الحرب وانسحاب الجيش وما يصاحب هذا من احداث مؤسفة وقتل واغتصاب ولهذا فهو يخاف على اهله وانه كان يتمنى ان يقدم عونا اكثر من هذا .. شكرناه وطلبنا منه ان يوضح لنا طبيعة المنطقة التى نحن بها فقام بشرح واف لتلك المنطقة حيث اخبرنا اننا فى منطقة تسمى جبل المغارة وهذا الجبل من منطقة وسط سيناء وهو جبل ضخم المساحة ويعيش المئات من البدو بداخل هذا الجبل حيث تتسع قمتيه لعدة كيلومترات كما تنتشر به آبار المياه العذبة والتى انشئتها الحكومة المصرية كما يوجد به منجم فحم جبل المغارة الذى انشىء حديثا وتكثر التجارة بين ابناء تلك المنطقة ولهذا فستجدون حياة وحركة وعونا ولكن ابعد من هذه المسافة فاعتذر بان معلوماتى ضئيلة ولكن الاهم هو اسلوب التعامل مع البدو فقد حدث من عدة ايام مشاكل بين بعض البدو “والدفعة” وكادت تؤدى الى اشتباك مسلح ولكن شيوخ القبائل تدخلوا لحل تلك المشاكل وكان الغالب والسبب الرئيسى فيها هو عدم احترام “الدفعة” لعادات البدو سواء بالسخرية من نسائنا او مغازلتهن.

       كنا نستمع له ونحن فى دهشة بان زملاء لنا سبقونا الى هذا المكان من عدة ايام وحمدنا الله اننا لم نؤخذ بذنبهم وخطئهم .. وقد اكمل الرجل الكريم حديثه بانه فى حالة الاحتياج الى العون فعليكم التوجه الى مجلس الرجال حيث سيساعدكم البدو بما يملكون مع عدم اثارتهم او محاولة مضايقتهم واذا تقابلتم مع نساء واردتم عونا فيكون حديثكم معهم كالتالى“صباح الخير او السلام عليكم يا مستورة ….وين مجعد الرجال؟” ستعرفكم بمكان تجمع الرجال وقد لاتجد الرجل موجوداً فامامكم حلان عدم محادثتهن او احدكم يتوجه اليهن يحادثهن بذوق وادب مبتعداً عنهن ويعرض مشكلته فاذا استطعن مساعدتكما فلن يتأخرن عليكما او يعتذرن .

      شكرناه على وصاياه لنا وهى تعتبر قيمة حيث ان اسلوب الحوار هو الذى يأتى بنتيجة المعاملة وقد زودنا بزجاجة مياه مملوءه وترك لنا البطانية لتساعدنا على مواجهة برد الصحراء ليلاً وطلبت ان اتعرف عليه .. اى اعرف اسمه ولكنه اعتذر ودهشت لهذا فالرجل قام بواجب انسانى معنا دون ان ينتظر شيئا بل قام به طواعية وهو الذى جاء لى بحماره حتى امتطيه  بعد ان علم من جنودى باننى مصاب ولااستطيع السير فسار ما يقارب الثمانمائة مترا قدوما ثم مثلهم عودة وتحمل مشاق استضافتنا بل مشاق ان يذهب برجال قبيلته ليلا ليبحث عن زملائنا .. سألته : لماذا ترفض ان تعطينى اسمك؟ .. صمت قليلا ثم قال اننى اخشى ان تقعا اسرى فى ايد اليهود وتعترفا علينا وهم الذين يطلبون منا بمكبرات الصوت عدم مساعدتكم بل والابلاغ عن اى ضباط يتعرفون عليهم ولهم مكافأة ولهذا فانا لا اريد الوقوع فى شرورهم وهم قوم فاسدون .. شكرته وقدرت موقفه ولكن الرجل جاء الى هامسا وهو يقول عبدالله سويلم .. اسمى عبدالله سويلم من قبيلة .. لا اتذكر اسم القبيلة وكان الغرض من التعرف عليه هو محاولة شكره بابلاغ المسؤلين فى القيادة بما قام به معنا .. ودعنا بعد ان وجهنا الى الوجهة السليمة.

     سرنا فى داخل قمة جبل المغارة وقد استرددنا جزءاً من عافيتنا فقد جربنا حالة العطش والجوع وفهمنا اكثر بعضا من دروب سيناء كما اننا مزودين بمياه تكفينا يوما لو احسن ترشيدها وكان هذا قرارنا اننا نتعامل مع تلك المياه بانها ليست متوافرة معنا ولا نقترب منها الابعد ان يضنينا العطش او نعثر على بئر مياه.

      حدث ما توقعه عبدالله سويلم حيث كانت كل لقاءتنا مع البدو تبدأ بالنساء ولهذا علمنا شفرة التعامل معهن وكان هذا يفتح قلوبهن للاجابة والنصيحة .. سالنا احداهن عن مكان لبئر به ماء فوجهتنا الفتاة الى مكان البئر وارتوينا من الماء البارد وغيرنا الماء الذى اثرت فيه حرارة الشمس .. هناك بجوار البئر شاهدنا بدويا منظره وشكله يثير الخوف والريبة فسالنا عن مانحتاجه فتطوع الجويلى يوضح له باننا لانعرف دروب الصحراء وكل ما نبغيه هو الوصول الى قناة السويس .. همهم الرجل قليلا وهو يجيب امهلونى بعض الوقت حتى انتهى من ملأ اوعيتى بالماء وكانت اوعية كثيرة يضعها على جمله المجاور له .. جلسنا بعيداً حتى ينتهى من عمله وذلك لإفساح المكان للبدويات اللائى يحضرن لملأ اوعيتهن .. كان الرجل يراقبنا من حين لآخر وقد اوجسنا خيفة من تلك المراقبات وخصوصا ما قاله لنا عبدالله سويلم منذ ساعات بان اليهود يرغبون فى اسر الضباط وخصوصا القادة الكبار.. يراقبنا ونحن نراقبه وحدث توتر من على بُعد بيننا وبينه وعدم راحة نفسية حتى انتهى من عمله فجاء الينا وهو يسير الهوينا متسائلاً عن المكان الذى نريد الوصول اليه .. سألته وما الفارق بين مكان وآخر.. وضع شيئا فى فمه تحت لسانه وعلمنا بعد ذلك انها قطعة افيون وبعد ان مصمص شفتيه قال : ان كل مسافة ومنطقة بحساب اى ان كل منطقة لها اجر.. سأله مصطفى .. اتنوى اخذ اجر منا لمساعدتنا فيما نريد؟ .. نظر الرجل اليه نظرة الصقر الى فريسته .. كل حاجه عندى بالمصارى”وعلمنا بعد ذلك ان كلمة المصارى هى النقود وذلك بلغة العرب فى الشام والجزيرة العربية” تركنا لحالنا وعاد قريبا من البئر جالسا تحت ظلال شجرة توت .. اى والله فوق الجبل وشجرة توت خضراء يانعة وبجوارها بئر المياه والبدو ذهابا وايابا قادمين مودعين لهذا المكان من اجل المياه.

    دار حوار بالنظر بيننا وبين الرجل فهو يريد منا مالاً ونحن نريد منه عوناً يساعدنا على مانحن فيه وان نعود لوطننا وبلادنا .. .بعد قليل جاء رجل آخر يجالس هذا البدوى بجوار البئر ويتحدثان وهما يدخنان ثم ينظران الينا واصبحنا كعبيد فى السوق ننتظر من سيأتى ويتعطف علينا لشرائنا واستمرار عبوديتنا .. شعرت ان هؤلاء القوم ليس لديهم الصراحة او الجدية فقلت لجنودى لماذا نقف امام هذا الشخص ننتظر منه العون اقترح ان نكمل سيرنا وسنقابل من هو احسن منه حالا فلقد تعدينا مرحلة الخطر وها نحن من حولنا الناس والماء والزرع والحيوانات فلا داعى للخوف او الاندفاع نحوه حتى لايبيع ويشترى فينا وخاصة اننا لانملك مالا .. لم يعارض احد منهم وتركنا المكان سائرين الى اى جهة المهم ان نبتعد عن تلك المنطقة حيث انتصف النهار والشمس عمودية وهذا الشخص جالس بدون اى اهتمام بنا .. فلم يتركنا لحالنا ولم يخبرنا بما استقر عليه ذهنه فى كيفية المساعدة وما ثمنها..

   لحق بنا الرجل الجالس معه وعرفنا بنفسه .. انه مسئول عن ابار المياه فى المنطقة حيث انه يتبع شركة تعمير الصحراى التى تنشأ ابار المياه ثم تطرق الى ماهو المطلوب من فلان .. وذكر اسمه فأوضحت له اننا نطلب مساعدته فى الوصول الى قناة السويس وهو لم يعطينا جوابا شافيا .. صمت قليلا ثم قال : ان المشوار من هنا الى قناة السويس طويل وملىء بالمخاطر وقد حدثنى فى هذا الامر حيث انه يرغب فى مساعدتكم وتوصيلكم الى اقرب منطقة امان من القناة بعيداً عن اعين اليهود الذين يقومون الان بقتل كل من تراه اعينهم حيث اكتفوا بالاسرى ولم تعد طاقتهم تتحمل عدداً اكثر كما انهم يقولون فى اذاعتهم انهم بعد ان انتصروا وهزموا الجيش المصرى واستولوا على كل سلاحه فخطتهم الان القضاء عليه وخاصة الضباط محللين ذلك بان مصر يمكنها استعواض سلاحها فى ظرف عام ولكن اعداد قادة يحتاج اعواماً بل عقوداً وهذا ما يريدون العمل عليه فى الفترة القادمة.

     اذن فلا اسرى الان اما ان تنجوا بنفسك اوتكون من الهالكين .. حضر البدوى اثناء النقاش مع الشخص المسئول عن آبار المياه واوضح انه مستعد لان يساعدنا فى المرور بمنطقة امان يصل طولها اكثر من خمسين كيلومتراً وبعد تلك المنطقة لاخطورة من اليهود كما تتوافر المياه والناس موجودين بكثافة ومن اجل هذا اريد مبلغ مائة جنية منكم جميعا .. نظرنا الى بعضنا البعض فهذا المبلغ كبير جدا حيث يحصل الجندى على اقل من ثلاثة جنيهات شهريا كما اننا لم نتسلم مرتبات هذا الشهر وكل ما معنا عدة قروش .. اعتذرت بان هذا المبلغ كبير ونحن غير مستعدين لدفعه حاليا فاذا اراد مساعدتنا لوجه الله فنحن نكون شاكرين .. رفض طلبنا قائلا : انه لايريد مساعدتنا من الاصل وانه اذا اراد ان يساعد احداً لوجه الله فهم اليهود ولكن ليس نحن واشاح بيده جهتنا مما دفع الجندى فراج وهو من ابناء الصعيد الى سحب اجزاء سلاحه وهذا معناه انه سيطلق عليه النيران ويقتله ويضيف اعداء جدد لنا حيث سيبحث عنا البدو فى كل مكان ويخبروا اليهود الذين نشروا جواسيسهم فى كل مكان.

   نهرت الجندى طالبا منه اعادة الاجزاء وتأمين سلاحه ثم وجهت كلامى للبدوى ومن معه .. شكراً ومع السلامة واصطحبت جنودى سائراً فى اتجاه آخر .. كان لتصرف الجندى فراج اثر فعال لخوف هذا الاعرابى من مجموعتنا وقد تحادث مع عامل الصيانة واخبره ان تلك المجموعة يتنازعها الاجرام وانه من الممكن تتبعه وقتله فى الطريق الى منزله او الهجوم على اسرته وقتلهم جميعا مع امكانية الابلاغ عنك وعنى شخصيا لما قلته فى حق اليهود ضد المصريين وهذه خيانة والحكومة فى مصر مثل الجريح الذى يضرب هنا وهناك .. احترس يا اخ العرب.

   اضطرب البدوى وجاء فى اثرنا مهرولا قائلا : لاتؤاخذونى مما قلت لقد كنت امزح معكم ولكننى مستعد لان اساعدكم ولكن حاولوا مساعدتى انا الاخر فانا اعول عائلة كبيرة من زوجتى وخمسة من الابناء بالاضافة الى والدى واخى الاصغر “على” .. اجبته نحن لانرفض اعطائك مقابل لكن المشكلة اننا لم نتسلم مرتباتنا .. هز راسه وهو يقول : اعلم هذا .. ثم اوضح قائلا : لقد ضرب القطار ومات بعض الضباط المسئولون عن المرتبات وقامت بعض عصابات من البدو بنهب تلك الاموال .. اعلم ماحدث .. اذن ساحصل على ساعات يدكم جميعا .. حاولت معه الفصال حتى ولو بقاء ساعة واحدة ولكنه رفض فااستجبت لرغبته بناء على موافقة جنودى الذين وافقوا على التفريط فى ساعاتهم وهى الاحدث من ساعتى والتى احضروها من اليمن قبل وصولهم الى مصر فى العام الماضى.

     سار الرجل معنا ونحن فى اشد حالات السعادة باننا عثرنا على دليل سيسير بنا الى الامان ويبعدنا عما لاقيناه من صعوبات الطريق.. كان الرجل يتحدث فى كل الامور حيث انه من النوع الذى يقولون عنه لسانه “فلتان” وكان قبيح الالفاظ ولايستحى ان يسب البعض ممن يعرفهم بالفاظ نابية كما كان يتباهى بانه من معاونى تجار المخدرات فى سيناء وانه يستأجر فى بعض الحالات لقتل الاخرين .. كنت اصدقه فى اول الامر ثم تطور الى اذدراء ثم تطور الى ان الرجل يريد ان يدخل الى قلوبنا الخوف منه بعد رد فعل فراج عليه بالسلاح .. وقد دفعنى هذا فى التشدد معه بعد ان كنت اهادنه اولا .. جنودى يسمعون وينظرون الى ثم فى النهاية اخبرتهم باشارة منى بانه “العوبان” وغير واضح ويجب ان نحترس منه.

   المنطقة فوق جبل المغارة لم اشاهدها من قبل وكما ذكرت قبل ذلك باننى كنت اعتقد بان الجبال مرتفعات ثم من الجهة الاخرى هبوطا مثل الحوائط فى العمارات ولكن بطريقة متدرجة ولكن ماشاهدته فى سيناء ان الجبال شاهقة الارتفاع ضخمة فى مساحتها قاتمة الالوان وخاصة بين البنى الغامق والاحمر بدرجاته والاسود كما ان بها اماكن يكثر بها الالوان التى تستخدم فى الصبغة والدهانت حيث نشاهد الوان زرقاء او الوان بنية او خضراء وغيرها من الالوان .. اما منطقة جبل”المغارة” فكانت مساحتها ضخمة ولااعرف مدى المساحة ولكننى اعتقد انها لاتقل عن عشرون الى ثلاثون كيلومترا مربعاً وهى المسافة التى سرناها برفقة هذا البدوى .. وهناك عائلات تسكن وتعيش فوق الجبل ومساحات مسطحة وبعض المزروعات مع الرعى وخاصة الاغنام والماعز.

    بعد مسيرة ساعتين مع هذا الرجل توقف فى نقطة قائلا : يا دفعه .. من هذا المكان حتى الجهة الثانية من الطريق المرصوف انا غير مسئول عنكم .. عايز تاخدوا بالكم اننا قريبين من المنجم واليهود موجودين بالداخل يسرقون كل معداته وينقلونها منذ عدة ايام ولاجل هذا اذا شاهدوكم معى سيقتلوننى ولذا اريد منكم الاحتراس حتى تشاهدوا الطريق المرصوف وباقصى سرعة من قبل الطريق حتى انتهائه من الناحية الاخرى تنتظروننى وانا هنا جالس اشاهدكم وادعو الله لكم بالسلامة.

    امتحان آخر فى سلسلة متاعبنا .. سرنا باحتراس وبالطبع انا فى المقدمة وجنودى خلفى بمئات الخطوات حتى اذا حدث مكروه يكون من نصيبى هذا فكرهم منذ بداية الانسحاب كما انه اذا قبض علينا اليهود فيكون هو الضابط وهم لا علاقة لهم بى وهكذا دفعت الظروف التى نمر بها الى تصرفات غير عادية .. لم نشاهد اليهود بعد ولكننا كنا نسير فى حذر.. وقد شعرنا اننا اقتربنا منهم حيث سمعنا اصوات عربات مجنزرة وجاء طفل يجرى جهتنا يخبرنا بان نحترس لان اليهود موجودين على الطريق ومسلحين .. واصلنا سيرنا حتى كشفنا الطريق الاسفلت من بداية باب المنجم حتى الجهة المعاكسة لمسافة بعيدة دون ملاحظة اى شىء بالطريق.

         اشرت الى جنودى باتباعى وانه فى حالة اطلاق الرصاص فلابد من الاحتماء بالارض وعدم تكملة الجرى لأن هذا معناه هلاكنا جميعا وطالبت منهم السرعة وعدم التوقف حتى نصل الى منطقة نحتمى بها وان نحافظ على سلاحنا حتى لايسقط  منا اثناء الجرى بوضعه متقاطع على ظهورنا .. وقفنا جميعا على خط واحد وقلوبنا تدق وتضرب ضربات مرتفعة الصوت .. هانحن نعلم ان اعداءنا قريبين منا وسنحاول المرور بينهم فى وضح النهار.. اشرت بيدى واسرعت الخطوات لأجرى وانا لا اشاهد احدا من جنودى بجوارى لكننى وضعت هدفا امامى اجرى فى اتجاهه حتى لااضل طريقى واتعرج اثناء الجرى .. كنت اشعر اننى اجرى بسرعة كبيرة وخاصة ان احداً من الجنود لم يصل الى قربى اثناء العدو .. وقد اعتقدت انهم جبنوا او انهم انتظروا حتى اصل ويطمئنوا على انفسهم ولكن كل تلك الاعتقادات كانت خاطئة حيث انهم  يجدوا فى اثرى ويطيرون من على الارض طيرا كما قال لنا البدوى بعد ذلك.

     قبل الوصول الى الطريق المرصوف وهو مكمن الخطر تواجد بطريق عدونا مقابر وهذه المقابر قريبة من الارض وغير مُعدة بالطوب مثل الموجودة بمصر والمدن الكبرى ولكن اثناء العدو لاحظت تلك المقابر فجأة فكنت احاول القفز من فوقها ولكننى لم استطع الالتفاف من حولها لان لى هدف اعدو فى اتجاهه وكان من سؤ حظ الجندى جويلى الذى كان يجد فى اثرى ان ارتطمت قدماه بمقبرة فدفع بكل ما فيها خارجها من شدة ضربات اقدامه والسرعة التى يعدو بها وكل ما شعرت به اننى شاهدت عظاما تتطاير قريبة منى وجمجمة بشرية تتدحرج امامى وكاد هذا يتسبب فى سقوطى بتلك السرعة وانا اعبر الاسفلت وبعدها بعدة امتار شعرت وانا اهوى من ارتفاع واسقط مثل اى شىء يسقط من ارتفاع وخلفى جنودى تباعا يتساقطون حتى اكتمل عددنا ونظرنا الى مكاننا فوجدنا اننا نقع تحت سطح الطريق بمسافة لاتقل عن عشرة امتار ولم يدر بخلدنا ان خلف هذا الطريق جرفا منخفضا بتلك الطريقة وحمدنا الله انه كان من الرمال والا لو كان صخريا لهلكنا جميعا .. اسفل هذا الجرف شاهدنا شىء مثل الكهف واثناء ذلك سمعنا اصوات المجنزرات وقد اعقبها طلاقات رشاش .. اذن لقد كشفنا الاسرائيليون ونحن هالكين فاضطربت اعصابنا ولكننى طلبت منهم ان نختبىء فى هذا الكهف لفترة .. اختباءنا بالكهف ولكن الجنود الاسرائليون ترجلوا من عرباتهم المدرعة ووقفوا على حرف الجرف ينظرون لاسفل ..

قال احدهم اننى اعتقد بأن الجبناء المصريون فروا بسرعة ولكن زميله اخبره بانه لايشاهدهم فى مسطح الارض المفتوحة امامهم وهذا يدل على انهم مختبؤن باسفل تلك المنطقة ولهذا طلب من زميله ان يتوجهوا الى عربتهم المدرعة لتفتيش المنطقة بحثا عن بعض الجبناء والتسلية بقتلهم .. كل هذا وهما يتحدثان اللغة العبرية التى اجيدها وبصوت مرتفع .. ولهذا كان الخوف والاضطراب يعترينى ولم يكن الجنود احسن حالا منى لانهم يسمعون اشياء ويشاهدون تعبيرات وجهى وانفعالاتى ولكن من فضل الله ان زميلهم فى العربة المدرعة ينادى عليهم يطالبهم بالتوجه الى القيادة باقصى سرعة .. تمازح الجنديان كل مع الاخر ..

شاؤول .. لقد ضاعت منى فرصة التسلى بقتل اكبر عدد منهم .. اننى احب الصيد .. يجيبه ديفيد .. فى اجازتنا بعد الحرب يمكننا التمتع بقتل بعض الضوارى المنتشرة هنا ..

شاؤول .. لالا  الضوارى ارقى من هؤلاء المصرين الانجاس .. ان الكلاب والتعالب احسن وارقى منهم .. اننى اشكر الرب على ان اتاح لى فرصة ذهبية لاقتل اكبر عدد منهم .. كنت اضحك وانا ادير المدفع الرشاش ليحصدهم .. انه خير عمل فعلناه لصالح البشرية كما يقول الحاخام ابراهام .. اقتلوا كل مسلم اومسيحى تشاهدونه .. اى اقتلوا كل المصريين وبدون تحديد عمر او جنس.

    كل هذا يدور بين الجنديان ” شاؤول وديفيد“وظلهما ساقط امامنا من تأثير اشعة الشمس عليهما .. هذا هو عدونا ونحن قابعين فى تللك الحفرة المختفية وقلوبنا تدق بين ضلوعنا كانها اصوات مدفعية كنت اسمع اصوات قلوب المجاورين لى مباشرة بالاضافة الى ضربات قلبى بين ضلوعى ليس خوفا منهم ولكن خوفا من تمثيلهم بجثثنا مثل ما اخبرنا بعض البدو فى هذا اليوم .. انهم ليسوا اعداء ولكنهم مجرمين حقيقيين .. ان الحيوانات المفترسة تمتنع عن مهاجمة اى فريسة بعد ان تشبع ولكن هؤلاء ليس لشبعهم حدود هكذا قال الله عنهم انهم يقتلون النبيين بغير حق ..هم قتلة البشر انبياء اوغير انبياء .. انهم مثل الافاعى والعقارب التى تهاجم للضرر بدون سبب .. هؤلاء المجرمين والذى ذهبنا لقتالهم ولكنهم انتصروا علينا بدون حرب مثل ما ينتصر قزم على مصارع بعد ان هجم عليه اثناء نومه اومرضه .. اعاد زميلهما على مسامعهما نداء القائد بالتوجه اليه فوراً وكان هذا انقاذا من عند الله لانهما لو وصلوا الينا لفتحوا رشاشات العربة المدرعة وقتلونا فى الحال بين ضحكاتهم وسعادتهم .. اقشعر بدنى من مجرد التحدث بالقتل لغرض القتل .. صحيح ان هذا عملنا ولكنه لمنع العدو من قتلك ولو اعلن استسلامه او اصيب فيكون هذا دليلاً على خروجه من المعركة ولكن ان اقتله للتسلية فهذا ضد كل الاديان والاعراف .. كنت انظر الى جنودى واشاهد آثار الفزع على وجوههم وليس هذا عليهم فقط بل على ايضا فهم المرآة العاكسة لى وما ينتابهم ينتابنى انا الاخر فنحن بشر والحياة غالية وكما يقول الله عز وجل “كتب عليكم القتال وهو كره لكم”صدق الله العظيم .. ولكن هذا ليس انتقاصا من شجاعتنا ولكن الانتحار هو المرفوض .. ولقد كنا مستعدين لهم وقد جذب كل فرد فينا اجزاء سلاحه استعداداً لمعركة يائسة ولكنها مفروضة علينا وقتل او اصابة فرد فيهم احسن عملاً بأن نتركهم يفعلون بنا كما يفعل الجزار بالاغنام.

   تلاشت ظلالهما وبعدت اصواتهما ومحركات عرباتهما المدرعة وتنفسنا الصعداء وامنا سلاحنا حتى لايصيبنا ونحن نسير كما طلبت من زملائى الجنود اذا اتى هذا الرجل الكريه وسألنا عن حالنا وماذا كنا سنفعل مع اليهود فعلينا ان نخبره باننا كنا ننتظرهم حيث سنقضى عليهم فور ظهورهم امامنا .. كان هذا واضحا امامى لأننى شعرت بان هذا الرجل لابد ان يشعر بأننا اقوياء وسوف نستخدم سلاحنا ضد اى معتدى علينا سواء اسرائيليا او مصريا حيث شعرت من احاديثه بعدم الود وان انهزامنا امام اعدائنا اسعده او على الاقل نظر الينا باننا ضعفاء مثل جيشنا .. كان لابد من ان نقاوم اى تعدى اوخروج على حياتنا وكرامتنا .. وخاصة من اهلنا فى سيناء فيجب ان يكونوا هم البلسم والمساند ولايجب ان يكونوا جناحا داخليا لاعدائنا.

     مر الوقت بطيئاً ثقيلاً ونحن نريد ان نغادر هذا المكان والذى اختبئنا به خاصة ان رائحته كانت نفاذه وبها الكثير من اوساخ وفضلات الناس الذين كانوا يستخدمونه كدورة مياه لهم .. فالروائح النفاذة والهوام من الحشرات ومنها الذباب الذى ينتشر فى الصحراء ومن اين لا اعلم وقد قدحت ذهنى لأعلم من اين ياتى هذا الذباب اللعين فى تلك المنطقة القاتلة الهالكة .. فمجرد وصولنا لاى مكان نشاهده فى اثرنا .. كانت فكرة قدح الذهن هذه عالقة بذهنى وفكرى بعد ان استقبلنا الرجل الكريم امس واعاد الينا بسمة الحياة والامل الضائع فى النجاة بارواحنا .. لأنه فى الايام السابقة على ذلك كنا لانستطيع التفكير وقد اصابنا عقم عقلى فريد وغريب ومفاجىء وكنت اشعر بان شيئا داخليا فى رأسى من الداخل يلعب فى عقلى مثل اى انسان يريد ان يهرش لتقرح اصاب جلده .. لكن هذا بالداخل وكان بعض الجنود يخبروننى بان شيئا يقرص فى راسهم من الداخل وكنت اضحك معهم واقول وانا كمان اشعر بان عنكبوت او نملة تقرص بداخل رأسى وبالتالى اذا فكرنا فى شىء نجده طار منا ولانتذكر ماذا كنا نفكر فيه واذا اردنا ان نعطى رايا فى شىء نشعر باننا لانستطيع حتى مجرد التفكير هل نكمل المسير او نتوقف لم نستطع ابداء الرأى وكان هذا مبعث الم لنا فكان الجميع صامتين غافلين لارأى ولامشورة لهم فاما التقليد مثل ما يفعل الباقون او السكون والجلوس استسلاما للدغات الذباب الذى كان يفعل بنا كل شىء فتجده فى الاذن والانف والفم وعلى يديك وكان شيئا عاديا ان تجد البعض منا فاتح فمه والذباب يدخل ويخرج وكانه وجد له عشا اما العيون التى قاربت من ان تقفل فكان يقوم بذلك ويلسع العيون التى تؤلم والجندى لايستطيع ان يفعل شيئا حتى مجرد ان يُهش هذه الحشرات لايستطيع ان يقوم بها .. اما كرمشة الجلد الخارجى وتورم الشفاة وحرق جلد الوجه والاصفرار العام للبشرة فكلها امور لم نكن نرى بها شيئا غريبا حتى حالات الانهيار الجسدى لم نكن نشعر بانها غريبة لاننا مثل الذى نشاهده امامنا وبعد كل هذا نرى الموت قادم الينا ثانية بعد ان شعرنا باننا هربنا من الموت المتعدد الاطراف والاعداء المختلفى الجنسية والنوعية نراه امامنا على بعد عدة امتار قليلة.

    مضى علينا اكثر من ساعة ثم شاهدنا الاعرابى على احد الاجناب يسير خلف جمله بعد ان يأسنا من حضوره وقررنا الانتظارالى ان ياتى الليل ونكمل مشوارنا معتمدين على انفسنا .. وقف الرجل يتلفت يمينا ويساراً حتى شاهدنا وشاهدناه ثم اشار الينا بالتوجه اليه ولهذا طلبت من احد الجنود ان يذهب حتى لانفاجأ بكمين يقضى علينا ولكنه رفض وايده زملائه والذين اقنعونى بان هذا عمل الضابط وليس الجنود واننى قادر على التصرف وهم الجنود المساكين ولايعرفون ما يعرفه الضابط .. لم اغضب او اثور فهذا هو فعلهم معى منذ بدأ الانسحاب الاختباء ودفع الضابط ليكون كبش فداء او يكون طوق النجاة .. تحركت بثقة واحتراس فى نفس الوقت وسلاحى بجانبى وفى جهة الاعرابى حتى يخاف ان يكون هناك اعداء فسوف يُقتل قبلى ولكن الرجل لم يهتم وهذا اعطانى انطباعا بأن كل الامور على مايرام .. وصلت اليه وهو يبتسم ابتسامة الشيطان مع وجهه القبيح ويهنئنى انا والدفعة على سرعتنا ونجاتنا من هذا الكمين الذى كاد ان يقضى علينا .. اشرت الى جنودى فحضروا دفعة واحدة ولم يحترزوا مثل ما نبهت عليهم قبل ذلك ..

فاما السير سويا او يختبؤن سويا وعلى كل حال هذه هى الحرب .. سرنا خلف الرجل فى رمال ناعمة تدفع بقدمك للأمام خطوة فتعود بك نصف خطوة وهكذا كان سيرا صعبا لم نتعود عليه فى مصر انها مناطق غرود رملية او رمال متحركة بفعل الهواء والرياح ولهذا فهى ناعمة جدا وغير متماسكة ومن اصعب الاماكن سيراً فى الصحراء .. يتحدث الرجل عما سيقدمه لنا من الوان الطعام من ضمن اتفاقية توصيلنا الى اقرب مكان آمن لقناة السويس وحصوله فى المقابل على الساعات اليد لنا جميعا .

   تؤذن الشمس بالمغيب عن هذا اليوم الفريد سواء لاننا نعيش ونتكلم وبطوننا بها طعام منذ الصباح او المياه التى معنا اوعلى حمولة الجمل الذى كان يحمل مياها كثيرة موضوعة فى عبوات بلاستيك وقرب مصنوعة من جلود الماعز.. نسير خلفه ننفذ تعليماته ثم فاجأنا بنفس السؤال الذى توقعته .. هل اصابكم الخوف والرعب من الجنود اليهود وهم يقفون على راس التل الذى قفزتم من فوقه .. لقد كنت مختبئا مع جملى وبعض البدو نتبعكم خوفا مما سيحدث لكم .. ولكن .. اجابه :

عامر وهو سريع الاندفاع .. قائلا : ربنا انقذهم من ايدينا .. لقد اخذنا وضع الاستعداد وكنا ننوى قتلهم بمجرد ظهورهم امامنا .. لكن حظهم كويس .. وقف الرجل وهو ينظر الينا بدهشة وهو يقول : سلاحكم شغال ..بُيضرب بارود .. اجابه : تحب تشوف واسرع بجذب الاجزاء فصرخ الرجل طالبا العفو وان يتركه لعياله فأمسكت بيده ناهرا اياه ان يعود لمثل تلك الفعلة ثانية .. تأكد الرجل للمرة الثانية ان هؤلاء الرجال قتلة ومندفعين وانهم فى اى لحظة سيفتحون نيرانهم على اى شخص يحاول مضايقتهم او الاعتداء عليهم ..

        اراد ان يجذبنا الى صفه بفتح خط من المهادنة والملاطفة قائلا : بانه مستعد لتوصيلنا الى ما نريد دون الحصول على اى شىء .. اجبته بضيق وعنف بنبرة صوتى .. بلاش كل شوية تتكلم .. اتفقنا وخلاص ..  اما اذا كنت لاترغب فى .. قاطعنى قائلا : بالله عليك يا شيخ ماتدور هذا الحديث .. انا خدامكم من غير شى .. وصلنا الى منزله او قصره الذى اسمعنا عنه الكثير طوال ساعتين او اكثر وقد غربت الشمس ولم يتبقى سوى بعض الضياء المتبقى بعد الغروب .. منطقة رملية بها خيمة بدوية مشكلة الالوان من اصواف الابل وبعض قطع قماش واطفال اصاغر يلعبون ونصفهم السفلى عاريا وبعض الماعز والاغنام وجملين ورجل عجوز وصبى فى العاشرة من عمره .. جزعا القوم ان شاهدا  رب الاسرة حضر وبصحبته بعض الجنود المصريين فهذا معناه الاعتداء عليهم ولكن الرجل طلب من زوجته ان ُتعد طعاما لضيوفه وان تحضره الى “مجعد”الرجال..

      توجهنا خلفه لنشاهد مجعد الرجال الذى كنا نسمع عنه ولم نراه وكان فى اعتقادنا انه مثل المنضرة فى ريف مصر وهى حجرة كبيرة وبها كنب بلدى وترابيزات ويفرش بالارض سجاد او حصير حسب قدرة كل شخص .. ولكن “مجعد” الرجل هذا عبارة عن اربع قوائم من جريد النخيل ومحاطه من اعلى باربع قوائم افقية من الجريد ومغطاة ببعض الجريد وسعف النخل ولاتزيد مساحتها عن متر ونصف فى متر ونصف ومفتوحة من كل الجوانب .. مخصصه لحجب ضؤ الشمس فقط وجلسنا رضا فوق الرمال الناعمة .. احضرت زوجته طبقاً كبيراً من الصاج المطلى باللون الابيض به طعاما لانعرف نوعه كما ان زوجته عندما تسير او تحضر لانعرف اذا كانت قادمة بوجهها او بظهرها كله ملفوف واشياء لانعرف عنها شيئا فى مصر .. الطعام المقدم ردىء الطعم مقارنة بطعام البدوى الذى انقذنا بالامس لكننا لسنا فى وضع الاختيار او الانتقاء لان الرجل احضر ما يأكلونه وهذا ليس بذنبه ولكن المشكلة كانت فى وضع الاطفال اياديهم فى الطعام حيث لايعترفون بالملعقة وسقوط بعض بقايا طعام من افواههم بالطبق وهكذا .. تذكرت ظهر اليوم الخامس والمصارعة على بعض نقاط البول .. لنشكر الله .. اكلنا قليلا لأننا كنا نرغب فى الوصول الى منطقة آمنة وبعيدة عن هذا الرجل الذى كنا نتوجس منه خيفة من هيئته اولا ثم ما فعله معنا وكدنا نلقى حتفنا بداخل المقابر.

       احضروا الشاى .. تناولوا جميعا الشاى باستثنائى واعتذرت باننى لاارغب فى تناوله ليلا .. ومن منا نحن المصريين لايرغب فى كوب من الشاى وفى ظروفنا تلك .. كنت ماازال متوجسا من هذا الرجل وقد هاجمنى خوف حكايات جدتى من امنا الغولة والتى هاجمتنى ذكراها امس ايضا .. كنت اعتقد ان الرجل قد يضع منوما فى الشاى وبعد ان نغط فى النوم يقتلنا او يسلمنا للاسرائيليين ويحصل على سلاحنا والذى لم يهدأ طوال الطريق بانه يريد قطعة من هذا النوع ومستعد لدفع مبلغ كبير ثمنا له .. شعرت بالخوف ان نذهب فى نومنا ويفعل بنا اى شىء ولهذا رفضت شرب الشاى حتى يكون احدنا يقظا واذا طلبت من احد جنودى ان يمتنع عن شرب الشاى بدلا منى فقد يرفض امام عائلة الرجل وهذا شىء سىء وماذا يفعل لوحدث مايدور بفكرى .. انه لن يستطيع التصرف عندما يشاهدنا جميعا نغط فى النوم تاركينه بمفرده امامهم .. ولهذا كان قرارى صائبا رغم خيبة حدثى بما فكرت فيه ولكن المثل يقول”سؤ الظن عصمة وحسن الظن ورطة“.. جلسنا حوالى ساعة اخرى ونحن ننتظر منه ان يقول شيئا اوانه مستعد للتحرك معنا ولكنه مازال جالسا والوقت يمر علينا وهو لايشعر بقيمة هذا الوقت بالنسبة لنا .. سألته : انت مستعد للسير معنا وتنفيذ ما اتفقنا عليه .. اعتدل فى جلسته قائلا : ايوه .. نادا على شقيقه على فحضر فقال له : جاهز ياخوى؟ .. اجابه الصبى الصغير جاهز وتاكد من ان شقيقه قد ملأ القربة مياه وانه يحمل معه بعض ارغفة خبز .. نظرت اليه قائلا : احنا اتفقنا انك حتطلع معانا مش الواد الصغير اخوك .. اعتذر الرجل بانه علم بان بعض الدفعة قتلوا جملين بالقبيلة المجاورة وشربوا دمائها وهى ترعى فى الصحراء وانه يخشى ان يترك زوجته وابوه العجوز بمفردهما والاطفال امام  هجمات الدفعة .. جلست افكر ماذا افعل؟ الغى الاتفاق او استمر وليكن على بدلا من شقيقه .. ناولناه ساعات يدنا الست وتحركنا مع على ونحن نشفق على هذا الطفل من السير بنا تلك المسافة.

 

 

 رحلة مع على بك الصغير

 

     نحن الان بعد العاشرة مساء وهذا التوقيت الذى نظر كل واحد فينا الى ساعته قبل ان يسلمها الى”مسُعد” وهو الرجل الذى اتفقنا معه او الشقيق الاكبر لعلى .. تحرك الصبى ونحن نقول فى انفسنا سينام منا هذا الطفل فى الطريق والليل وظلامه الدامس يغلف المنطقة ولم نسير اكثر من عشرة دقائق الاوكان هذا الصبى قد سبقنا ونحن نلهث خلفه طالبين منه ان يقلل من سرعته وهو ينصحنا بان نسرع ونشد حيلنا حتى لاتدركنا الشمس صباحاً فى الطريق وتؤثرعلى سيرنا ولكن كيف نسير باسرع من هذا وخلف هذا الصبى الذى كان يرتدى الجلباب وشبشب”زنوبة” فى قدمه العارية ويحمل قربة ماء وبعض ارغفة خبز  ونحن الرجال العسكريين لانستطيع اللحاق به واصبح الموقف خطيراً فاذا فقدنا هذا الدليل وفقدنا اثره ماذا نفعل؟ .. فمعه الماء والخبز والاهم انه يعرف الطريق وابتعدنا عن مكانهم ولانستطيع العودة لشقيقه ثانية لنخبره بان شقيقه تركنا فى وسط الصحراء والذى كان يتباهى بها امامنا وهو يقول حتخدوا طريق “جبال البرص” الجبال هادى ما يجدر يجرب منها اليهود ولا يعرفوا لها طريج منطجه امان وبالله عليكم ما تعوجوا على وخليه يخلص مهمته ويرجع لداره بسلام .. اذن نحن نسير فى منطقة خطرة ليس بها ماء ولا انسان وسنهلك اذا خدعنا هذا الدليل .. طلبت منه ان يخفف حمله وان يعطى احد الجنود القربه والخبزليحملها عنه  لكنه رفض .. سألته بالا يبتعد كثيراً عنا وطلبت من الجويلى خفيف الحركة ان يتبعه مثل ظله حتى اذا ابتعدوا عنا اوقفه حتى نصل اليهم وفعلنا هذا وكل نصف ساعة يتوقف هو والصبى حتى نصل اليهما .. التعب والارهاق غلبنا على امرنا واردنا ان نستريح من عناء السير وان نأخذ شربة ماء وقسطا من الراحة ولكن على رافضا وبان هذا سيضرنا كثيرا وانه علينا قطع المسافة كلها حتى العاشرة صباحا فسأله احدنا وماهى تلك المسافة؟ قال حتى بيت خالتى القريبة من الامان خمسون كيلومترا .. هتفنا جميعا خمسون كيلو!! لماذا هذا؟ فلنقسمها على ثلاثة او اربعة ايام ولكنه رفض بانه وعد والده وشقيقه بان يعودهما مساء الغد .. ان هذا الطفل سيسير مائة كيلو فى اربعة وعشرين ساعة .. بحسبة بسيطة لو لم يسترح سيسير حوالى اربعة كيلومترات فى كل ساعة .. شعرنا اننا صغاراً امام هذا الطفل وامام لياقته البدنية حتى فى اشد حالتنا الصحية لانستطيع ان نسير تلك المسافة وبهذه الطريقة المستمرة ولكنها منطقتهم وحياتهم التى تعودوا عليها.

   اخيراً اذعن على لرجائنا بان نستريح ساعتين اوثلاث خاصة اننا علمنا منه انه متبقى ساعتين على ظهور اشعة الشمس .. اننا نسير منذ العاشرة تقريبا ونحن الان فى الرابعة صباحا.. ست ساعات سير فى تلك الرمال الناعمة ليلاً وفى الظلام ولانعرف الطريق ولانعرف الى اى مكان نسير انها غُربة مستمرة سواء فى الحياة او السير.. الصبى كان يعرف طريقه فى الظلام وينحرف يمينا وفى بعض الاحيان ينحرف يساراً ثم يساراً .. ونحن لانعرف شيئا ولقد سلمنا قدرنا لهذا الطفل.

    اوينا الى الارض ندفن اجسادنا المنهكة فى الرمال حيث لم تكفينا البطانية وكانت مثار مشاكل بين الجنود بعضهم البعض كما كان لتأثير رطوبة الصحراء اثرا على اصواتنا حيث درجة البرودة شديدة وقد اعيانا السير ونحن لم نستعيد بعضا من عافيتنا حيث كنا نعتقد غير ذلك ولكن مجهود الايام السابقة ومساحة العدو قريبا من منجم الفحم استهلكت جزءاً كبيراً من طاقتنا ثم السير خلف الصبى على بهذه السرعه الكبيرة والتى لم نتعود عليها قبل ذلك او بعدها كل هذا جعلنا نغط فى نومنا ونحن خالين البال ان يهرب هذا الصغير من مساعدتنا .. لم نشعر بالوقت ولكننا شعرنا باشعة الشمس تضرب عيوننا المسهدة المرهقة فاستيقظ احد الجنود وايقظ الباقين فى عجلة من امره ليخبرنا بان الصبى هرب وتركنا بدون مساعدة وقد حمل كل الزوادة معه .. جلسنا نضرب كفا بكف وان الله كلما اعطانا املا سحبه منا وها نحن نرقد فى منطقة جبال البرص الذى قال عنها البدوى انها خطيرة واننا اذا عبرناها تكون باقى المسافة احسن حالا امامنا سواء امناً من هجمات اليهود او لوجود عشائر بدوية كثيرة لوفرة ابار المياه فى تلك المناطق .. ماذا نفعل؟

      كلٌ جلس القرفصاء حانقا لما حدث مؤنبا نفسه وزملائه على عدم مراقبته ونحن رجال ستة ويهرب منا هذا الصبى الصغير.. زعق احد الجنود ينادى عليه ولكن دون جدوى .. قررنا مواصلة المسير متكلين على الله الذى لاينسى عباده.

      بعد ان سرنا عدة خطوات فوجئنا بوجوده نائما وبجواره قربة الماء .. شعرنا بسعادة غامرة وجرينا جهته نوقظه وقد استيقظ الصبى بملامحه الطيبة البريئة وناولنا بعض كسرات الخبز وشربنا الماء المثلج من اثر برودة الليل .. للحقيقة ان طعم المياة فى القربة رائع الى اقصى درجة .. وقف الصبى ينتظرنا حتى ننتهى من طعامنا الجاف البسيط وشرب الماء واصبحنا اكثر نشاطا .. الساعة جاوزت العاشرة صباحا تقريبا وهذا هو توقيته حيث يعلم التوقيتات من اثر ظل الانسان على الارض سرنا خلفه لنكمل مسيرة الليل ونحن احسن حالا فقد اخذنا جرعة من النوم كما اننا نشاهد طريق السير ونعلم الى اى جهة نحن سائرون كما اننا اطمأننا على الدليل الذى معنا بانه انسان مخلص وقد اخبرنا قبل السير باننا سرنا اثناء الليل اكثر من نصف الطريق اى حوالى ثلاثين كيلومترا وانه لم يتبقى سوى عشرون كيلوا طالبا منا الشدة والعزم قبل ان تقوم الشمس بعملها .. نسير بهمة خلفه وكلنا يحدونا الامل بان نصل الى بغيتنا وطريق مفتوح يصل بنا الى برالامان الى قناة السويس.

     الساعة جاوزت الثانية ظهراً وقد انهكنا السير تحت اشعة الشمس الحارقة وقرب مخزون المياه من النفاذ كما ان المياه المتوفرة اصبحت ساخنة ومساغها غير محبوب الينا وكان الاعياء باديا علينا باستثناء الصبى وقد طلبنا منه الخلود الى الراحة وكان هذا تعبيره .. فيقول نخلد للراحة .. وصلنا الى منطقة بها المئات من الابل الضخمة والتى ترعى بمفردها ومنظرها يثير الخوف وهى اشبه بحيوان الديناصور الاسطورى واخبرنا انها تتبع بعض القبائل وتعود بعد الرعى الى القبيلة ولا يستطيع احد الاقتراب منها لانها تهاجم من يقترب منها .. اصابنا الخوف من هذه الحيوانات التى لم يكن لنا بها خبرة قبل ذلك .. اختار مكاناً مهجوراً من قاطنيه وهو عبارة عن بعض الاعشاش المصنوعة من جريد النخيل وكانت الرياح جافة ساخنة حتى تحت تلك الاعشاش واهم ما لفت نظرى قبل ان يختار كل واحد عشة لينام بها انه قال ان تلك المنطقة كانت تعيش بها خالته وانه كان يأتى من داره الذى كنا به امس الى هذا المكان ليستلف لامه “المنخل” استوضحنا منه .. تقصد المنخل الذى ينخل الدقيق اجابنا ايوه مُنخل الطحين .. نظر كل الى الاخر.. يقطع كل هذا المشوار لكى يحضر منخلا لامه .. توارينا داخل الاعشاش والانفاس الحارة القاتلة مازالت تهاجمنا .. نمنا والعرق الغزير يتفصد من جباهنا واجسادنا .. لانعلم المدة التى استغرقناها فى النوم ولكننى استيقظت مبكراً لعدم مقدرتى على النوم من شدة الحرارة وذهبت ابحث عن جنودى وعن الدليل واستطعت جمع الجنود ولكننا للمرة الثانية نفقد الدليل .. ماهذا ياربى؟ كل فترة نجد معضلة امامنا .. يزعق البعض منا ديا عليه واخيرا خرج من اين؟ .. الله اعلم .. قام الصبى مرهقا هو الاخر من درجة الحرارة المرتفعة وسار امامنا متعبا مترنحا هو الاخر وقد اسعدنا هذا انه اصبح مثلنا لاننا كنا نخجل من نشاطه وكسلنا .. توقف برهة قائلا : لقد اقتربنا .. عدة كليومترات .. ساله احدهم .. كم تقريبا؟  فنظر يمينا ويسارا قائلاً : من ثلاثة الى اربعة كيلومترات واشار بيده فى هذا الطريق .. سرنا خلفه ونحن اشد نشاطا فلم يتبقى على نهاية تلك الرحلة القصيرة المدة الطويلة المسافة الا عدد محدود من الكيلومترات .. سار هو الاخر بنشاط مودعا الوخم الذى اصابه خاصة ان درجة الحرارة بدأت فى اللين وقد تغير الحال وهبت بعض النسمات الرطبة المنعشة .. مازلنا نسير خلفه الى ان وقف مشيراً على خط البصر امامه قائلاً : هذه الاشجار من النخيل هو هدفنا .. كانت المسافة قد اقتربت وتقريبا فى حدود الكيلومتر الواحد شعرت بانهاك قواى ولقد اطمأنيت على هدفنا فساروا جميعا مسرعين وانا تباطأت سيرا سواء من الارهاق او لشعورى بالطمأنينة .. الاحظهم على بعد مآت الامتار.. جلست قليلا استعيد انفاسى وعافيتى ثم اكملت سيرى وانا مازلت خائر القوى وقد تضايقت لهذا واقول فى نفسى بعد ان اقترب هكذا تخور قواى يجب على ان اصمد حتى اصل اليهم لأننى لوتأخرت اكثر من هذا فسيقبل الليل بعد ساعة .. اريد ان اكون معهم وان اكون قريبا من الماء خاصة اننى شعرت ان حلقى جاف واحتاج الماء وندمت لتأخرى واقول انهم الان امام بئر المياه انهم محظوظون ولكن لازالت قواى تخور اكثر فاكثر خاصة اننى صعدت تلا من التلال الكثيرة التى كنا نجتازها صعودا وهبوطا وفى نهاية صعودى لهذا التل  المرتفع جلست لاهثا استعيد قواى وانا متخوف ومضطرب مما انا وقعت فيه فى نهاية مشوارى ولكن بعد جلوسى فى نهاية قمة المرتفع شاهدت مجموعة من الخراف والماعز ولكن اهم ما شاهدته ولفت نظرى وانا على بعد اقل من مائة متر من هذا القطيع هو البدوية التى كانت ترعى تلك الاغنام حيث انها كانت فى وضع غير طبيعى حيث رفعت ملابسها لتجفف به عرق وجهها وهى لاهية عن ان يحضر احداً فى هذا التوقيت .. الفتاة تتمتع بمسحة من الجمال .. فسيقانها بيضاء ومستقيمة .. انها مثل سيقان ممثلات السينما ولكننى اغمضت عينى لفترة وندمت اننى سمحت لنفسى بان اشاهدها فى هذا الوضع وهى آخذة الامان وبعد فترة قليلة فتحت عيناى وقد عادت الى وضعها فقمت سائراً متجها نحوها حيث انه اتجاه البئر الذى كان يسير فى جهته جنودى  فشاهدتنى ووقفت تنتظر قدومى وهى متيقظة بكل جوارحها وعندما اقتربت منها القيت عليها التحية “السلام عليكم يامستورة” اجابت تحيتى بمثلها وابتسمت كل ملامح وجهها الجميل المعبر.. الفتاه صغيرة السن فى حدود العشرين من عمرها وجسمها ممشوق وهى بيضاء ولكن اشعة الشمس قامت بعملها معها واصبح لونها برونزيا وبه بعض الاحمرار وملامحها كلها صغيرة وجميلة .. نظرت الىِ وهى تقول “تشرب”؟

فسالتها : هل معك ماء؟.. فنفت ذلك وهى تقول معى لبن ماعز وهو احسن من الماء .. وافقتها حتى احصل على جزء آخر من الراحة .. تحتفظ بصفيحة معها وقامت متجهة نحو احدى الماعز والذى كان واضحا ان ضرعها كبير وحلبت امامى الماعز واحضرت لى علبة الصفيح لاشرب منها كانت الكمية التى احضرتها تقترب من اللتر.. شربت وانا مستعد لان ارجع ما فى معدتى من هذا اللبن الذى لم اتذوقه من قبل ولكن من اول جرعة تأكدت من كلامها فهو احسن طعما من الالبان التى نشربها وتعودنا عليها كما انه ذو طعم حلو اى به كمية من السكر.. اخذت جرعة كبيرة شاكراً لها هذا الصنيع ثم سالتنى ستلحق باخوانك الى البئر؟ فاجبتها بالايجاب .. فقالت : سنسير سويا وهكذا امضيت المسافة الباقية برفقتها ورفقة بعض الماعز والاغنام وكلبها الذى معها .. وصلنا الى البئر حيث وجدت جنودى جالسين بعيداً عنه وبجوارهم على والذى بادرنى بانه سيعود الى داره فسألته هل نحن قريبيين من قناة السويس؟ فضحك الصبى قائلاً : انكم على مسافة لاتقل عن مائة وعشرون كيلو .. نزل على هذا الخبر كالصاعقة واستنتجت لماذا الجنود جالسين هكذا وهم فى حالة من الحزن والضيق .. ثم استطرد الصبى قائلا : نحن عدلنا فى مسار طريقكم لانكم كنتم فى المحور الاوسط والذى به اليهود بالاضافة الى المحور الجنوبى اما المحور الشمالى فلا يهود به ولهذا كل ماتم هو تصحيح الوضع بالعودة الى هذا الطريق والذى ستسلكونه وكل مابه من كثرة البدو والمياه المتوافرة حتى قناة السويس.

       رضخنا لما قاله لنا سواء عن قناعة او غير ذلك ثم قام احد الجنود لملأ زجاجة المياه التى زودنا بها الرجل كريم الخلق الذى انقذنا فى اول مرة .. لكن احد البدو نهره طالبا منه الابتعاد حتى تنتهى النساء من اخذ احتياجاتها وهذا شىء منطقى ومعقول ولكن الغير منطقى هو ان يتحدث معه بتلك الفظاظة المؤلمة على النفس .. بئر المياه ليس مثل الابار التى شاهدناها قبل ذلك بل عبارة عن طلمبة مياه مثل الموجودة بالقرى داخل مصر ويقوم من يريد الحصول على الماء بتحريك اليد فتخرج المياه من باطن الارض وهذا دليلاً على ان الارض فى تلك المنطقة قريبة من سطح المياه الجوفية .. كانت المنطقة غريبة على مشاهدنا .. وادى منخفض به طلمبة المياه وتحيط به بعض اشجار النخيل كذلك بعض الحشائش الضخمة الناتجة من تسرب المياه من الطلمبة اثناء التشغيل ثم مرتفع من الارض الرملية به العديد من اشجار النخيل وبعض منازل البدو والتى هى احسن حالا مما شاهدناه فى منطقة جبل المغارة حيث يقترب شكلها من منازل الفلاحين بداخل الوادى مع بُعد المساحات بين المنازل لسعة الارض .. انتهت النسوة من الحصول على المياه فتقدم الجندى لملأ الزجاجة حتى نروى عطشنا ولكن هذا البدوى اشاح بيده فى وجه قائلاً .. بعد ..غور غادى .. بعد ما الغنم تشرب وتروى .. اصابنا الضيق والتوتر فالرجل يحاول اهانتنا وماذنب اشخاص يحتاجون الماء للشرب وملىء الزجاجة الذى لن يستغرق اقل من دقيقتين وبعدها نجلس حتى يسقى كل سيناء .. جلسنا ننتظر على مضض حتى ينتهى من سقاية الاغنام وكان الرعاة يحضرون ويعودون لسقاية الاغنام والماعز والجمال وما لهذا من احتياج لوقت وملىء اوعية للمساعدة فى ان تشرب تلك الدواب بسهولة .. مضى على الغروب اكثر من ساعة ونحن جلوس ننتظر ان يصدر هذا البدوى اوامره العليا بان يسمح لنا بان نقترب من الماء لنرتوى ولكنه لم يفعلها.

    لم تعد هناك اغنام ولابشر فى احتياج الطلمبة وبقينا ساكنين حتى نعزز انفسنا ويطلبنا حتى نعيد جزءاً من كرامتنا المهدره على لسانه الوقح .. ولكنه لم يفعل هذا بل ان احد جنودى نبهنى بانه يفك رأس الطلمبة حيث سيأخذها معه وبالتالى يمنعنا من الشراب .. فارت الدماء فى راسى وشعرت ان هذا الانسان الهمجى يجب ان يلقن درسا قاسيا هو ومن على شاكلته .. حركت عتلة الامان لسلاحى وجزبت الاجزاء واطلقت دفعة آلى جهة الرجل فى الرمال فخرجت اصوات الطلقات محدثة دويا حوله فسقط ارضا صارخا طالبا النجدة وبدون ان يطلبها هب البدو قادمين على اصوات تلك الطلقات شديدة الصوت فى جوف الليل الساكن.

      وقفوا امامنا وهم يشاهدون هذا الجلف الغبى يرقد بالرمال دامعا بعينيه نادما انه منعنا من الحصول على مياهنا وقد شاهد القوم بيده رأس الطلمبة وهنا فهموا السبب فيما حدث .. وبكل صوت خشن وعنف صرخت فيهم .. هذه المياه ارسلها الله من الارض للجميع ولايجب ان يمنعها احد عن محتاج اليها واذا لم تكن لك ديانة ولم تفهم تعاليم الاسلام فعلى الاقل احترم الانسانية وانت ايها التافه القذر تتحكم فى جنودى مانعا عنهم المياه .. اى تصرف لمثل هذا هو الرمى بالرصاص لأى انسان لايقدر قيمة الجندى ونحن فى حالة حرب والجنود محتاجون المياه .. احذركم ثانية باى تصرف مثل هذا معنا او مع جنود آخرين هو قتل عدد منكم بلا رحمة .. وبنفس طريقتهم امرتهم .. بعدوا .. بعدوا .. غوروا من امامى .. ( فى الحقيقة لا اعرف كيف تصرفت على هذا الوضع وانا المتحكم فى اعصابى منذ ثورة الدمنهورى طالبا منى الانسحاب ) كنت اضحك وجنودى على هذا التصرف حيث قال احدهم .. ثار الجمل!!

      بطبعى لا احب العنف ولكن فى مثل ظروفنا شعرت ان البعض من ابناء سيناء كانوا كارهين للمصريين وكأننا نحتلهم وجاء الخلاص على يد الاسرائليين .. المهم ان هناك شىء سىء فى علاقتنا مع بعضهم وهذا ليس تعميما فمنهم الكثيرين على خلق ووطنية ولكن لايجب ان يكون التعاون بهذه الطريقة بين جيش مهزوم ويحتاج العون فى مثل تلك الصحراء الضخمة القاتلة وابناء المنطقة حتى لو لم نكن من بلد واحد ولكنننا على الاقل جيران .. هذا ما نجحت فيه الحكومات المتعاقبة قبل الثورة وبعدها وهو اشعارنا واشعار هؤلاء البدو انهم ليسوا من داخل الوادى وكأنهم من دولة اخرى ولهذا كانت الحكومة تضع نقط جمارك قبل قناة السويس من الشرق .. وتوجد منطقة فى القنطرة شرق تسمى الجمرك وبها رجال الجمارك كأنك قادم من خارج الحدود .. كما كان لابناء الوادى هم الاخرين عبئا فيما حدث وهو الاستهانة بهؤلاء الناس والتقليل من قيمتهم مثل ما كان يحدث مع ابناء الصعيد قبل ذلك .. سياسة استعمارية فاسدة.

    غادر الجميع المنطقة بعد ان قام هذا الانسان ردىء اللسان باعادة رأس الطلمبة الى مكانها كما وبخه احد المشايخ قائلاً : له لم نفعلها من قبل ونرفع رأس الطلمبة كيف تفعلها الان وامامنا الدفعة يحتاجون مياه .. لقد ظلمتنا قبل ان تظلم نفسك واعتذر الرجل بالانابة عن القبيلة.

      شربنا وارتوينا ونحن سعداء بان وصلنا الى تلك المنطقة وبها طلمبة مياه .. يا للحظ الحسن كما كان لرد الفعل العنيف جهة هذا الهمجى وما فعله بالجنود اكبر اثر نفسى باننا لايجب ان نهادن من يضايقنا ويقفلوا امامنا باب الرحمة التى خلقها الله وبعثها الينا .. لايجب ان نستكين وعليهم ان يعلموا ان هؤلاء الرجال هم من جيش مصر وانهم ليسوا اذلاء بعد ان ترامى لهم هذا الاحساس باننا مساكين نحتاج العون .. ان كل ما نحتاجه هو المياه وتلك مياه الدولة ونحن من ابناء تلك الدولة ولا جباية اوفروض او سلطة لأحد على المياه .. اسعدنا هذا الرد والذى جاء بنتيجة فعالة وانه لوتم معه هذا التصرف منذ اول مرة اهان الجنود لوقف الجميع احتراما لهم ولكن التغاضى والمساومة تأتى بنتائج غير صحيحة وعكسية.

       شاهدنا اثنين من البدو قادمين فى اتجاهنا حاملين شيئا ما فى ايديهم وقد تبين انهما شيخا القبيلة الذين وجه لومها الى بطل ابطال الطلمبة وشخص آخر وحييونا ووضعوا امامنا طعاما وهم يقدمون اعتذارهم للمرة الثانية .. اعتذرت عن قبول الطعام وقبلت اعتذارهم عما حدث من ابن القبيلة المخطىء ولكن الرجلان قالا ان الطعام شىء آخر وهو من صفات اهل البادية ومن مرؤة العرب وانه لامجال لعدم قبوله لان هذا سيسىء اليهم وتصبح القبيلة كارهة لنا نحن الدفعة .. شكرناه وقبلنا الطعام وغادرونا بوعد بارسال الشاى الينا .. كنا جوعى فهذا هو الطعام الذى نتناوله منذ ما يقرب من ثمانية واربعين ساعة لأن بعض كسرات الخبز الذى وزعها علينا فارس “صحراء البرص على بك الصغير” لم تكفينا .. تقدمنا للطعام بيد ثابته فالله يرزقنا من فضله ويسخر عباده لتقديم العون لنا.

       كان الطعام طيبا وكمياته تزيد عن حاجتنا رغم الظروف التى كانت تخيف البدو من انقطاع الامدادات من مصر بعد الحرب .. بعد قليل حضر الرجلان بالشاى وجلسوا معنا نتسامر ونتحدث فى كل شىء باستثناء الحرب ولكن التركيز الاكبر كان منصبا على جمال عبدالناصر الذى شعرنا من خلاله مدى عشق هؤلاء البدو له كانت كل حياتهم هى عبدالناصر وهم يمجدون اعماله الوطنية فى مصر والعالم العربى ثم يزيدون من المعلومات التى لانعرفها فى المساعدات العينية مثل التموين وحفرآبار المياه وارسال القوافل الطبية لعلاجهم فى اماكن تواجد قبائلهم فى الصحراء بل القوافل البيطرية لعلاج الاغنام والجمال .. وتشجيع ابنائهم بل وبناتهم على التعليم بمجانية التعليم واعطاء مكافات مادية للمتفوقين منهم .

    اسعدنا هذا المديح فى حق هذا الرجل الذى جرداناه من كل مافعله لصالح مصر والعرب واخمدنا خناجر الكره والبغضاء والفشل العربى الزريع والانهزامى له .. واصبحنا اشد خطرا عليه من اعدائه لانه يعلم ان هؤلاء اعدائه اما من يهتفون له بالروح والدم نفديك ياجمال ثم يلجؤن فى الظلام مثل الخفافيش للطعن فيه فهذا هو الاخطر فى حقه وحق مصر.

       انتهت جلسة المصالحة وتبين ان قول الشاعر العظيم احمد شوقى فى قصيدته الرائعة

” سلو قلبى ” والتى تتغنى بها ام كلثوم انه قول فى محله :

وما نيل المطالب بالتمنــى……….ولكن تؤخذ الدنيا غلابـا

وما استعصى على قوم منال……….إذا كان الاقدام لهم ركابا

       كل ما حدث فى اثناء تلك الليلة من الشراب والطعام والشاى والمؤانسة والاعتذارات هو رد فعل لمبدأ القوة التى يفهمها الصديق قبل العدو .. هذه هى المرة الاولى التى نتعامل بها مع اناس خارج الحقل العسكرى ومن ثقافة وفكر غير الفكر داخل الوادى هذا الفكر المنعزل الذى يعتمد على شيوخ القبائل والمبادىء المستمدة من الدين الاسلامى والجذور العربية تختلف بكل المقاييس والنتائج عن القوانين الوضعية والعادات التى توارثناها جيلا بعد جيل.

       فهم الجنود الرسالة وايقنوا انها البديل لعدم التعاون وكما قال الجندى عطية .. لماذا لم نتبعها مع هذا البدوى “مسعد” والذى ارسل شقيقه الصغير معنا امس وحصل مقابلها على ست ساعات يد لاتقل قيمتها عن اربعمائة جنيه”الدولار يساوى 35قرش”ماذا فعل لكى يحصل على هذا المبلغ وماذا فعلنا لندفع كل شىء نملكه اننا لم نقوم بتهريب مخدارت اوشىء ممنوع سنكسب من ورائه فيكون الطمع فينا بالدفع طالما ستكسب فعليك بالدفع .. ماذا كان سيضره ان حضر معنا وعاد مثل اخيه .. ان شقيقه يحضر لهذا المشوار من اجل ان يحضر منخلا لامه من خالته .. كان يعتبرنا منخلا!!! .. فعلا كان يجب التعامل معه بتلك الطريقة لان هؤلاء القوم اذا شعروا اننا لقمة سائغة سيطيحون بنا ويعرقلون سيرنا ولن تكون المهادنة عملا طيبا ذا عائد مفيد لنا.

      صباح اليوم التالى اخذنا حاجتنا من المياه وتركنا المكان حتى لانجلس مثل الشحاذين هذا يحضر طعاما وذاك يحضر خبزا خاصة ان الظروف اثناء الحرب تؤثر على المواد الغذائية .. تركناه رغم معارضة بعض الجنود لهذا التحرك .. الماء موجود والظل موجود تحت الاشجار المنتشرة والطعام موجود ولكننى اوضحت لهم وجة نظرى والتى اقنعتهم ولسان حالهم يقول هذا هو المضمون فلا وقت للكرامة ضد الجوع والعطش.

       ابتعدنا عن هذا المكان الرائع الجميل بما فيه من نعم حباها الله عليهم .. بواسطة هذه الطلمبة البدائية والبسيطة التكوين اقيم مجتمع كبير من البشر والاشجار والاهم الانعام .. تلك الحيوانات الرائعة والتى كلها خير  البان.. زبدة .. جبنة .. لحوم .. اصواف .. جلود .. انجاب المثيل لها كما انها تحمل الانسان والامتعة من مكان لاخر .. كل هذا بدون تكلفة كل ماهو المطلوب بعض الماء وتسير الحياة طبيعية حيث تنبت الارض من اعشابها وتأتى تلك الحيوانات تتناول تلك الاعشاب وتسمد الارض فى نفس الوقت ثم يستخرج اللبن من اناثها كما شربته امس الاول وكان شهيا ولذيذ الطعم والمذاق .. حياة تسير ونحن خلفها .

    شعرنا ان نصف اليوم الذى قضيناه فى تلك المنطقة كان رائعا جميلا وها نحن نودعه للمجهول فلا معلومات لدينا ولكننا نسير والله هو الهادى والمستعان وقد اسرعنا الخطى حتى نقترب من اى بقعة جديدة نستريح اسفل اشجارها ونجد الماء والراحة .. اما الطعام  فكان فى نهاية رغباتنا رغم شدة الاحتياج اليه .. استمر تواصل المسير واقتربنا من وقت العصر دون العثور على اى بادرة جديدة وقد تسلل اليأس والضيق بالجنود واقترح احدهم ان نعود لتلك القبيلة ونعيش هناك حتى نعثر على احد يرشدنا الى الطريق السليم .. وجد هذا الاقتراح تأييدا كبيرا من الجنود فسالتهم : من منكم يعرف طريق العودة الى تلك القبيلة وقد ترددوا والبعض نفى كيف يعود؟

 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech