Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

الناس والحرب - الحلقه الثالثة

عـــزبة الشياطين

     توارت اشعة الشمس وتوارى معها املنا فى العثور على اى بادرة امل .. كنا فوق تل من الرمال وآخر ضؤ فى هذا النهار سيزول ويعم الظلام الدامس واذا بنا نشاهد اثار اشجار النخيل على مدى البصر واعتقد انها كانت على مسافة كيلومتران من مكاننا ولكن اللافت للنظر ان تلك البقعة الخضراء كانت بجهة الشمال حيث يقبل من جهتها هواء الشمال المنعش القادم من جهة البحر .. حقا لقد تعلمنا من رحلتنا هذه مالم نتعلمه طوال حياتنا السابقة.

        كانت سعادتنا لاتوصف فبدون مساعدة عثرنا على منطقة خضراء بها مياه وزرع واحتمال بشر.. ولكننا تذكرنا حديث الرجل شيخ القبيلة الذى استضافنا امس حين نبهنا عند الاقتراب من تلك المناطق خاصة ليلاً علينا ان نحترس لاحتمال وجود يهود بها فيطلقون علينا النار فورا .. او احتمال وجود “ولاد حرام” من قطاع الطرق والمهربين وغيرهم من الفسقة وهؤلاء احتمال ان يطلقوا عليكم النار.. لهذا كونوا حذرين وامنعوا الحديث واقتربوا من جهة الجنوب لا من جهة الشمال حتى لاتحمل الرياح اصواتكم ورائحتكم والشمال هو من جهة البحر ويكون شمال يدك وانت ناظراً جهة قرص الشمس صباحا.

      تذكرنا حديث هذا الرجل الطيب الذى يعلم الكثير من المتغيرات والمستحدثات اثناء  الحرب ويشعر بصغر اعمارنا وجهلنا بقواعد اللعب فى الصحراء وان كل ما نبغيه هو العودة لمصر ولهذا لانضع قيوداً على تصرفاتنا ومعتقدين ان الجميع ابرار مخلصين .. اثناء السير ليلا فى اتجاه مارصدناه من نجم لنسير عليه تلك المسافة حتى تلك الواحة الخضراء هبطنا منحدرا وجلسنا نتذكر حديث الرجل امس .. هانحن ندخل على هذا المكان المجهول ليلا ونحن لانعرف شيئا عنه ولهذا فإن احتمال وجود شىء مضاد لمصالحنا امر طبيعى .. وكان الرأى هو اما الانتظار للصباح حتى يكون كل شىء واضح واما ان نغامر ونتجه الى تلك الواحة مع الاحتراز وعدم احداث اى صوت وان نكون قريبين من بعضنا البعض .

   بهدؤ تسللنا فى اتجاه الواحة وقد مضى من الليل اكثرمن ثلثه فالساعة تقترب من الحادية عشرة مساء بالتقريب حيث لانملك آداة للوقت ولكن بمرور الايام تعودنا ان نحسب الوقت والزمن .. وصلنا الى المرتفع والذى تقع بخلفه الواحة بعد ان سرنا بحذر حوالى الاربعين دقيقة .. كان اتجاهنا للواحة من الجهة الجنوبية كما علمنا من شيخ القبيلة فلاتحمل موجات الهواء اصواتنا وحركتنا ويفاجئنا من هم متربصون بنا .. كنا نضحك من تعبيراته ومن سيتربص بهؤلاء الجنود المنسحبين وبعد هزيمة جيشهم سوى الاسرائيليين .. ولكننا بعد هذا تنبهنا الى ان العدو قد يكون اشخاصا آخرين ولماذا لايكون هناك حذر وترقب حتى نتجنب ما يكرهنا عليه الاخرون وخاصة ليلا.

       نحن الان فوق قمة التل الرملى الذى يشرف على الواحة ونشاهد من مسافة لا تقل عن خمسمائة متر انواراً منبعثة من عدة مشاعل وفوانيس تعمل بالكيروسين ونيران مشتعلة للطهى ورائحة شواء مع ضحكات منبعثة لرجال يتخللها اصوات نسائية ضاحكة باصواتهم الناعمة الحادة .. مازلنا راقدين على بطوننا نستطلع هذا المنظر الذى لم نشاهده طوال الايام السابقة ولكننا سمعنا صوتا قريبا لرجل وامرآة يتحدثان همسا وفى حديثهم ما ينم عن الخلاعة وكلمات جنسية بذيئة وهذا هو الاخر جديد على مسامعنا .. ارهفنا السمع اكثر فاكثر فاضحت الاصوات ظاهرة واضحة وتيقنا ان الرجل والمرآة فى وضع جنسى ساخن من الاصوات المتبادلة بينهما .. عدنا للخلف قليلا حتى لايسمعنا احد وكان من رأى الجندى فراج وهو رجل صعيدى ان نهاجمهم ونقضى عليهم اما الاخرين فقد انتقدوا ذلك بان الله حليم ستار والجندى مصطفى الاسكندرانى ابدى اعجابه بهذا قائلا “ايوه ياجدعان حاجه تفتح النفس..والمرسى ابو العباس الولية دية باين عليها نتاية ميه ميه” طلبت منهم قفل باب المناقشة رافضا الهجوم عليهم ليلا لأن هذا ضد الدين والاخلاق فتضايق فراج من هذا قائلا : ايه يافندم .. يعنى حنتستر عليهم .. طلبت الهدؤ ثانية ثم صعدنا للامام ثانية وبعد قليل انتهى مابينهما وهما ييتبادلان عبارت الثناء كل على الاخر.. كل هذا كان جديدا على مسامعى فلم اسمع او اشاهد مثل تلك الافعال .. تحركنا جهتهم وكان من خلفهم مصطفى وعامر بينما جلست بعيدا فى الامام ومعى جويلى المندفع وتحرك اليهم عطية وفراج شاهرين اسلحتهم بعد ان جاءهم من خلفهم صوتا يطلب منهم عدم احداث اى صوت والاسيطلقون عليهم النار.. سكن الرجل وانهارت السيدة بكاءا لما سمعته ورأته حيث انها لم تكن زوجة هذا الرجل وانها هربت اثناء انشغال الاسرة بالهرب الى الصحراء وتقابلت مع هذا البدوى الذى كان يحاول التقرب منها .. كانت قصة رديئة نسمعهما منهما .. كان يحق شرعا جلدهم ورجمهم .. لكننا لم نفعل لظروف الحرب  وثانيا كان الظلام شديدا ولم نعلم ماحدث .. هل هو حادث زنى اوحب فقط .. لم يكن هناك مايؤكد علاقتهما .. وقد علمنا من الرجل انه “ناضورجى“يتبع القبيلة او بمعنى اصح تجار المخدرات بسيناء وان هذا هو وكرهم .. سار امامنا ونحن خلفه موزعين على خطين بفاصل بالاجناب خوفا من مهاجمتهم لنا ومعروف عن هؤلاء القوم سطوتهم وجبروتهم فى مثل تلك الامور.

   وصلنا الى مكان تجمعهم وهم فرحين سعداء بما يحققونه فى تلك الايام من تجارتهم فلا قانون فى سيناء والبلد فى حالة فرقة وكل الاجهزة تحركت الى قناة السويس او من تبقى منهم اسروا بمعرفة اليهود .. وقف الرجل والمرآة امامهم وهم فى حالة من التوتر والمرآة متخوفة فسألهم زعيمهم عن سبب تركهم لمكانهم فظهرت اليه وحولى جنودى طالبا منهم عدم التحرك او استخدام السلاح لاننا وحدة منسحبة ولايقل عددنا عن ثلاثمائة فرد وهم ينتظروننى خلف التل وكل ما نحتاج اليه بعض العون من الطعام والماء وكيفية الاتجاه الصحيح لسيرنا .. كنت اتوقع مقاومة منهم ولكنهم كانوا اكثر ذكاءا وشجاعة حيث طلب زعيمهم من معاونيه جمع بعض الاعانات لمدنا بها عارضا ارسال بعض اتباعه للسير معنا ولكننى شكرته حتى لايحدث لهم مكروه ويتعرف عليهم اليهود ويأتى بضرر لهم وهم الباقون فهى ارضهم .. اسعد هذا الرجل وشعر اننا نشعر بهم وقد اكملت حديثى بان كل ما عرفته عنهم لايعنينا من قريب او من بعيد لكن الذى يهمنا هو المساعدة وعدم الغدر بنا .. هنا هتف زعيمهم بانكم من الان اخوة لنا وقد اتى معاونيه بما طلبه منهم وكانت كميات كثيرة من الطعام ولوحظ من ضمن ما يحتفظون به هو تعيينات الجيش الجافة والمحفوظة من علب لحوم وخضروات تابعة لشركة قها ومكتوب عليها حظر بيع لانها تخص القوات المسلحة كما شاهد بعض جنودى اكياس “اجولة” اوراق مالية تتبع المنطقة الشرقية العسكرية .. لقد سرق هؤلاء كل شىء.

     حصلنا على ما نريده وحصلنا على وصفه لطريق السير والمعالم التى ستقابلنا فى الطريق والبعد عن الاماكن الخطرة التى ينتشر بها اليهود كما قصوا علينا بعض مآسى الحرب وقتل الاسرائيليين للاسرى المصريين والتمثيل باجسادهم ثم وضح زعيمهم بانه علينا ان نسلك الطريق الاوسط او الجنوبى لأن اليهود حضروا من الامس على المحور الشمالى واقاموا عدة كمائن لقتل المصريين .. ورغم انهم تجار مخدرات الا اننا شعرنا بانهم ذو قلوب رحيمة ومتأثريين بما حدث لجيشنا ناعين حظهم الذى سيوقعهم تحت الاحتلال مرة اخرى مثل ما حدث فى حرب 1956 راجين من الله ان ينهيه باسرع ما يمكن.

     تبين لنا ان هؤلاء الرجال رغم انهم يتاجرون فى المخدرات الا انه يرافقهم عدد كثير من النسوة واعتقد انهم ليسوا بزوجاتهم ولا باقربائهم نظرا للميوعة التى كانت عليها تلك النساء وقد ظهر من اجسادهم اكثر ما يخفى كما كانت المرآة تترك هذا الرجل لتذهب لتجالس آخر ضاحكة معه مائلة بجسدها او صدرها نحوه مما دفع بزعيمهم الى طلب الاحتشام امام الدفعة قائلا ان هؤلاء الرجال يحاربون بالانابة عنا فلا اقل ان نقدم لهم الاحترام الواجب .. قام الرجل مودعا مصافحا لنا شاكرا لكل ما قيل من اننا لن نبلغ احدا عنه لان هذا ليس من شأننا وقد كان لهذا تأثير قوى عليه .. تركنا المكان ونحن مازلنا على حالة الاحتراز حتى ابتعدنا وعاد السمر والضحك وخلاعة النساء لتكتمل المنظومة”مخدرات ونساء عاريات باغيات”

      ابتعدنا عنهم مسافة امان ونحن نقف برهة ونتصنت لنستمع حتى لايرسلون احدا خلفنا فيقضون علينا فى الحال وهؤلاء القوم ليس لهم امان ولكنى اعتقد انهم خشوا منا عندما علموا انه يتبعنا جيش قوامه ثلاثمائة رجل باسلحتهم وهم يعرفون ماذا يحدث فى مثل تلك الظروف حيث سيجتاحهم الجنود مدمرين كل شىء ممزقين اجسادهم باسلحتهم .

      امضينا ليلتنا سعداء بما حققناه من نصر بالحصول على الطعام وشعرنا بان للقوة قيمة وهيبة ومالنا ونحن نستجدى بعض البدو لكى نشرب شربة ماء وهم لنا رافضون كارهون ولكن السلاح جعل الجميع يقدروننا ولهذا اذداد تمسكنا بسلاحنا بعد ان جاء لنا خاطرفى الايام الاولى من الانسحاب بالقائه ولكننا والحمدلله تراجعنا ليس حبا فى سلاحنا ولكن من يدافع عنا لو حدث مكروه اثناء السير.. اذن فلنحافظ على سلاحنا..

     صباح اليوم التالى شمرنا عن سواعدنا لنظافة السلاح والذخيرة من بعض الشوائب وخاصة زرات الرمال التى تتسرب الى داخل اجزاء السلاح مهما حافظت عليه كل فرد فينا اقتطع جزءا من الفانلة الداخلية لهذا الغرض .. شعرنا جميعا اننا فى معركة وقد دفع هذا بالجندى مصطفى الى ان يصرح قائلا: ايوه يا جدعان لو نعملوا عصابة ونقطعوا الطريق على تجار المخدرات .. يامرسى .. حنلمو فلوس يامه ونعيشو كويس.. اضحك هذا زملاؤه .. ولكن ابن الصعيد تلقف هذا التصريح قائلاً : ايه رايك يافندم اننا نقوم بعمليات عسكرية ضد اولاد الرفضى اليهود الملاعين .. يعنى لو ربنا كتب لنا السلامة حنرجع كده من غير منكون عملنا حاجة .. الله يرحمه سيادة العقيد قائد الكتيبة فضل فى الموقع لوحده ومعاه الجندى المراسله حنفى وتانى يوم انسحابنا عرفنا انه استشهد بعد ما قتل اكتر من اتناشر مجرم من اليهود .. اى والله الواد حنفى لما حصلنا بالليل حكى الحكاية دية حتى كان جايب معاه محفظة سيادة العقيد اللى ادهاله وهو بيطلع فى الروح علشان يوصلها لبيتهم وهو بيضحك ويقول اخدت بتار اخواتى الاتنيين .. عرفهم بكده ياحنفى .. قلهم ان مصطفى توفيق قتل من اليهود كتير .. هما كام ياحنفى؟.. يجيبه :اتناشر قتيل غير المتعورين .. وانا رايح اقابل ربنا لوقدرت تدفنى يكون جزاءك عنداللــــــــ.. وخرجت انفاسه .. الجميع خاشعون لذكرى قائدنا الذى بقى رافضا الانسحاب مكلفا رئيس العمليات الرائد صلاح عثمان بتولى القيادة والذى كان رافضا هو الاخر الانسحاب حيث كان من الرجال ذو المعدن النفيس .. فامره بتولى القيادة وبقى العقيد مصطفى توفيق فهمى ابن الاسكندرية وقائد الكتيبة 352مشاه من اللواء116 يحارب بمفرده متحملاً مسئولية عدم تنفيذ الاوامر بالانسحاب .. انهم رجال اشداء حيث يقول الله تعالى فى شأنهم :

        “من المؤمنيين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه .. فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا” صدق الله العظيم.

     شكرت الجنود على روحهم العالية والتى هى اساس الجندية والعسكرية المصرية ولكن لكل معركة ظروفها ونحن صدرت لنا اوامر بان نعود لغرب القناة وننضم لباقى القوات حتى نستعد لمحاربة العدو.. اراد البعض المقاطعة ولكننى رفضت هذا طالبا منهم تنفيذ الاوامر والتعليمات والتى هى اساس الجندية والتمسك بسلاحنا وان ندافع عن انفسنا ضد اى معتدى مهما كان .. سواء يهودى اوبدوى وانا المسئول امامكم عن اصدار تلك التعليمات .. الان ترتب الحراسة حتى الصباح كل فرد ساعتين ويجب ان يكون متيقظا حتى لاننام جميعا ولاياتى علينا الصباح ونذبح كالاغنام.

    اشرق صباح يوم جديد ومعنا الاطعمة والمياه وزودنا باتجاه سيرنا .. وهى ان ننحرف جنوبا حتى نبتعد بقدر الامكان عن كمائن اليهود ومن الجنوب نسلك “ممر متلا” حيث بعد عبوره نكون على مسافة ستون كيلومترا من السويس اما تلك المنطقة فان اليهود احضروا بها قوات للقبض او قتل كل الدفعة المصريين..

       لقد تغير تكتيك شقيق على بك الصغير من الاتجاه شمالا حيث الغرود الرملية لاتجعل اليهود قادرين على اختراقها بالدبابات او العربات المدرعة ولن يبقى امامهم سوى الطائرات .. اذن سنعود ثانية الى وسط سيناء (حوالى سبعون كيلومترا) ثم بعدها نتجه جنوبا ثم الانحراف غربا الى جهة قناة السويس .. اعتقد انها مسافة كبيرة .. يقاطعنى الجندى عطية قائلاً “ماهو يافندم البُعد عن الشر غنيمة واحنا عايزين طريق سالك وبعيد عن مكان اولاد الابالسة دوول .. وشيخ العرب قال من مكانا لحد ممر متلا حوالى يومين ونص ورجع قال يعنى ميه وعشرين كيلو”

      ايدت كل الاصوات ان نتجه جنوبا حسب وصف الطريق الذى اقترحه زعيم عصابة تجارة المخدرات واستشهد الرجل بان هذا طريق رجاله لتهريب المخدرات لتجنب البوليس المصرى او قوات حرس الحدود انه طريق آمن رغم طوله بعض الشىء لكن المهم امان الطريق .. واصلنا سيرنا وحل وقت العصر فجلسنا ارضا وتحت اشعة الشمس حيث لا نخيل ولا اشجار وتناولنا طعامنا من المعلبات المسروقة من الجيش وبعض المياه وحصلنا على قسط من الراحة ثم اكملنا سيرنا فى الاتجاه الذى قرره كبير مهربى المخدرات .. اقبل الليل وكنا فى دوامة من الفكر هل نكمل مشوارنا او نستريح ليلا ونسير نهارا .. كلاهما صعب ومر.. فالسير ليلا يحتاج الى دقة نظراً لتغير اماكن النجوم .. لابد ان تغير اتجاه سيرك بواسطة النجوم كل نصف ساعة حتى لاتضل الطريق نظرا لدوران الارض حول نفسها فتكون علاقة النجوم مع الارض متغيرة بناء على هذا الدوران .

   اما السير نهاراً فهو احسن حالا من جهة الدقة ولكن اشعة الشمس وحرارتها تلهب الروؤس والاجساد النحيلة الضعيفة ولكننا تشجعنا باننا قد تمرسنا على هذا السير وعلى مقاومة العطش .. قريبا من منتصف الليل حصلنا على راحتنا ولم نستيقظ الا بعد انتشار اشعة الشمس فى المكان تناولنا افطارنا السريع وشربة ماء واتجهنا الى الجهة الجنوبية لسيناء للسير جهتها وما حدث امس حدث فى هذا اليوم مع انعدام رؤية الاماكن الخضراء اوبدو  لاحياة اطلاقا حتى لا نسمع اصوات طائرات العدو وهكذا شعرنا اننا نسير فى منطقة لاتتبع سيناء او ان نهايتها محتومة بالضياع والتوهان بالصحراء الشاسعة .. اتبعنا منهج الامس بان حصلنا على راحتنا بعد منتصف الليل ولكن ما ذاد عليه من الامس هو التوتر الذى صاحبنا لما نحن فيه معتقدين اننا اما ضللنا او ان هذا الخارج على القانون تاجر المخدرات اراد بنا سؤا.

     استيقظنا مبكراً صباح اليوم التالى حيث الم بنا العطش نظراً لاننا تناولنا “بولوبيف” وهودسم وتحيط به طبقة من الدهن ولم نملك تسخينه واكلناه هكذا بدون وضعه على النيران مما اشعرنا بالعطش واثناء الليل طلب الجميع المياه حتى قبل الفجر ونفذت كل المياه وشعر الجميع بالظمأ وهذا دفعنا الى عدم النوم لوقت متأخر.

     كانت مفاجأة الصباح اننا سرنا حتى وصلنا الى قرب الطريق الاسفلت المؤدى الى الطريق الاوسط وهكذا سرنا قرابة السبعين كيلومترا ونحن جلوس هكذا اذ نشاهد سيارة جيب صفراء اللون قريبة منا قاطعة الطريق الاسفلت متجة الى منطقة قريبة ولكن احدا بداخلها لم يشاهدنا مما دفع بالجندى عامر الى ان يقف ملوحا لهم بالوقوف معتقداً بانها تتبعنا واحد زملائه جذبه محذرا بانها ليست لقواتنا ولحظتها انطلقت من داخل السيارة بعض الطلقات فى اتجاهنا لكن الجندى فراج كان اسرعنا استجابة حيث اطلق دفعة نيران على السيارة الجيب والتى انفجرت بسرعة وتطايرت اجزائها فى كل مكان حتى ان بعض محتوياتها وصلت الينا واكتشفنا انها تحمل اغذية للجنود عبارة عن عبوات “علب كرتون” وبكل علبة عدد من ارغفة “الكايزر” وانابيب صغيرة بها جبنة ومربى كما زودت ببعض من الخيار والطماطم الطازجة وعلبة تفتح مثل علب السردين .. اى تفتح بفتاحة ملتصقة بها وهى نوعان .. اما مياه للشرب او نوع آخر من علب البيرة.

    لقد فرجها الله علينا فاسرعنا جهة السيارة المنفجرة نبحث عن بقايا من تلك الاطعمة وكانت العبوات كثيرة بالمنطقة المحيطة بالسيارة فشاهدنا جثة الجندى الاسرائيلى ممزقة ومحترقة من اثر الانفجار الذى تبين انه نتج من اصابة فراج لخزان الوقود بعدة طلقات ادت الى هذا كما سمعنا انات وبالبحث عن صاحب هذا الصوت تبين انها مجندة اسرائيلية كانت بالسيارة ولكنها مصابة وتطلب العون .. كيف سنعاونها؟ تركناها ونحن نلتهم الطعام ونشرب سواء البيرة او المياه .

     كان واضحا ان اصابة تلك الفتاة شديدة لانها اندفعت بقوة الانفجار من السيارة الجيب بسرعة كبيرة فى الهواء وسقطت ارضا وتلك المنطقة صخرية ولكن بعض الكثبان الرملية تغطى اجزاء منها ولكنها وقعت ارضا فوق الصخور وتبين ان اصابتها فى الراس واحدى اليدين لان الدماء مندفعة منهما بغزارة ونحن لا نملك شيئا لاسعافها وكان الجوع والعطش قد بلغا منا مبلغا كبيرا فانهمكنا فيما نحن فيه .

       كنا نشعر اننا مقبلون على خطر ما فمن غير المعقول ان تكون سيارة للشؤن الادارية تعمل بمفردها فلابد انها قادمة لاحضار المؤن للقوات بتلك المنطقة ولم نكن نميز اى قوات بسبب الشمس الساطعة وعدم وجود نظارات ميدان تساعدنا على ذلك كما كان لاهمالنا عنصر الامن هو العامل الحاسم فى مشاكلنا التى تقابلنا فكل ما نريده هو وجبة طعام وبعض الماء لنعوض ما استهلكناه فى الايام الماضية بعد مغادرتنا عزبة الشيطان التى كنا بها .. وكلما اتذكر هذا المكان يتبادر الى ذهنى قصة قوم لوط فلقد كان واضحا ما هم عليه فى تلك المنطقة من انحلال خلقى ومن استهتارالرجال والنساء خاصة ولم تكن هناك اى فكرة لاحد منا ان نجد مثل مارأيناه وشاهدناه فقد كانت الرزيلة واضحة من تصرفات النسوة والرجال على حد سواء حتى ان بعض الجنود اخبرونى بعد ترك هذا المكان انهم شاهدوا فى اماكن جانبية رجال ونساء فى اوضاع مبتذلة وكانهم ازواج ولكن الادهى ان هذا يتم امام بعض الرجال والنسوة الاخرين .. الحكاية كانت مشاع .

      نتناول ما نستطيع من طعام وشراب ولكن لم نهنأ على ما نحن فيه اذا شاهدنا سيارة جيب عسكرية اسرائيلية قادمة فى اتجاه السيارة التى مازالت مشتعلة بها النيران بعد ان قسمها الانفجار الى عدة اقسام تطايرت بعيدا عن بعضها البعض .. تركنا الطعام ورقدنا فى وضع الاستعداد لهم .. كانوا ثلاثة افراد وتبين ان احدهم ضابط لما هو على كتفة من علامات الرتب العسكرية اقتربوا اكثر وهم موقنيين ان سبب احتراق السيارة الجيب هو عمل عسكرى ضدهم ولهذا فهم الاخرين مستعدون لنا وعندما اقتربوا منا وميزوا موقعنا فتحت الرشاشات التى لديهم فى اتجاهنا ومازالت السيارة قادمة بسرعتها وهنا فتحنا نيرانا فى اتجاههم .. سته بنادق كلاشينكوف فى اتجاه هدف متحرك فى اتجاه الساعة (12) وهو الاتجاه المقابل لنا مباشرة .. الدفعة الثالثة من النيران انقلبت السيارة على جانبها بعد انفجار كاوتش السيارة الامامى واندفع احدهم خارج السيارة مضرجا بدمائه جثة هامدة لايتحرك بينما قفز الضابط  من داخل السيارة مسرعا يحاول العودة للخلف وهويطلق النيران فى اتجاهنا ولكن دفعة اخرى

من النيران اسكتته وسقط صريعا بعد عدة امتار اما الثالث فقد تبين انه قتل وان سبب انقلاب السيارة هو انه فقد اتزان السيارة بعد ان فارق الحياة .. اصبحت المنطقة بها اربعة قتلى اسرائيليين وجريح على وشك الموت ولهذا اسرعنا بالفرار نغادر المكان لاننا نعلم انهم يراقبوننا وسوف يحضرون لاخذ قتلاهم وقتلنا والتمثيل بنا.

    هبطنا بسرعة من فوق قمة التل الصخرى لنجد واديا فسيحا من الرمال وهو اقل ارتفاعا من التل بحوالى عشرة امتار ولكن طلقات المدفعية كانت تلاحقنا ونحن فى منطقة مفتوحة والانفجارات تتوالى حولنا ونسقط على الارض تجنبا لاثارها القاتلة اما الدانات التى كانت تسقط على قمة التل الصخرى فكانت تسمع لها اصوات انفجارات شديدة ومدوية والشظايا تتطاير حولنا ويصاحبها صخور متفجرة ملتهبة.

    لقد اصبحنا مثل ستة نملات فى وسط صينية ضخمة والقذائف تنهال علينا من كل جانب .. البحث عن مكان نختبى به هو املنا الوحيد حتى لا نصبح لقمة سائغة لتلك القذائف القاتلة .. نبهنا احد الجنود الى انه فى الجانب الاخر يوجد مايشبه الكهف اسرعنا بكل ما اوتينا من قوة نلتمس به الحماية والامان مما نحن فيه ووصلنا اليه ولكننا فوجئنا بعدو آخر لم نتوقع وجوده .. شاهدت كلبا يقف على باب الكهف ولكن احدهم اخبرنى بانه “ذئبة” انثى ذئب ومعها العديد من صغارها وقد افزعتها الانفجارات وتقف على باب الكهف فى حالة توتر تام وتنظر الينا ونحن امام فتحة الكهف وقد ظهرت انيابها وهى تعلو صارخة بعوائب الذئب المخيف لبنى الانسان .. مازالت الانفجارات تلاحقنا واصبحنا امام خيارين ايهما اصعب من الاخر.. فإما ان نبقى فى هذا المسطح المفتوح لقمة سائغة لقنابل الاعداء تمزقنا اوندخل الكهف ويمزقنا ذلك الذئب الهائج .. تخيرنا الحل الثانى فمن الممكن ان نقتلها اوتصيب احد منا وينجو الاخرين .. تقدمنا واستعد الجويلى لاطلاق النيران عليها والام فزعة على ابنائها فعادت بظهرها الينا واضعة زيلها بين قدميها الخلفيتان واتجهت لأبنائها وهى مازالت فى حالة استعداد ونامت فوقهم تحميهم .. كان عددهم سته من الجرو الصغير الذى يقترب فى الحجم من حجم قطة متوسطة العمر او اقل فى العمر واشبه بالكلاب الصغيرة وكان باديا انهم مازلوا فى مرحلة الرضاع من حركاتهم الغير متزنه واصواتهم الصغيرة الرفيعة النغمة .. نامت الام فوقهم لتحمى صغارها آخذة شكل هلال حولهم والصغار بداخل هذا التجويف .. جلسنا نلهث ونرتجف ونحن لانعلم ماذا سيحدث لنا من هاذين العدويين .. فقد تقوم الام فجأة وتهجم علينا وتمزقنا او يحضر اليهود بعرباتهم المدرعة لقتلنا وذبحنا ونحن لانستطيع الوقوف امامهم سوى دقائق والمعركة محسومة النتائج من قبل وقوعها.

   اصوات الانفجار مازالت تتلاحق بعضها يقترب من مكان الكهف والاخر مبتعد .. يقومون بعملية تفتيش بنيران المدفعية لعلهم يصيبوننا او نرفع راية التسليم لهم .. انظر الى الكهف فاجد ان مساحته صغيرة للغاية فارتفاعه لايزيد عن المتر وعمقه ثلاثة امتار وواجهته حوالى متر ونصف ويرتفع عن منسوب الوادى الرملى الذى كدنا ان نلقى حتفنا فيه بحوالى المترين وبداخله بعض الرمال الناتجة من الرياح التى طمرت هذه الصخور وغطتها بالرمال ولكن الاساس هو ان المنطقة صخرية حتى اننا كنا نسمع اصوات الانفجار فوق سطح هذا الكهف وتحدث هزة عنيفة واصوات مؤلمة للآذاننا.

      مازلنا جالسين ننتظر قضاء الله وقدره وليس فى وسعنا شىء نفعله ونحن مستعدون للقتال واجزاء السلاح جذبت للخلف وكل ماسورة بها الذخيرة لتندفع فى اتجاه اى قوة تحضر للفتك بنا حتى لو كانت دبابات .. فلن نستكين وسنقاتل الى لآخر طلقة مثل ما كنا نقراءه فى الشعارات وقد تفيد الشعارات فى بعض الاحيان وما هو البديل ان نموت شرفاء شجعان بدلا من ان نموت باكيين متوسلين لهم ولن يجدى معهم هذا التوسل لأن القوى يحترم القوى الاخر .. وهم من هذا الطراز الذى يخشى العنيد المقاتل .. مازال العرق يخرج من اجسادنا غزيرا مع نبضات قلوبنا المرتفعة ليس خوفا ولكن من المجهود فى الجرى والبعد عن القذائف القاتلة.

 

 

 مملكة الذئــاب

 

     مضت اكثر من خمسة عشرة دقيقة على وضعنا الحالى وبدأت نفوسنا تستعيد وعيها ويقل نبض قلوبنا ونحن على علم تام انه لم ينته اللقاء بعد مع هؤلاء الاوغاد قتلة الانبياء ومازالت الام الحنون الذئبة ترتجف محتضنة صغارها وقد فكرت مثلنا ماذا تفعل وليس امامها سوى خياران كلاهما مر فاما ان تخرج خارج الكهف وتأخذ صغارها وتعرضهم لهذا الدمار التى تشاهده او تبقى مع اعدائها من بنى الانسان وقد اختارت الحل الثانى مثلنا ولعلها شعرت اننا مثلها ضعفاء امام عبقرية القتل التى اخترعها الانسان وكما قال رب العزة انه كان ظلوما جهولا.

    لا استطيع فى غمرة هذه المأساة اللاحقة بنا وان حياتنا على كف عفريت وان موعد الاعدام بالجملة فى هذا الكهف والذى سيصبح مكانا للذبح والسلخ كلانا امام بعض او كلانا سويا الا اننى اذكر حكمة الله فيما كنا فيه ونحن فى هذا الوضع المؤلم الذى لم نتعرض له قبلا وما كانت عليه الحالة بين الام وصغارها وهم ممسكين بحلمات ثديها يمتصون اللبن الذى وهبه الله لهم ليحيوا كما يحيا الاخرون فيتشاجر ويتعارك الصغار على ثدى الام والذى يفقد حلمة يبحث عن اخرى فيجد اخاه ممسكا بها ويحاول ان يكون هو صاحب النصيب وهكذا شجار وعراك والموت اقرب اليهم من حبل الوريد اما الام فهى مازالت ترتعد وتزيد من احتضانها لصغارها كلما مر الوقت وكانها تعلم ماهو القادم لكل هؤلاء الذين يعيشون فى هذا المكان الواحد .. اعداء لبعضهم البعض اصدقاء عندما يكون العدو واحد ونهايتهم واحدة  بدون ترتيب او تمهيد اوتدريب لكى نعيش سويا .. انها يد القادر وحكمة الله فى مخلوقاته.

      نسمع صوت طائرة هليوكبتر تفتش المكان عنا وتقترب منا وتطلق عدة دفعات من نيرانها ثم تذهب وتعود ثانية وعند هذا يندفع الجندى جويلى الذى تدرب على العمل فى فصيلة الرشاشات الثقيلة المختصة بضرب الطائرات المنخفضة وما لهذا المدفع من مساوىء فلم نعلم طوال خدمتنا فى الجيش انه استطاع اسقاط اى طائرة حتى ولو عصفورة والسبب انه كثير الاعطال .. يتحرك هذا الجندى الشجاع من نفسه ويطلق كل خزنة بندقيته فى اتجاه الطائرة حيث كان احد القناصين اليهود بها يطلق علينا النيران من مدفعه الرشاش .. الذخيرة تصيب هدفها بدقة فقد شاهدنا الجندى الاسرائيلى متدليا من الطائرة بعد ان مزقت النيران صدره تماما من بندقية جويلى والدماء تتساقط ارضا والطائرة تسرع لانقاذه ولكنه قتل وسقط سلاحه من يده امامنا مباشرة ومازال معلقا بالسير الذى وضعه حول جسده.

   ماتم قد حدث واشرت اليهم بعدم الاندفاع لمثل تلك الافعال التى لاتحمد عقباها ولكن الجنود كانوا فى منتهى السعادة ان استطاع زميلهم ان يقوم بهذا العمل الناجح وليكن ما يكون وكان هذا هو شعورى الداخلى ايضا ولكننا كنا فى مأذق شديد لاننا محاصرون داخل هذا الكهف فلقد تأكدوا من وجودنا ولابد لهم ان ياخذوا بثأرهم منا .. لم يدم الحال عدة دقائق واذا بطائرة اخرى تتقدم بنفس الاتجاه ونفس المسافة وتطلق صاروخا فى اتجاهنا وقد انبطحنا جميعا ارضا عدا الجندى عطية والذى شاهدته يضع يده على وجهه ولم نشعر سوى بصوت الانفجار واندفاع رمال ساخنة ملتهبة على ظهورنا وصوت صراخ عطية وصوت عواء الذئبة الام وابتعد صوت الطائرة.

     جلسنا بعد ان تلاشى الغبار لنجد ان عطية قد الهبت النيران المتصاعدة من الرمال الساخنة ظهر يديه وهنا صرخ عامر متسائلا : اين الذئبة وصغارها؟ واندفعنا الى مكانها حيث الرمال قد اخفتهم باسفلها وبسرعة كشفنا الرمال من على الام وصغارها ولكن الرمال كانت قد حرقت ظهر الام فلم نجد شعرها وجزءا من جلدها فقد احترق ورائحة حريق الشعر والجلد تغشى انوفنا ولكننا عثرنا على الصغار الستة على قيد الحياة حيث حمتهم امهم بجسدها مانعة تلك الرمال المشتعلة ان تصل اليهم وجذبنا الصغار وهم مازالوا متعلقين بحلمات ثديها يرضعون منه وهم لايعلمون ما حدث للام ولكن الام مازالت على قيد الحياة تتلوى من الالم وهنا تفتق ذهن مصطفى بان يضع عطية بعض من ماء البيرة على يده لتخفيف الالم وفعل هذا وعطية يصرخ ولكنه بعد فترة شعر براحة وقد انخفض مستوى الالم الذى كان يعانيه وقد اصبحت يده محترقة مثل ما يقلى الانسان دجاجة فوق الزيت اعجبتنا الفكرة لننفذها على الام التى كان لحمها اسفل جلدها ظاهرا وجسدها ينتفض .. صعد صوتها عاليا يخيفنا نحن البشر وقد اسرع صغارها اليها بحاستهم حيث مازال نظرهم ضعيفا لايقوى على الابصار الواضح وهم يلتهمون حلمات ثديها ولم تمضى فترة قصيرة الا وعادت الطائرة مرة ثانية واستطعت ان اتميزها .. انها تتبع قوات المظلات الاسرائيلية وهم الجنود الاشد قسسوة فى قتالهم حيث يقاتلون تحت عقيدة اننا المصريون كفاراً.

   تطلق الطائرة صاروخا آخر اخطاءنا او قل اخطأه الله فلم يدخل الى الكهف بل ارتطم بصدر الكهف من اعلا محدثا دويا هائلا واذا بصخور كثيرة تتساقط لتقفل فتحة الكهف الامن ثغرة واحدة فى حجم طبق فنجان القهوة لنرى ما بالخارج وسمعنا عقب انفجار الصاروخ انفجار آخر لكنه ابعد قليلا عنا وُسمع فى اعقابه اصوات طائرات هليكوبتر واصوات محركات عربات وصراخ  رجال ونحن لانعلم شيئا فقد دفنا فى هذا المكان ونحن احياء ومازلنا ننتظر منهم الخطوة التالية ولكن مر بعض الوقت ونحن لانرى ولانشعر بغارات جوية علينا حيث كان الهرج خارج المنطقة وبدات اصوات الطائرات تقل رويدا رويدا حتى تلاشت واعقبها انخفاض لاصوات العربات الجيب واصوات البشر الذين كانوا يتحدثون العبرية والانجليزية فى آن واحد ولقد استطعت ان اتميز بعض الكلمات وخاصة كلمة انجليزية .. (That is enough) “ذات اذ انف” ومعناها هذا يكفى .. ساد المنطقة هدؤ تام ولم نعد نسمع سوى صوت الام الذئبة ومشاجرة صغارها وقد اقترح احد الجنود ان نروى ظمأ هذا الحيوان المسكين من اجل صغاره بل وان نقدم لها الطعام فقام احدهم بفتح علبة بولوبيف ووضعها امامها ولكنها لم تنظر اليه وقام الاخر بفتح فمها وهو يصب فيه مشروب البيرة وهى غير قادرة على شربه ولكنها شربت جزءا منه عنوة بعد ان صب الجندى المشروب فى فمها الواسع .. مازالت الذئبة تعوى وصوتها داخل الكهف يحدث اثراً نفسياً سيئاً فهو ليس بالمحبب وما نشاهده من خلال الضؤ المتساقط من الفتحات الصغيرة من خارج الكهف وخلال الفواصل بين الصخور التى قفلت الفتحة والتى لاتستطيع  الذئبة وهى سليمة بان تخرج منها لصغرها فأيقنا اننا هالكون لامحالة وكيف نحرك تلك الصخور والتى كل صخرة اقرب فى الحجم من النصف متر مكعب وهى عديدة وكثيرة .

     اقترب المساء وقلت الرؤيا ونحن جالسون هكذا وكل تأكد ان نهايتنا ستكون فى هذه المقبرة وكيف سنخرج منها ومن سيحضر ليفك اسرنا .. وكيف سيفك هذا الأسر برفع تلك الاثقال الضخمة التى سقطت فوق بعضها البعض لتحدث حائطا صلبا اشد قسوة من الخراسنة المسلحة .. كل انسان ينظر الى الاخر وهو يتذكر كيف سيكون عليه حاله وكيف يحدث للمتوفى بعد ان يغلقوا عليه باب المقبرة وماذا لوحدث ودبت فيه الروح مرة ثانية كيف يستغيث وكيف يستطيع ان يفتح المقبرة وقد شيدت بالطوب والاسمنت .. نحن اصبحنا مثل هذا المتوفى ولكن المتوفى احسن حالا لأن روحه صعدت الى ربها ولم يعد امامه سوى عذاب القبر.. اذن فسيكون الامر معكوسا معنا حيث سنعانى من عذاب القبر اولا ثم تصعد روحنا الى بارئها .. بدا التوتر يصاحبنا خاصة بعد ان لاحظنا خمود حركة الذئبة وبعد قليل حركت قدميها بسرعة وخرجت روحها واصبحت جسداً محروقا بجوارنا وبعدها بقليل بدأت صغارها تصدر اصواتها الرفيعة التى تشابه اصوات الكلاب الصغيرة وتسير على غير هدى بيننا واذا تعثرت فى اصبع احد منا فتقوم بمصه اعتقاداً ان هذا ثدى الام .. تأثرنا لهذا الشعور الانسانى ونحن نشاهد صغاراً رُضع حُرموا من حنان ورعاية امهم وانهم ملاقون حتفهم مثلنا .. اقترح احدهم ان نطعمهم بقليل من “البلوبيف” وحاولنا ولكن الصغار امتنعوا عن تناول البلوبيف ماذا نفعل وقد نسينا انفسنا امام ماهم فيه وكأن هؤلاء الصغار من بنى آدم ولكن الله طلب منا الرحمة بالحيوان وخاصة هذا الضعيف وانفرجت اسارير الجندى الجويلى عن قص روايات من بلدتهم بالريف عن ان مثل هذه الحيوانات بأنها ملائكة وقد نمتنع عن طعامهم فيظهروا على حقيقتهم ويسخطوننا قرودا فضحك زملائه من تلك الرواية وعلق عليها مصطفى قائلاً : ..ايوه ه ه ارجع اسكندرية وانا قرد .. يامرسى ابو العباس وبدلا من اسمى مصطفى حنون حيبقى اسمى مصطفى  ميمون.. فضحكنا لهذا التعليق.

    عم الظلام وهاهو الليل يقبل ونحن مدفونون فى تلك المقبرة بدون حركة ونقضى حاجتنا فى نفس المكان وبداخل ملابسنا وبجوارنا انثى الذئب التى قضت نحبها تاركة ستة من صغارها بجوارنا يصرخون من الم الجوع وفقد الام ولكن الواضح انهم من حين لاخر يذهبون الى جثمان امهم يلعقونه ويقفزون على راسها ويلعبون بذيلها يريدون ان تبادلهم اللعب والحب الذى تعودوا عليه ولكن لاحياة كما انهم يحاولون لعق حلمات صدرها لكن دون فائدة فيعودون الينا صارخين وقد الم بهم الجوع .. كان هذا المنظر وتلك التصرفات تؤثر فى مشاعرنا واحاسيسنا ونحن على هذا الحال لا امل لنا فى النجاة وحتى اذا فرج الله كربتنا هل نضمن الا نجد اليهود فى انتظارنا خارج هذه المقبرة اللعينة ممزقين اجسادنا باسلحتهم بعد ما اصابهم منا حيث قتل خمسة منهم بالاضافة الى المجندة التى هى اقرب الى الموت منها للحياة.

   تفتق ذهن احدنا بان يضع اصبعه فى علبة البلوبيف وتلعقها الصغار وقد اتت بعض النتائج حيث تبادل هذا مع باقى الصغار الذين كانوا ياتون له صارخين طالبين جرعة اخرى .. اقترح احدهم ان نضيع وقتنا فى السمر والحديث حتى يمن الله علينا بالفرج او اللقاء معه بان يدلى كل شخص منا بحكاية تقطع هذا السكون الطابق علينا وهذا الظلام الممسك باعيننا وهذا الهواء الفاسد من الروائح التى بدأت ننبعث من الكهف سواء لما تم اخراجه من بطوننا او من عدم تجديد الهواء كما ان البكتريا بدات عملها فى امعاء وجسد انثى الذئب.

    بدأ الحديث للجندى جويلى وهو من ريف محافظة الفيوم حيث قال: فى احدى امسيات الصيف واثناء رى ارضنا الزراعية والرى ليلاً حسب تقسيم فترات الرى بين الفلاحين وزراعة الارز تحتاج مياه كثيرة كنا نساعد ابى ومعى اخوتى الثلاث وطلب منى ابى ان اذهب لاخر الارض لتتبع المياه حتى لايكون امامها مانع من ان تذهب الى باقى احواض الزرع التى نرويها وبعد ان انهيت مهمتى وانا عائد اذ بى اشاهد ذئبا امامى ووقفت متسمراً فى مكانى وانا احمل فأسى وفكرت فى طلب النجدة من اخوتى وانا اعلم ان الذئب سريع الحركة وقد يهجم على فى لحظة وقلت فى نفسى سوف استعد له حتى اذا هاجمنى اضربه بفأسى ضربة قوية قبل ان يحدث بى اصابات وانا على هذا الحال سمعت صوت ذئب آخر يعوى من على مسافة فاجابه الذئب الذى امامى بنفس طريقته فى العواء .. هنا قاطعه احد الجنود قائلا : لماذا تقلد عواء الذئب ان صوته يخيف اى انسان وقد اجابه جويلى نافيا هذا ثم بعد فترة اخرى سمعنا نفس الصوت وهنا طلبت منه عدم تكرار هذا فنفى الجندى ذلك وسألت الجميع من منكم احدث هذا الصوت لأننا فى ظلام دامس .. نفى الجميع انه قلد صوت الذئب ولكن المفاجأة ان هذا الصوت كان لذئب حقيقى يقف امام الكهف يعوى بصوت مرتفع يتردد صداه بين جنبات الجبال المحيطة بنا فى سكون صحراء سيناء الصامتة وخاصة ليلاً اذن هناك ذئب حقيقى وقد اضطرب بعضنا ثم عاد الينا الهدؤ واننا نحمل سلاحا نستطيع قتل العديد من الذئاب.

      لكن الملاحظ انه حدثت حركة بين صغار الذئاب الموجودة معنا وكنا نشعر بهذا فى الظلام الدامس معتقدين بأنها خائفة ولكن هذا لم يحدث فكلما امسكنا ببعضها لنحاول حمايتها واشعارها بالامان بيننا نجدها تتركنا وتحدث اصواتا رفيعة الصوت لكل عواء للذئب خاصة عندما يقترب من الصخور وبصوت اقل ضجيجا يحدث اصواتا مثل الاصوات التى تحدثها الكلاب عندما يضربها احد .. اذن هناك شفرة ما بين الذئب بالخارج وهذه الصغار وقد افتى احدنا بان الصغار يعتقدن بان هذا الصوت هو صوت امهم ولذلك فهم يحاولون الرد عليها ولكننا اخطأنا لان الصغار تذهب لامها وتحدث حركة معها وتحدث اصوات صغيرة تدل على ما يحاول الذئب الكبير ان يفعله .. هى اصوات اقرب الى البكاء .. كان هذا هو فارق الاصوات التى تداخلت الى آذاننا ونحن فى هذا الظلام الدامس .. توقفنا عن الحديث حتى لاتأتى سيرة شىء آخر ويحضر مثل ما حضر الذئب على السيرة التى كان يتحدث عنها الجويلى.

    شعرنا بان هناك حركة من ذئاب كثيرة خارج الكهف وكان اعتقادنا ومايزال انها قادمة لافتراسنا وكنا نتمنى منها ان تحاول فك هذا الحصار عنا ونحن جاهزون لها ولكن هذا لم يحدث .. امضينا تلك الليلة ونحن على هذا الوضع نسمع اشياء ولانعى مايحدث خلف هذا الجدار من الصخور البازلتية السوداء كما كنا نشعر بأن اشياء تسير على اجسادنا او ايادينا وفى الغالب كانت فئران او سحالى .. امضينا تلك الليلة بين عواء الذئاب خارج الكهف وردود من الصغار معنا حتى انبلج الصباح وضربت الشمس بضوئها القوى المنطقة فانعكس على الرمال الصفراء الناعمة فعم الضؤ علينا بالداخل ولكن هالنا وجود تلك الذئاب الكثيرة خارج الكهف وهذا شىء غير مألوف ان تظهر الذئاب نهاراً حيث ان نشاطها كله يكون اثناء الليل.

    شاهدنا الذئاب الكبيرة بالخارج وهى تحاول ان تجد ثغرة تنفذ منها الى الداخل ولكن دون جدوى مع ما يمثله هذا من انات ضعيفة صادرة منها وخاصة هذا الذئب الضخم دليلا على ان شيئا سيئا تعانيه تلك الذئاب وقد اقترح احد الجنود ان نقذف “بجرو” من الصغار للخارج حتى نرى ماذا سيحدث له ولكن الباقين رفضوا هذا متعللين بان تلك الذئاب ستفترس الجرو الصغير فى الحال ولكن اشد ما كان يدهشنا هو تصرف الصغار حيث يحاولون التوجه الى مصدر الصوت بمحاولة تسلق الصخور فلا يستطيعون ويقعون ارضا بجوارنا وقد فكرت بفكرة لاختبار الذئاب بالخارج حيث اقترحت عليهم ان نقطع جزءا من جسم الذئبة الام المتوفاة ونقذف به من الكوة التى نشاهد منها تلك المشاهد ونرى ماذا سيحدث وقد اجتمع رأيهم بان الذئاب ستتقاتل من اجل تلك القطعة فاجبتهم  باننا لن نخسر شيئا فلقد ماتت الام وعلينا التجربة فترددوا واخيراً تشجع فراج ابن الصعيد واخذ السونكى وقطع ربع الذئبة الخلفى وقذف به من الكوة وهنا اجتمعت كل الذئاب حول هذا الجزء ولكن المدهش ان احداً من الذئاب لم يقترب من تلك القطعة لالتهامها كما كنا نتوقع ولاحظنا ان الذئب الضخم الذى يحاول النفاذ الى داخل الحفرة وقف ينظر الى تلك القطعة محدثا اصواتا ضعيفة مثل ماسبق وقلت اصوات كلب ضربه احد ضربا مبرحا فيجرى صارخا .. هذا ما حدث والذئب يدور حول هذا الجزء يعوى باستكانة ثم ينام ارضا واضعا فمه فى الرمال ويقف ويلف حول نفسه ثم تأتى بعض الذئاب اليه يلعقن جسده وهو مازال على هذا الوضع المأساوى الذى شعرنا به نحن بنى البشر.

      نحن جميعا مشغولون بهذا المنظر ولا ندرى ايهما هو الصحيح هل جاءت تلك الذئاب لالتهامنا ام جاءت من اجل الام وصغارها وقد كنت اعلم من مشاهدة برامج عالم الحيوان ان تلك الحيوانات اجتماعية وتعيش فى قطعان مثل الماشية والاغنام .. واخيرا ما شاهدناه ولم نشاهده قبل ان هذا الذئب الضخم حفر بمخالبه حفرة ودفع بهذا الجزء المقطوع اليها واهال الرمال فوقها ونام فوق تلك الحفرة يحدث اصوات البكاء والالم التى تصدر عن الكلاب بعد ضربها او ايلامها .. زاد تأكدنا ان الام تنتمى لهذا القطيع وقد يكون هذا الذئب هو الاب وذهب لاحضار طعام وعاد فشاهد ان جحرهم مدمر وهذا ما دفعه لطلب النجدة بهذا العواء المتتالى والذى على اثره حضر العديد من الذئاب كما ان همساته من خلف الصخور للصغار فهمت منها تلك الصغار انه اباهم وهو يحدثهم بما لانعلمه وفوق كل ذى علم عليم .

      قررنا التضحية باحد تلك الصغار بدفعه للخارج واثناء تلك المناقشات وجدنا ذئبا آخر يقف بجوار الذئب الاول ولكن الملاحظ ان هذا الذئب كان انثى حيث ظهر ثديه وحلاماته ويدل على انها ام ترضع لسقوط تلك الحلمات وبروزها مثل ما نلاحظ كلاب الامهات ويتعاطف معها الناس بان تلك الكلبة اما وترضع ويعطيها البعض طعاما من اجل صغارها الذين يرضعون .. اقتربت الانثى تهمهم بصوت خفيض وقد ايقظ هذا نشاط الصغار اكثر من السابق.

      الشىء اللافت للنظر اننا اثناء انشغالنا بهذا المنظر وهذا الحوار الذئبى بين الكبار والصغار سمعنا صوتا وشاهدنا حركة فى بطن الام المتوفاه وبسرعة توجه الصغار الى فمها يلعقون شيئا مثل ما تلعق الكلاب الطعام ويحدث صوتا لهذا والاهم ان كل صغير يذهب ليلعق فم امه من جهة ومن الجهة الاخرى يلعق صغير آخر فم الام واخواته يتصارعون ليحصلوا على نصيبهم من هذا الطعام الذى لانعرف ماهو.. بعد حصول كل صغير على عدة لعقات من فم الام ينظف فمه مثل ما تفعل القطط بقدميها الاماميتين .. مد عطية اصبعه على فم الام وحصل منه على نقطة من السائل الذى يتساقط من فمها واشتمه .. فاذا هو رائحة طعام مرتد من معدتها بسبب التحلل والتى دفعت الغازات به الى البلعوم ثم فمها واشتمته الصغار فلعقته كأنه طعام او لبن الام او كما قال عامر انه لبن العصفور للذئاب .. كنا امام حقائق نراها لاول مرة ولم نقرأ عنها وقد يكون علماء الحيوان يعرفوها ويعلموها لانهم مختصون وقد تكون اية من آيات الله سبحانه وتعالى.

     تشجعنا بان نقذف بالصغير لهم ونرى ماذا سيحدث خاصة بعد حالة القلق التى شابت الصغار كلما حضرت تلك الانثى مقتربة من الصخور تهمهم باصوات تدفعهم للانفعال ومحاولة الوصول لهم .. مد مصطفى يده باحد الصغار من الفتحة الى الخارج دافعا بالصغير الذى تدحرج على الصخور ونسمع صوته وصراخه ونراقبه فى نفس الوقت وقد حضرت الذئاب جميعها بعد ان اطلق الذئب الكبير عوائه الشديد والتموا  حوله ونحن نتوقع ان يلتهمونه ولكن خاب ظننا ونجا الصغير حيث احتضنه الذئب الكبير لاعقا جسده الهزيل والذى يسقط على جانبه من كل لعقة يلعقها له ثم مسكته تلك الانثى من رقبته وهو يتدلى من بين فكيها ونامت فاردة ارجلها تاركة الصغير يبحث عن حلماتها وهو يصرخ وهو يرضع من شدة فرحه..

    صفقنا لنجاح التجربة .. اذن كل هذا العدد جاء لانقاذ الام وصغارها .. ارسلنا بالثانى وما حدث للاول حدث له ونحن نشاهد الصغيرين يرضعان بنهم من صدر الام البديلة كل هذا والصغار الموجودة معنا لاتكل من البحث عن مخرج وتصعد قليلا ثم تسقط بالداخل وتصرخ من سقطاتها .. اكتمل العدد بالخارج الان ستة من صغار الذئاب بالخارج وقد انضمت ام ثانية للاولى للمساعدة فى ارضاع الصغار وتدفقت الدموع من اعيننا جميعا لهذه القدرة الاهية  وسعادتنا لاتوصف متمنيين من الله ان نحذو حذوهم وتفرج كربتنا.

     مضى على وجود الصغار ما يقرب من الساعتين مع عائلاتهم وفراج يصف لنا كل ذئب وذئبة قائلا : هذا خالهم وذاك عمهم والاخر جوز عمتهم وهكذا مما ادخل البهجة والسرور الى قلوبنا .. انتهت الصغار من طعامها ونامت فى احضان الامهات البديلة بجوار هذا الثدى الذى انزل الله لهم طعامهم الذى يحييهم ويمدهم بالحياة ويمنع عنهم الموت جوعا .

    نلاحظ الان ان كل ذئب التقط صغيرا بين انيابه ويسير به والصغير لايتألم وكل مسافة ينزله ثم يعود فيحمله او يحمله ذئب آخر حتى تواروا عن اعيننا وانتهت تلك الملحمة الالهية  فشعرنا بنصر كبير لما تحقق واثقين ان الله لاينسى مخلوقاته وان الله سيجزى كل انسان بما يستحقه .

   اعدنا ظهورنا للخلف وقررنا عدم تناول الاطعمة المحفوظة التى حصلنا عليها من تاجر المخدرات وزملائه وهذا هو نهار اليوم التالى لوجودنا فى تلك المقبرة الجماعية ولم يجد جديد فلا اصوات محركات خارج الكهف ولا نرى اثرا للبدو يسيرون فى تلك المنطقة وقد ايقنا ان مهرب المخدرات القذر قد ارسلنا الى التهلكة وقد اثار هذا غيظنا وحنقنا وخاصة فراج الذى قرر اذا شاء الله وانقذنا فسيعود لهم مفرغا خزنة بندقته فى اجسادهم القذرة .. ولكننى اردت ان اعيد الاتزان النفسى لنا جميعا بان ُرب ضارة نافعة ولولا حضورنا هنا ماقتل هذا العدد من الاوباش اليهود ولقد تمنيتم ان نقوم بمعركة قبل ان نموت اونعود لوطننا حتى نثبت لانفسنا اننا مقاتلون ونثأر لشهدائنا.

    اعادت تلك الكلمات المشجعة روح التفاؤل اليهم وتبادلنا الاحاديث العادية والبعض يغنى بعض اغانى شعبية يتقنها حتى يمر الوقت علينا الى ان يظهر الله ارادته الاخيرة وقد نفذت كميات المياه والبيرة وهكذا اضيف الى نفاذ الطعام المياه ولم يتبقى سوى السبب الرئيسى الاول فى حياة البشر وهو الهواء الذى ازداد فساداً وقلت كميته واصبحنا نسمع اصوات تنفسنا مثل ما يتنفس الانسان الذى بذل جهدا فيسمع صوت الشهيق والزفير.

   تحدث عامر قائلا: اننى ساقابل ربى سعيدا بعد ما انجزناه امس مع هؤلاء الاندال .. لماذا انسحب الجيش؟ لو كل جندى من جنود الجيش فعل مثلنا لقتلنا كل الجيش الاسرائيلى .. لو كل جندى قبل ان ُيقتل قتل عدوا منهم لهزمناهم وبقى نصف جيشنا لكن ان نهرب امامهم هكذا ونجعلهم يسوقونا مثل الخراف التى يسوقها الجزار الى السلخانة فهذا الخطأ بحد ذاته .. يؤيده البعض ويعارضه آخرون قائلين : هل كنت تتوقع ان يكون الباقون شجعانا مثلنا .. لاتحكم على الاخرون فلقد شاهدت العديد ممن ساروا معنا ثم ركنوا الى كهوف الجبل ليلقوا حتفهم عطشا بينما نحن قاومنا حتى انقذنا الله.

      اقبلت الليلة الثانية علينا واذداد عطشنا والمنا وخاصة اننا لانستطيع فرد سيقاننا من صغر الكهف مع صعود رائحة تحلل الذئبة بجوارنا.

     تغفو عيوننا ونستيقظ ثم نغفو وهكذا بنوم بطىء غير مريح لأن كل عوامل الضغط النفسى واقعة علينا وماهو شعور الانسان الذى يعلم انه هالك فى هذا المكان وقد اثر هذا فى عطية حيث خرجت منه اصوات حزينة وهو يناجى ربه قائلا :  ( ليه ياربى تفعل هذا بنا؟ اننا لم نخطىء واذا اخطائنا فالكثير قد اخطأوا ولم تعاقبهم .. اتفعل هذا بنا لاننا نؤدى الخدمة العسكرية بغرض الدفاع عن الوطن .. اذا كنت تعتقد اننا كفرة فهذا غير صحيح اما اذا كان ديننا الذى نتمسك به هو دين غير صحيح فنحن لانعلم ماهو الدين الصحيح .. نجنا واخبرنا بالدين الذى نسير عليه ونحن سوف نتبعه ) قاطعه جويلى قائلا :

ستكفر بالله .. اخرس ولا تفتح فمك .. كلنا ميتون هكذا يقول الله .. يشيح عطيه بيده منهاراً (اين الله الذى تتحدث عنه؟ لو كان ربا كما تقولون ماتركنا هنا .. كيف نعبد ربا لاينقذنا) ..ازدادت الامور تعقيداً وارتفعت اصواتنا وخاصة عطية وجويلى الذى كان الجدال والنقاش مازال قائما بينهما وعندئذ اذداد تهور عطية واندفاعة مقررا ان ينهى حياته باطلاق عدة رصاصات على رأسه ويستريح من هذا الالم الذى يعانيه منذ وصولنا الى سيناء.

     صرخت فيه امرا بأن يهدأ ولاداعى لكل هذا فنحن فى مركب واحدة ولكنه قاطعنى صارخا مثلى “انت ملكش عليا اوامر.. فاهم والا والله اضربك بالنار قبل ما اموت نفسى” .. اجبته انا عارف مليش اوامر عليك والا على اى حد هنا كلنا ظروفنا منيله بستين نيله لكن انت لما تضرب نفسك بالنار معناها منتحر.. طيب ليه مش يمكن ربنا اللى انت زعلان منه يفرجها علينا زى ما فرجها من اسبوع فى جبل المغارة .. مش بتسمع ان فيه دعاء بيقول”لاتقنطوا من رحمة الله”.. انت لما تضرب نفسك بالنار حتموت ونموت معاك على طول لأن اليهود حيسمعوا ضرب النار وييجوا بسرعه يخلصوا علينا .. شفت ربنا انقذ الديابه الصغار اذاى .. هوه اللى انقذهم مش احنا لما بعت لهم امهات يرضعوهم ويحافظوا عليهم .. اهدأ يا عطيه وبكره ترجع بلدك وتقول ياه انا عملت كده ازاى؟

     طلبت منه سلاحه فناوله لجاره حتى وصل الى وطلبت من الجميع التأكد من تأمين السلاح مع نزع الخزن حتى لايخطىء اى فرد فينا ويطلق النيران بطريق الخطأ فنموت جبناء وفطيس .. ساد صمت قاتل لم يتحدث احد ولم ينبس اى فرد بكلمة وكأننا جميعا قد لاقينا الله عز وجل .. استمر هذا الحال حتى اقترب الفجر حيث ظهرت بوادر ضؤ خفيفة داعين الله ان يرفع مقته وغضبه علينا .. كنت غير هياب للموت فكل نفس زائقة الموت .. والموت يأتى فجأة ولايشعربه احد ولكن ما كان يثير النفس هو وضعنا هذا .. اننا نعيش فى مقبرة حقيقية رغم اننا احياء مازال فينا نفس يخرج ويعود بامر الله.

    كعادته هذا المؤمن العابد الصالح “جويلى” شاهدناه مصليا عابداً ربه وبعد ان انهى صلاته قال لنا .. ارجوكم بكل رحابة صدر وايمان بالله وباننا لمنتصرون على مانحن فيه ان ترددوا خلفى هذا الدعاء .. رفع يده الى السماء وهو شبه منحنى الى الامام لصغر ارتفاع سقف الكهف قائلا : “الله لا اله الا انت .. جموع الجنود نردد خلفه .. سبحانك انى كنت من الظالمين .. نردد خلفه” آمين يارب العالمين .. ويكمل حديثه بعد دعاء سيدنا يونس وهو فى بطن الحوت الذى تلاه قائلاً : سأطلب منكم ان يقوم كل فرد بالصلاة ولو ركعتين ويدعو الله فى سره ولو عايز يعاتب الله فلن يضره شيئا.

    تحرك الجنود كسلاً بلا امل لديهم يحاولون التيمم وكيف نتيمم ونحن مغروسون فى اوحالنا واقذارنا  “اوفرول” كل منا  ملىء بالبول والبراز الذى نخرجه بوضعنا هذا فلا مجال للحركة ولا مجال لقضاء حاجتنا بعيداً وقد اثر هذا ايضا فى حالتنا  النفسية وعلى هذا الوضع الانسانى وما يشعر به كل فرد فينا من ضيق بسبب تلك القاذورات التى تؤثر فينا سواء بالم وهرش او برائحة قذرة منفرة وتعودنا على تحمل جزء كبير من اثارها وتذكرت فى مساء اليوم الخامس قبل ان اشاهد البدوى وبعد ان نجحت فى التبول فى كوب زمزميتي وعندما اشتممت رائحة البول كدت ان اتقيىء لكن لاطعام بالمعدة لكى يتم هذا .. الان نحن جالسون فى اوحالنا واقذارنا ورضينا ماذا نفعل وماذا فى ايدينا وغلبنا على امرنا وتذكرت السجون والمعذبون وما يلاقونه من اهوال .. اكيد يلاقون مثل ما نلاقيه ونكابده الان .. انتهينا تقريبا من الصلاة بهذا الوضع ولا اعلم حتى الان هل ستقبل صلاتنا من عدمه ولكن الله ينظر الى قلوبنا وليس الى صورنا ونحن لليوم الثالث من غير مياه للشرب..

      استراحت نفوسنا وعم الضؤ بخارج الكهف ونتبادل الذهاب الى تلك الكوة الصغيرة لنرى ونشاهد اى شىء ولا نرى مايدل على ان بتلك المنطقة حياة حتى الغربان التى كانت تهاجمنا فى جبل المغارة لم نعد نراها بعد ذلك .. مازالنا جلوسا بوضع القرفصاء الذى ادى الى كساحنا ولانستطيع ان نفرد سيقاننا اكثر من بضع سنتيمترات وكل ينظر الى الاخرين ليرى ويشاهد انعكاسات مانحن عليه حتى يعلم ماهو بالنسبة له .. فهم مرآة الشخص وما يظهر عليه يظهر عليهم وهكذا.

     من اسوأ الاشياء التى اثرت فى حالتنا النفسية والمعنوية هو عدم مرور الوقت .. كان الوقت بطيئاً ثقيلاً ونحن الشباب الذين نجرى ونمرح هنا وهناك يكتب علينا تلك الحبسة القاتلة انتظاراً الى ان تحين ساعة كل فرد فينا وكان هذا من بين الامور التى تثقل على النفس فى ان يتصور وفاة زملائه وهو مازال على قيد الحياة وحوله خمسة من الجثث الانسانية الصديقة وقد فارقت الحياة وهو ناظراً لهم ويشاهد ما يحدث لاجسادهم وهى تتحلل عالما بان الدور مُقبل عليه وسيكون مثل ما شاهد لكن بعد ان يملؤه الهلع وقد تايته لوثة عقلية .

     ان مجرد التفكير فى هذا الوضع بانك ستبقى حيا بمفردك بعد وفاة اصدقائك لهو من اشد حالات الانسان عذابا والما .. كما كان لوضعنا فى هذا الحبس حتى الموت محروما من الطعام والشراب حتى النظافة الشخصية حرمنا منها وقد اصبحنا مثل الحيوانات الاخرى التى تخرج فضلاتها فى نفس مكان اعاشتها .. حتى الحركة لانتمتع بها تجمعت كل آلام الدنيا علينا(العطش .. الجوع .. الحبس حتى الموت .. عدم الحركة .. القذارة الشخصية .. الروائح الكريهه .. ثم الاهم نعمة التفكير)

 

 القــــــادر

 

    جاء صباح اليوم الثالث ونحن فى هذه المقبرة لم نعد نملك من اسباب الحياة سوى هواء قليل فاسد .. لكن بعد الدعاء الذى قام به جويلى ثم صلاة كل فرد فينا بما نحن عليه من ابتلاء واختبار تحسنت حالتنا نسبيا وقد انفرجت اسارير عطية معتذراً لنا مقدما اعتذاره لى قائلاً : لو كانت المساحة تسمح انى اجى لحد عندك ابوسك كنت عملتها ودفع هذا الجميع لان نزداد سعادة وسرورا وقد اضحكنا ابن الاسكندرية مصطفى وهو يقول انا عندى فكرة .. ايه رأيكم لو كل واحد فينا يقول على حكاية حصلت له بس تكون فيها نوع من الكرمات او اى حاجه عن الدين اللى بيكلمنا عنه علشان ربنا يساعدنا وهو كمان نتسلى فى نفس الوقت..

      ايدنا رأيه واقترح احدهم ان يبدأ مصطفى برواية حكايته .. اومأ الشاب براسه مؤكداً انه مستعد .. قال مصطفى :

وانا فى بداية حياتى اى لما كان عمرى ستاشر سنة كنت صبى لاسطى بيشتغل فى دهان الشقق والبيوت القديمه .. كان عمله على قدر حاله .. المهم ان الاسطى طلبنى فى يوم واتجهنا معا نحمل عدتنا وشوية اسمنت وجبس علشان “المرمات”اللى حنعملها فى الشقة .. شرح لى الشغل وسابنى لشغلى ومشى .. الشقة كبيرة وقديمة وصاحبها فاصل الكهربا عنها والجو برد وانا بأشتغل احتجت انى اروح دورة الميه .. رحت وبعد ما خلصت واقف ابص من الشباك شفت شباك الشقة اللى تحت الشقه اللى باشتغل فيها مفتوح وواحدة ست كبيره فى السن ماسكه كيس قماش وبتحط فلوس فيه وبعدين راحت حاطه الكيس فى دولاب سحرى فى ضهر السرير من خارجه من ناحية المخدات ورجعت السرير لمكانه تانى.

     الفار لعب فى عبى وقلت فرصه اخد لى قرشين الم بيهم نفسى واصرف على البت جمالات اللى بأحبها .. يعنى حب عيالى (زملاؤه ضاحكين) نزلت خبطت على الباب محدش رد .. مره واتنين برضه مافيش حد .. رجعت الشقه اللى باشتغل فيها وقلعت شرابى ولبسته فى ايدى زى الجوانتى .. كنت باشوفهم فى افلام السيما بيعملوا كده .. ايوه امال .. الواحد لازم يكون مخه نور.. نزلت من على الماسورة وفطيت فى الاوضه اللى فيها السرير.. حركت السرير لقيت الخزنه من غير قفل يادوب عامله لها عصفوره خشب عشان تقفل بابها.. فتحت الخزنه وخرجت الكيس وطلعت شوية فلوس .. كانت كتيرة لكنى افتكرت حكاية قاسم اخو على بابا والاربعين حرامى لما طمع الحراميه قبضوا عليه .. قلت فى نفسى الطمع يقل ما جمع .. كبشت شوية فلوس وحطتتهم فى جيوب المنطلون ورجعت الكيس للخزنه وقفلتها ورجعت السرير تانى ورجعت لشقتى اللى باشتغل فيها .. آخر النهار روحت والاسطى طلب منى اروح حته تانيه بكره وكنت عايز ارجع نفس الشقة عشان اعرف ايه حصل والحكايه حتتفقس والا ايه .. كملت اسبوع شغلى فى مكان تانى وآخر الاسبوع وحسب المعاد حاقابل البت جمالات قدام القلعة وناكل ترمس ودره مشوى وكنت ناوى اشترى لها هديه دهب حلوه واستنيت لحد ما نتقابل ونروح سوا بدل ما اشترى حاجه مش تعجبها ..الحمدلله على كده وانى ما اشترتش حاجه.

البت جمالات قاعده معايا بوزها شبرين .. ايه يابت مالك؟ .. ايه وشك النهارده مش حلو وباين عليه عايز يصنفر ويخدله سكنتين معجون .. افردى وشك .. دا انا ح….. تقف البت وتقولى : اسمع يامصطفى من النهارده كل واحد فينا فى طريق .. اسمع يا ابن الحلال انا واحده مقرى فتحتى امبارح .. بصيت لها ..

ايه يابت .. مين ملطوش حيبصلك .. دا انا عشان نفسى حلوه وغاوى حادق ومخلل قلت اخد بخاطرك .. رفعت البت صوتها وتقول

اسم الله عليك يا إبن “هنومه” المزيته اللى قاعدة طولة النهار تقلى طعميه لعمال الجمرك .. حسك عينك تقرب منى ..

زعلت ان البت بتعايرنى بامى .. يسأله عامر ..

امك ياله يامصطفى بتعمل طعميه صحيح .. يجيبه ..

متفكرنيش آه يا اما .. قرص طعميه من بتوعها وبعد كده مش عايز الدنيا .. لألألأ خليهم سته عشان حبايبى معايا !! طعمية ايه ياعامر .. حاجه كده زى الحمام المحشى .. المهم قرفت من البت وقلتلها .. كده ياجمالات انا ابن هنومه المزيته .. اخص عليكى يابنت عبده زعزوعه .. مشيت وسابتنى .. يقاطعه فراج ..

ايه حكاية زعزوعه؟.. يجيبه

اصل “عبده بريزه”ابو جمالات كان بياع قصب على ناصية شارعنا فى الدخيلة وكانت له رقبه طويله زى زعزوعة القصب فطلع عليه الاسم ده .. المهم تانى يوم رحت البيت اللى فيه شقة الست العجوزه وخبطت على باب شقتها فتحت الباب وقالت

عايز ايه ياشاطر ..

قلت لها انا صبى المعلم فتحى وقالوا انه بيدهن شقه هنا ..

قالت آه لازم الاسطى اللى فى الشقه اللى فوقنا على طول .. هوه ياوله ده الاسطى بتاعك؟.. قلت لها ايوه ياست ..

قالت باين عليه منيل بنيله كل شويه اسمع دربكه وصوت غريب المهم طلعت اشوف ايه اللى بيحصل لقيت الاسطى بتاعك وقع هو والسلم على الارض…دا باين عليه مدهول على عينه..لكن قللى ياشاطر مش تقدر تيجى بكرة تقفلى الخروم اللى فى الشقه وحنولك اجر كويس..

قلت لها..طيب خليها بعد بكره..

قالت لأ بكره لأن بعد بكره اولادى جايين من سفر ولهم امانه عندى كان سايبها لهم المرحوم ابوهم وعايزه اديهالم يابنى قبل ما اموت والا ابن حرام ييجى ياخدها..

طيب حاضر الصبح حاجى ومعايا العدة والمون…رجعت الى البيت وانا قرفان من نفسى خالص .. يخرب بيتك يامصطفى .. بقيت حرامى .. بقيت ابن حرام ماهى الست قالت خايفه ابن حرام ييجى يسرق الوديعة بتاعة ولادها .. ينهار مش فايت .. بكره ارجع الفلوس .. طيب لو حرامى جه سرق الفلوس دية حابقى قدام ربنا الحرامى والملايكه حيضربونى بالجزم ..يقاطعه جويلى..

ايه يامصطفى هما الملايكه بيلبسوا جزم..

مصطفى ايوه امال ايه انت فاكرهم زى الناس عندكم فى البلد ماشيين حافين..

جويلى ..عيب يامصطفى الناس عندنا اغنيا وحلوين وكل واحد عنده بدل البلغه اتنين ولكن هما بيحبوا ياخدوا راحتهم ويسيبوا البلغ ويمشوا زى الناس عندكم حافيين على الميه..ضحك الباقون من تلك المنازلة حافية المعانى..

رجعت والنبى الفلوس وصدقونى .. طيب دا كلها كام يوم ونقابل وجه كريم وحتلاقوا الملايكه .. يقاطعه فراج ماسكين الجزم الجديمه لضربك خمسين صرمه ياحرامى..يضحك الجنود وانا غارق فى ضحكى على حوارهم..

رحت ياجماعة تانى يوم ومعايا الفلوس كلها والله مصرفتش منها مليم واحد .. اشتغلت واول ما شفت الست راحت الحمام طلعت الفلوس ورجعتها مكانها ورجعت بيتى شاكر ربنا والحمد لله…ايه رايكم؟ ..

صفقنا قليلا لهذا الخلق الطيب وقد علق جويلى بان الله سيفتح جزءا من حبسنا هذا لما فعلته وسيغفر لك ولكن لاتعيد حكاية الملايكة اللى لابسين جزم….

        جاء الدور على عامر.. قال :

انا باشتغل عامل فى مطبعه والراجل صاحب المطبعه ابن حلال وحاجج بيت الله وانا كمان مبسوط من شغلى وخصوصا انا مسئول عن سته من اخواتى غير امى بعد لما ابويا مات وهوه ملوش معاش لانه كان نجار.. يقاطعه مصطفى ..

موبليا؟ .. يجيبه عامر

لالالا كان نجار على قد الحال .. نجار بلدى .. يعنى يعمل طبالى كرسى حمام يقفل عشة فراخ .. كان طيب وما يتفقش على فلوس لشغل .. يشتغل واللى الناس تناوله له ياخده من غير ما يبص فيه وكان ربنا ساترها معانا ولكن جه اجله وتوفى من سنتين سايب اصغر واحد فى اخواتى احمد كان عمره سنتين ..( دموعه تتساقط ).. الله عليك يا احمد نفسى ارجع واشوفك .. الواد ده باحبه .. المهم وانا فى شغلى فى يوم من الايام جه زبون كان له طلبية عندنا وسأل عن الحاج فعرفته انه سافر مصر علشان يشترى ادوات للورشه وسالنى عن طلبيته فقلت له قبل ما اتخلص قهوتك اكون خلصتها .. دا انا من امبارح وانا شغال فيها .. جانى الزبون يهمس فى ودانى ويقول انا عايز خمسمية نسخه زياده .. انبسطت وقلتله الحج جاى وابقى اتفق معاه .. ضحك وقال

الحج ليه .. وحط فى ايدى فلوس .. بعدين قال ارجع بعد ساعه الاقى كل حاجه جاهزه .. شاورت له انا وافقت على طلباتك.

      آخر النهار دخلت على امى واخوتى سعيد ومبسوط واشتريت لهم كفته وطرب وبسبوسه والحاجات دى .. يكمل مصطفى

انتم متعودين عليها ..يضحك الباقون ولكن عامر يقول..

لالا نسمع عنها بس .. اخواتى مبسوطين من الحاجات الحلوه والاكل .. المهم امى فضلت تدعى ليا وهى تقول ربنا يغنيك ياعامر يا ابن بطنى ويبعدك عن اولاد الحرام والمال الحرام .. مافيش احسن من الحلال هوه اللى بيدوم .. زعلت ودخلت اوضتى العفشه واللى مافيهاش فرش غير مرتبة قديمة وقلت امى دى وش فقر.. كل الناس حوالينا بتاكل ومبسوطه .. طيب محلات الكباب والكفته من بياخد الحاجه منها؟ اكيد ناس زينا بس دول مطقطقين وعارفين يعملوا قرش ازاى .. ايه خلاص فهمت الفولة .. دى حتبقى ُفل وحألم فلوس يامه .. نمت يا اولاد(الجميع معلقين) كمل يا با.. يضحكون….. وقبل الفجر سمعت صوت صراخ وحد بيتألم جريت على اوضة اخواتى لقيت امى واخواتى قاعدين مع احمد اخويا الصغير والولد عمال يعيط ويقول :

حأموت ياعامر.. حأموت الحقنى

جريت بيه على المستشفى والدكتور قالى انه اكل حاجه وحشه عملت له تسمم ولازم نعمله غسيل معده .. اتعمل غسيل معده وقعدت جنبه يومين لحد ما تحسن وطولة اليومين دول وانا بأفكر فى كلام امى ودعوتها ان ربنا يرزقنى من مال حلال ويبعد عنى المال الحرام .. شفت التعب فى عين اخويا الصغير اللى كان حيضيع من اكله من مال حرام .. رحت الورشة وقابلنى الحج بترحاب وسألنى عن حالة اخويا وفضلت اشتغل وانا ماليش نفس .. سيبت المكنه لزميلى ورحت للحج اكلمه .. الراجل قال :

باين عليك التعب ياعامر .. روح وتعالى بكره .. قلت له:

 انا حاروح ومش جاى خالص بعد كده .. استغرب الحج

ليه يا ابنى حد زعلك؟ والا عايز زياده؟ ..

عيطت قدامه وطلعت الفلوس الرشوة اللى اخدتها من الزبون الملعون وعرفته بكل حاجه وقلت له : انا منفعش اشتغل عندك .. انا خاين ومش مخلص .. انا راجل وسخ وابن ستين كلب .. طبطب الراجل على وقال :

خلاص انا مسامحك وخد الفلوس دى لك وانا من النهاردة حخليك مسؤل عن عمال الطباعة انت امين واعترفت يعنى عندك ضمير..

صفق الجميع وهنا علق الجويلى قائلاً : ربنا حيوسع فتحة الفرج علينا اكتر…

      جاء الدور على فراج….

قال انا معملتش خير لكن كان فى نيتى اعمله بس حكاية الحرب دية عرجلت كل حساباتى يابوى .. الحكاية انى اعرف بنت كانت تشتغل عند واحد من افنديات مصر وكنت انى شغال عنده فى داره فى المعادى جناينى اسجى الزرع وانضف الجنينه لكن البنت دية كانت مليحه يابوى والله ما شفت ولا عينى طلت على واحده حلوه زيها حاجه كده زى الحلاوة الطحينية .. المهم البنت دية كانت من بلاد ارياف جريبه من مصر ولكن الراجل ده شفته معها فى واضتها بالليل وهوه .. استغفر الله .. وهوه .. استغفر الله .. صرخ فيه مصطفى متقول ياخويا كان بيعمل كذا…….فقال لا يابوى يعنى زى متجول كده كان حاطط بوزه على شفاتيرها .. يصفق الاخرون :

يخرب عقلك يافراج .. بيبوسها يعنى ..

فراج ايوه .. المهم ان البنت لاحظت عليا انى معنتش باتحدت امعاها واصل واتغيرت كيف الاول .. صارحتنى وجالت انت ليه ياولد العم مخاصمنى؟ دا احنا غلابا وشغيلة علشان ناكل لجمة العيش بشرف!! طليت عليها .. شرف .. انتى بتجولى شرف؟ .. صنت شويتين وجالت انا عارفه انت عايز تجول ايه والله غصب عنى والا حيطردنى من داره .. جلت لها :

تغور شغلته وداره .. اسمعى .. ان كنتى زين صُح ادور لكى ولى على شغلانه بعيده عن الرجل الجبيح ده .. وافجت يابوى .. بعد كام يوم المكوجى عرفنى ان فيه ناس خواجات عايزينى اعمل حداهم وعايزين بنت اختك كمانى .. كنت عرفت الولد كده عشان محدش يطمع فى البنيه تانى يابوى .. كلها بيوت فيها صجور وحيايى المهم اشتغلنا سوا وكانت الوليه بنت حلال .. المهم جالى واحد معرفه من الكفر ريحنا على طول وسالنى على البنت الحلوة دية عايز يجوزها .. جلت له هملنى يومين يابن العم .. جالى بعد يومين جُلت له هملنى اسبوع يابوى لحد ماروح النضاره”التجنيد” اشوفهم بعتين جواب ليا كييف حُصل ايه فى النضاره وانا وحيد بوى على سبع بنات ولكن فى النضاره طلبوا اوراج يامه فجالوا روح الديش لحد ما تيجى ورجاتك ..كنت ناوى بعد ما اعود من النضاره انى اجوله ان البنت زينه ومليحه .. صرخ فيه البعض ناكرين نيته قائلين :

ياراجل حرام عليك تخدع صاحبك وتجوزه واحده … صرخ بهم الجويلى قائلا :

حرام والله ده كلام يتجال واحنا رايحين نقابل ربنا وحنبقى فى الجنه سوا…لأ .. حرام .. سالنى فراج رايك ايه يافندم؟

قلت لهم شوفوا انا حقول على روايه حصلت وانتم تعرفوا منها الحكم فى المشكله االى قدمنا .. فى يوم من الايام جه الخليفه عمر بن الخطاب مضايق وزعلان ويكلم سيدنا على ويقول له تصور يا ابا الحسن اننى شفت بعينى رجل وامرأة فى البادية يزنيان .. صاح به سيدنا على .. وهل كان معك اربعة شهود او اكثر.. اجابه عمر .. كلا ولكننى كنت بمفردى واعرف اوصافهم واشكالهم .. وضع سيدنا على يده على فم الخليفة عمر بن الخطاب هذا الخليفة القوى الجسور وهو يقول اصمت والا حُكم عليك بجلدك ثمانون جلدة ثم تلا عليه الاية القرآنية عن الذين يشيعون الفاحشة بين الناس وان من يتحدث بانه شاهد فلانة فى وضع الزنى دون ان يكون هناك اربعة من الشهود العدل فيجلد ثمانون جلدة حتى تكمم افواه البشر عن ذكر الرزيلة .. سالنى احدهم  :

يعنى كده يافندم المفروض اننا نتستر على فضايح النسوان السايبه والا ايه؟

اجبته مش ده المعنى لكن الست ضعيفة وزى ما قال فراج عشان هيا بتشتغل  بيحاول معها صاحب العمل يوقعها وده من ايام زمان .. وعلشلن كده  لو وقفنا جنبها بعد ان تشعر بالندم وتتجوز حتكون ام وتنجب البنين والبنات يعملوا ويعبدوا ربنا لكن لو بعدناهم عن الطريق السليم ولازواج ولا دخل ستكون حياتهم دعارة مستمرة وعشان كده شرع ربنا اربعة شهود وده  صعب ان يغامر رجل وست بالعمل الفاضح جنب ناس كتيره .. اذن الحكمة هى الصعوبة فى اننا نوفر العدد لاثبات الزنى حتى يعطى الله الفرصة للتائبين ..

قال له جويلى لقد فتحت امامنا فتحة كبيرة لمن لايقف عقبة امام زواج مسلمة او منع عامل من حصولة على عمل يعيش من وراءه..

ُطلب منى ان اتحدث .. وقد اجبتهم باننى لا اتذكر شىء ما ولكن ما أتذكره لأنه قريب حادثة المدرس الذى كان مسجونا .. هتف الجميع ايوه يافندم ياه ..

مصطفى ايوه حكاية الاستاذ عليوة اللى حضرتك نزلته اجازه .. والله يافندم كانت العساكر بتتكلم على الحكاية دية وبيقولوا الظابط ده جرىء او لامؤاخذه مجنون انه يعمل كده .. ضحكت واجبت :

عارف .. مجنون .. ضحكوا جميعا ينفون تلك الصفة حيث قال عطيه هوه يافندم اللى يعمل خير ويكون شهم وجدع يبقى مجنون .. قال :

الجويلى ربنا انشاء الله حيفتحها علينا فتحة كبيرة.

     اقبل ظلام الليلة الثالثة بعد ان قطعنا شوطا طويلاً من نهار اليوم الثالث ولا جديد السكون المطبق وحالة ترقب الموت القادمة وقد اعد كل فرد فينا عدته لاستقبال الموت وقد اصبحنا كاننا ننتظر استقبال صديق او زميل .. هكذا كنا اقرب الى الموت من الحياة .. لفنا الليل بسكونه المخيف ولم تزد تلك الليلة عن سابقتها الافى انتشار الديدان المنبعثة من جسم الذئبة اما روائحها فاصبحت شيئا عاديا ولم يعد هناك مايثير التقزز او الاشمئزاز.

      قبل الفجر هب عطية مذعوراً من نومه ونحن لانرى ولانشاهد ما حدث له ولكنه قال : الحمدلله .. الحمد لله .. خير يارب اجعله حقيقه .. تنبهنا جميعا وقد ساله احدهم ..

خير ياعطيه فيه حاجه ؟ اجاب :

خير ..اللهم ما اجعله خير .. شفت رؤيا .. جانى راجل عجوز ولابس لبس الاحرام وماسك عصايه فى ايده تساعده على المشى وقال لى ربنا حيفك كربتك انت وزمايلاك .. والله يا ابنى انا كنت باعمل عمره لكنى ُكلفت انى اجيلكم واقولكم تعملوا ايه .. احفروا فى الرمل تحت الصخر حيتحرك وربنا يفرجها وتتحرروا .. “وبشر الصابرين” وانتم صبرتم .. متنساش احفروا فى الرمل .. انتعشنا جميعنا وهاهو ملك يحضر لزميلنا ليخبره ببشرى الخروج من سجننا هذا والطريقة التى نخرج بها .. اراد بعضنا الحفر ولكننى اشرت بانتظار ضؤ الصباح حتى نرى ما نفعله ..

     لم يمضى وقت طويل حتى ظهرت تباشير ضؤ اليوم الرابع بسجننا هذا .. المكان ضيق لايسع ان نقوم جميعا بالحفر فارتفاع اقل من متر وعرض متران ونصف وعمق الى الداخل ثلاثة امتار لكن على هيئة راس مثلث لا نستفيد منه .. استقر الرأى على ان يخرج من خدمة الحفر كل منى ومن عطيه والذى مازالت يداه تؤلمه من الرمال المشتعلة التى اصابته واصابت الذئبة الام .. اما الباقى(جويلى وفراج وعامر ومصطفى) سيتولون الحفر……بدأ الحفر حوالى الثامنة صباحا حتى الثانية عشرة ظهراً وكنا نجمع الرمال جهتنا اى بالداخل وقد اثرعلينا بان ُضغط المكان .. وخارت قواهم بعد ان وصلنا الى عمق حفر كبير دون جدوى وشعرنا بالاختناق حيث ازاحت الرمال كميات الهواء التى نتنفسها .. بقينا على وضعنا وازداد عليه كميات الرمال التى فوق اجسادنا بثقلها الكبير.

    قل الضؤ بالخارج وهذا يدل على ان الشمس توشك على المغيب .. هل سندخل فى يومنا الخامس ونحن على هذا الوضع الذى لاعلاج له الا من عند الله الذى بشرنا منذ سويعات باننا خارجون وان الله بشرنا بفك اسرنا .. تنادر الجميع من الحلم او الرؤيا التى رواها لنا عطية وقد علق البعض بان رؤيا المتبولين والمتبرزين على انفسهم لاتنفع وهنا علق آخر هذا معناه اننا جميعا لن تنفع اى رؤيا لنا لأن جميعنا خريجين مصلحة المجارى وبين ضحكاتنا وقفشاتنا التى كانت بمثابة وداع لآخر ايام حياتنا القصيرة وقف عطية وهو شاب نحيف قصير القامة ووزنه قليل جداً كما ان صوته مثل حجمه وقف وهو يضحك ويقول ايه رايكم اعمل زى “شمنون” وقد استفسر منه مصطفى عن هذا الاسم هل هو اسم المعلم صاحب المصبغه اللى يعمل فيها فى حتتهم باب الشعرية ولكنه نفى ذلك وقال يا اخى الواد شمنون بتاع دليلة .. اضحكهم جميعا وهم يصححون الاسم “شمشون” وقف عطيه وهو يمثل دور شمشون وهو يقول يارب :

افتح باب رحمتك وهو يدفع بيديه الضعيفة الصخور فاذا بها تنهار امامنا وتتساقط من فوق الجبل كانها امواج دفعتنا ان نرتمى بعضنا فوق بعض حتى نمنا فوق الذئبة المتحللة..اندفع الهواء نقيا منعشا وبعد ان تاكدنا ان الله فك اسرنا انتابتنا حالة من البكاء الضاحك كل يبكى وهو مبتسم ثم تبادلنا القبلات ونحن جلوس وبقينا على هذا الحال مايقارب الساعة ثم تنبهنا الى اننا نريد الخروج فطلبت من فراج ان يتخلص من ملابسه ويتسلق تلك الصخور السوداء ويراقب العدو.. كان اختيار فراج لأنه اسمر اللون فيكون قريبا من تلك الصخور..

   بعد جهد جهيد استطاع فراج ان يتخلص من الكساح المؤقت الذى لازم ساقيه وقد تخلص من ملابسه وتسلق قمة الهضبة الصخرية واستمر ما يقارب الثلاثون دقيقة وغربت الشمس ولم يتبقى سوى عشرة دقائق وندخل فى ظلام دامس .. كنا اثناءها قد خرجنا امام الكهف نسلك سيقاننا ونستعد للسير عليها ونفك عنها هذا الكساح المؤقت.

      عاد فراج وهو يخبرنا بانه لا اثر لأى قوات وانه استمر فترة طويلة حتى نكون آمنين اثناء تحركنا .. لكنه اخبرنا بخبر اسعدنا جميعا حيث قال :

الا تتذكرون الانفجارات التى حدثت بعد ان اطلقت الطائرة الهليكوبتر الثانية صاروخها الذى قفل علينا باب الكهف واننا سمعنا بعدها انفجارات وجلبة وضوضأ .. ايدنا قوله حيث قال لقد انفجرت الطائرة فوقنا واحتمال ان الصاروخ بعد انفجاره بالصخور ارتدت منه شظايا قاتلة دمرت الطائرة والطيار ومساعده لاننى عثرت على احذيتهم ممزقة والطائرة تفحمت تماما.

خبر سعيد آخر فى خلال نصف ساعة .. لقد قتل اثنان آخران من هؤلاء الحثالة ابناء قتلة الانبياء والمرسلين لقد وصلت قتلاهم بايدينا او بسببنا الى سبعه واحتمال الثامنة قد لاقت حتفها متأثرة بجراحها الخطيرة.

       حدثتهم قائلا : ايها الرجال الشجعان هيا نعود الى المحور الشمالى ولنستعيد طريقنا السابق الذى ضللنا عنه ابناء الحرام مهربى المخدرات وعلينا السير طوال الليل حتى نبتعد عن تلك المنطقة .. لم يتردد احد ورصدنا النجم القطبى الذى يرمز الى جهة الشمال وسنغيره كل ساعة حتى لاننحرف معه اثناء السير.. استمر سيرنا من الثامنة مساء الى ان ظهرت بوادر اشعة شمس هذا النهار .. انه اليوم الخامس بدون مياه او طعام وكان قدرنا ان نبقى حتى آخر لحظة.

     كان سيرنا قويا دافعا بعد ان تحررنا من هذا الاسر الذى كلما تذكرته ارتعبت وانا افكرفى نفسى ومن حولى .. جلسنا نستريح قليلاً واصبحت الشمس تخرج كل صباح لتحرقنا نحن الستة بنيران اشعتها وحرارتها الملتهبة .. تحيرنا بعد ان تحررنا .. ماذا نفعل نستريح او نكمل كلاهما صعب فالراحة معناها هلاك تحت اشعة الشمس بدون داع كما ان السير ايضا لاطائل منه حيث لاطاقة لنا ولا فكر ولا نستطيع ان نتدبر امورنا لقد عدنا الى الدائرة الاولى التى وصلنا اليها بجوار جبلى الحلال والمغارة حتى ان عقولنا اصبحت بدون فائدة وادى هذا الى نسيان اسماء بعضنا البعض بل فى بعض الحالات افكر واقول اين انا وماذا افعل هنا ومن هؤلاء الناس حولى وهل انا مستيقظ ام نائم .. كل هذا لدرجة نسيان الطعام والشراب لانه شىء خارج قدرتنا .

   قدرنا ان نسير مترنحى الجسد والرأس ولكن احدنا اشار بيده ؟؟ زرع نخل ُخضره …آه ميه…ميه…آه.. سرنا فرادى ولم نؤمن المكان كما فعلنا سابقا المسافة الباقية على وصولنا لمنطقة النخيل حوالى اثنين ونصف كيلو تقريبا وصلنا اليها بعد العصر.. اى من الثانية عشرة الى بعد الرابعة .. اكثر من اربع ساعات ونسير ثم نقع ارضا وهكذا وكل يسير بمفرده ناظرا الى النخيل يمتع نظرته الاخيرة قبل ان يقابل ربه .. اخيراً وصلنا الى منطقة النخيل وكانت مساحتها بسيطة وارتمينا ارضا تحت ظلالها وبعد فترة تسكع كل فرد فينا يبحث عن مياه دون جدوى.

   كل فرد استند الى جزع شجرة صامتاً ناظراً ما بين يديه .. واخيراً تحرك جويلى الى احدى النخلات القصيرة وقطع جريدة وقشر جزئها الاسفل ويمص فيها كأنه يمص قصبا .. اسعدته الفكرة فاشار الينا بان نقتدى بما فعل .. فعلنا مثله وشعرنا بارتواء قليلاً مع وصول ظلمة الليل واتبعتها البرودة التى قللت من شدة حاجتنا الى الماء ونمنا فى هذا المكان على هذا الوضع بعد ان عفا الله عنا واخرجنا من ظلمات هذا الكهف الى الحياة.

 

 مجرمـى الحرب

    

     قضينا الليل بطوله وهذه هى الليلة الاولى بعد ان من الله علينا بالفرج وانقذنا من مكمننا الذى كنا سنهلك فيه ويصبح مقبرتنا ونهايتنا الحتمية كنت اتذكر الايام الاربعة الماضية وانا لا اصدق ما حدث سواء من معركتنا مع الجيش الاسرائيلى وما احدثنا به من اصابات تعدت السبعة قتلى وتدمير طائرة هليكوبتر وسيارتين جيب واصابة مجندة هالكة لامحالة فى ذلك .. او مما رايناه من مملكة الذئاب وتعاطفها وتراحمها بينهم البعض او من دفننا احياء وحالتنا المزرية ونحن نخرج اوساخنا بداخل ملابسنا والتى جفت ومازالت عالقة بنا نبحث عن شربة ماء ثم ننظر الى نظافتنا الشخصية .. لقد ودعنا الانسانية فى رقيها ورقتها ونحن احفاد الفراعنة الذين كانوا يقلبون المنطقة راسا على عقب سواء من قوتهم العسكرية او من تقدمهم العلمى المذهل ثم ياتى علينا الدور لنصبح هكذا اقل من بدائية الانسان الاول .. ماذا جناه شباب هذا الجيل ليكون هذا حالهم؟ .. كل دول العالم تحارب وتنتصر او تهزم ولكن لماذا يحدث هذا لجنودها ويقتلون اما غدراً او رميا بالرصاص او بقنابل الدبابات والطائرات وإما هالكين فى جوف الصحراء التى لاترحم من لايعرفها ولا كيفية التعامل معها .. مازلت جالسا اغفو قليلاً واستيقظ كثيراً وانا اشاهد جنودى مابين مستلقى ارضا او من يبحث عن طعام او شراب .. اى طعام واى شراب نحن لانختار ولكننا نرغب فى سد رمقنا بشربة ماء وقطعة خبز حتى نظل احياء طالما لم يأت موعدنا للقاء ربنا.

    من حين لاخر اشاهد جنديا يقوم بقطع جريدة نخيل خضراء ليقشرها بالسونكى ويمتص ما بها من عصيرها حتى يجفف حلقه الملتهب ويدفع بقليل من هذا السائل الى داخل جسده الذى لايزال فى احتياج الى الماء .. كان واضحا اننا وصلنا الى حالة من الاعياء كبيرة حتى لو توفر الطعام والشراب فسوف نحتاج عدة ايام حتى نستطيع استعادة عافيتنا ومقدرتنا على السير ومواصلة مشوارنا الذى بدأناه منذ خمسة عشرة يوما تقريبا .

    اشرق هذا الصباح كأنه صباح جديد علينا ولاول مرة منذ اربعة ايام نشاهد المنطقة المحيطة بنا ونفرد سيقاننا ونأخذ جرعات هواء كاملة منعشة .. جائنى الجنود مستفسرين فيما نحن قادمون عليه فاخبرتهم بافكارى .. السكون فى تلك المنطقة حتى نستعيد قوانا فاستفسروا من اين الطعام والشراب؟ فاوضحت لهم انه بقليل من عصير جريد النخل حتى يكشف الله الغمة عنا اما من جهة الطعام فسنأكل مثل ما تأكل الضوارى .. اى شىء قابل لأن يصبح طعاما سنأكله .. شاهدنا سحلية تجوب المكان قريبة منا فاشرت الى فراج فاندفع اليها قابضا عليها فقلت هذه وجبة احدكم فامتعض البعض ولكننى قلت اذا لم تكونوا قادرين على استساغتها كطعام فلا بديل عن ذلك ومن منا كان يعتقد انه فى يوم من الايام سيشرب البول الادمى او ينام فوق فضلاته .. انها الظروف الحاكمة .. اعطانى فراج السحلية فقبضت عليها وخنقتها وقطعت راسها ثم تناولتها امامهم وهم لى ناظرين مابين مندهش او رافض لما قمت به لم يكن طعمها مستساغا ولكن ماذا افعل؟ وللأسف فان السحلية توقفت فى البلعوم ومازالت تحرك زيلها فقد تسرعت بابتلاعها مثل ما تعلمت فى مدرسة الصاعقة لكنهم كانوا يشونها على النار وكيف نعد نيرانا ونحن لا نملك اى عود ثقاب .. شعر جنودى بحالتى وحضر احدهم يدق على ظهرى بقوة حتى تسقط السحلية فى معدتى .. اخيراً سقطت بعد ان تركت تشبسها بجدار البلعوم مستخدمة مخالبها والتى كنت اشعر بها وشعرت انها مشكلة كبيرة كيف استخرجها او ابتلعها لكن الله سلم وناولنى احدهم جريدة امتصها كى تساعدنى على هضمها .. شاهدوا عدة سحالى اخرى فانهمكوا قنصا واحدة وراء الاخرى حتى تجمع عدد منهم وكل سحلية تقتل وتقطع راسها وقد جمعنا عدد منها .. تساءلت .. من منكم يستطيع ايقاد ناراً فتنبه فراج واحضر السونكى وقطعة صغيرة من الصخور المنتشرة وبعض سعف النخيل الجاف وما اكثره وحاول عدة مرات بحك السونكى بالحجر ويحدث شرراً ولكنه لم يفلح فى ايقاد النار .. حاول مرة اخرى ونجحت المحاولة هتفنا لنجاحنا فى عمل اى شىء ولو مثل الانسان الاول وجمعنا السحالى ووضعناها وسط تلك النيران وقد خرجت رائحة الشواء وكل مد يده ليحصل على واحدة ليدفع بها الى فمه وخلفها يمتص بعض سيقان جريد النخل الاخضر .. عصراً شعرنا اننا اقل تضوراً من الجوع والعطش .. الجنود يمرون بين النخيل لعل وعسى ان يشاهدوا شيئا ينفعنا فيما نحن فيه ولقد حاول البعض حفر بئر مياه ولكن جويلى اخبرهم ان المياه هنا مستواها مرتفع وان النخيل لايحتاج مياهه من الارض مباشرة حيث يحصل عليها من السماء سواء من الامطار او من قطرات الندى التى تسقط على قمة النخلة فالشراب هنا عكسيا مثله كمثل اشجار الموز.

     هبط الليل وقد تحسنت حالتنا المعنوية والنفسية والصحية فقد طعمنا والمعدة لاترى الطعام فاى شىء ستتقبله طالما انه غير سام ما حدث امس حدث المساء نتكلم ونتحدث بحرية ويلفنا امل بالحياة والسير الى اتجاهنا مع الاحتراس حتى لانقع فى الشرك مثل ما حدث مع مهربى المخدرات .. اليوم التالى هبطت بعض الغربان تنعق امامنا نظرنا لبعضنا البعض وكانت الاشارات المتبادلة الصيد لأكبر عدد منها وقد تم اصطياد ثلاثة بعد مجهود كبير.. ذبحت ونظفت بالرمال بديلا عن الدقيق واصبح الغراب مثل حمامة كبيرة واشعلت النيران بنفس اسلوب اليوم السابق وطهيت الغربان وتناولناها كأننا نتناول حمام محشى فريك فى احسن محلات القاهرة وبعدها تناولنا عصيرنا الميمون .. كان منظراً مضحكا وكل واحد فينا ممسكا بقطع من الجريد الاخضر وبصوت مص مرتفع بغرض الحصول على اكبر كمية من السائل .

     استمر حالنا على مانحن عليه ثلاثة ايام وغدا اليوم الرابع وقد اثرت فينا الراحة مع الوجبات الدسمة من السحالى والغربان وقررنا ان نتحرك غداً لعلنا نصل الى برالامان بعد ان ارهقنا من كثرة مص جريد النخيل .. كانت المشكلة المؤلمة لنا هى قذارتنا رغم انه فى اليوم التالى لراحتنا خلعنا ملابسنا وفركنا فضلاتنا التى جفت على اجسادنا ولكن مازال شعورنا بالقذارة يؤثر على راحتنا النفسية .. فطلبات الانسان ورغباته بعد الماء والطعام هى نظافه الشخصية.

      ظهرت شمس اليوم الرابع فى هذا المكان الصحراوى والذى كل ميزته هو الظل واتقاء حرارة وضؤ الشمس الحارقة .. تحركنا عاقدين العزم على التوجه لمكان نستطيع العيش فيه ولن نبقى هكذا نعيش على جريد النخيل واكل السحالى والغربان .. سرنا بثقة وعزم وقد استقامت أجسدنا وتبادلنا الضحكات والكلمات والقفشات وكل يعيد على الاخر ما حدث فى الايام الاخيرة فى منطقة المحور الاوسط وان الله ساعدنا ووقف بجانبنا رغم ما عانيناه من ارهاق بدنى ونفسى .. مازلنا سائرين وبعد الظهيرة شاهدنا بدوى يركب جملا فاشرنا اليه فحضر الرجل متخوفا منا خاصة عندما شاهد سلاحنا .. نزل من على جمله واخرج لنا قربة ماء يحملها معه فشربنا وارتوينا وسألناه عن اقرب مكان نخلد فيه للراحة وشرب الماء .. اشار بيده لطريقنا الذى نسير فيه قائلاً : ساعتين او تلاته سيرا وتصلوا الى منطقة كذا .. وذكر الاسم وسالنا من اين نحن قادمون فاخبرناه من جهة المحور الاوسط فتهلل الرجل قائلاً : انتم كنتم مع الدفعة اللى ضربوا اليهود هناك .. والله يا أخى شىء عظيم انكم دخلتم على اللواء الاسرائيلى المظلى وضربتوهم !! نفيت ذلك وكان هذا رجائى الى جنودى الا يتباهو بما فعلوا حتى لاتصل المعلومات الى اليهود بعد انتشار جواسيسهم وعملائهم فى سيناء .. فشرح لنا الرجل ان مجموعة من الجيش المصرى قتلت عشرة اسرائيليين واسقطت طائرتين وكان سعيدا بتلك الاخبار فسأله مصطفى : من اين علم بتلك الاخبار؟ فقال : ان البدو هنا عندما تتقابل نقص بعضنا لبعض ما يحدث فى المنطقة .. شكرناه واعطيناه قربته ونحن سعداء بتلك الاخبار التى انتشرت لمعركتنا مع ابناء الافاعى كما علمنا ان طريقنا صحيح الى المنطقة التى نسير فى اتجاهها.

       غربت الشمس ولم نصل لهدفنا فجلسنا فى مكاننا لعلنا نصل لاى منطقة فى الصباح ولكننا لاحظنا بعض الاضواء والنيران المشتعلة على مسافة ليست ببعيدة .. اتجهنا لتلك المنطقة وخشينا من دخولها حتى لاتكون وكرا للشياطين من مهربى المخدرات او المجرمين .. امضينا ليلتنا بالقرب من تلك المنطقة ونحن نشعر براحة فقريب منا يعيش بشر ومعهم الماء والطعام وقبل الفجر ايقظنى احد الجنود ليخبرنى بان تلك المنطقة بها دبابات واعتقد انها دبابتنا .. صمت ولم اتحدث وارهفت السمع لعلى اخرج باى بيانات وقد تأكدت من انها دبابات مصرية واسرائيلية .. الدبابات المصرية محترقة وان الجنود الاسرائيليين يستعدون لمغادرة المكان اسرعنا بالاختباء بين الرمال ولم يتبقى شىء ظاهر منا سوى وجوهنا .. كنا متأكدين ان الدبابات لن تأتى فى اتجاهنا لوعورة المنطقة لسيرها .. قبل الظهيرة انقطعت اصوات المحركات والجنازير فخرجنا من مواقعنا نتحسس الاخبار نظرنا فلم تكن هناك اى اشارة عن اليهود قررت ان ننتظر حتى المساء للتاكد من خلو المنطقة منهم .. بعد الغروب اتجهنا الى المنطقة ونحن فى حالة انتشار ولا نسير متجمعين حتى لا يفتحوا نيرانهم فيقضوا علينا جميعا وصلنا الى قلب المنطقة والتى تحيط بها اشجار النخيل شاهدنا دبابات مصرية من نوع (ت34) وهو نوع قديم كانت تحارب به روسيا فى الحرب العالمية الثانية وجمعت تلك الدبابات واعطتها لمصر وكان المرأ يشاهد اثار رقع حديد لتلك الدبابات الى دمرت واعيد اصلاحها ليرسلوا بها الى المساكين المصريين.

      السكون مطبق على المنطقة والجنود يبحثون فى كل مكان عن الطعام والشراب غير مبالين بوجود الغام فى المنطقة يتركها اليهود لقتل البشر ولكن احد الجنود اتى الى مسرعا وهو مضطرب طالبا منى مرافقته وانا اسأله عما يريده منى فطلب منى التوجه فقط  كان واضحا انه شاهد شيئا مريبا او مخيفا وهذا ناتج من توتره وهو يحدثنى .. وصلنا الى المكان الذى توقف عنده وكان باقى الجنود يسيرون فى اعقابنا .. ثم تحدث قائلا : سمعت صوت واحد مصرى يطلب العون وهو يحتضر وخفت انها تكون روح واحد من الشهداء .. جلسنا فى تلك المنطقة فوصل الى سمعنا من ينادى “حأموت…عايز اشرب …حأموت” استطعنا تحديد مكان الصوت ووصلنا اليه وهناك عثرنا على جندى او قل بقايا جندى مدفونة فى الرمال

    حاولنا اخراجه ولكنه صرخ صرخة الم شديد .. الليل سكون ونحن لم نشاهده كما اننا لم نعثر على مياه .. تحرك جنديان يبحثان عن المياه فى المنطقة لاسعاف هذا المسكين الذى يحتضر بينما يحدثنا ويخبرنا بانهم من الكتيبة (……) دبابات  وبعد قتال مع العدو فى تلك المنطقة اسر المتبقى وعددهم ثلاثة عشرة منهم اربعة ضباط وقد عذبونا باسوأ ما يكون وفى النهاية ربطت ايدينا ووضعت خلف ظهورنا ورصونا صفا وسارت علينا الدبابة  ونحن مازلنا احياء ولقد قتلنا جميعا ولم يتبقى سواى “اشرب ميه..ميه”

   نجح الجنود فى العثور على بعض مياه متبقية من الجنود الاسرائيليين وقدمنا المياه للجندى المحتضر وكنا جميعا فى اشد الاحتياج الى المياه .. شرب وشكرنا وتحدث قليلا بصوت خافت واخيراً سكت صوته واطبق الصمت فقام احدهم يحدثه ويهزه ولكنه كان قد رحل الى جنة الخلد .. جلسنا قريبين منه واصابتنا الدهشة من روايته ولم نصدقها كيف يكون هذا لم نسمع فى اى حرب حدث مثل هذا ولكن مع اليهود فكل شىء قابل للحدوث .. امضينا ليلتنا فى هذا المكان ونحن لا نعرف هل قضى ثلاثة عشرة مصريا نحبهم على ايدى هؤلاء الاعداء لكننا كنا يقظين لاحتمال عودتهم ولهذا توزعنا ثلاث مجموعات كل اثنين سويا مع منع الحديث حتى لايسمعنا احد ويهجم علينا اليهود فجأة .. اشرق ضؤ الصباح ونحن نتمطع لنزيل اثر الكسل والخمول من اثر تلك الاحداث وقررنا دفن هذا الجندى .. ذهبنا الى مكانه وهالنا مارأيناه ..  ثلاثة عشر مصريا قتلوا تحت جنازير الدبابات .. انطلقت الدموع غزيرة من عيوننا ولو شاء وحضرت اى قوة اسرائيلية اثناء ذلك لدخلنا معهم فى معركة انتحارية نقتل ما نستطيع وُنقتل ايضا .. كان الثأر لهولاء العُزل من السلاح هو اهم ما نفكر فيه .. نشاهدهم مربوطى الايدى من الخلف وقد هرستهم جنازير الدبابات وتهتكت اجسادهم النحيلة تحت وطأة هذا الثقل الذى يصل الى عدة اطنان من الحديد الصلب .. نكشف عن وجوههم المغروسة فى الرمال لنشاهد علامات الفزع بادية عليهم وكلهم فاتحى الافواه صراخا من الالم الذى لحق بهم.

     جلسنا امامهم عند راسهم وكلا ينظر الى الشهداء باكين لا نعرف كيف التصرف .. كانت المحنة شديدة علينا نحن الصغار الضعاف وشاهدنا ما ينتظرنا فكل يوم يأتى بجديد ومن يقع تحت الاسر سوف يلقى هذا المصير .. مازلنا نحاول استيعاب ما نشاهده ونراه ولا نستطيع التفكير وكيف نتصرف وقد هالنا ذلك واخيرا استجمعنا قوانا لدفن هؤلاء الشهداء واستغرق هذا وقتا طويلا فقد بحثنا عن منطقة منخفضة واذا جذبنا شهيدا من اقدامه على الرمال حتى منطقة الدفن المختاره ينخلع الجزء المسحوب منه الشهيد ومرتبط فقط بالجلد .. لقد تفصصت مفاصلهم عن بعضها البعض ولهذا اشرت الى الجنود بأن كل ثلاثة منا يحملون شهيداً فكنا نجمع الارجل واليدين على صدره واصبح مثل اللفافة او كمية من الملابس المكورة وجمعناهم بهذا الشكل مع محاولة عدم النظر اليهم خاصة الوجه الذى ترتسم عليه كل علامات الفزع المرعبة التى تدفع بدموعى حتى الان كلما تذكرت هذا الموقف .. كانت تلك العملية شاقة علينا .. لا استطيع استيعاب ما حدث .. فقد الهتنا المفاجأة وعملية الدفن عن اظهار شعورنا وتخطينا الاثر النفسى الرهيب الذى واجهناه لاول مرة فى حياتنا .. بعد جهد مع النفس والبدن استطعنا ان نجمعهم واهلنا عليهم الرمال بعد ان صلينا عليهم صلاة الجنازة ونحن مازلنا بوضعنا وحالتنا من عدم الطهارة والنظافة .. رجعنا الى مقر جلوسنا اسفل اشجار النخيل ونفكر ان خلف هؤلاء عائلات واحباب وكان بينهم كما قال الجندى قبل استشهادة اربعة من الضباط احدهم برتبة مقدم .. جلسنا صامتين واجمين ومن حين لاخر تخرج منا زفرات الضيق والالم لهذا الذى حدث لهم ونتذكر ما كنا عليه من عدة ايام عندما دفنونا احياء ولكن الله وقف معنا ووقف مع هؤلاء ايضا ان اعطاهم صك الشهادة ليدخلو الفردوس الاعلى مع النبيين والصدقيين.

    عثرنا علي قليل من الماء فحصل كل فرد فينا على عدة جرعات قليلة تسد رمقنا وقررت التحرك من هذا المكان البائس وما شاهدناه لن يُمحى من ذاكرة من شاهده وعاصره .. سرنا شمالا على اضواء النجوم نهتدى بها وقد قطعنا شوطا لابأس به وكان الصمت هو حالنا وخمدت الضحكات التى كنا نتسلى بها من حين لآخر وبعد منتصف الليل اخذنا جزءا من الراحة لنكمل مشوارنا الذى لاينتهى وما البديل امامنا .. اقبل علينا ضؤ الفجر فقمنا نتحرك بكسل وخمول وسرنا حوالى اثنين كيلومتر وهنا شاهدنا مجموعة من اشجار النخيل رقدنا لنستوضح المنطقة حتى تأكدنا ان بها بدو وعائلات وهرج ومرج واصوات حيوانات من ماعز وخراف واصوات اطفال .. تحركنا اليهم راجين من الله ان يكونوا ارأف حالا بنا .. وقفنا بعيدا بحوالى مائة متر حيث ان البعض ُيجزع من مشاهدتنا حتى نتأكد انهم علموا بوجودنا ولكننا بدلا من ان نذهب لهم حضر احد الشباب الينا مرحبا عارضا تقديم المساعدة الممكنة لنا وسعدنا بلقائه وطلبنا بعض الماء لاننا لم نشربه من عدة ايام .. اخذنا الرجل من ايدينا متوجها الى قبيلته او هذا التجمع واجلسنا فى مكان مختار تحت اشجار النخيل وغاب فترة ثم عاد حاملاً معه اناء نظيف به ماء فشربنا وارتوينا وكانت حالتنا تدل على ما اخبرناه به ثم ترك هذا الاناء بجوارنا وحضرت فتاة فى عمرها العشرين واخذت الاناء واعادت ملئه واحضرته لنا متمنية لنا شرابا هنيئا فاسعدنا ما قالته وعاد الرجل الكريم حاملا صينية مثل صوانى العشاء بالريف مملؤة بالخيرات من طعام شهى وخبز طازج قائلاً : املؤا بطونكم الخاوية ابناء بلدنا الاعزاء وبعد قليل ساحضر لكم الشاى شكرته وانا اخبره الا يتعب نفسه وتكفى تلك الجرعات من المياه الطازجة الباردة التى انعشتنا ولكنه رفض ذلك موضحا اننا ضيوفهم جميعا .. تناولنا طعامنا الهنيىء والسعادة تلفنا من اللقاء وما بعد اللقاء .. احضر الرجل برادا للشاى مُعد وجاهز وحاملا اكوابا زجاجية وجلس معنا يكرم ضيافتنا ولحق به بعض اصدقائه واقاربه كل يرحب بنا ونظر الرجل الى يدى المربوطة والى عطية واحمرار يده الشديد وفك رباط يدى بهدؤ وقد هالنى ان الجرح ازداد سؤا واسرع ليحضر مطهراً ولكنه لم يجد وقد اسعفته قريحته بان احضر وابور جاز واحضر صابونة وبعض الماء وغسل الجرح وقال انظر ان جرحك كان على وشك التلوث لوجود هذا واشار فاذا هى ديدان .. اى والله ديدان ترعى فى يدى كأننى مت وتلك الديدان تحلل جسدى ثم وضع نقاط من فتحة النفس بالوابور فنزلت قطراته فوق الجرح مؤلمة والديدان تقفز خارجه وتموت وبعد ان تأكد ان الجرح ملأ بالكيروسين جففه وذهب واحضر قطعة بيضاء من طرحة زوجته معتذراً بانه لايوجد لديهم شاش اوقطن ولكنه قال ان هذه ستقوم مقام الشاش وربط الجرح بعناية وانا اشعر ان شيئا كان بيدى وذراعى يؤلمنى وبدات تقل درجة تلك الالام ثم توجه الى عطية وقد تأكد ان جرحه سطحى وليس خطرا مثل حالتى ودهنه بكريم من كريم السيدات التى يستخدم فى الزينة.

    كان واضحا المستوى الاجتماعى والمادى الذى ُيميز ابناء تلك القبيلة واخبرنى انهم من منطقة بئر العبد وانهم هربوا بعد علمهم بدخول الاسرائليين العريش خوفا من شراستهم حيث انهم قوم لادين ولاحياء عندهم .. شكرناه طالبين منه ان يشكر كل من تقدم لمساعدتنا ولكنه رفض ان نغادر المكان قبل ان نتناول طعام الغداء ولكننا اعلمناه اننا حصلنا على قسط كبير من الطعام وان موعد الغذاء مازال بعيدا ولكنه صمم مكرراً اننا ضيوفهم فجلسنا نستريح ونحن نقارن مابين ابناء البشر انهم مثل الماء حيث يقول الله عز وجل “هذا عذب فرات وهذا ملح اجاج “..

   نحن فى ضيافة هؤلاء الناس ابناء الكرم والشهامة ولا يمر ساعة الا ويحضروا لنا الشاى وبجواره بعض الفطائر الحلوة ولكن اهم مالفت نظرنا انه طلب من جميع العائلات الحضور فى صحن المنطقة ونحن نشاهدم من على مسافة مائة متر تقريبا .. ثم تحدث قائلا : يا اهلى وعشيرتى هنا مجموعه من الدفعه ابنائنا ابناء مصر فى احتياج لعوننا وانا اقدم هذا رافعا طبقا ابيضا كبيراً قائلاً : هذا الطحين من عندى .. اين مساهمتكم؟ .. ونشاهد السيدات يندفعن مقدمين اشياء للطعام لانعرفها ولكن كل واحدة تقول وانا اقدم هذا لاخوتى المصريين .. وهكذا تجمع القوم على مساعدتنا وقامت النساء بعجن الدقيق واشعال النيران والخبيز ورائحته تتصاعد والبعض يقوم باعمال اخرى وقبل انتصاف النهار احضروا صينية العشاء ممتلاءة بالخيرات مثل الصباح بل واكثر والرجل يعتذر لظروف الحرب التى منعتهم من ان يقدموا المساعدة الواجبة لنا .. تناولنا طعامنا ونحن لا نصدق ما يحدث ومشتتى التفكير مابين هؤلاء وهذا المهرب القذر الذى دفعنا دفعا لجنود الاعداء لولا ان الله سلم لكنا فى عداد الشهداء.

   حمدنا الله على نعمته وكنا نرغب فى ان نغتسل ولكننا ُأحرجنا لوجود نساء كثيرة بالمنطقة وفتايات رائحات غاديات وكل حركتهن قريبا من البئر ونحن نريد خلع ملابسنا وغسلها ونظافة اجسادنا .. شكرناهم جميعا متمنيين لهم حُسن الاقامة وسرعة العودة الى بيوتهم واعطونا باقى الطعام مع امدادنا بعبوة بلاستيك مملؤة بالماء .. سرنا ونحن نحمل كل ذكرى طيبة وقلوبنا تلهج بالثناء لهم داعين الله ان يعوضهم جزاء صنيعهم هذا .. كنا نغادر المنطقة ونحن نشعر اننا نغادر مكانا عزيزاً علينا اختفينا عنهم واختفوا عنا وسرنا نكمل مشوارنا وبعد ساعتين وجدنا منطقة نخيل فارغة وبها بئر مياه اسعدنا هذا وتحيرنا لو خلعنا ملابسنا وغسلاناها سيقبل الليل ببرده ولن نستطيع ان نبقى هكذا عراة طوال الليل نتحمل الصقيع ولدغات البعوض الكثيرة .. طلبت تأجيل هذا الى باكر .. فى الصباح استيقظنا ونحن احسن حالا فلقاء الامس الطيب ونفحات الطعام الكثيرة المتنوعة اعطتنا جرعة من النشاط والحيوية .. حوالى العاشرة صباحا تحللنا من ملابسنا وكل واحد منا حمل الماء من البئر مانعا السباحة فيه لانه مصدر للشرب ولا يجب علينا ان نعكره بقذارتنا الكثيرة انهمكنا فى غسل ملابسنا ونحن عرايا تماما وكنا نطلب من الله ان يسترنا وان لايحضر احداً ويرانا هكذا وخاصة البدويات .. وقد علم الله بمانريد فلم نشاهد احداً اقترب من هذا البئر وقد جفت الملابس ودعك الرمال لاجسادنا بديلا لليفة والصابون اتى بمفعوله .. ارتدينا ملابسنا ونحن نشعر بالانتعاش والراحة وادينا صلاوات كثيرة لنعوض ايامنا السابقة ولنشكر الله على نعمته.

       امضينا ليلتنا بجوار البئر نأتنس به ونتزود بالمياه ونقضى حاجتنا ومعنا عبوة نحصل منها على المياه للطهارة واصبحنا مثل الانسان الراقى وقبل الفجر قررنا التحرك .. سرنا حوالى عشرة كيلومترات وشاهدنا اشجار النخيل والبدو اسفلها وسبحان مغير الاحوال بمجرد دخولنا على اول بدوى وهو جالس يستمع الى نشرة اخبار السابعة صباحا زغر لنا الرجل صائحا : بعدو .. بعدوا .. ابتعدنا ونحن مانزال نراقبه وقد شعر الرجل اننا نريد الاستماع الى النشرة فقفل الراديو ودخل خيمته لاعنا هذا الصباح الذى استقبل به وجوه كريهة .. ورغب فراج فى ان نلقنه درسا ولكننى طلبت منهم عدم فعل ذلك ويكفى لقاء الامس ليمحو خطايا اليوم .. سرنا الى الجهة الاخرى من البئر وعبرنا تلك القبيلة سائرين فى اتجاهنا الذى لانعلمه .. واصلنا السير ومكثنا ثلاثة ايام لانرى اى اشجار للنخيل ولا نشاهد اى بدوى وهكذا يوم عسل وايام مريرة علقم.

     اليوم الرابع منذ لقاء الاحباء مع القبيلة الكريمة وانتهت المياه منذ يومان والجهد ارهقنا والتعب اضنانا والشمس لفحت وجوهنا ثانية ولا ماء معنا ولا طعام لاكثر من يومين وفى اليوم الخامس منذ تناولنا طعامنا واليوم الثالث بدون ماء او طعام شاهدنا قبل الظهر مجموعة اشجار نخيل على مرمى البصر فاتجهنا اليها فوصلنا اليها بعد الظهر.. تقابلنا مع رجل عجوز وله لحية كبيرة واعتقدنا انه شيخهم وكان الرجل يتوضأ ممسكا باناء به ماء ويصب على نفسه وتقع المياه فى حوض من الصاج .. نصف برميل طولى .. القينا عليه السلام فاشار بيده تركناه حتى اتم وضؤه وبعدها توجه اليه عطية وهو رقيق الحال سائلاً اياه العون وقد استفسر منه الرجل ماذا تريد يابنى؟ قال له بعض الماء واى طعام ولو كسرة خبز .. اشار له الرجل بانه سيذهب ويحضر لنا الطعام والماء جلسنا ننتظرحضوره وماهى الا دقائق وشاهدنا الرجل ممسكا ببعض جرايد نخيل جافة ورماها امامنا ونحن نعتقد ان الطعام سيحتاج النيران فاذا به يقول هذا هو طعامكم واشار الى حوض الماء الذى كان يتوضأ به وقال وهذا هو شرابكم .. اندهشنا ولم نكن نتوقع ان يقول لنا احد مثل ذلك وعندما ساله مصطفى مستنكرا قوله .. ايه اللى بتقوله ياشيخ؟ .. اجابه كما سمعتم انتم لستم احسن من الابل والاغنام كلو واشربوا وغادرونا .. تركنا وانصرف واراد جويلى جذب اجزاء سلاحه فمنعته وقلت هل نغصب الناس على المرؤة انه تربية جوع ولا يعرف للكرم والاصول طريقا .. تركنا المكان ونحن كارهين للطعام والشراب بل كارهين الحياة التى تدفعنا لهذا الذل والقهر النفسى.

     عدة كيلومترات وشاهدنا منزلا وبجواره بئر مياه وبعض المزروعات وثلاثة اطفال يأكلون من طبق مملؤ بامية خضراء .. وقفنا ننظر انها بامية فى الصحراء .. شاهدتنا الام فحضرت مسرعة واخذت اطفالها ودخلت بهم المنزل ثم عادت وهى تصيح فى وجهنا .. ماذا تريدون الايكفى ما حدث لنا من وراء اعمالكم .. اجابها جوبلى قليل من الماء والطعام .. اشارت الينا : الماء امامكم اشربوا وبعدو.. كانت رسالتها قاسية وعنيفة واعطيناها العذر فهى سيدة صغيرة وتخاف على اطفالها وبعد عشرة دقائق فتحت باب منزلها وهى تقول بصوت عال .. دفعه تعالوا كلوا وغورا من هنا .. رمت الطبق الذى به بعض بقايا البامية الخضراء بجوار حائط منزلها ولا اعرف لاين اتجهت مشاعرى .. شعرت  كأننا كلاب ضالة ويرمى لها ببقايا الطعام .. هكذا عوملنا لقد كرهنا الطعام تاركين المنطقة لاعنين هؤلاء القوم رغم ان بهم الكثيرين من اصحاب الخلق الكريم.

 

 

 العودة لنفس المكان

 

    بعد ان شربنا من تلك المنطقة وملأنا وعاء البلاستيك الذى معنا من الماء شاهدنا بعض السيدات يجلسن حول شىء ما مثل الفرن هو كانون وهو عبارة عن حجرين من الصخور وبينهما فاصل وفوق الحجرين قطعة من الصاج على هيئة اسطوانة “قصعة من التى تستخدم فى حمل الاسمنت للبناء” ويتم اشعال النيران مستخدمين سعف النخيل ويقومون بخبز الدقيق بعد ان اصبح عجينا بوضع الماء عليه وخلطهما سويا .. وقفنا بعيدا نشتم تلك الرائحة المحببة الى نفوسنا كما تشبعنا عن بُعد بهذه الرائحة خاصة ان امعائنا تحركت راغبة فى الطعام على روائح الخبيز .. شاهدتنا السيدات ولم تبالى بنا ونحن جالسون بعيدا عنهم لانستطيع الاقتراب خوفا وخجلا من ان يسمعونا بكلام سىء على نفوسنا ولكن فتاة شابة نظرت الينا والى زميلاتها وحدثتهم وكان باديا من اسلوب الحديث انه هناك خلاف على امر ما ولم تبالى الفتاة الصغيرة فاحضرت بعض الارغفة الساخنة وقدمتها لنا ونحن نشكرها بلسان حالنا وتركتنا عائدة وقد غبنا عن انظارهم وذهبنا قريبا من بئر المياه نقتطع بعض من تلك الارغفة ونتاولها  ونبتلعها بقليل من الماء.

     فى المساء تحركنا .. فقد انعم الله علينا بالماء وببعض من ارغفة الخبز التى ستستمر معنا عدة ايام باذن الله .. سرنا بكل همة ونشاط ونحن سعداء بما انجزناه اليوم خاصة بعد المقابلة السيئة من السيدة ام الاطفال صاحبة طبق البامية .. كانت تلك المعاملة تؤثر فينا الى درجة كبيرة فنحن لم نقابل بمثل هذا قبل دخولنا المعركة لم يتعرض احدنا الى ذلك ابدا وكنت اتذكر ابى وانا طفل فى العاشرة ويرسلنى الى رجل فقير واسرته بالطعام فى شهر رمضان وهو بكميات وانواع واصل اليهم قبل الآذان بقليل حتى يكون الطعام ساخنا وطازجا ثم اعود الى منزلنا والشوارع فارغة والجميع يتناولون افطارهم وانا صائم وامعائى تحدث اصواتا من الجوع والعطش وكان رمضان ايامها فى شهر مايو من عام 1955 ثم اتذكر ايضا العاملين فى ارضنا الزراعية وهم يأكلون ويمرحون سواء اثناء جنى محصول القطن او ضم الارز اوحصد وتخزين القمح .. اى نحن من بيت كرم .. كما كان جنودى هم الاخرين يتذكرون مآثر عائلاتهم على الاخرين رغم انخفاض مستواهم الاجتماعى .. كما ان اسلوب الامتناع عن مساعدتنا يتم باسلوب سىء وفظ وليس هادئا اوبالحسنى.

    تحركنا للسير وسرنا مسافات طويلة وقد اقتربنا من ضؤ الفجر.. جلسنا للراحة وغلبنا النعاس فرحنا فى نوم عميق .. استيقظنا على صوت طائرة ففزعنا ولكنها كانت بعيدة عنا وعلى ارتفاع كبير.. نظرنا حولنا فوجدنا منطقة نخيل لاتبعد الابحوالى اثنين كيلومترا ..  توجهنا اليها للحماية من شمس النهار المؤلمة وهانحن نشاهد النخيل على بعد مائتى متر واصلنا السير حتى دخلنا الى المنطقة وجلسنا نستريح قليلا ولكننا شعرنا ان تلك المنطقة ليست غريبة عنا وتجولنا بها فشاهدنا الدبابات المدمرة واماكن المقبرة الجماعية للشهداء التى داستهم الدبابات الاسرائيلية احياء تخوفنا ان يعود اليهود ثانية كما ان تلك المنطقة ليس بها مياه ولهذا قررنا ان نغادرها مساء نفس اليوم الى مكان آخر.

      مساء هذا النهار تركنا المكان متجهين لنقطة اخرى عازمين العمل على تصحيح مسارنا فلقد عدنا من حيث اتينا وهذا يدل على تخبطنا فى اتجاهات السير واننا درنا حول انفسنا وضاع منا ثلاثة ايام هباء ومجهود لاداعى له ونحن فى اشد الحاجة للراحة منا للمجهود لما نحن عليه من الم وضعف أثر على قوانا  ونحن راغبين فى النوم لما نعانيه من ارهاق باديا على الجميع .. واصلنا التحرك على ان نبدل زاوية سيرنا كل نصف ساعة بدلا من الساعة وبهذا نقلل خطأنا الذى وقعنا به .. استمر سيرنا حتى منتصف الليل ولم نستطع استكمال الليل بطوله ونمنا فى اماكننا كما تعودنا بالعراء واستيقظنا ضحى اليوم التالى قبل ان تحرقنا الشمس وتحركنا بعد ان تناولنا بعض كسرات الخبز وقليل من المياه التى قلت كمياتها واصبحت لاتكفى حتى المساء .. شاهدنا حطام طائرة ميج 21 مصرية وبعدها بحوالى كيلو متر شاهدنا حطام طائرة ميراج اسرائيلية .. اذن كانت هناك معركة جوية تمت .

    سرنا نهاراً لتقليل الخطأ فى الاتجاه رغم حرارة النهار.. واصلنا السير ولاجديد ولايعكر صفونا الا الخوف من فقدان الاتجاه والبعد الى مناطق صحراوية جافة وفقد المياه او مفاجأة اليهود لنا ولكن كل هذا كان مُستبعدا لأنه لم يحدث الا صدفة وفى منطقة المحور الاوسط ولو كان الجندى عطية لم يلوح لهم لما شاهدونا وما حدث صدام معهم ولكن على اى حال هذا الصدام اثبت اننا رجال مقاتلين ولسنا ضعفاء كما تبادر الى ذهن كل جندى وضابط  اسرع فى الانسحاب بطريقة ارتجالية زادت من الخسائر بينهم .. نهبط من مرتفع الى الوادى ونشاهد كتيبة دفاع جوى مواسير محترقة بالصواريخ والنابالم ومازالت بعض الجثث المحترقة فوق المدافع ” هى من النوع المحمل على شاسية دبابة ومزود بمسورتين” كان التحلل قد اتى على جزء من اجسادهم والرائحة النفاذة تلهب الانوف .. حاولنا دفنهم ولكن تعذر لحالتهم وهلامية اجسادهم فليسوا بسائل ولا بجسد متماسك تركناهم معتذرين .. نحن الان فى المساء وتناولنا كسرات الخبز الباقية بعد ان جفت وابتلعناها بالماء المتبقى واننا فى انتظار ان يمدنا الله بفضله وعونه ورحمته .. حصلنا على راحة منتصف الليل واكملنا سيرنا لليوم الثالث بعد تركنا لآخر منطقة للبدو والذين امدونا بالخبز .. ثلاثة ايام لتصحيح خطأ السير.. واصلنا السير تحت درجة الحرارة المرتفعة وقد اضنانا الجوع والعطش رغم عدم مرور اربعة وعشرين ساعة على آخر طعام وشراب .. شعرنا بنسمات هواء رطب هبت علينا وكنا حوالى عصر هذا اليوم وتشجعنا فى السير لنصعد تلا فنشاهد واحة خضراء فلنسرع اليها ولكننى طلبت منهم عدم الاندفاع فاستجابوا وتحركنا بيقظة وحذر الى ان تأكدنا انه لاتوجد قوات للعدو بتلك المنطقة .. بحثنا عن الماء بين الاشجار فلم نشاهد اى علامات ولكننا شاهدنا بعض الطيور المحلقة تهبط فى الجانب الاخر من الاشجار.. اتجهنا الى مكان هبوط تلك الطيور وشاهدنا الكثير منها والذى يختفى ثم يعود طائرا وصلنا الى مكانهم فرأينا كهفا ساقطا هابطا لاسفل بممر حوالى خمسة عشرة مترا بزاوية ميل ثلاثون درجة ثم بئر مياه تحت الصخور المحيطة به وهى من نوع الحجر الجيرى مثل احجارالمقطم او التى تبطن بها الترع فى الريف المصرى.

     هبطنا لنحصل على كفايتنا من الماء ومنظره الذى يسُر العين والقلب لاينازعه احساس او شعور آخر انه شىء عال القيمة انها الحياة .. ارتوينا وحصلنا على مياه لازالة الاوساخ عن وجوهنا ثم اعدنا ملأ العبوة التى معنا تاركين هذا الكنز الرائع واتجهنا الى منطقة النخيل وجلسنا فى اطرافها قريبا من البئر وسوف نستأنف سيرنا بعد ساعة عند هبوط الظلام .. كان مكان راحتنا خلف مجموعة من اشجار النخيل القصيرة المتشابكة ومرتفع عن الوادى الذى به النخيل واثناء جلسونا اذ نفاجأ بسماع صوت محرك دبابة .. تحيرنا واضطربنا ننظر حولنا فى تلك البقعة المكشوفة ولكن هالنا دخول الدبابة الى منطقة النخيل المتواجدين بها وظلت الدبابة سائرة حتى توقفت على مسافة مائة متر اواقل قليلا من مكاننا .. ملأ الرعب قلوبنا واصبحنا فى مصيدة فهذه الدبابة قادرة فى ثوان قليلة على القضاء علينا ونحن بدون سلاح يستطيع مقاومتها والمسافة قريبة ونحن فى مرتفع فأى حركة سوف نُكشف على الفور حتى الصوت فلو عطس احدنا او سعل فسوف يؤدى بحياتنا .. حبسنا الانفاس رقدنا جميعا على وجوهنا وقد راقبنا تنفسنا وشهيقنا خوفا من ان يسمعونا .. كان اهم مالفت نظرنا والدبابة قادمة تحركها وخلفها حبل مربوط به عدد من الاسرى المصرين وتزحف بهم فوق الرمال ولا اعرف من اين ولكن ما شاهدناه بمجرد وقوفها ان بعض افرادها غادروها ولم يتبقى سوى فرد واحد يقف فى البرج لحماية زملائه .. توجه الثلاثة وكان من بينهم فتاة واعتقد انها ليست من طاقم الدبابة لكنها رافقتهم للتشفى بما سوف يفعلونه بالاسرى .. توجهوا الى الاسرى خلف الدبابة طالبين منهم الوقوف وبعضهم غير قادر فاستعملوا معهم القسوة ركلا باحذيتهم ولقد استطاع الوقوف اربعة دفعوا بهم امام الدبابة وربطوا اذرعهم خلف ظهورهم ودفعوهم للانبطاح ارضا استعدادا لهرسهم كما حدث مع الشهداء السابقين وشاهدنا آثار تلك الفعلة الشنعاء قبل هذا .. لازمنا التوتر والانفعال ونحن نريد انقاذهم وننتقم لما حدث لاخوننا الاخرين ولكننا كنا اضعف من ان نقوم باى عمل فسلاحنا ضعيف والذخيرة المتبقية قليلة جدا فقد استهلكناها فى معركة اللواء المظلى الاسرائيلى ولم يتبقى حسب آخر حصر لذخيرتنا سوى اثنتى عشرة طلقة بندقية .. وزعت علينا بالتساوى لنحافظ على حياتنا وكنا نتمنى ان نعثر على ذخيرة لتلك الاسلحة.

      مازلنا راقدين خائفين ومتوترين ولانتصور ان يُقتل اخوتنا امامنا ويمثل باجسادهم .. اما الاسرائليون .. احدهم بالدبابة واقفا فى البرج وهذا هو اخطرهم علينا لان اى حركة ضدهم سيدير مدفعة قتلا فينا فى خمسة ثوان والاخر يقف على رؤوس الاسرى المصرين وهم يصرخون من الالم لدعك رؤوسهم بالرمال بقدمه والجندى الثالث والفتاة فى حالة حب من قبلات وتمليس متبادل على اجزائهم الحساسة .. اخبرت فراج وجويلى باطلاق النيران على الجندى بالدبابة .. طلقة .. طلقة .. اى الضرب فردى وضبط عتلة الزناد على الوضع الفردى لتوفير الذخيرة المتبقية نظراً لأنهم ادقنا جميعا فى التصويب اما عامر وعطية فسيطلقون نيرانهم على الجندى الذى يعذب زملائنا ويقف على رؤوسهم .. انا ومصطفى سنطلق النيران على الفتى والفتاه وقد تخلصا من ملابسهما السفلية وناما سويا فوق الرمال يقومون بعمل الفحشاء .. الجنديان الاخران يشجعانهما وهم لهم ناظرين بتلذذ وسعادة.

      بكل حذر وهدؤ اتخذنا اوضاعنا استعدادا للضرب ولن يفتح الباقون نيرانهم الا بعد ان يطلق جويلى وفراج نيرانهم على هدفهم حتى اذا خاب تصويبهم نساعد بباقى الذخيرة حتى لو لم يتبقى رصاصات لباقى زملائه ونقوم بقتلهم بالسلاح الابيض .. طلقتان خرجتا مسرعتين ليلقى الجندى الموجود ببرج الدبابة مصرعه فى الحال وواضح هذا من  جسده المتدلى على برج الدبابة فقد خرجت الطلقتان احداهما فى رأسه والثانية برقبته اردته قتيلا فى الحال اما الثانى فاسرع يجرى لكن طلقة اصابته فى قدمه سقط قريبا من الدبابة واختفى خلفها ..اما الحبيبين ..فالجندى حصل على طلقة واحدة سقط على الارض قتيلا ووفرنا الذخيرة اما الفتاه فقد صرخت قائمة تجرى بدون ملابسها فلحقتها رصاصة فى مؤخرة رقبتها دفعت بالدماء من فمها وانفها وقد سقطت جثة هامدة دون احداث اى صوت .. لاحظ مصطفى ان الجندى المصاب تسلق الدبابة ويريد دخولها ولكن زميله القتيل كان موجودا بالبرج واثناء محاولته اخراج جثة زميله من البرج حتى يستطيع ان يدخل الى جسم الدبابة ليفتح اسلحته علينا اطلق عطية رصاصة فسقط على اثرها قتيلا فى الحال من فوق الدبابة على الارض.

     اسرعنا نفك وثاق الاسرى الأربعة الذين سمعوا بالمعركة دون ان يشاهدوها وقفوا يقبلوننا شاكرين ونحن ننظر اليهم والى حالتهم المزرية من التعذيب فقد تقطعت افرولاتهم وخاصة من جهة الصدر وآثار الدماء تملأ وجوههم وصدرهم الشبه عارى اما وجوههم فكلها رمال وكذا افواههم تملائها الرمال من آثار السحل وسير الجندى اليهودى فوق رؤسهم بحذائه .. امددناهم بالماء فنظفوا افواههم واسنانهم ثم تناولوا شربة ماء وكان باديا عليهم العطش والارهاق اما الاسيران الاخران خلف الدبابة فلقيا مصرعهما من اثر النزيف الذى حدث لهم من سحلهم وقد شاهدنا منظرهم والدماء تغطى اجزاء من الجسد خاصة الصدر والرأس .

    عرفنا اقدم الاسرى الذين ُفك وثاقهم بنفسه وبزملائه وبكل هدؤ رغم ما به من اصابات قائلا ( رائد / وليم شفيق قائد الكتيبة (…..مدرعة) والملازم اول/……… واثنين من ضباط الصف هما ……, ……) من نفس الكتيبة التى اعدم منها ثلاثة عشرة فردا وداست فوقهم الدبابات من عدة ايام واخبرنا القائد انهم بعد ان نجحوا فى تدمير العديد من دبابات العدو حضر طيرانهم الذى قذفهم ودمر بعض الدبابات .. طلب منا ان نغادر المكان لأن هناك دبابتين باقيتين سوف تحضران باقى الاسرى وعددهم سبعة .. يعيد رجائه ارجوكم ابتعدوا عنا حتى لاتكونوا عبئا وتصابوا معنا .. احاول ان اقنعه بأن يرافقنا عائدين الى القناة وهو ينظر الى بدهشة قائلاً : .. ماذا تقول؟..الم تدخل معركة خاسرة انت وجنودك القلائل من اجلنا.. نحن اولى منكم بالدفاع عن الباقين ثم ودعنا وقفز فوق الدبابة ولحق به الباقون واخرج جثة الجندى القتيل من البرج وقذف به ارضا ودخل الى داخل الدبابة وادار موتورها وتحرك بها لاختيار مكان يستتر به .. اسرعنا بمغادرة المكان ونحن مندهشين باننا سوف نكون عبئا عليهم.

      تحركنا الى اين لا نعلم ولكننا سمعنا اصوات دبابات قادمة فاسرعنا الى داخل بئر الماء رغم خطورة ذلك ولكن المنطقة مفتوحة والدبابة والطائرة الهليكوبتر قادرتان على الامساك ولو بعصفورة فى تلك الاماكن المفتوحة .. وصلنا الى بئر المياه ومن هناك كان يمكن تتبع ما سيحدث بين الدبابة الاولى المتواجد بها المصريون والدبابتين الاسرائيليتين القادمتين .. دخلنا الى البئر تاركين جويلى مستترا بجوار البئر من الخارج ليعلم ما سيحدث ويخبرنا .. وصلنا الى حافة مياه البئر والظلام بداخله فتحسس مصطفى عمق البئر فوجد انه لايزيد عن المتر وسار فيه ونحن خلفه .. كان مثل بحيرة صغيرة لايزيد قطره عن اربعة او خمسة امتار ونحن فى منتصف البئر شاهدنا كهفا اعلا المياه فصعدنا له وكان فسيحا ولايقل طوله عن خمسة امتار وعرضه متران وكان مخفيا عن نظر القادمين للداخل .. دقائق قليلة ونحن فى هذا الكهف سمعنا اصوات انفجارات واشتباكات ورشاشات .. لقد بدأت المعركة ثم بعد قليل تدخلت طائرات الهليكوبتر ومازالت اصوات الانفجارات تصل الى مسامعنا وقد حضر الجويلى مسرعا يستفسر عن مكاننا نظرا للظلام الذى حل بالمنطقة فارشده زملائه حتى وصل الينا مبتلا مثل حالتنا واخبرنا بصوت هامس عما حدث.

      يقول: شاهدت دبابتين قادمتين فى اتجاه الدبابة التى قتلنا طاقمها .. بادرت الدبابة التى بها الرائد وليم وزملائه بقذف احدى الدبابتين بالنيران فانفجرت فى الحال وقد دفع هذا بالدبابة الثانية لاطلاق النيران على الاسرى المصريين السبعة والذين لاقوا مصرعهم فورا وكانت الدبابة المصرية قد استعدت لتلك الدبابة فقذفتها فانفجرت هى الاخرى وهنا حضرت طائرتين هليكوبتر فاطلقتا صواريخهما على الدبابة فى نفس الوقت التى اطلقت دبابة الرائد وليم نيران رشاشها على الطائرتين فانخفضت احداهما لتفادى النيران فاصطدمت بنخلة فانفجرت واشتعلت بها النيران لكن الطائرة الاخرى دمرت الدبابة وبها الاربعة المصريين الذين كنا انقذناهم .. سعدنا من تلك الاخبار رغم ان احد عشر مصريا لاقوا حتفهم ولكن الواضح انها كانت انتصارات كبيرة فلقد دمرت ثلاثة اطقم دبابات بعدد اثنى عشرة فردا والطيار ومساعده فتكون المحصلة اربعة عشرة بالاضافة الى ثلاث دبابات وطائرة هليكوبتر ..انتشرت فى المنطقة الطائرات والعربات المجنزرة تمسحها لعل هناك آخرين ساعدوا فيما حدث حتى وصلوا لبئر المياه وقد سمعتهم يتحدثون “بالعبرية” بتدمير البئر ولكن الاخر طالب بتسميم البئر حتى يموت كل من يحاول ان يشرب من مياهه ثم قذفوا فيه بعدة قنابل يدوية لم تؤثر فينا لاننا كنا مختبئين فى مكمن حصين وتلا ذلك ان قذفوا بشىء مثل علبة فاحدثت صوتا ورائحة لفترة وتركوا المكان عائدين الى وحدتهم.

   ظللنا فى مخبئنا متخوفين من حضورهم او انتظارهم لنا خارج البئر .. بعد منتصف الليل شعرنا بحركة على مدخل البئر ثم صوت حيوان يتجشأ ولقد تميزنا الحيوانان فهما ذئبان بعد ان حصلا على وجبة شهية جاءا ليشربا كمية من المياه .. الذئب الاول شرب مباشرة اما الثانى فبعده بقليل واثناء شرب الثانى عوا الذئب الاول بصوته وانقلب فى الماء وعندئذ اسرع الثانى يعدو ولكنه سقط فى مدخل البئر وهذا أكد لنا انهم سمموا البئر.

    ساد صمت مطبق فى المكان ومع هدؤ الليل لم نسمع اى اصوات لمحركات او انفجارات خارج البئر.. ولكن من تجاربنا السابقة تاكدنا من ان حضور الذئاب الى البئر يدل على ان منطقة البئر آمنة لأن الذئاب لاتستطيع الاقتراب مع وجود قوات قريبة منا ورغم هذا تطوع فراج ومعه مصطفى للخروج باحتراس لمعاينة المنطقة وتسللوا مرورا بمياه البئر وخرجوا الى خارجه ومكثوا بعض الوقت وعادوا ليخبرونا بان المنطقة آمنة وانه لاتوجد اضواء او حركة خارجية .. تسللنا الى الخارج ولفحتنا البرودة الخارجية مع بلل نصفنا السفلى فشعرنا بالبرودة تسرى فى اجسادنا .. سرنا عدة كيلومترات حتى ابتعدنا عن مكمن الخطر لكنا شعرنا بالارهاق والبرودة وكان لابد من التخلص من ملابسنا المبللة ولهذا وجهت سؤالى .. ماريكم ان نستريح ونخلع ملابسنا السفلية المبللة وندفن اجسادنا فى الرمال حتى الصباح ونترك ملابسنا المبللة فى العراء حتى تجف .. وافقوا على هذا متمنيين الا يأتينا اليهود ونحن عرايا .. ترحمنا على الشهداء الذين ماتوا سحلاً اوبرشاشات الدبابة او من قاموا بالمعركة .. قلت لزملائى الجنود .. فعلا الخبرة عليها عامل هام .. لو بقينا بجوارهم لكنا ُقتلنا بدون ان نفيد بشىء لقد كان الرائد وليم بعيد النظر سديد الرأى.

    نفذنا خطتنا داعين الله الا يهاجمنا اليهود بهذا الوضع وخاصة انه لم يتبقى معنا سوى رصاصتين فى البنادق وقد اعددت نظاما للخدمة حتى يكون هناك شخصان متيقظين مع عدم التحدث حتى لاتسمع اصواتنا وتصل لأعدائنا .. كل فرد خلع ملابسة المبتلة ونشرها بجواره ودفن جسده فى الرمال الدافئة فادخلت السعادة والراحة الى اجسادنا المرهقة .. رحنا فى نوم عميق .. ظهر نور الصباح ليوم جديد راجين من الله الا نقابل اليهود حيث ان ماتم معهم كان بغرض الدفاع عن زملائنا الاسرى ولم يكن من المعقول ان نظل مختبئين ونشاهدهم يقتلون هؤلاء الاسرى وكل هذا بسبب اقتحامهم لمكان تواجدنا .. فى الصباح اصبحت الملابس اكثر جفافا والطقس اكثر دفئا مما يساعدنا على تحمل الملابس ونكمل سيرنا .. سرنا بعزم وهمة ونحن نراقب المنطقة حتى لايحدث شيئا يعكر صفو انسحابنا خاصة انعدام الذخيرة .. منتصف النهار شاهدنا مجموعة من النخيل وباحتراس كالسابق تحسسنا المنطقة فتأكد لنا عدم وجود احد بها فاتجهنا اليها ولم نكن فى حاجة لمياه فالمياه مازالت معنا من البئر الذى سممه اليهود امس .. ولكن ما لفت نظرنا هو وجود شىء اسود اللون بين النخيل ودائرى وعلى شكل قرص ودائرته فى حجم الطبق متوسط الحجم .. نظرنا اليه ثم سألت فراج وهو جندى المشاه والذى كان معى لحظة تهور العسكرى الدمنهورى والذى اراد الانسحاب مهددا بفتح نار بندقيته فى اتجاهنا .. فراج الاتعتقد ان هذا الشىء هو خزنة الرشاش الخفيف فاجاب على الفور .. فعلا خزنة رشاش خفيف والكل يمنى نفسه بان يكون بها بعضا من الذخيرة وآخرين يؤكدون على انها فارغة والا ما كان صاحبها تركها فى وسط الرمال .. طلبت من اثنين ان يتجهان اليها بحذر ويدفعان ببعض الحصوات والاحجار جهتها حتى نضمن الايكون باسفلها لغم اعده اليهود لمن يحاول الحصول عليها .. نفذ الجنديان هذا ولم ينفجر شىء وقد تحركت علبة الرشاش قليلا من اثر قذفها بالاحجار .. عندئذ توجها اليها وحملاها وهما عائدين سيعدين حيث يهزها احدهم قائلاً : انها ثقيلة مما يدل على وجود ذخيرة بها.

      كان استنتاجهما صحيحا فبعد فتح غطاء خزنة علبة الشريط وجدنا ان الشريط  مملؤة بالذخيرة وهو يسع مائة طلقة وهى من نفس عيار البندقية التى معنا( 7062  ×39) واكثر من نصف تلك الذخيرة من النوع الخارق الحارق .. جلسنا ننظف الذخيرة والسلاح مما علق بها من قاذورات ورمال مستخدمين بعض قطع من الفنلات الداخلية وبعد الانتهاء من نظافة السلاح والذخيرة وزعتها عليهم بالتساوى واصبح كل سلاح به سبعة عشرة طلقة وهكذا ضمنا جزءاً هاماً فى طريق سيرنا للهدف الذى نعرفه ولكننا لانعرف كيفية الوصول اليه .. واصلنا سيرنا فشاهدنا دخانا ابيض ينبعث من خلف التباب فاتجهنا صوبه وهو ليس بدخان انفجارات وليس دخان اعداد طعام لليهود حيث يتناولون طعاما محفوظا .. لابد انه لبدو .. سرنا فى اتجاهه وبعد مسيرة الساعة تقريبا شاهدنا مجموعة من العشش الجريد وبعض البدو بجوارها  فلاحظونا ملوحين لنا بالاتجاه اليهم واسعدنا هذا الاستقبال عن ُبعد .. وصلنا امامهم والقينا تحيتنا عليهم فردوا باحسن منها وطلب احدهم السلام على شيخهم وهو رجل كبير السن باديا عليه علامة الصلاح وقوة الشخصية فامر مساعديه باعداد الطعام للدفعة وسبقه اعداد قهوة عربى .. كل شىء يُعد وانت جالس يحمص البن ويصطحن يدويا والنيران مشتعلة دائما ويوضع اناء القهوة وهو كبير الحجم نسبيا ويوزع فى فنجان “بيشه” وهو موجود بمصر.. فنجان ابيض بدون ودن وبدون طبق له متسع الفتحة من اعلا اكثر من الاسفل .. تناولنا قهوتنا ثم تلا ذلك احضار عدة ارغفة خبز ساخن مُعد بنفس طريقة القهوة .. اعداد العجين حسب الطلب ثم فرده على قطعة صاج باسفلها النيران مثل التى شاهدناها منذ عدة ايام .. كان معنا فى نفس توقيت الضيافة جنود من حرس الحدود .. هم من اهالى النوبة شديدى السمرة ووجوهم مكتنزة الحجم اكثر من المصريين ولهم علامات “عدة شرط” قديمة فى وجههم  وطيبى القلب وحسنى النية وكنا نأكل معهم وجنودى يسرقون الخبز ويضعونه تحت ثيابهم وقد شاهدهم احدهم فتوترت اعصابه وتحدث مع زملائه بلهجة او لغة لانعرفها وهنا طلب احدهم من شيخ العرب ان ينبه على هؤلاء الدفعة الامتناع عن سرقة الطعام فاضحك هذا الرجل العجوز والذى اشار الى معاونيه باحضار المزيد من الخبز حتى لايغضب ابناء النوبة  فاسعدهم هذا بينما طلبت من جنودى الكف عن هذا العمل مذكراً اياهم بما كنا نعانيه فى مقبرتنا وماكنا نذكره من الاعتراف بالسرقة فاثر هذا بهم واخرجوا الخبز من ثيابهم ووضعوه امامنا وهنا اشار لهم الشيخ باخذه ثانية مبتسما لهؤلاء المشاغبين .. طلبنى الرجل اجلس بجواره ومال على يحدثنى قائلاً :

انت ملازم .. فاجبته بنعم .. اخبرنى انه لم يشاهد ضابطاً صغيراً الا ومعه جنوده وانه كان يتمنى ان يقدم مساعدة اكثر من ذلك ولكنه لايستطيع لأن فى رقبته اشخاص مهمين مطلوب ان يوصلهم الى بورسعيد بأمان .. امسكنى من يدى ودخلنا عشة جانبية وفتح فاصلا بسيطا بين سعف النخيل وهالنى الاعداد الموجودة بالداخل من كبار الضباط الذين جمعهم بمعرفة رجاله وتخوفت ان يكون قد اسرهم وسيسلمهم للاسرائيليين لكنه افادنى بأنه سيؤمن عودتهم الى مصر .. ولهذا فهو مُتخم بهذا العدد وسالته كيف يعيدهم؟ ضحك من سؤالى قائلاً : انها بلادنا ونحن نعرف كل شبر بها ومعى رجال قبيلتى والحقيقة كل ليلة ارسل بمجموعه الى بحيرة البردويل وهناك لنش المخابرات ينتظرهم ليقلهم الى بورسعيد .. ومسكنى من كتفى قائلاً : ارجو الا تبوح بتلك المعلومات لأ حد حتى جنودك واذا وصلت بالسلامة وسوف تصل انشاء الله ارجو ان تخبر احد المسؤلين فى بورسعيد باننا فى اشد الحاجة للمواد التموينية التى انقطعت منذ اسبوع .. وخاصة الدقيق والسكر .. اجبته انشاء الله تصل رسالتك لهم وهم لها ملبين .. علمت منه ان الاسرائيليين يجدوا فى اثر القادة للقضاء عليهم حتى تصبح مصر بدون قيادات عسكرية وانه يمكن لمصر استعواض خسائر السلاح لكن خسائر القادة فهى صعبة للغاية وقد تمتد الى عشرات الاعوام حتى تستطيع اعداد كودار اخرى وبالتالى تنتهى مشاكلهم مع المصريين .. لقد قام هؤلاء البدو بعمل مجيد بالتعاون مع المخابرات المصرية .

    شكرناه مودعين كما نصحنا بأن نسلك هذا الطريق والاحتراس من اليهود خاصة فى مناطق النخيل التى تكون مصايد للدفعة الطالبين للراحة مع التحذير اذا لاحظنا شيئا لامعا فوق مياه اى بئر او حيوانات نافقة او “دفعه” اى جنود موتى بجوار هذا البئر.. فهذا معناه ان البئر مسمم وابتعدوا عنه فورا .. ولاتغتسلوا منه .. شكرناه سائرين وقد حصلنا على بعض ارغفة الخبز الذى تكرم واهدانا بها وقد ملأنا العلبة البلاستيك بالمياه النظيفة.

       الوقت قبل المغيب بساعتين ودرجات الحرارة قل لهيبها وكذا ضؤ الشمس قلت شدة ضوئه ونسمات هواء بارد تدغدغ اجسادنا الهزيلة مع ارتفاع لروحنا المعنوية فلقد شاهدت عددا من القادة يُجهزهم الرجل للعودة لأرض الوطن ليتولوا القيادة استعدادا للحرب مع اسرائيل .. فلن تدوم الهزيمة الى الابد مهما طال وقتها فلابد ان يكون هناك ثأئر ولابد ان نعيد اراضينا التى سُلبت منا بدون حرب نحن المخطئين فيها وليس العدو او الاخرين حسب ماكنا نسمع من البدو بالخيانة والتآمر بين كل من روسيا وامريكا .. وكان مبعثنا لهذا هو ما نقوم به من اعمال رغم انها مفروضة علينا ولكننا نجحنا فى ان نصيب العدو وها نحن شاهدنا فى مرحلتى القتال معهم مقتل اكثر من عشرين جنديا وتدمير عدد من الدبابات والسيارات الجيب وطائرات الهليكوبتر وهذا بدون قيادة كبرى .. وماهى قيادتى وانا الضابط الصغير عديم الخبرة والقيادة .. كنت اتذكر لو تواجدت قيادة معنا لكنا فعلنا الاعاجيب!!!!

     واصلنا سيرنا حتى اقترب الليل وحل الظلام ونحن مازلنا نسير حتى شاهدنا اضواء خافتة على بُعد .. مازلنا نواصل السير حتى اقتربنا من هذا المكان والذى تأكد لنا ان به بدو وعائلات وهذا نابع من اصوات الماعز والاغنام والاطفال ورائحة الخبز المطهى .. اذن لننتظر حتى الصباح بدلا من الدخول ليلاعلى هؤلاء القوم وقد يحدث  لهم ازعاج فيقابلوننا بما هو اسؤا مما حدث قبل ذلك وكما يقول المثل الصباح رباح والنهار له عينين .. اذن لفننتظر  فالابصار احسن من عدمه.

 

 لقاء غـير متـوقـع

 

        هذا يوم جديد فى رحلة العودة التى لم تنتهى متاعبنا منها منذ بداية الانسحاب فى يوم السابع من يونيو وكان يوم اربعاء لقد تعدينا ثلاثة اسابيع بين كر وفر ومتاعب والآم ومخاطر على حياتنا سواء جوعا وعطشا اودفننا احياء او بين مخاطر العدو سواء من هجماته علينا او مخاطر ان تنفجر فينا الغام قابعة تحت الرمال كما ان اجسادنا ارهقها التوتر واختلاف درجات الحرارة بين الليل والنهار واضواء الشمس المبهرة نهارا او الظلام الدامس ليلا ولو اضفنا سؤ لقاآتنا ببعض البدو واسلوبهم الجاف فى منع المساعدة عنا لوضح امامنا اننا مازلنا نعانى…. حتى الشهداء من سلاح المدرعات والذى اضطررنا الى الدخول فى معركة لانقاذهم مع دبابة للعدو ونحن غير مستعدين لها كانت كلماتهم لنا ” اتركونا حتى لاتكونوا عبئا علينا ” .. كنا نشعر فى أحيان كثيرة بضآلتنا امام الاخرين وكانهم يستكبرون علينا ان نعيش او ان يكون لنا راى اوصفة او نطلب الطعام والشراب حتى شيخ القبيلة كان مكلفا من قبل المخابرات المصرية بالبحث عن القيادات وانقاذهم واحضارهم الى مصر معززين مكرمين ولاداعى للفكة او التوافه من الجنود وصغار الضباط لانهم ببساطة ليست لهم قيمة فى العسكرية المصرية او فى اعادة تسليح الجيش .. انهم غير مهمين .. لانحتاج لهم .. اذا ارادوا العودة فلا يضر واذا ضاعت حياتهم للاسباب السابقة فلن نضار ايضا .. غلبنا هذا الاحساس ولم نشاهد اونرى من يقول لنا اهلا بكم اين انتم ان الدولة تحتاج لكم وسنساعدكم فى العودة والمحافظة على حياتكم بل دفعنا كل ما نملكة من شىء قيم وهو ساعات يدنا التى نستخدمها من اجل ان يدلونا على طريق آمن ونحن نكمل سيرنا .. كنا مشتتين بين المحافظة الشخصية على حياتنا والقيام بواجب وطنى غير مفروض علينا فى دخول معارك مع العدو وقد ترك تلك المعارك المتخصصون وكبار القادة سواء طواعية او تحت ضغط.

      اذن فلنكمل سيرنا لعل الله فاتح باب الامل امامنا ومنقذنا من عثرتنا وكربنا انه نعم المولى ونعم النصير..”واذا سألك عبادى عنى فانى قريب اجيب دعوة الداعى اذا دعان”. تحركنا الى منطقة النخيل وكانت الساعة حوالى السابعة صباحا والقوم انتهوا من نومهم يستعدون مثلنا ليوم آخر يرى ما سيتم فى احوالهم لتلك الحرب التى لاناقة لهم فيها ولاجمل .. بادرنا البعض بالتحية وآخرون بلف رؤسهم الى الجهة الاخرى قائلين فى سرهم صباح مش حيعدى علينا .. ايه اللى حدف المصايب دول علينا .. كنا نشعر بما يريدون قوله بدون حديث الوجوه تحكى وتقص ما يعتمل فى نفوسهم ونحن ليس امامنا سوى الاستجداء مع العزة وكيف يتقابل الضدان فى هذا .. كيف استجدى وانا عزيز الكبرياء .. انها كانت المعادلة الصعبة ولا يؤاخذنى من يقرأ هذا ويقول كيف تقول على نفسك وجنودك هذا .. نعم ساقول ماكنا نشعر به .. كنا نقترب منهم وعيوننا ترسل لهم ما نحن فيه بدون كلام .. والله هذا شعورى .. الا وهو مثل الكلاب او القطط الهائمة على وجوهها من الجوع والعطش التى تقترب منك تهز زيلها وتحرك جسدها  لتفهمك وتشعرك بماتريد فهى حيوان اعجم لاينطق ولقد اصبحنا مثلهم .. فاذا تعطف علينا احد بكسرة خبز وشربة ماء شكرناه بالكلمات واذا ضايقنا احد منهم بقوله “بعدوا .. غوروا بعيداً ” تضايقنا مغادرين المكان .. ماذا يفعل الحيوان الاعجم سوى ذلك واعتقد ان الله لو انطقه لثار وسب هؤلاء القوم ولكننا لم نفعل ولم ُنكره احدا على اطعامنا بل كنا فى حالات كثيرة نترك الناس بعد ان يظهروا كرههم لنا متجاهلينك .. تخيل التجاهل لستة من جنود مصر الشباب فى غياهب الصحراء القاتلة والعدو يطاردهم وقد شاهدناهم ماذا يفعلون .. اذن فنحن فريسة للموت جوعا وعطشا اوقتلنا بدهسنا تحت جنازير الدبابات.

       وقفنا بداخل تلك القبيلة ننظر لعل احدهم يشعر بنا والناس مغيبين عنا او متجاهلين لنا .. فهذا يأخذ بعض الماء ويذهب بعيدا ليقضى حاجته وآخر يشعل النيران ليعد الشاى وآخر يفتح الراديو ليسمع آخر الاخبار او اغنية ورجل يتعارك مع زوجته لانها اهملته الايام السابقة ولم تعد نفسها لامتاعه وهى صارخة فيه بانه مش عايش وشايف الدنيا مقلوبه حولهم ازاى .. كان هذا مانراه وامهات مشغولات بطهى وجبة الصباح واخريات يهندمن فى زينتهن وكان واضحا ان ابناء تلك القبيلة ميسورى الحال وان نسائهم يتمتعن بدرجة عالية من الجمال وجرأة القول والحديث .. كانا قليلى الحياء فى احاديثهم التى تخصهم كنساء وكان الصوت المعلن للعلاقة مع الازواج سواء سعيدات او صاخبات شىء عادى وكأن رجالهم قد لبسوا ثوب الخنوع وقد سلموا قيادتهم لزوجاتهم .. كان هذا واضحا بعد ان جلسنا قرابة الساعة وكأننا نرتدى طاقية الاخفاء فلم يعيرنا احد اويلتفت الينا .. مثلنا مثل الناس فى ميدان رمسيس والذين لايهتمون بهذا التمثال الرائع بعكس السائح الذى يقبل من آخر الدنيا ليشاهد هذا الاعجاز الفنى المهمل انها العادة التى تصيب الناس بالتبلد.

   ننظر بعضنا لبعض .. ماذا سنفعل؟ .. ذهب احدنا لاحضار ماء ولم يعترضه احد .. شعرنا ان الاهمال اخطر من المجابهة واللوم والتقريع وكلمة بعدوا عنا او غوروا بعيداً .. وفجأة جاء رجل يعرض علينا بضاعته وهو لم يحيينا بتحية الاسلام ولا البوزية .. الدفعه عايزين “وكل” يعنى طعام .. اجابه احد الجنود ايوه عايزين ناكل .. سألنا كم سندفع!! .. اخيراً بعد ان جاء على نفسه فهو يقدم الطعام بثمن .. اجابه : احنا نحتاج حاجه بسيطة كمساعدة فنحن لانملك مالا .. اشاح الرجل عنا وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة ولكنها من نفس قاموس “بعدوا عنا .. غوروا بعيد”.

    حضر آخر مع زوجته ممسكا “بجدى اى ذكر الماعز” وهو يقول تشتروا كام رغيف خبز واعطيكم هذا الجدى هدية فوقه .. سألناه : وكم ثمن الخبز؟ فاجاب خمسة ارغفة خبز بجنيه واحد!! .. تعجبت فهذا ثمن كبير ولا يماثله هذا الثمن الا فى فندقى سميراميس او هيلتون النيل .. انه سعر مرتفع لكن الرجل كان يريد مالا ولايريد “عنزة” اى معزة .. انه يحاول الفصال وزوجته هى الاخرى ترغبنا فى الشراء وتجمع آخرون لهذه الحلبة التجارية وقد اصبحنا نقف فى سوق .. هذا ما حدث وكانت هذه اول مرة نقابل مثل هذا الحدث .. واخيراً توصل الى اتفاق معنا بانه سيبيعنا خمسة عشر رغيفا بثلاثة جنيهات او نحصل على عنزة وخمسة ارغفة بثلاثة جنيهات .. نتداول سويا ونبحث عن المال الذى معنا فقد وجدناه جنيهان وخمسة وسبعون قرشا .. عرضنا عليه الثمن ولكنه رفض قائلاً : هذا ثمن العنزة .. توقفنا وماذا سنأكل؟ عنزة فقط اننا نريد خبزاً ايضا والعنزة كبيرة على سته من الرجال وليس لدينا ثلاجة لنحفظ باقى اللحوم .. الرجل وزوجته يتناقشان فى تلك البيعة .. وهنا جائنى مصطفى قائلاً : افندم اريد محادثتك وانتحينا جانبا قائلاً بلاش البيعة دية .. هناك .. واشار الى سيدة شابة ترغب فى بيعنا خمسة ارغفة وعنزة بما عرضناه على الرجل ورفضه .. اخبرته وقد التف جنودى حولى بان الرجل على وشك الموافقة وكلها ماعز وقرايب ولافضل لعنزة على اخرى والخبز ايضا ولكنهم للمرة الاولى يصممون على رأيهم وهم يقولون بصراحة هذه اموالنا ولنا الحق فى التصرف فيها .. نرجوك ان تلغى هذا الاتفاق مع الرجل .. عدت الى الرجل والذى كان يشاهدنا ونحن نتحدث وحولنا باقى الناس فى القبيلة وكان عددهم كبير يزيدون عن المائة غير الاطفال والماعز والخراف .. شكرا ياشيخ .. بألغى الاتفاق .. تضايق الرجل ولكن زوجته تحدثت وهى تقول المرة ال….هيه السبب فى اللى حصل وقامت خناقة ستاتى على اكبر مستوى ونحن نشاهد الردح السيناوى بكل الالفاظ والرجال سلموا مقاليد السيطرة كما سبق ولاحظنا وكل واحد منهم توارى فى خيمته تاركا هذا السامر وقد تعودوا على ذلك .. انتهت وصلة الردح بكل الالفاظ التى يعاقب عليها القانون والتى تثير مشاعر الرجال وتحرك ما يعتمل فى صدورهم للانجذاب للمرأة.

     توجهت السيدة او الفتاة الى خيمتها بعد ان انتهت من صراعها مع المرأة الاخرى فاتجه اليها مصطفى للاتفاق معها بعد ان رفضت ان اكون انا المتحدث باسمهم خاصة بعد ان صرحوا لى بانها اموالهم وهم يختارون ما يشاؤون رغم اننى املك رصيدا فى تلك الاموال بقيمة خمسون قرشا ولكن غالبية الاسهم معهم ولهذا فلهم الرأى الاول والاخير وقد رفعوا الفيتو ضدى.

     جائنى مصطفى وبصحبته جويلى يبلغوننى بانهم نجحوا فى الاتفاق معها على العنزة وخمسة ارغفة خبز بجنيهين وخمسة وسبعون قرشا كما انها ستزودنا بما نحتاجه للذبح والسلخ وادوات المطبخ وهذا مجانا .. السعر مغرى وجاءت الى السيدة طالبة منى الحضور عند خيمتها حتى ُتعد لنا الشاى .. توجهت مع جنودى الى خيمتها مع ضيق الزوجة الاخرى المنافسة على البيع والشراء .. توجهت الفتاه الى والدها وهو رجل عجوز ويشبه “مسيلمة الكذاب” تطلب منه عنزة ودقيق لصنع خمسة ارغفة خبز وقد طلب منها الاب ثلاثة جنيهات وهى تحاول اقناعه بالثمن الذى اتفقت عليه فيقول لها انكِ تعيشين بعيدا عنى ولك حياتك ولى حياتى انا وزوجتى .. لم تتمالك الا ان تضع يدها فى صدرها وتخرج ربع جنيه لتكمل الثمن .. وهكذا احضرت “جدى” كبير احسن من الذى عرضه علينا الرجل الاول واحضرت الدقيق وطلبت من الجنود التوجه الى بئر المياه للذبح والسلخ واعداد الجدى للطهى .. اسعد هذا الجنود وسألتهم اتعرفون الذبح؟ فاكدوا جميعا ذلك .. اردت ان اذهب معهم ولكنهم طلبوا منى الانتظار هنا وخاصة ان السيدة او الفتاة قالت خليك هنا وهم سيفعلون كل شىء.

    دخلت خيمتها واعدت كوبا من الشاى واحضرت شلتة صغيرة ووضعتها خلف ظهرى حتى لا اتعب من سند ظهرى على جزع النخله .. انه شىء جديد عليا شخصيا وانفتحت معى فى الحديث وانا جالس مثل هارون الرشيد غير مصدق ما انا فيه .. اجلس براحتى واشرب الشاى ساندا ظهرى على شلتة مريحة بدلا من جذع النخلة القاسى على ظهرى والسيدة او الفتاه تحدثنى بغاية الرقة والانوثة..

      هى فى الثانية والعشرين من عمرها متوسطة الطول بيضاء جميلة الى اقصى درجة وعيونها السوداء لامعة ببريق لاتعرف ماهو ولكنه دليلا على الصحة والسعادة او الراحة النفسية كما انها تتمتع بشعر كستنائى طويل ناعم اما صوتها فهو عزب رقيق كأنه همس رغم انها منذ دقائق كان هادراً اثناء المشاجرة مع السيدة الاخرى وعرفتنى بنفسها أنا اسمى رابحة متزوجة منذ ثلاثة اعوام ولى طفل وانت؟ عرفتها بنفسى وسألتنى من اى بلد انت فى مصر فاجبتها من بلدة اسمها الزقازيق .. هتفت الزقازيق .. ايوه .. اسألها: لماذا انت مندهشة من هذا الاسم؟ .. فاجابتنى لست مندهشة بل انا سعيدة الى اقصى درجة لاننى اريد ان اذهب الى الزقازيق .. ضحكت وقلت اهلا وسهلا ولكنها قاطعتنى وهى تقول ان زوجى مسجون فى سجن الزقازيق العمومى بعد ان حُكم عليه بسبعة اعوام لتجارته فى المخدرات .. وضعت يدى على فمى .. اخيرا عُدنا الى تجار المخدرات والمهربين الذين غدروا بنا وكانوا سيوردوننا مورد التهلكة .. قالت ساقيم اتفاق معك .. ساساعدكم فى الوصول لقناة السويس باحسن طريق ميسور وآمن لكنه طويل نسبيا .. سألتها وما طوله؟ قالت يحتاج الى سبعة وثمانية ايام وساوفر لكم مصادر الطعام والشراب ونظير هذا اصطحبكم حتى اعبر القناة وتوصلنى الى الزقازيق لازور زوجى الذى تركنى بعد ولادة ابنه سليمان بعدة اشهر اننى تواقة لأن ازور زوجى .. صمت وسكنت من هذا العرض المفاجىء.

     دخلت الى خيمتها وفتحت جزءاً من باب الخيمة المواجه لى وانا جالس وقد تحررت من بعض ملابسها ولم يتبقى الا القليل الذى يظهر اكثر مما يخفى ويثير اللعاب والهواجس .. تنحنحت حتى اعيد اتزانى وتنفسى الى وضعه الطبيعى ونظرت لأحد الاجناب حتى لاتكون عينى مسلطة جهتها ولكننى كنت اشعر ان وجهى يتحرك ليعود ثانية مثل اى شىء غيرت اتجاهه بعكس ما خلقه الله فتشعر كأن هذا الشىء يريد العودة الى وضعه .. مازالت تحدثنى بصوتها الناعم الرقيق .. مقلتليش .. ايه رايك لما اكون معاكم؟ .. حتكون مبسوط ومش حاخليك عايز اى حاجه .. اى حاجه بتفكر فيها حتلاقيها جاهزه قدامك .. افكر ان الشيطان يريد ان يغزو قلبى وانا الشاب الصغير الغض الغرير ولم اكمل ثلاثة وعشرون عاما ولم اشاهد حسناء شخصيا جميلة وامامى مباشرة سوى فى بعض الافلام لكن ظروفى وعمرى لم يضعانى فى مثل تلك التجربة قبل ذلك.

      الافكار الشيطانية بدأت تسلل الى جسدى وهى لازالت تتحدث بصوتها الناعم الذى ينزل على جسدى مثل السياط الرفيعة الملتهبة .. ايه مش بتبص ناحيتى ليه .. زعلان منى .. مخاصمنى .. وانا اتلعثم فى الاجابة وانفاسى تتلاحق واشعر ان بجسدى اشياء تتحرك ولا اعرف ما انا فيه وقد حدث لى دوار البحر ولكنه دوار الاغراء ولم تكن لى تجربة وخبرة فنظرت اليها حتى لا تغضب منى ومن منا نحن الرجال يرفض النظر الى ماهو جميل ومريح وتهب منه انفاس الربيع الرطبة .. اقول فى سريرتى البت دى حتخلينى اعمل مصيبه النهاردة وتخلى العرب يدبحونا وتخلى العساكر يكلموا عنى وتبقى سيرتى فى كل الجيش على الظابط المنسحب واحدث عملا غير اخلاقى مع احدى البدويات .. أصرخ فى داخلى .. عيب عليك .. لم نفسك متخليش واحده تغويك وانا ساهم فيما انا افكر فيه ووجهى مثل حبة الطماطم الحمراء حضر احد الجنود ولم اتبين من هو .. يحدثنى وقد لاحظ ما انا فيه وشاهدها وهى جالسة بداخل الخيمة بتلك الملابس الفاضحة التى كان الستات فى مصر يذهبون لشرائها من سوق غزه اوسوريا بالعتبة حيث كانت تهرب لهم .. نظر الى الجندى وهو يضحك وهو يقول : ياه يافندم دا انت استويت قبل الجدى مايستوى!! .. تضحك “رابحة” على هذا الحديث وهى تخبرة قائلة : مع ان النار بعيده عنه .. مش عارفه لما تقرب منه حيحصله ايه .. ضحك الجندى وهو يأخذ شيئا منها لاكمال عملية اعداد الذبيحة وهويقول :: حضرة الظابط حيبوش منك على طول وقد اعجبها هذا التعليق وانا ناظر فى الارض وبنفس جلستى واريد التخلص من خجلى الذى فضحنى امام الجندى واكيد امام جيران تلك السيدة واردت ان اقوم لاترك المكان ولكن قيامى كان سيظهر ماهو اكثر مما انا جالس حيث سيكون منظرى غير لائق وانا اسير هكذا .. قررت ان اظل مكانى حتى يتم هدوء كل تلك الانفعالات ولكنها مازالت تتحدث وتثيرنى بكلمات لم اعهدها من قبل وانا وقعت فى شلل التفكير والتصرف وقد جاء جنديان آخران يتحججان بانهما يريدان شيئا وقد اتيا اصلا ليشاهدا ما وصل عليه حال ضابطهم الهمام وقد ادركت ان تلك السيدة خطيرة واننى لن اكون قادراً على تصرفاتها ولهذا فاهم شىء يجب على عمله هو الابتعاد عن سحرها وتأثيرها .. سالتنى اتريد ان اعد لك الشاى فاردت ان اتكلم فتوقف الكلام فى حلق فمى فاستبدلته بالاشارة وقد اضحكها واسعدها تأثيرهذا على شخصى الضعيف .. انشغلت فى اعداد الشاى متحركة ذات اليمين وذات اليسار وعيونى تتحرك معها مثل طفل صغير نلاعبه بشىء متحرك فيحرك عينه فى كل اتجاه تتحرك فيه تلك اللعبة.

      تفصد العرق من وجهى وانا شاعر بسخونة شديدة فى خدى كما اننى من اصحاب البشرة البيضاء اوقل الحمراء .. كنت اشعر بحرارة  وجهى وما زلت جالسا ممدا ساقى للامام وظهرى مستند على الشلته وعلى النخلة التى بخلفى .. احضرت الشاى وهى تقدم الى الكوب وانا انظر الى يدها واصابعها البيضاء الجميلة وكنت اعتقد ان البدويات او الفلاحات لا يملكن مواطن الجمال بسبب صعوبة الحياة وان الجمال هو قاصر على بنات القاهرة والمدن الكبيرة او بنات الجامعة ولكننى شاهدت ماهو اعظم جمالا ورقة واصابع رقيقة رائعة وانا انظر الى تلك الاصابع التى تعيش مع الماعز والجمال والاغنام والرمال ولا اصدق لكنها الحقيقة الغائبة عن بعضنا وهو الجمال اللاهى الطبيعى .. سألتها بعد ان استعدت بعضا من اتزانى : الا تذهبين للاشراف على جنودى لاحتمال ارتكابهم خطأ .. ضحكت وهى تقول لامانع لكننى اخاف ان يدبحوا اصابعهم بالسكين عندما اذهب اليهم .. واعقبتها بضحكة لابد ان تثير اى رجل له اذن ويصله صوتها .. تحركت بدلال وانا اتابعها ولكننى اعود بنظرى خجلا ان يكون هناك رجال يغضبهم ما انا افعله مع ابنة قبيلتهم ولكننى للآسف شعرت كما قلت انهم مغيبين وان كل رجل قابع فى مكمنه او جالس مع رجل آخر يتحدثون ويتضاحكون وكأننا اصبحنا منهم وهم منا وانه لاشىء عجيب او غير مقبول .. بعد ان تركتنى شعرت اننى استطيع ان اقف بدون ان يكون هناك شىء لافت للنظر اذا نظر احدا الى .. تحركت تاركا المكان وتوجهت الى جهة اخرى جالسا بمفردى وانا احاول مجاهدة النفس ضد اغراء تلك السيدة التى لن احصل منها على شيىء واذا حدث كانت كارثتى فى الدنيا والاخرة كبيرة .. اهمها الفضيحة بين جنودى ولن استطيع ان ارفع راسى بينهم وانا الذى استطعت ان اقودهم طوال تلك الايام السابقة رغم ما يكون فى مثل تلك الظروف من خروج على القانون وحدوث اعتداءات على بعض الضباط الذين تتصف اخلاقهم بالعنف مع جنودهم فى وقت السلم .. والاهم هو غضبة الله علينا وهوالذى حرم مثل تلك العلاقة .. ورغم هذه الموانع لكن كان يروادنى هاتف ماطعم تلك العلاقة وهل هى جميلة وماذا يحدث اثناء اللقاء بين الرجل والمرأة وانا الذى شاهدت منذ ايام قلائل الجندى الاسرائيلى وهو يجامع زميلته المجندة وكان سعيدا وهى الاخرى سعيدة وزملائهم مسرورون من تلك العلاقة .. انا لم يحدث لى هذا من قبل ولم يقص على احد ما هو هذا الشىء الغامض على  وماتأثيره وما طعمه وهل هو شىء لذيذ ام لا؟ ولكنى شعرت بانه شىء خطير من الدقائق التى جلسناها سويا وهى تحدثنى وتنظر الى نظرات لها معنى ولكنى لم اعرف كيف اجيبها والحمدلله اننى لم اعرف والا لو كنت اعلم لكانت كارثة احدقت بى .. مازال تاثيرها يهاجمنى ولذا فكرت فى ان اطردها بصورة او باخرى .. ذهبت للصلاة بعد ان تيممت حيث انها بجوار بئر المياه وانا غير راغب فى مناقشتها اومقابلتها ولكن الشيطان اثناء الصلاة زينها امامى وانا استغفر الله واقول اعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. سلمت تاركا الصلاة فهذه ليست بصلاة ان اقف فى حضرة الخالق افكر فيما حرمه علينا .. اجلتها وقفز الى ذهنى منظر الاسرى المصريين الذين داستهم الدبابات الاسرائيلية وقد اثر فى هذا المنظر رويدا .. رويدا وابتعدت بدون ان ادرى عن هذه الوساوس الشيطانية وشعرت اننى عدت الى حالتى فقمت اعيد صلاتى وكانت احسن حالا وعلى مايرام وقد شجعنى هذا بان اكثر من الصلاة حتى اقضى ما فاتنى منها وما اكثرها ضياعا اثناء الانسحاب .. انتهيت من صلاتى وانا شاعر اننا وقعنا فى قبضة شيطان رغم مظهرها الملائكى وان الفكاك منها صعب للغاية وانه يجب ابعاد تأثيرها بالبعد عنها ولايقول احد اننى مؤمن واستطيع ان اقف امام اى تأثير امرأة وخاصة اذا كانت جميلة والاهم اذا كان الشاب عديم التجربة وغض غرير مثل حالتى.

    تذكرت سيدنا يوسف عليه السلام وكنت فى بعض الحالات اقول كيف ُتذكر آية فى القرآن لتتحدث عن مثل هذا .. انه شىء عادى ان رجلا لايريد امرأة ان يبتعد عنها وايضا فإن المرأة التى لاتريد رجلا فهى تمتنع عنه بسهولة بل وتسمعه الكلمات السيئة فى حقه وتهينه بعبارت مؤلمة .. لكننى وجدت انه اختبار صعب للبشر ولهذا ُذكرت فى القرآن لتكون آية وعبرة للخلق على مدى تاريخ البشرية.

     سمعت صوتا هامسا جاء من خلفى وهى تقول الحلو ليه تقلان قوى .. تزعل قوى .. تفرح قوى .. انا قلبى بيحبك قوى .. قوى .. بالطبع نظرت الى مصدر الصوت وهى تحدثنى مائلة جهتى وقد ظهر صدرها كاملا امامى وانا احاول ان اغمض عينى ولا التفت لاى جهة لكن كل حواسى تجمدت امام هذا المنظر الخلاب .. شعرت ان نهايتى ستكون على يديها وانه لا خيار امامى الا من بين اثنان ايهما اصعب من الاخر.. الاول ان اتزوجها او اقيم معها علاقة ما وليكن ما يكون والاخر ان اهرب .. لكن الهروب صعب فهى قادرة مثل المغناطيس ان تعثر علينا وتعيدنا الى ماتريد وضعنا فيه سواء من الضغط  اوالتأثير الشديد .. أجبتها “رابحة” تصرفاتك هذه خطيرة وارجوكى ان تبتعدى عنى لاننى اصبحت غير قادر على صدك .. تبتسم وتظهر اسنانها الجميلة حتى الاسنان كانت من عوامل الاثارة .. تسالنى برقة ومازال صدرها يتأرجح امامى وظاهر لونا وحجما ونعومة ولا ينقص الا اللمس .. واذا ما ابتعدتش حتعمل ايه؟ .. تقدر على بُعدى .. ورينى شطارتك .. انا اللى باحطه فى راسى لازم اجيبه او اجيب اجله وتركتنى عائدة حانقة.

   قلت فى نفسى يانهار اسود البت بتقول اللى باحطه فى راسى .. يعنى انا هدف امامها يعنى يا اسلم او اهلك .. يادى المصيبة اللى عليك يا اسامه طيب ايه التصرف البت مش معقولة حلاوة وجمال وجنس لكنى مربوط بقانون عسكرى صارم .. يعنى يا سى اسامه كده تسلم قدام ست ولسه حتة عيله ماهى فى سنك يعنى انت ضعيف للدرجة دية .. لالا هيا فاكره ايه وقد كان تهديدها لى بمثابة الانقاذ من الافكار السوداء التى هاجمتنى لمعصية الله فقد اظهرت لى جزءا آخر من صفاتها وقد طيرت تلك الكلمات الصغيرة بالتهديد كل اثر لإغرائى كانت مارسته على منذ ساعة وجعلتنى فى دوامة القلق والالم .. لن استكين باذن الله .. يارب خليك والنبى معايا النسوان دول باين عليهم راكبهم ابليس وانا ليا مقدرة بسيطة وضعيف احمينى من شرور النسوان مش انت ربنا برده اللى بتقدر على كل حاجه ماهو انت وقفت مع سيدنا يوسف وبعد كده سيدنا يوسف بعد ان ضعف امام الاغراء رأى برهانك ومرضيش بزليخه لكنك لوسيبته كان راح فى خبر كان .. والنبى تخليك معايا واوعدك حناخد المعزة بعد طبخها ونفل من الناس دول وخليهم بعيد عنا.

       جاء عطيه وهو احد جنودى يحادثنى .. ليه يافندم قاعد لوحدك .. رابحة بتقول الافندى بتاعكم رافع راسه لفوق ومش عايز يتعرف علينا .. اجبته ..

عطيه مش عايز اسمع السيرة دية .. فاهم .. سكت قليلا وهو يقول

اللى تقول عليه لكن ملكشى دعوه بينا .. اجبته

مليش دعوه بيكم طيب .. يالله روح لحالك واشبع بيها .. تركنى وانصرف وهو يتمتم بكلمات معناها اننى مليش فى الطيب نصيب .. قلت فى نفسى غور انت والطيب بتاعكم .

       جاءنى جويلى وهو يخبرنى ان ريحة الشوربة تفتح النفس وكلها نص ساعة وناكل اكلة محصلتشى من سنين ..لكن انت قاعد لوحدك ليه يافندم..دا رابحة بتسأل عليك وبتقول مش عارف الافندى زعلان ليه.. اخبرته وبكل حسم ..

جويلى ارجوك مش عايز اسمع سيرة الست دية .. احنا جينا النهارده علشان ناكل ونكمل مشوارنا ..أجاب

ايوه طبعا.. اكمل قائلا:

علشان كده مش عايز دوشه ربنا يخليك .. وانا حافضل هنا ولما تحبوا تبعتوا لى حتة لحمة اكون متشكرلكن انا  حافضل هنا.

     جاء عامر يحدثنى وهو منفعل قائلاً : ايه يافندم مزعل رابحة ليه .. صرخت فيه

ايه الدوشة دية كل واحد جاى يسأل هيا من بقية اهلنا واحده واشترينا منها عيش ومعزة ايه كل شوية واحد يكلمنى عليها.. يرفع صوته امامى .. أحنا كده مش بيطمر فينا المعروف .. بصوت قوى

عامر .. انصراف ياعسكرى .. يجيبنى بكل وقاحة ..

ايه ايه .. والنبى سمعنى تانى كلمتك الحلوة .. اصحى وشوف انت فين .. صرخت فيه

امشى من هنا فاهم .. مش عايز اشوف وشك .. حضر فراج على صوتنا ممسكا بعامربعيدا عنى.

      عاد فراج وهو يحاول تهدئتى مستفسراً عن سبب نقاش عامر الحاد معى ولماذا  اغضبت رابحة وهى التى قدمت لنا يد العون ونحن الذين كنا نتمنى ان يساعدنا احد من البدو ان السيدة قدمت كل ماتستطيع لدرجة انها دفعت لوالدها خمسة وعشرون قرشا لتكمل ثمن ما حصلنا عليه من طعام وانك تتميز باعصاب هادئة فى اصعب الظروف واحلكها مواقف .. الشاب يحدثنى بهدؤ وانا اكن له كل تقدير لرجولته واطاعته لاوامرى وكان صلبا شديد المراس ويشاركه فى هذا جويلى المتدين والشجاع.

    اجبته فراج اسمعنى : انا لا اريد الاستفاضة فى هذا الموضوع السيدة تريد ان تصطحبنا اثناء مشوار انسحابنا وهذا مخالف للتعليمات والاوامر العسكرية .. يقاطعنى

هذا صحيح لكننا لانملك الصحراء واى انسان يريد الذهاب والعودة له هذا الحق ولن يكون امامنا اى خيار ان نقول لهذا لاتسير بجوارنا كما انها ستفيدنا ولاتضرنا .. نظرت اليه

اهذا رأيك؟ .. فيجيبنى

هذا راى الجميع وقد اخبرتهم بما سوف تقدمه لنا من عون سواء الطعام او معرفتها باماكن السير واماكن مصادر المياه .. اجيبه ..

اعيدها مرة اخرى .. فراج انا الاحظ ان تلك السيدة عيونها زائغة علينا وانها جميلة وقد يدفع هذا باحد منا لأن يقيم معها علاقة تفسد علينا مشوار انسحابنا واقد اقتربنا من نهايته .. يصمت قليلا ويوافقنى الرأى بانها جميلة وجذابة ولكننا امامنا هدف غالى وهو العودة الى مصر لننهى تلك المتاعب التى قاربت الثلاثة اسابيع وعلى كل حال لنكمل يومنا هنا ونتناول طعامنا ويجب عليك ان تقدر ظروفنا اننا تعبنا وقاسينا ونريد الراحة يومان ثم نكمل مشوارنا وقد تعيد حساباتها فلننتظر ما تسفر عنه الايام القادمة ولاتقف معاندا امامها حتى لانخسر كل شىء .. نظرت اليه نظرة الذى عرف كل شىء وماتريده وما فعلته لاثارتى ولكننى لم ابوح بهذا له ولا للاخرين محتفظا بهذا السر لانها فى النهاية سيدة ويجب التستر على بناتنا كما تعودنا فى ريف مصر..

    نهض مستأذنا بانه سيرسل بها الى للاعتذار واصلاح ما فسد بيننا ولكننى طلبت منه الايفعل هذا ولم اكمل كلامى فاذا بها قادمة بصحبة هذا الاهوج عامر معتذرا عما بدر منه وقد وضح انه كان متعبا وانه يكرر اعتذاره اما هى فابتسمت وهى تقول لى الا زلت غاضبا منى ولكن عامر اجاب بالانابة عنى قائلا …

نحن جميعا لانغضب منك وعلى راسنا ضابطنا الشجاع .. تركانا الشابين لانهاء الطعام بينما جلست امامى وكانت تتستر بملابسها بعد ان وجدت ان طريق العرى والاثارة قد ضايقنى.

     بدلع بنات حواء تحادثنى .. ايه لسه زعلان .. بلاش الزعل عشان بيجيب جفا وانا مش باحب المبوزين .. عايزك بوشك السمح تضحك وتنبسط ومتحملش هم حاجه ..ابتسمت وضحكت فضحكت سعيدة وهى تقول ايوه كده افرجها عشان ربنا يفرجها ..شوف انا حكايتى صعب خالص ومحدش حاسس وشاعر بيا..انا حاقولك كلام سر وارجوك محدش يعرفه .. (أسوأ حديث سمعته طوال حياتي حتي الآن ولا أستطيع كتابته)

.. جوز خالتى كان غاوى مخدرات واتعرف على واحد بيجيبله المخدرات من قبيلتنا والراجل مره جه ومكنش جوز خالتى موجود وساب الحاجه معايا المهم انه قابل جوز خالتى وعرفه انه عايز يجوزنى وجوز خالتى انبسط من الحكايه خصوصا انه شعر ان مراته مضايقه منه فخاف انها تعرف حاجه .. الراجل طلبنى من ابويا اللى وافق على طول وحأكون فى رقبة واحد ويخلص من  مشاكلي. اجوزنا وبعد سنتين اتقبض عليه فى الزاويه الحمرا وهو بيوزعها واتسجن .. ابويا قال ترجعى تعيشى معانا انتى وابنك خصوصا ان جوزى كان سايب مبلغ كبير عند واحد صاحبه والراجل ادانى المبلغ ورجعت عشت مع ابويا بس فى بيت تانى .. انا صغيرة وليا رغبه فى جوزى لكن تفتكر انى حأقدر افضل من غير راجل؟ معنتش متحمله عايزه راجل باى طريقه لحد ما شفتكم سته شباب قلت فى نفسى لازم افوز بواحد منهم .. الاقى احسن منكم فين .. عشان كده انا عايزه واحد فيكم وبلاش ترفع راسك عليا .. قاطعتها…

ايه حيلك .. ايه اللى بتقوليه ده .. احنا بضاعه لازم تعرفى اننا فى جيش .. تعترض قائلة .. يوه عليك تانى حتسمعنى كلامك اللى يضايق ده حرام عليك مش عايزه اتجنن.

  ده السبب انك بتتكلمى زى بنات مصر .. اجابت

ايوه عليك نور ..عشان عشت خمس سنيين فى مصر تلاته قبل الجواز واتنين بعد الجواز .. ارجع تانى واقابل جوزى فى سجن الزقازيق واشوف حل معاه .. يمكن يحن عليا واطلق واشوف راجل يريح بالى بدل ما انا تعبانه كده .. شفت اوسمعت صراحه زى كده .. نفيت هذا .. قالت بلاش تسد الابواب المفتوحه .. اجبتها

انتى حتفتحى عليكى ابواب مقفوله ودول خمسه ولو واحد اتعامل معاكى الباقى حيعملوا زيه وتبقى حاجه مش عارف اقول عليها ايه .. تضحك وهى تجيبنى ..

اصبر ونشوف الايام حتعمل ايه لكن المهم انت رامى طوبتى .. اجبتها بصراحه ايوه .. تضحك مش حازعل وكان نفسى انك تكون ليا وحدى .. حضر الجنود ليخبرونا بتمام اعداد الطعام.

       توجهنا الى مكان وضع الطعام وهو مجاور لخيمتها وفى ظلال اشجار النخيل .. هذا يوم لم نعهده من قبل .. منذ وصولنا الى سيناء لم يقابلنا يوم مثل هذا وكان هو اليوم الذى تغيرت معه افكار واحلام كثيرة ومشاكل متعددة لم نعهدها من قبل .. جلسنا امام الطعام الشهى وكان عبارة عن شوربة الجدى ولحوم كثيرة مسلوقة مضاف عليها فلفل اسمر فانعش شهيتنا لتناول الطعام .. ولكن عامر اقترح الا نأكل حتى تحضر رابحة وقد ايده الجميع وانا كذلك وذهب لاخبارها اننا ننتظر حضورها ولكنها اعتذرت عن ذلك وقد حاول معها ولكنها فى النهاية ابدت موافقتها بعد ان اذهب اليها طالبا منها الحضور لتناول الطعام معنا .. جاء عامر يخبرنى بذلك وهو يشجعنى على التوجه اليها وقد رفضت ذلك وتعاظمت الاراء ضدى طالبة منى ان اكون اسهل من هذا فى تعاملى معها فهى سيدة والسيدات غير الرجال فى اسلوب التعامل .. حاولت ان افهمهم اننى اعلم كل هذا ولكننا ارسلنا لها باخ لكم وهى لم تعيره اهتماما بدليل انها تطلبنى انا لاذهب لاحضارها .. جنودى ارجوكم لاتدفعونى لهذا .. نظر الى عامر بكل فظاظة قائلا :

يعنى مش ناوى تروح تجيبها…طيب ورفع الطعام من امامى طالبا من زملائه ان ينهضوا خلفه لانهم سوف يتناولون الطعام معها..ساروا خلفه ما بين مؤيد ومتردد لكن الحقيقة انهم تبعوه.

      شعرت بغصة واهانة فى قلبى من تلك التصرفات وايقنت اننى لست فى مجال المقارنة مع رابحة بل انا اقل درجة عند جنودى عنها فهم يطلبون منى ان اطلب ودها حتى تتكرم بالحضور الى تناول الطعام معنا .. زهدت تناول الطعام الشهى والذى اسال لعابنا جميعا منذ دقائق ونحن نستعد لالتهامه .. لكن هذا الغبى عامر والذى تبين ان رابحة شددت من تأثيرها عليه افسد كل شىء ولم يعودوا ..  اجلس فريدا بعد ان رفع الطعام من امامى وكانت هذه اكبر اهانة شعرت بها .. لقد فضلوها عنى وبعد تناولهم الطعام سيحضرون المتبقى لتناوله بعدها .. ايها الاحمق عامر لقد وضعتنا فى موقف اقل احتراما امام اغراء تلك السيدة الغانية المبتذلة والتى تريد اى رجل يمتعها دون النظر الى الدين والشرع وزوجها وابنها الصغير .. ياه ان الدنيا صعبة جدا وكلما مر الانسان بها يكتشف ما بها من مساوىء.

   مضت اكثر من خمسة عشرة دقيقة ولم يحضر احدا من جنودى الى بقطعة لحم اوكسرة خبز وهم الذين رفعوا الطعام من امامى شعرت باننى يجب على ترك المكان فقد اصبح لا يسعنا نحن الاثنين انا وتلك السيدة التى سيطرت على جنودى الخمسة فى دقائق معدودة لدرجة ان يبيعنى احدهم رافعا الطعام من امامى.

     حملت سلاحى واتجهت الى الجانب الاخر من المنطقة وهى عبارة عن مجموعة نخيل تبعد عن المنطقة التى نحن بها حوالى مائتى مترا وليس بها آبار ماء ولا يذهب اليها احد كثيرا الا الذى يريد ان ينفرد بنفسه .. جلست اسفل احدى اشجار النخيل ساهما لما انا وقعت فيه وحاسبت نفسى .. هل اخطأت ؟ ولم اعرف الاجابة لكن الاجابة الواضحة هى القرآن الكريم الذى حرم الله علينا ذلك .. لو لم يكن محرما لفعلت ماتريده واكثرفمن يكره النعيم والمتعة ولكن اذا تعارضت مع نواهى الله فلابد من الامتناع عنها …اننا لم نبعد بعد عن منطقة دفننا احياء لقد نسى هؤلاء الجهلاء ما كنا نعانيه ولقد تذكرت اية من القرآن الكريم حيث يقول رب العزة:

     “واذا انعمنا على الانسان اعرض وناء بجانبه واذا مسه الشر فذو دعاء عريض” 

                                              صدق الله العظيم…سورة فصلت ..الاية (51)

انا جالس مستندا بظهرى على جذع نخلة وقد تقلصت امعائى من شدة الجوع فالمياه متوفرة ولكن الجوع هو سيد الموقف منذ ان فارقنا زعيم القبيلة والمكلف بالحفاظ على القادة العسكريين .. خبز جاف يومان ثم بدون طعام يومان وهانذا بعد ان شعرت اننى اعيش مثل هارون الرشيد اذا بها تاخذهم لصفها وتمنعهم عنى بل يمكن ان يصبحوا اعداء لى واعتقد  انهم الان يتشاورون .. لقد عزلنى جنودى واصبحت وحيدا جائع وسيقبل الليل وماذا سافعل بدون حماية فنحن عزوة ونحمى بعضنا البعض ولكن اذا هاجمنى ذئب او مهرب مخدرات ماذا سيكون عليه حالى وانا وحيد .. كل هذا تضعه السيدة امامى لتضغط به على.

     حضر فراج وجويلى بعد ان اضناهم البحث عنى واحضروا معهم قطعة لحم قائلين انها نصيبى فى الجدى حيث وزعت اللحمة عليهم وقد استفسرت منهم احضرتم لى غذائى بعد ان رفعه عامر من امامى لكى تتناول رابحة الطعام قبلى وانا اكل بعدها ولكن الشابين رفضا هذا مؤكدين ان رابحة رفضت تناول الطعام وقد وبخت عامر لما قام به معى ولولا حيائها!!!! لحضرت الى تطيب خاطرى من فعل هذا الاهوج عامر.

     جلس الجنديان امامى حتى انتهى من تناول طعامى ثم يصحبانى الى خيمة رابحة حتى نشرب الشاى وهى تعده ولن تصبه حتى اكون موجودا .. هذا راى رابحة .. جنودى البلهاء يقولون هذا ولكنها صاحبة الدهاء وما قابلته فى حياتها وكيف تتعايش مع العفريت سواء زوج خالتها وفى وجود الخالة او من زواجها من مهرب وتاجر مخدرات .. تريد ان توجهنا وتعطينا الاوامر حتى نتعود على هذا .. ارسلوا بالطعام لضابطكم فيحضروه ولن نشرب الشاى الا اذا حضر ضابطكم فعلى ان استجيب لها وبالتالى سوف استجيب لما هو احلى ويؤيده الشيطان .. اذن فلماذا عذابى معها ومعهم طالما رضيت ان اكون متلقى امراً لامرأة بدوية وان اتساوى مع جنودى فى تلقى الاوامر بل سأصبح انا الدليل على ذلك .. انها تتبع المثل الذى يقول اضرب المربوط يخاف السايب .. وهنا تقول اضرب الراس تخاف باقى الاجزاء فاذا اصبحت اليفا لها اسير طوع بنانها سيلحق بى باقى الجنود .. وعدت الجنود باننى سافكر فى هذا العرض بتناول الشاى بعد تناولى لطعامى شاكراً لهم هذا وقد اخبرونى بانهم سيسبقوننى الى خيمتها فجلست اتناول طعامى الذى دفعت ثمنه واسد رمقى واستعيد فكرى.

   اتناول الطعام وهو شهى بكل المقاييس فلحم الماعز والجديان من احسن انواع اللحوم وكمياتها كثيرة واعدادها للطهى كان على احسن ما يكون ولكن النفس كانت غير راغبة فى تناوله لما الم بى من ضيق ليس نابعا من الرغبة فى اعطاء الاوامر فلقد تعدى الجنود باللفظ على شخصى اكثر من مرة ورفضوا تنفيذ اى امر اعطيه لهم بل لم تكن اوامر وكانت فى صورة اتفاق ورجاء فالحالة هنا لاتسمح بمثل هذا ولكن سرعة التحول خلف سيدة وهذا ضد مصلحتهم ولم اعلم كيف ولماذا يتركون الاغبياء استمرارنا لاكثر من ثلاثة اسابيع معا ونحن نحقق نجاحا بعد نجاح سواء فى المحافظة على حياتنا او القيام بعمل عسكرى محدود ضد الاعداء او انسانيتنا فى دفن شهدائنا وكنا فى ظروف اصعب من هذا بكثير

      كان هذا اكبر شىء كدر صفو مزاجى عن هذا اليوم والذى كان باديا عليه من بدايته انه جميل واننا سنتمتع بالكثير من حب الاخرين وعنايتهم ولكن انقلب الحال وهاهم جنودى رفاق الامس اصبحوا اعداء اليوم والغد وقد دعوت الدعوة الشهيرة عن رسولنا الكريم….اللهم اعنى على اهلى واصدقائى اما اعدائى فانا كفيل بهم ..

      انهيت تناول طعامى وقد تبقى الكثير من اللحوم ووضعتها فى كيس قماش كان جويلى قد احضره معه لهذا الغرض وبجانبه بعض كسرات الخبز .. اعقبت غذائى بشربة ماء ونهضت اكمل مسيرتى بعد ان شعرت اننا وصلنا الى طريق مسدود وانه لامجال للمساومة او التردد فيما حدث وان يتجرأ على الجنود بتلك الوقاحة ونحن فى بداية تعارفنا بتلك السيدة لهو امر ينبىء بالخطر.. وتذكرت حديث لرجل من رجال الدين الكبار يوضح ان النساء هم الذين يذهبون بالرجال اما الى المقابر والمستشفيات او الى السجون .. دائما العلاقة المتشعبة بالنساء تفسد حياة الاخرين نظراً لعنصر المنافسة والغيرة التى تحدث بين الذكور حتى فى مجتمع الحيوانات لايحدث عراك واقتتال بين الذكور الا على الطعام او الاناث .. ضحكت لهذا ولقد وصلنا الى حافة هذا الاقتتال ولهذا اتبعت المثل الذى يقول الباب اللى يجيلك منه الريح سده واستريح.

       اواصل سيرى ولقد ابتعدت عن تلك البيارة التى بها جنودى حوالى خمسمائة متر وكنت فى كل خطوة اخطوها اشعر اننى ابعد عن تأثير قوى كان مسلطا على وقد جن الليل وليحدث لى مثل ما يحدث مع اى انسان يسير بمفرده .. كنت شاعراً بسعادة كبيرة لاتخاذى قرار الهروب او استكمال سيرى بمفردى لاننى كنت اشعر فى بعض الحالات بميل لتلك السيدة و ما الذى يمنع ان نسير سويا وان نتكاتف لتحقيق مصالح نفعية لكل منا وهى بالطبع ليست متعارضة .. كان هناك اتجاه لان اقبل بحلول وسط سواء من تاثيرها على ولا استطيع ان انكره او من ضغط الجنود على والذى انا فى احتياج اليهم بحكم وضعنا كمقاتلين فى جبهة القتال واثناء الحرب.     

 رحلة مع الشــيطان

 

      بعد مُضى ساعتين على هبوط الظلام التمست الراحة عند اول منطقة نخيل ولم يك هناك اى شىء يضايقنى او يسبب لى ضيقا بعد ان شعرت باننى قادر وقوى واملك ارادتى واننى استطعت ان اتخلص من هذا التأثير القوى ضدى .. لم تكن هناك خيارات كثيرة كنت واثقا ان بقاء تلك السيدة سوف يفتح مجالا للجنس والانحراف وهى التى بدأت حياتها على هذا وكيف تقبل فتاة صغيرة ان تعاشر رجلاً غريبا معاشرة الازواج لفترة ثلاث سنوات وهو زوج خالتها صحيح انها قالت انه تزوجها عرفيا وهذا غير معروف بين الناس المحترمين .. اكيد ان هذا بيت فلت عياره وليس به قيم ثم تكملها بالزواج من مهرب مخدرات .. اكتمل الثنائى الجنس والمخدرات ليكتمل آخر ضلع لمثلث الفساد والرزيلة الا وهو العمالة للعدو .. وما يدرينى انها عميلة للعدو وتتسلط على القيادات البريئة الضائعة فى الصحراء لتفعل ماتريد .. الم يوجهنا مهرب المخدرات لنقع فى شرك العدو وكدنا ان نهلك ولقد ضيع علينا مايقرب من العشرة ايام بالاضافة الى مجهود جبار فى المسير طوال تلك الفترة .. المهم نيته وليس المهم النتائج لان النتائج كانت بمساعدة الله عز وجل وهو عندما وجهنا لهذا المكان لم يكن يعلم اننا سنحارب اليهود ونقتل منهم هذا العدد .. ان نيته القضاء علينا .. وهذه المرأة هى الاخرى .. ان نيتها الواضحة الوصول الى مصر ومقابلة زوجها والطلاق منه وتلك هى رغبتها وهذا خارج خطتنا وكما ان من نيتها الفوز برجل منا يمتعها ويشبعها مما الم بها من حالة الهياج الجنسى التى تجتاحها ليلا خاصة عندما تسترق السمع وتسمع همسات الازواج والزوجات اثناء علاقتهم سويا .. انها فى حالة شاذة صعبة كما انها لم تخفى ماتريد .. هذا راى واضح اما المستتر فهى العمالة لليهود وهذا يكفى .. اذن ففى الحالتين نحن الخاسرون.

       على الجانب الاخر الجنود ينتظروننى ولقد تاخرت عليهم فذهب احدهم لينبهنى لتأخرى وان الشاى قد يبرد ونحن نريد الاستمتاع به وهو ساخن بعد هذه الوجبة الممتعة .. لم يجدنى الجندى فاسرع يخبرهم وقد تفرقوا يبحثون عنى فى كل مكان فاخبرهم احد رجال البدو بان من تبحثون عنه ترك المكان سائرا منذ ساعة ..

    تحطم كل شىء وكل الخطط الموضوعة راسا على عقب .. بالنسبة الى رابحة ثارت عليهم مؤنبة لهم وخاصة عامر الذى سبته باقذع الشتائم ان يفعل مع ضابطه هذا التصرف ويحمل الطعام من امامه وهى تخبره باننا لانفعلها مع حيواناتنا الا بعد ان نشعر بانهم شبعوا .. تركتهم غاضبة وهى تقول لن اسامحكم فيما فعلتموه ولن ارافقكم حتى تعيدوا ضابطكم ونسير سويا .. اما الاخرون فقد تهدم البيت على راسهم ومنهم عامر والذى كان يشعر بسعادة لفترة عندما علم بمغادرتى المكان ولكن رابحة اعطته المكافأة التى استحقها وقد خاب ظنه وتحطمت احلامه باقامة صداقة وحب معها والذى خانه التوفيق من ابتسامتها له بانها تعشقه وتحبه وكان يعتقد ان قائده السبب فى وقف كل مشاريعه وطموحاته .. الاخرون ايقنوا انهم اخطاؤا بتتبع رابحة وعامر وانه كان يجب عليهم استمرارهم مع بعضهم البعض وخاصة قائدهم.

    اما بالنسبة لى فقد قضيت ليلتى الاولى بمفردى كما كان يداعب النعاس جفونى واحاول التيقظ خوفا من شىء قادم لا اعلم من يكون .. وقد كان انه ذئب قادم وقد اشتم رائحة اللحم واقترب منى وانا جالس مستندا بظهرى على جزع النخلة وانا فى تلك الحالة والسكرة تلازمنى اذا بالذئب يهجم على الكيس الذى به الطعام فتنبهت لهذا فقمت مسرعا بفتح النيران عليه فلقى الذئب مصرعه وارتجفت  لهذا خوفا من حضور اليهود على اصوات اطلاق النيران ولكن كل الامور كانت هادئة ولكن جنودى سمعوا اطلاق النيران وتوتروا ان يكون قد حدث لى مكروه من ثلاثى الخطر فى سيناء (اليهود .. المهربين .. الذئاب).

     شعرت بحركة قريبة منى ثم سمعت عواء ذئب آخر وقد اثار هذا خوفى وهل سأبقى طوال الليل يقظا اقتنص الذئاب .. انها تريد طعامى وانا اريد الاحتفاظ به  .. جاءت لى فكرة لماذا لا اصعد على نخلة وكانت النخلة التى استند عليها من النوع المائل والذى يمكن تسلقه بسهولة وقفزت صاعداً عليها حتى وصلت الى قمتها مبتعداً عن الارض باربعة امتار كافية لحمايتى من الذئاب ولكن يجب على ان اظل يقظا حتى لا افقد توازنى واسقط من فوقها.

    قضيت ليلتى حتى بزوغ فجر يوم جديد فوق النخلة متعلقا بها كأننى سباطة بلح مقاوما كل محاولة نوم مفاجئة وقد ساعدنى على ذلك استمرار الذئاب اسفل النخلة وهم يشتمون رائحة اللحم التى معى .. ظهرت الشمس واضحة ورغبت النزول ولكننى خشيت ان انزل فاجد الذئاب قابعة فى مكان قريب منى وقد تفتك بى فآثرت السكون فترة وانا فى وضعى هذا وقد تملكنى الشعور بالتبول من شدة البرد ومكوثى هكذا لقرابة الساعات الست واثناء تفكيرى فى هذا اذا بى اسمع اصوات محرك قوى وشاهدت وانا هكذا بعربة نصف جنزير اسرائيلية قادمة فى اتجاه منطقة النخيل ووقفت بعيداً تراقب المنطقة ثم فتحت نيران رشاشها القوى فى المنطقة واسمع اصوات الطلقات تمر قريبا منى فى الهواء مع تساقط افرع بعض اشجار النخيل هنا وهناك ثم غادرت المكان الى جهة اخرى وقد كادت ان تخوننى قدماى لولا مساندة الله لى .. ارغب فى التبول فماحدث من هجوم اليهود المفاجىء اثار حاجتى الى هذا اكثر من الاول .. مازلت معلقا وافكر وتفكيرى اصبح مضطربا مما حدث فى تلك الليلة السيئة واخيرا نزلت من فوق النخلة واشعر ان ساقى متجمدة من طول فترة البقاء فوقها وتأثير برودة الليل بها .. قضيت حاجتى وانا متوتر ان يحضروا ثانية ولكننى فكرت مثلهم بانهم يقومون بتفتيش المناطق عن العسكريين المصريين وقد انتهوا من تلك المنطقة ولن يعودوا اليها.

     اخترت مكان به الكثير من اعواد الجريد المتساقطة من نيران اليهود واختبأت بها فاردا ساقى بعد ان علقت كيس اللحوم فى النخلة التى كنت واقفا عليها حتى ابعد مثل تلك الحيوانات عنى .. رحت فى سبات نوم عميق وقد تواصل نومى حتى عصر هذا اليوم واستيقظت وانا اشعر بالجوع فاحضرت كيس الطعام وتناولت جزءا منه وقد شممت ان له رائحة ولهذا يجب ان اتخلص منه بسرعة .. بحثت عن مصدر مياه فعثرت على بيارة صغيرة فشربت منها وارتويت وجلست انتظر فرج الله

     قبل الغروب شاهدت بعض الجنود قادمين فى اتجاه منطقة الاشجار التى اختبىء بها ويرافقهم حمار وبعض من الماعز والاغنام وشىء يلتف برداء اسمر.. فكرت هل يكون هم جنودى ولكن من يرافقهم هكذا؟ بقيت مختبئا حتى دخلوا تحت الاشجار ونزلت السيدة التى تبينتها انها “رابحة” وهؤلاء جنودى فغمرنى شعور بالفرح ان يعودوا الى ولكننى ادركت انهم لم يعودوا بل هم سائرون خلفها واملت شروطها عليهم وهاهم ينفذون ما تأمرهم به.

    الجنود ارتموا ارضا كعادتنا منذ انسحبنا من طوال تلك الفترة المرهقة اما رابحة فقد ساعدها البعض فى انزال اغراضها من فوق الحمار واعداد خيمتها وقد سمعت صوتها قويا وليس انثويا كما كانت تحدثنى .. هذه المره كان كلامها قاسياً وهى تطلب منهم البحث عنى .. يتناقشون معها .. انتركك هنا بمفردك وهى تشيح بيدها ليس لكم بى شأن طالما ضابطكم متغيب ايها الاغبياء .. بهذا الوصف الشديد حادثتهم فتركوها مغادرين المكان وعلمت فيما بعد انهم جلسوا خارج منطقة اشجار النخيل .. فالى اين يسيرون بالليل فلابد من انهم  سيخطؤا المكان وخاصة انها المرة الاولى التى يسيرون فيها بدونى.

   قررت البقاء حتى الصباح ولم ننتظر الصباح حيث تسلل الجنود عائدين وقد نبهها كلبها الى ذلك فقامت مستعدة وتسأل عن من القادم وانا بدورى استعديت فقد يحضر ذئاب الامس ويفترسونها قبل ان يفترسها بنى الانسان ولكن احدهم قال احنا يارابحه .. حضروا وقد اطمأنت السيدة وكذا انا فهم ارحم من الذئاب وقد سألتهم لماذا لم تعودا بضابطكم فاعتزروا بانه الليل ولانستطيع ان نرى شيئا وباكر سنبحث عنه فى كل مكان ولكننا حضرنا لنتناول طعامنا.

       منتصف الليل سمعت صوتها مدويا واصوات ضرب وسب من جميع الاصناف حيث اقترب منها عامر يريد النوم معها وقد دفعها هذا التصرف الى يقظة الجميع وقد تشاجر زملائه معه سواء بالحديث اوالسباب بل وتبادل اللكمات بينهم وهنا قال لهم جويلى عرفتم الان اهمية قائدنا والذى رافقناه اكثر من ثلاثة اسابيع .. سوف نتناحر هكذا حتى يُقضى علينا ونموت وتأكلنا الذئاب كما شاهدنا منذ ايام .. ان ضابطنا هام معنا وقد ايده البعض بينما عارض هذا عامر منزلا كل سباب تعلمه فى الشارع فى شخصى بين استهجان زملائه وسباب رابحة له .. وهكذا ظهر الانقسام والتناحر بينهم من اول ايام انفرادهم بهذه السيدة وما حسبته وجدته .

        على اضواء الفجر الاولى قررت الخروج من مكمنى ومقابلتهم بدلا من سكونى فى وضعى هذا وكان يمكن لهم ان يتقاتلوا مستخدمين سلاحهم الشخصى .. ظهرت وانا فى اشد حالتى الصحية والنفسية سواء من وجبة الطعام الدسمة حيث اكلت كل نصيبى الذى حصلت عليه او من نومى فترة طويلة او شعورى بانهم فى الاحتياج الى ولم اعد مهما لهم .. اذن فلا مبالاة .. نبح كلب الحراسة وقاموا جميعا من نومهم فشاهدونى امامهم واندهشوا وفوجؤا بوجودى وكان استقبالهم حافلا حيث اندفع جنودى يقبلوننى ويحتضوننى وقد لحقت بهم رابحة فقبلتنى واحتضنتنى بعنف امامهم وانا احاول التخلص من بين يديها التى قبضت على خصرى والبعض مندهش من جرأتها والبعض مسرور من هذا اللقاء الساخن.

     جلسنا جلسة سعيدة يغلفها المرح والسرور برجوعى اليهم وقررت رابحة اعداد طعام يليق بتلك المناسبة ولهذا قسمتهم مجموعتين .. جزء لذبح دجاجتين وطبخهما والجزء الاخر لاعداد الخبز وقد زودتهم ببعض الدقيق وقالت لهم اتركونى مع ضابطكم ارحب به وقد اضحكهم هذا والبعض يشير لى بعلامة النصر والتى تجاهلتها وقد اعادت جلسة امس الاول بوضع شلتة خلف ظهرى لتمنع عنى قسوة جزع النخلة واعدت الشاى وهى ترتدى ملابسها الشفافة الرقيقة ولكنها تجلس امامى مباشرة بدون ان تدارى نفسها داخل خيمتها.

    مازالت تحاول بطريقتها السابقة اقناعى بمرافقتنا الى قناة السويس وهى تحكى وتزيد وتعيد .. تذكرت حديث الجندى فراج معى عندما اخبرنى بان سيناء ليس لنا سيطرة على من يتحرك الى هذا المكان او غيره كما ان البدو يسيرون معنا او بدون فهذه ارضهم ويسيرون كما يشاؤن ونحن لسنا فى موقع عسكرى او القشلاق .. لقد وضح لى اننى قد جعلتها مشكلة امامى وما كان على ان اغضب لهذا وقد كان مُحقا لكن اهم شىء تناساه هو تأثيرها علينا نحن الشباب الصغير والذى تؤثر تلك المؤثرات فينا بشكل كبير وقد يحدث شقاق بيننا يؤدى الى عواقب وخيمة .. تنبهنى بدفعة من يدها .. ايه رحت فين؟ سرحت وعيونك راحت بعيد عن الحاجه الحلوه اللى قدامك؟ .. لالالا ده يزعلنى منك كتير .. بقى فيه حد اكون قدامه ويسرح وعينه تبعد عنى .. لالالا دى اهانه .. واعقبتها بضحكة جميلة الصوت وثغرات فمها الرقيق واسنانها البيضاء تلمع مضيئة من خلال شفايفها .. ابتسمت لها وانا انظر الى خلق الله وابداعه فى هذا الجمال الطبيعى .. ثم عدت للخلف قليلاً متذكرا الذئاب الصغيرة وجمالها وحنان الام البديلة عليهم .. ياه على هذا المنظر .. انه احد نعم الله مثل رابحة وماهى الا احد نعم الله ايضا .. فهو الذى خلقها وسواها .. ثم تراجعت قليلا ولكن تصرفاتها مازالت بها شىء من الاباحية والجرأة فى الحديث .. اعطيتها المبرر فهى تعيش فى تلك القبيلة التى لاتستحى من اى قول اوفعل وكان هذا شاهداً وظاهراً فى عراك كل من رابحة وزوجة البدوى الاخر وكل منهما تتباهى بان الرجال يلهثون ورائهن لينالوا شرف مضجاعتهن والتمتع معهن بلقاء جنسى وباقى الرجال صامتون كأن ما تقوله تلك النساء حقيقة يجب ابرازها من ضمن الصفات والحسنات التى تميز انسانا على آخر وكان هذا شيئا غريبا على مسامعنا نحن الستة وما علق عليه فراج وهو يقول”يابوى لو كلام الحرمة ده فى الصعيد كان دمهم ساح فى ساعتها وتضيع فيها رجاب”

       حضر الجنود بعد ان انتهو من اعداد الدجاجتين للطهى كما عجنوا الدقيق وكل ملامح السعادة والابتسامة تعلو وجوههم .. فهاهم التقوا بى بعد فراق اكثر من اربعة وعشرين ساعة كما كان يرافقهم هذه السيدة الجميلة فتؤنس وتقلل شظف الحياة الصعبة التى يحيوها ومن اين كانوا يحصلون على طعام لحم الجدى منذ يومان او الدجاجتين اللتان سيتم طهيهما .. فى هذا اليوم شعرنا بانها ادخلت الدفء الى قلوبنا وقللت خشونة قسوة حياتنا التى هى بين السير والراحة والبحث عن المياه والخوف من هجمات اليهود .

      اعدت رابحة براد شاى وقدمته للجنود وهم شاكرين هذا العطف وما لكوب  الشاى من تأثيرفى صحراء سيناء القاتلة ووسط كل تلك الظروف العصيبة والقتلى فى كل مكان حولنا .. الجنود منهمكين فى طهى الدجاجتين والاخرون اشعلوا النيران لاعداد الخبز وهى تمر عليهم توجههم وتساعدهم وانا مازلت جالسا مستندا بظهرى على ساق النخلة والشلتة خلف ظهرى وممسكا بكوب الشاى وبجوارى راديو ترانزستور يذيع بعض الاغانى وقريبا منا الحمار والماعز والاغنام يرعون بعض العشب كما تحيط بهم بعض الفراخ تقتات من الارض والكلب باسط زراعيه يقوم بمهمته خير قيام .. كنت انظر الى كل هذا واتجول بنظرى ذات اليمين وذات اليسار وانا غير مصدق لما يحدث حولى انها عناية الله تحيط بنا .. جاءت رابحة بعد ان تأكدت ان تلاميذها يجيدون فن اعداد الطعام وانهم يتقيدون بخطاها وهى توجههم وترشدهم الى كيفية اعداد ما معهم باحسن ما يكون.

     عادت تجلس امامى وهى مازالت ترتدى ملابسها المحتشمة التى ارتدتها بعد حضور الجنود كانها تبلغنى برسالة بان ماتقوم به وما تظهره هو خاص بى فقط وانه لايحق لاحد ان يشاهدها وهى على تلك الحال بملابسها الخفيفة الشفافة سواى .. تتحدث.. هيه خلاص بقينا حبايب والا فيه شوية زعل منى .. اجيبها بنفس طريقة حديثها .. ايه يا رابحه لازعل ولاحاجه .. شوفى واسمعينى وياريت تفهمى كلامى وقصدى منه .. تيجى معانا لقناة السويس .. موافق .. هللت وصفقت ولفت هذا انتباه الجنود الذين اسرعوا بالحضور لاستطلاع الامر وقد اخبرتهم وهى فرحة بان الضابط وافق على مرافقتهم حتى القناة وقد نزل هذا عليهم بسعادة ويسر حيث عادوا من حيث اتو وهم قد ضمنوا ان تبقى تلك الفاتنة معهم حتى يصلوا لبر الامان وقد اشار الى فراج بعلامة التأييد عندما سمع منها تلك التصريحات على لسانى.

   احدثها  : رابحة .. تجيبنى .. نعمين ياعيون رابحه .. بقليل من التوتر اكمل حديثى .. ارجوكى يارابحة تسمعى الكلمتين اللى حاقولهم .. تستند بكوع يدها الشمال على بردعة الحمار بجوارها وتضع راسها على يدها وهى تنظر الى مائلة براسها .. سمعاك يانور العين .. اعيد الى توترى .. رابحه اسمعينى للاخر .. لقد اتفقنا انك ستكونى معانا حتى القناة وهذا  حسب رغبتك .. وقد اهتممنا على راحتك لكن الشىء الهام وتضعيه فى بالك واكيد انتى حاسه بيها هو عدم اثارة الرجال .. انتى جميله جدا .. تقاطعنى .. صحيح يعنى انت شايفنى كده امال بتبعد عنى ليه؟ .. تحاول الاقتراب منى وقد بدا انفعالها يتحرك ..ا فرد يدى اليمنى لتكون بينى وبينها .. ارجوكِ اسمعينى وخليكى فى مكانك .. طيب لما تكون واحده جميله وصغيره مع سته رجاله وتفضل معاهم كام يوم..تضيف وكام ليله…ماشى كلامك ..آه وكام ليله يارابحه..ست رجاله بست .. (تقول لفظا فاضحا يخجل الرجال ان يتفوهو به) آه يارابحه .. نهضت تاركا المكان .. لكنها ترجونى بان اعود وقد اشترطت عليها عدم مقاطعتى ووافقت .. طيب لما نكون على الحالة دية وانتى بتصرفاتك ودلعك معانا ده .. حيخلى الرجاله يميلوا ناحيتك .. أرادت التحدث فتذكرت اننى لا اريد ذلك فوضعت يدها على فمها .. يعنى باقول بلاش الدلع والشخلعه فى لبسك لان ده بصراحه حيخليهم عايزينك .. كلهم عايزينك واللى حينولك لازم زميله يتمتع بيكى .. يعنى حتكونى لهم كلهم وده وضع مش حلو خصوصا لكى .. يعنى حيخليكى زى .. (تقول الكلمة) .. اعارضها بلاش الاندفاع فى الكلام ده .. خليكى محافظه على نفسك وده حيوصلك انتى وابنك لبر الامان والسلامه لانهم ممكن يتخانقوا مع بعض ومعهم السلاح حيفتحوه على بعض ويحصل ضرب نار وممكن واحد او اكتر يموت كمان ممكن انك تتصابى من ضرب النار ده او لاقدر الله ابنك .. فهمتى .. اجابت فاهمه والله يا اسامه وعلى فكره قبل ما نشوفك الصبح كانت حتحصل معركة علشان اللى ينضرب فى قلبه عامر جه بالليل وكان عايز .. اشرت اليها بالاتكمل .. تجيب : طيب خلاص سكت وانا شوفت وكان ممكن يحصل بينهم اى مشاكل .. تقترب منى ونظراتها قاتلة تلين الحجر .. بس لو انت بدأت .. كله حيسكت وحيعرفوا انى بقيت لك ومش معقول حد فيهم حيقرب من الظابط .. اشير اليها: ارجوكى يا رابحه السكة دى مش طريقى وانا مهما تعملى مش حتقدرى عليا خلينا اخوات احسن .. انهض واقول: هيه أما اقوم اشوفهم بيعملوا ايه .. تركتها وذهبت لجنودى اجالسهم ونمزح سويا وقد انتهوا من اعداد الخبز ولم يتبقى سوى الدجاجتين وتركوها فوق النار على بقايا الحرارة التى انتهت حتى يتم السواء ببطىء ليكون الطعم احسن وافضل .. حادثتهم: الان انتم متفرغين وليس ورائكم عمل تعالوا خلفى وذهبنا الى احد الاجناب نتحدث ورابحة تتابعنا بعيونها وآذانها مصغية لاى كلمة تستطيع التقاطها فهى تعلم انها ستكون مثار حديثنا الان.

     بادرتهم بقولى اولا ارجو الا ينفعل احد وينسى نفسه اننا لازلنا فى جيش والجيش اما فى معسكرات او فى ارض العمليات وقوانينه فى ارض العمليات اشد خطورة .. هذا اولا .. اما ثانيا ان كل واحد فيكم يتصرف بطريقة ما فهذا يدل على تربيته فى بيته بين ابوه وامه ولهذا يجب عليكم مراعاة عدم التصرف الاهوج مع الاخرين .. قاطعنى عامر.. بتقصدنى .. اجبته اقصدك فعلا وما فعلته امس ليس من الادب والذوق فى شىء وانا قائدك لا استطيع ان افعل معك ما فعلته معى .. تدخل جويلى معربا ان عامر شعر بخطئه امس ..

      اهم مافى لقائنا اليوم اننى وافقت على اصطحاب رابحة معنا الى القناة وهذا سببه اننى رايتها معكم هذا الصباح وقد كان امامى خياران .. اما ان اترككم واسير بمفردى واما ان اوافق ونسير معا ولقد اخترت الاخير لكن لنضع قانون ونظام لهذا .. نحن شباب ونحب الجنس الاخر .. من منا لم تهفو نفسه نحو فتاة جميلة يريد ان يحبها ويتنزه معها .. اعتقد كلنا لان هذا خلقه الله فينا ولكن ان ننغمس فى الرزيلة فهذا مرفوض لانه ضد الدين اولا وضد قانون الجيش ثانيا ومن اجل هذا ارجوكم الاحتراس فى التعامل مع رابحة لاننى اشعر انها تريدنا جميعا هذه السيدة صغيرة وقوية وهى على استعداد ان تتحملنا جميعا كرجال لنتعامل معها اذن فسيكون وضعنا قذر وسىء وكيف لسيدة ان تجعلنا نعصى الله وهل لو ارادها واحد منا وهى ليست راغبة فيه هل يمكن ان يقنعها .. ضحك مصطفى وهو يشير الى عامر بانه فى الليل تسلل اليها وصرخت مستنجدة منه وضربته كام كف على وجهه .. ضحك زملائه وعامر خجلان ناظرا لاسفل .. قلت كده كويس يعنى عرفنا اللى هيه عيزاه تعمله واللى احنا عايزينه ومش موافقه عليه مش بتعمله .. كل واحد ينتبه انها بالغواية حتخليك تعصى ربنا .. شوف بقى هيه اهم والا ربنا؟ .. والست حلوه يعنى خليكوا بعيد عنها ومتقربوش منها كلام من بعيد وبالليل مش عايزين نكرر حكاية عامر .. وانا شاعر بعامر وانها ملخبطه كيانه .. ضحك وهو يقول اى والله يافندم باموت فيها .. اجبته اصبر كام اسبوع حتروح لجوزها وتطلب منه الطلاق والقانون حيديها الطلاق وابقى اجوزها واعمل اللى انت عايزه فى الحلال.

      عدنا الى وضعنا قبل هذا الاجتماع ونظرت الى نظرة كلها استفسار وتسألنى ايه كنت بتتكلموا عنى وكنت بتقولهم ايه .. ضحكت وهمست قريبا من اذنها قائلا : كنا بنرتب النبوتشيه اللى حنعملها معاكى!.. نظرت ثانية مستفسرة يعنى ايه نوبتشية؟ .. أجبتها الدور على كل واحد .. مين يبدا مع رابحه ثم مين .. وكده .. ضحكت وعادت براسها للخلف وهى تقول بتضحك وتتنقور عليا يا اسامه طيب ان ما وريتك .. شوف مش حخليك تنام وحخليك تلف فى مكانك زى ماتكون عندك حمى .. حافرجك .. ايه .. دا انا رابحه .. اجبتها .. ايه يابت قلبتيها حزن كده ليه .. سالتنى علشان انت مخبى عنى اللى قلته عليا وعلى كل حال حاعرفه وكلهم حييجوا يبوسوا ايدى ويقولوا لى .. تضايقت من تعبير بوس الايادى ولكنه مناسب لثقافتها ورغبتها الكامنة فى الرجال.

     تناولنا طعامنا الممتع الشهى وشربنا الشاى وحلينا بالنظر الى تلك الساحرة المرافقة لنا وحصلنا على غفوة ما قبل العصر ..

        قبل حلول الظلام نستعد حسب ارشاداتها الى السير حيث سيكون تحركنا ليلا حتى نتجنب حرارة الشمس كما انها اكدت ان وجود اليهود هنا شىء نادر وغير متوقع .. سرنا وهى دليلنا وقد اعفانى هذا من مراقبة الطريق ومتابعة سيرنا هل هو صحيح ام لا .. طلبت من فراج ان يكون قريبا منها على قدر الامكان لحمايتها وابعاد عامر الذى اراد ان يثبت لنا انه رجلها الاول وانها محجوزة له .. بالفعل كان فراج قريبا منها وهى لم تتضايق من هذا وهى التى تعلم باننى ارسلته لتلك المهمة والا كنت انا طلبت منه الابتعاد عنها مثل ما اوجه كلامى هذا لكل من مصطفى وعامر وعطية الذين يلهثون لينالوا نظرة حب وعطف منها.

     بعد منتصف الليل نصل الى بيارة بها نخيل ومياه والظلال ونمكث لنستريح حتى غروب اليوم التالى لكننا كنا ننجز مسافة طويلة فى زمن قصير مقارنة بما كنا نفعله فى السابق كما كان جويلى مسؤلا عن متابعة سير الاغنام والماعز ويساعده فى هذا الكلب المخلص الامين وكانت تحتفظ بقفص تضع به افراخها وكل امتعتها تضعها على الحمار كما اعدت شيئا صغيرا لحماية طفلها وان يكون محمولا فوق الحمار بأمان .. اصبحت مشكلة الليل امامنا كبيرة حيث ياتى الليل وكل ينام يريد الراحة ولكن النوم تطرده اليقظة والتوتر .. كنت اشعر بان شيئا ما يقرصنى كانه نمل او براغيث وهذا غير موجود بالجبل وكنت اتلوى على نيران مؤلمة واحاول النوم وانا شاعر اننى محتاج له ولكن دون جدوى .. كان تأثير السيدة علينا قويا مرهقا ولقد وصلنا الى مرحلة العذاب والالم ومحاولة تقليل هذا الالم والذى كان علاجه شىء من اثنين .. اولا اشباع الرغبة التى تفتحت بعد مشاهدتنا لها وسماعنا لاحاديثها وكلامها الناعم الساحر والذى به من الايماءات الجنسية الكثير والتى تثير الرجل حتى لو كان عجوزا فهو صادر من حواء وما لهذا الحديث والاشارات والغمزات وكسرة العين وفتحها وتحريك الاصابع والاقدام ووضع اليدين بين الفخذين كل هذا يثير من لايثار وفى ظروف تجمعات الرجال.

       مر اليوم الثالث لكن حالتنا ازدادت سؤا ليس من قلة الطعام بل اننا نعيش ونأكل باحسن ما يكون واحسن مما كان قبل الحرب ولكن السُهد والعذاب النفسى ومقاومة الدوافع الشيطانية كان رهيبا .. وكان من الطبيعى ان نشاهد البعض طوال الليل جالسا لايستطيع النوم او متقلبا على جميع الجهات مثلما كان يحدث لى وقد تأكد لى ان ما قالته رابحة لى قد حدث عندما هددتنى بانها ستجعلنى لا اعرف كيف انام وساكون مثل المصاب بالحمى .. لقد تحقق تهديدها .. تركت مكان نومى وذهبت لاجلس بعيدا عن مكان تجمعنا وقد لاحظنى بعض الجنود فلحق بى واحدا تلو الاخر وجلسنا لبحث حل لحالتنا خاصة بعد ان اعترف كل واحد فينا بما يكابده من الم بخصوص قله رغبته  فى النوم مع الدوافع المتزايدة لمعاشرة رابحة والتى كانت مثل السهم المسلط على رقابنا جميعا .. كل يبث شكواه خاصة عندما علم ان الاخرين مثله يشعرون بما يشعر ويتألمون كما يتألم ويفكرون فيها كما يفكر هو فيها وهو ليس عجبة اوشاذاً 

     ينظرون الى معتقدين اننى اعلم اكثر منهم قد اكون اعلم اكثر فى مجال تخصصى وعملى ولكن فى الامور العامة والمتشابكة قد يكونون افضل حالا منى ولكننى اشرت اليهم بان تلك الحالة تثبت ان تلك المرأة مثل الشيطان .. البعض ايدنى والبعض اعترض على كلامى قائلا : كيف تصف هذا الملاك الجميل بهذا الوصف .. اجبتهم لكم الحق فيما تقولون ولكنها الحقيقة ان الشيطان لن ياتى اليك على شكل مخيف لابد ان يتسلل اليك بشىء رقيق ناعم .. لماذا الشيطان ذهب لابونا آدم وطلب منه ان يأكل من شجرة التفاح التى قال لهم عنها انه شجرة الخلود .. لان الله منع آدم وحواء من  الاقتراب منها ليس لانها مسممة اوضارة لكن ليعودنا جميعا نحن عبيده على تنفيذ الاوامر اللاهية كل من هذا ولا تأكل من هذا مثل حالتنا تطلبنا وتريدنا صارخة وتطعمنا وكل هذا مغلف فى قالب جميل ومن يستطع ان يقاومها وخصوصا من كان فى مثل حالتنا ..

   سؤال .. هل نحن الان احسن حالا او قبل هذا عندما دفنا احياءا .. قبل ان تجيبوا فكروا فى حالتكم فى الفترتين .. كانت الاجابة مدهشة فان الجميع اكدوا ان حالتهم الصحية والنفسية كانت بالمقارنة احسن حالا مما نحن عليه ونحن فى الكهف ولقد اتى هذا بسؤال من احدهم .. لماذا يافندم نحن الان اقل مستوى ونلاقى تعبا والما لم نقابله فى بداية انسحابنا وعراكنا.

     اجبته .. هذا هو اخطر ما فى الموضوع الا تتذكرون قصة سيدنا يوسف عليه السلام .. امرأة جميلة زوجة عزيز مصر اى رئيس الوزراء لاقوى واعظم دولة فى تلك الفترة وتطلب من خادمها ان ينام معها وتقفل الابواب وتقول مافيش غيرى وغيرك .. لكنه فى النهاية يرى شيئا وهذا الشىء يقول عنه القرآن برهان ربه والشيوخ يفسرونها على انها الجنة او النار او اى شىء لكنه شاهد علامة تقول له ابعد عن الحرام .. تركها ثم قال انا عايز اروح السجن .. ويسأله اصحابه مش معقول كده يايوسف انت عبيط ومش بتفهم تسيب الملبن ده والحلاوة دية وعايز تروح الكركون .. يقول لهم ان السجن والكركون احسن من اللى هيه عيزاه .. هيا بتطلب منى انى اخالف ربنا .. تصوروا الحكاية وصلت لحد فين واحنا لما نقول لما كنا مدفونين كنا احسن علشان كنا قريبين من ربنا .. اسعدت كل تلك الحكاوى الجنود ودفعت بعضهم للهدؤ ومراجعة النفس ولقد كان واضحا اننا نعانى من اصعب شىء قابلناه فى سيناء اثناء الانسحاب .. فالطعام والشراب تحملناه خمسة ايام ولكننا هنا لم نستطع تحمل اربعة وعشرين ساعة اثارة وانفعال.

    انتهت جلستنا وتوجهنا لنومنا وقد هيأ لنا الله من امرنا رشدا فغلبنا النعاس بعد ان اكتوينا بنيران السهد والارق والفكر .. فى مساء اليوم الرابع لوجود رابحة بيننا وكل واحد فينا يتفرس جسدها وخياله يهيم فى اتجاهات لايعلمها سوى الله لكنها على كل حال فهى خيالات فاسدة وتبعث على الرزيلة والفجور .. لقد تبين لى بعد الايام الاربعة انها تريد الظفر بى ليس لانى احسن منهم ولكنها سيدة لها حساباتها وهى التى تمرست صعوبة الحياة من صغرها

    توجهت الى البئر للاغتسال والوضؤ ثم الصلاة .. كان المغرب على وشك الحلول .. وقفت اصلى وقريبا منى البئر وانا فى حالة الانكسار والعبادة امام الله حضرت وتحررت من ملابسها لتحصل على حمام منعش وقد تحيرت واغمضت عينى عما اشاهده ولكننى كنت اسمع اصوات غنائها وتأوهاتها من حلاوة الماء ثم توجه لى الكلام بعد ان تصلى حصلنى على البئر للاستحمام سويا غيرت اتجاه القبلة حتى لا اسمع ولا ارى ولاحظت انها صمتت ففتحت عينى فكانت ترتدى ملابسها وحينها انهيت صلاتى المرتبكة المترددة .. جاءت لى وهى مقبلة وانا خائف منها لاننى ساقع وشعرت اننى هالك لامحالة كلها فتنة وجمال وسحر وهيام وعطر فواح بديع الهمسات رائع النسمات اما صوتها فهو عزب رقراق مشيتها نغم حالم فوق الارض اقتربت منى وهى تناجينى باصوات تثير الشجن وتحيل العجوز شابا يتحرك ويقدم ويضحى بكل شىء امامه فى سبيل ان ينال حبها وقلبها وجسدها ويتمتع معها بتلك الدقائق القليلة وضعت يديها حول عنقى وهى تحدثنى قائلة “وبعدين وياك مش ناوى تلين انا عيزاك ومسكتنى من سترة افرولى باصبع واحدة وهى تعود للخلف وانا اسير معها بسلاسة وهدؤ وقد اتجهت بي بين اشجار النخيل ثم عادت الى وضعها السابق تحتضننى بلهفة وانا حتى الان تابع لها وليس متبوعا انا خبر لمبتدا رابحة .. اخيرا حضنتنى بعنف وشغف وانا لاول مرة احتضنها وقد تركت كل هواجسى السابقة وقائلا فى سرى هيا موته والا اتنين .. وانا على هذا الحال ونهتز لنسقط ارضا ونسقط فى حافة الهاوية ايضا شعرت وانا اضع يدى على ظهرها الناعم ان ثمة شىء مثل الشوك يؤلم اصابعى ففتحت عيناى وانا مازلت احتضنها فاذا بى اشاهد ظهرها الابيض الجميل بلون بنى غامق وبه شعر كثيف كانه ظهر غوريلا وهنا لم اتمالك نفسى وبسرعة البرق عادت دمائى الى داخل جسدى وهبطت كل انفعالتى صارخا ومبتعدا عنها وهى تقف مذهولة بعد ان قاربت قاب قوسين او ادنى ان تصل الى بغيتها.

    تقف وتنتبه على صوتي وصراخى مبتعدا عنها عائدا الى الخلف بظهرى لاقع وانا مازالت خائفا دافعا يدى للامام لاحمى نفسى من هذا الشىء المخيف .. تغير شكلها هى الاخرى وقد احمرت عيناها وهدل شعر راسها وتجمدت قسمات وجهها واصبح لونها اصفرا باهتا وهى تصرخ قائلة : غور يخرب بيت اهلك وامسكت ببعض الرمال من على الارض وقذفتها فى وجهى وهى تعيد سبابها الى ثانية وتضيف انت راجل وسخ ورحمة امى انت راجل مخصى!!!

     تركتنى عائدة الى خيمتها وقد قابلها جنودى فيخبرونها بانهم سمعوا صراخى وخافوا ان يكون اسرائليون متواجدين هنا ولكنها كانت مثارة وفى حالة سيئة وجلست معهم باكية دامعة باننى حاولت عند البئر اغتصبها ولكنها قاومتنى ودفعتنى مما اصابنى فى راسى وهذا ما دفعنى للصراخ وهى تقول كان دائما يقول لى نحن اخوة ونحن اخوة وهكذا ولكنه استغل ضعفى وعدم وجود رجل يحمينى من مثل هذا النوع .. اندفع عامر يقول لها انا هذا الرجل وانا ساحميك من اى انسان حتى لو كان ضابطى واستطيع ان اقتله ونخلص منه فى الحال .. هدأت من روعه وسار معها تستند على زراعيه حتى خيمتها ودخلت وهى تقول انت راجلى دلوقتى مش حاوصيك تحمينى وتخاف عليا …خلاص خليك اسد!!!

      حضر الى جنودى عند البئر يخبروننى بما حدث من اختلاق اكاذيبها والتى لم تطلى عليهم ولكنها طليت على الاهوج عامر والذى اصبح جالسا امام باب خيمتها كالكلب الذليل .. واستفسروا منى عما حدث ولم اخشى ان اقول فكما لم يخشى يوسف ان يفصح كنت انا الاخر وقد اندهش الجنود الاربعة وانا اقص عليهم قصة ظهرها الذى يشبه الغوريلا .. اعيد ترتيب اوراقى امامهم ونحن نقترب انا وهى من بعضنا البعض اناجى ربى ان يرفع كربته عنى وانا فى اشد حالات انفعالى تذكرت الاية القرآنية ولم اقرئها فكانت ظروفى صعبة للغاية ولكننى سمعتها بداخلى وهى تعاد على مسامعى قال الله تعالى “وهمت به وهم بها لولا ان رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السؤ والفحشاء انه من عبادنا المخلصين”صدق الله العظيم.

   بعد ان تذكرت تلك الاية الكريمة شعرت باننى امسك شوكا على ظهرها وفتحت عينى فوجدت ظهرها مثل ظهر الغوريلا او الجاموسه ومقوس وخشن ومخيف .. اخبرت جنودى قائلا هذا هو البرهان .. انه برهان ربنا ورب يوسف .. انه شاهد شيئا سواء يخيفه او يبعده عن هذا الخطر .. يسأل احدهم يعنى ده ربنا بيعمله مع اى حد يكون عايز من ربنا يحميه .. اخبرتهم ايوه مظبوط وقلت لهم انتم فاكرين لما جينا نهرب وندخل الكهف اللى كانت فيه الديبه واولادها .. الطيارة الاولى ضربت صاروخ جه فى الرمل وتانى صاروخ جه فوق الكهف .. الفاصل بين الصاروخين اقل من مترين .. لكن لو اى صاروخ كان جه فى الكهف كان ايه حصل؟ .. نظروا لبعضهم البعض واحدهم قال كنا بقينا كفته .. ضحكت وقلت لكن ربنا حمانا وهنا برضه ربنا حمانى وخلوا بالكم هيه ناوية تاخد واحد فينا وحتقسمنا وتفرقنا.

       عدنا الى مكان الخيمة وقد اخترت مكانا بعيدا وقد اقترب مصطفى من الخيمة فسمع اصواتا جاء على اثارها مسرعا ليخبر زملائه وهم بالتالى جاؤا يخبروننى بانهم سمعوا اصوات عامر بداخل الخيمة وتدل تلك الاصوات على انه يعاشرها الان وماهو الحل معهم؟

       لقد نجح الشيطان بان يوقع باحد فرساننا لقد سقط الفارس عامر الى مستنقع الرزيلة والفحشاء .. نظرت اليهم قائلا لاحل ولنترك هؤلاء الفاسقين ولتعلموا انهم سيزدادون فجرا وبغيا ولن يحاولا التستر والاستغفار انهم خالفوا الله  .. اتركوهم والله قد اصدر فيهم امره.

       خمد جميع الرجال فلم يعد احدا يفكر فيها سواء انها اصبحت عشيقة لرجل آخر او لانهم استاؤا منها عندما شاهدوه فى خيمتها او مما فعلته معى وكذبها عليهم باننى حاولت الاعتداء عليها وهم الذين يعلمون انها منذ الوهلة الاولى وهى تحاول تصيد احدنا .. الجميع نيام هادئين اما العريسين فقد انهيا مهمتهما بنجاح  واقول انها نجحت ووقع المغفل عامر .. هم جالسون خارج الخيمة فى وضع وشكل غير لائق وهو عارمن نصفه الاعلى وهى نائمة على صدره وتداعبه وهو يداعب شعرها .

     مضى يومان على تلك العلاقة الاثمة وقد كان تأثيرها واضحا علينا حيث شعرنا ان المكان اصبح نجسا كما امتنع كل من جويلى وفراج عن محادثتهم ..اما انا فكنت العدو رقم واحد لهما ولهذا انقسمنا .. هما الاثنان فى جانب ومصطفى وعطية فى جانب .. وانا وجويلى وفراج فى جانب وهكذا قسمتنا الى ثلاثة اقسام ومنعت التعامل بيننا فهما يأكلان ويشربان بعيدا عنا بل تحاول ان تكون علاقتهما ونومهما سويا اثناء جلوسنا بالخارج حتى تؤثر فى مشاعرنا واحاسيسنا وبالطبع كنا نترك المكان ولن نكون فى يوم من الايام من مواخير الرجال الذين يحمون العاهرات.

     تحركنا ليلا كعادتنا ووصلنا الى منطقة جديدة والى منطقة نخيل وقد تحسن الطقس ونشعر بنسمات هواء رطب تهب علينا ونحن جلوس تحت اشجار النخيل اشتممنا رائحة نفاذة وكريهة وقد استطلع احدهم الامر فتبين انها لبعض جثث الذين قتلوا من عدة ايام وكان باديا على اجسادهم الانتفاخ وبعضها انفجرت جثته وفاحت الرائحة الكريهة.

       جاء جويلى يخبرنى بان البئر مسمم وقد شاهد اثار زيت لامع على سطح الماء وقد تبين ان هؤلاء المساكين كانوا ضحايا تلك العملية الخبيثة من اعمال اليهود .. اقترح فراج ان ندفن هؤلاء عصرا وقد طلبت منهم الاحتراز لانه طالما ان اليهود قذفوا بسموم فى تلك البئر فاحتمال وجود الغام افراد شىء وارد وعلينا الاحتراز قضينا تلك الليلة كما سبقها ونحن نراهم فى بغيهم سائرون وبجوارنا من الجانب الاخر الجنود الذين قضوا نحبهم ولم يدفعهم هذا الى التأمل او احترام هؤلاء الشهداء .. نقل مصطفى خبرا عنهم بان رابحة اخبرتهم باننا اقتربنا من القناة وان المسافة المتبقية لاتزيد عن عشرة كيلومترات .. لم نصدق ما نسمع هل من المعقول اننا اصبحنا على مسافة سير حوالى ساعتين ونصل الى برالامان والى آهالينا .. غطت الفرحة آمالنا وطموحاتنا وقضينا ليلتنا كل يخبر الاخر بما ينوى فعله اول ما يصل الى عائلته واسرته ..

       صباح اليوم التالى وعامر منتعش ورابحة تعانقه امامنا وتسأله على فين ياسبعى .. يجيها حأوصل لحد الشهدا اقرا عليهم الفاتحة وقد تنبه جويلى صارخا فيه .. فتحتك مش مقبوله .. فيجيبه ليه بتقول كده يامعفن يا ابن المعفن (بصوت عال وجهورى) .. اجابه من غير شتيمه انت نجس لازم تتطهر .. تدخلت رابحة فى الحديث حتى لاتحدث مشاكل بين كل من عامر وباقى الجنود .. فتقول حبيبى عامر زى الفل .. روح ياحبيبى.

    لازلنا جالسين ولكن فراج جاءنى يخبرنى بانه شاهد عامر وهو يخلع ساعة احد الشهداء ويضعها فى جيبه .. اتجهنا بابصارنا اليه لنشاهده وكان واضحا انه يفعل هذا ويقلب كل واحد فيهم باحثا عما يملكه كل شهيد ولم يترك احدا الا اخذ منه شيئا .. أنهى سرقته للشهداء وهو ناظر الينا سعيدا بغزوته .. لكنه عاد ثانية حيث تذكر شيئا .. عدنا الى حوارنا وفجأة سمعنا صوت انفجار شديد وصرخة غير مكتملة وقفنا نستطلع الامر .. انه لغم افراد كان موجودا بين الجثث وداس عليه عامر فقتله فى الحال تاركا جثته بجوار من سرقهم ومعه مسروقاته يقابل بها الله يوم القيامة حاملا معه ندما لن يغفر له وما فعله من الزنا التى حرمها الله.    

      خرجت رابحة على صوت الانفجار وقد شاهدت جثة عامر ممزقة فصرخت وتعالى عويلها والمها وهى تناديه مين حيربى ابنك اللى فى بطنى .. انا مكتوب اربى ابن ابوه فى السجن والتانى ابوه مات .. ياخيبتك يارابحة .. ولولت كثيرا ونحن مشغولون هكذا .. فاذا بنا نسمع صوتا يقول ولا حركة .. نظرنا جهة المتكلم .. صرخ جويلى اسرائيلى .. رحنا فى داهية

صرخ فيه صاحب الصوت قائلاٍ .. اسكت ياغبى .. وسأل بصيغة آمرة فيكم ضباط؟ فاشاروا جميعهم جهتى .. جاء الضابط وكان برتبة ملازم اول مصافحا لى وعرفنى بنفسه وكان خلفه ثلاثة من ضباط الصف يحملون اسلحتهم بالاضافة الى بعض الشنط والاكياس.

   اخبرنى الضابط اننا على مسافة اثنى عشرة كيلو من القناة وانكم سوف تسيرون الى القناة .. وزودنا ببوصلة وربط عليها درجة السير ثم اخبرنا بان نسير على تلك الزاوية حتى نعبر الطريق الترابى وبعدها نغير الزاوية الى درجة اخرى اعلمنى بها ثم قال بالزاوية الجديدة ستدخلون ملاحات شرق القناه ومسافتها حوالى ثلاثة كيلومترات ولكنكم ستقطعونها فى ساعتين على الاقل وهناك على الضفة الشرقية ستجدون عمال قناة السويس فى انتظاركم للمساعدة ثم نظر الى رابحة وهو يقول ماذا تفعل تلك السيدة هنا ؟ .. ان وجودها خطر .. اخبرته انها ترغب فى العبور للغرب لزيارة زوجها فاشار لها بان تتبع احد رجاله موضحا له بان يصطحبها الى نقطة عبور المدنيين .. تركناها وسرنا بالزاوية الجديدة وكان وضعها سيئا ولازالت الدموع بعيونها الجميلة وجثة عامر ملقاة فى العراء لانستطيع الاقتراب منها لخطورة المكان وانتشار الالغام وكان الوداع فاترا لانه حدث فجأة  بعد حادث مصرع عامر بساعة على الاكثر.

    تحركت مع جنودى الاربعة ولقد اصبحنا خمسة بعد فقدنا لاحد زملائنا وكان اتجاه التحرك المرصود على البوصلة وسرنا بجد ونشاط يحدونا الامل ان نصل الى هدفنا قبل العصر قطعنا ثلاثة كيلومترات ووصلنا تقدمنا وعبرنا الطريق الترابى الذى نبهنا اليه الضابط الذى قابلناه والذى عرفنى بنفسه لكن اهم مالفت نظرى فى حديثه انه ضمن مجموعة من قوات الصاعقة لجمع الشاردين .. هكذا اسم تلك المجموعة تعمل فى شرق القناة وتمد يد العون للجنود والضباط المحتاجين سواء طعام اوشراب اوعلاج مبسط ثم توجههم الى اقرب نقطة انقاذ وعبور .. بعد عبورنا الطريق الترابى باقل من كيلومتر سمعنا اصوات محركات دبابة فاختبأنا خوفا على حياتنا فشاهدنا بعد قليل دبابتين تحرسان لورى ضخم لنقل وقود بنزين الدبابات .. كانت فرصة سانحة لان المسافة كانت قريبة منا لا تزيد عن ثلاثمائة متر ونحن فى المرتفعات وهم فى منخفض الوادى الذى به الطريق والفواصل بين الدبابة واللورى لاتزيد عن خمسة وعشرين مترا .. نتبادل النظرات وسالت عن ذخيرة خارق حارق وتبين انها مع عطية ولكنه فى التصويب اقل من جويلى وفراج رغم ان الهدف كبير وسهل اصابته .. تبادل الجنديان خزن الذخيرة وبسرعة اطلق فراج ثلاث دفعات على تنك بنزين لورى الوقود لكن الدفعة الثانية كانت كفيلة باحداث ما كنا نرجوه فى ذات اللحظة التى ادارت لنا الدبابات مواسير مدافعهم وقامت باطلاق اول قذيفة ولكن القدر لم يمهلهم فقد انفجر الفنطاس متطايرا بالحرائق الرهيبة والتى شعرنا بحرارتها من على تلك المسافة فاشتعلت الدبابتين واستطاع بعض الجنود الفرار منها والنيران مشتعلة بملابسهم وقد كنا لهم بالمرصاد غير عابئين بالرحمة وكيف نكون رحماء على قوم يدهسون جنودنا احياءا.

      داخلنا احساسا بالفخار بعد نكبتنا فى عامر وما احل به وشعرنا اننا اخذنا بثأره وثأر الثلاث عشرة ظابطا وجنديا من رجال المدرعات الذين ماتو امامنا ولقد تذكرت الرائد وليم شفيق الذى قاد الدبابة الاسرائيلية بعد فك اسره هو وجنوده وما قام به من تدمير دبابتين للعدو واسقاط طائرة هليكوبتر قبل ان يستشهد هو ومرافقوه .. فلقد قضينا على عشرة من جنودهم الان بالاضافة الى دباباتين وفنطاس وقود .. اسرعنا نعدو حتى ننجو بانفسنا وكانت المنطقة التى نحن بها منخفضات ومرتفعات وكودى حشائش خضراء ولهذا كانت صالحة للاختباء والحماية بعد قليل ترامى الى اسماعنا اصوات دانات مدفعية تصب غضبها فوق رؤسنا وكان قذفهم غير محدد لانهم لم يحددوا من قام بتلك الضربة الموجعة ثم حضرت طائرة هليكوبتر لتحدد الاهداف وقد اختبأنا عنها حتى انتهت من دورتين فوق رؤسنا استمرت تلك المناورة بيننا وبينهم حوالى الساعة بعدها هدأ الموقف وواصلنا سيرنا فى اتجاه هدفنا دون ان نغير زاوية البوصلة فقد نسينا هذا العمل بعد ان وقعنا فى هذه المعركة التى تعتبر الثانية لنا بعد معركة تحرير الرائد وليم وزملائه وان نكون البادئين لها .. حيث المعارك السابقة قد فرضت علينا.

     سقطنا فى منطقة الملاحات وكان يصل ارتفاع المياة الراكدة الى فوق الركبة وفى بعض الاماكن الى الوسط  .. هذه منطقة سهل الطينة وهى تقع جنوب شرق بورسعيد وهى عبارة عن منطقة بها طمى النيل بكميات كثيرة لوجود فرع قديم للنيل بها وبعد حفر قناة السويس تدفقت المياه المالحة للمنطقة واختلطت بالطمى واصبحت بركة طينية واسعة المساحة وقد فعلت المياه الراكدة بها كل الافاعيل حيث الروائح النفاذة بها فكانت مثل روائح آبار الصرف الصحى فى اللون والرائحة .. كلما نسمع صوت طائرة ننزل باجسادنا حتى رأسنا فى تلك البركة اللعينة واستمر هذا الحال ثلاث ساعات وقد اهلك الملح جلودنا وخاصة منطقة الوجه التى كانت معرضة للشمس دائما حيث اننا نسير فى اتجاه الغرب وكانت الشمس حينئذ مائلة غربا ولم يكن يظهر شىء منا غير عيوننا  .

     ارهقنا المسير فى تلك الملاحات اللعينة وخارت قوانا .. وكيف لا تخور والانسان يقطع مسافة قصيرة فى زمن طويل مع مجهود مرهق .. مازالت الطائرة الهليكوبتر تأتى من حين لآخر تريد كشف مكاننا ونحن نختفى اسفل طينة الملاحات حتى نكاد نختنق سواء من عدم وجود هواء او من تلك الرائحة النفاذة .. كما اننا حينما ننزلق الى اسفل فلا نرى شيئا فكله ظلام وماهى الطينة الممزوجة بالملح وليست مياه مثل مياه البحر .. اعيتنا قدرتنا والشمس الهبت جلودنا وعيوننا تدمع من اشعتها الشديدة .. وقعنا فى حيرة شديدة فنحن لا نستطيع ان ُنكمل سيرنا ولا نحن قادرين على العودة الى خارج الملاحات .. كانت مصيدة قاتلة لنا جميعا وبدأت اصوات الانين تخرج ثانية تعيد ايامنا الماضية يوم الخامس بدون مياه قبل ان نقابل البدوى كريم الخلق وايام ان كنا مدفونين مع الذئبة القتيلة فى الكهف.

    اصبحنا على وشك الهلاك ولا امل امامنا للنجاة وانا بدورى مثلهم غير قادر على السير وكف يدى اليمنى يؤلمنى من اثر الملوحة عالية التركيز ولا استطيع ان اهدأ من احباطهم وخاصة ان صبيحة هذا اليوم كان حزينا فلقد فقدنا انسانا عزيزاً علينا استمر معنا اياما طويلة وصعبة ومات بطريقة مؤلمة ومازال صدى صرخته واللغم  ينفجر به فى آذاننا وما اعقبها من عويل رابحة.

     توقف بعضنا عن المسير وقال عطية : خلاص احنا مكتوب علينا الموت فى الملاحات وانا بدورى اشد حزنا منهم فلقد نسيت فى غمرة الاشتباك مع الاسرائيليين ان ابدل زاوية سير البوصلة كما اخبرنى ضابط الصاعقة الهمام .. لكن الله سلم ونحن على هذا الحال وبدأت اشعة الشمس تقل من حدتها استعدادا للغروب بعد ساعة تقريبا وعدم تسليطها على وجوهنا فاستطاعت اعيننا الحزينة البائسة ان تشاهد اشجار غرب القناة وكان هذا دافعا قويا لنا فهممنا السير وفى كل خطوة نخطوها لانتقدم بأكثر من عدة سنتيمترات من اثر الملاحات وتماسك الطين بأجسادنا الضعيفة.

      الحمد لله .. قلناها جميعا عندما وصلنا الى منطقة الرمال شرق جسر القناة ونشاهد المياه الزرقاء التى كنا نحارب من اجل ان نصل اليها منذ اربعة اسابيع وها نحن قد وصلنا اليها بعد تلك الايام العصيبة فى حياتنا وبعد ان فقدنا انسانا عزيزاً علينا استمر معنا طوال تلك الرحلة بشرها وليس بخيرها سوى بعض الاعمال الشجاعة التى دُفعنا دفعا للقيام بها .. طلبت من جنودى الكتمان فيما يتعلق بموت عامر واننا سنبلغ عن وفاته كشهيد فله من الاسرة الكثير وهو رب لعائلة فلا نريد كما يقول المثل “موت وخراب ديار”.. وافقونى على هذا الرآى ونحن لم ننساه رغم تصرفاته معنا ومعى بالذات فى الفترة الاخيرة ولكننى اعطيته العذر .. فمن هو الشاب الصغير الذى يستطيع مقاومة رغبة امرأة صغيرة وكدنا جميعا ان نصبح من ضحاياها كما حدث مع عامر ..

     شاهدنا عمال هيئة القناة وهم الابطال الحقيقيين .. انهم رجال شجعان وابطال يستحقون التحية من الجميع فاسرعوا الينا باللنش الذى حملنا الى الغرب بعد ان اهدوا كل فرد فينا خيارة تبلل فمه وامسكناها بيدنا التى يغلفها طين الملاحات ولم نعبىء بتلك القذارة فقد بلغت القلوب الحناجر من الجهد والعطش والخوف ودفعنا بتلك الهدية القيمة الى افواهنا بدون ان نقطع بدايتها او نهايتها الصلبة نسبيا فنحن ليس لنا اختيار .. القارب يتجه الى الشاطىء الاخر من القناة ونحن لانصدق ما نشاهده ونراه ونشاهد مبنى محطة السكة الحديد امامنا مباشرة ونشاهد بعض الاشجار وخطوط التليفون الواصلة بين بورسعيد والاسماعيلية وننظر يمينا ويسارا ونشاهد مياه القناة الزرقاء وكانها تخطابنا .. حمد لله بالسلامة .. لقد تأخرتم كثيرا لكننى انتظركم .. وهنيئا لمصر بعودتكم وسوف تستقبلون بما يليق بابطال مثلكم .. وبعد لقاء دافىء سواء  بالاحضان اوالقبلات ودون النظر الى القذارة التى اثقلت اجسادنا وملابسنا حيث كانت هيأتنا مزرية وغريبة المنظر .. عبارة عن كتل من الطين مثل تماثيل صنعت بالطين الصلصال ولم تهذب بعد وتغطى اجسادنا وملابسنا وتفوح منها الروائح الكريهة التى تماثل روائح مياه الصرف الصحى ونتحرك بصعوبة وبدون تركيز.

النتائج:

1-        8 2يوما انسحاب ووصولنا باسلحتنا

2-   خسائر العدو: 8 جنود فى معركة اللواء المظلى تدمير عربتان جيب واحتراق هليكوبتر ** معركة الشهيد وليم مقتل اربعة جنود والتسبب فى تدمير ثلاث دبابات وطائرة هليكوبتر ومقتل عشرة اسرائيليين ** فنطاس الوقود مقتل عشرة واحتراق دبابتين وصهريج وقود

3-        خسائرنا .. استشهاد الجندى عامر

 

الأن نتجه للشاطىء الغربى لنحصل على مكافأة اعمالنا !!!!!!!!!!!

4- بعد عودتى الى القاهرة بعدة اشهر تقابلت مع احد الضباط المتخصصين فى الطبوغرافيا العسكرية “الخرائط” وشرحت له على الخريطة طريق انسحابنا .. طلبت منه قياس تلك المسافة .. قام بعمله ليتبين لى اننا سرنا مسافة تزيد عن 900 كيلومتر !!

 

 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech