Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

روايه ثمن الحريه الجزء الاول

قصة محارب صغير حقق نصراً كبيراً

تأليف: أحمد العباسي

إهداء..

إلى ذلك البطل الذى صنع المعجزات رغم صغر سنّه؛ وحقق وحده ما ظنّ العدو أنّه من صنع كتائب الصاعقة المصرية، ووصل بإيمانه وذكائه إلى قلب مواقع العدو ليفجرها تحت سمعه وبصره ... ذلك البطل الذى لم يبخل على الوطن حتى بعينيه .....

على غير ميعاد

إنّها المرة الأولى التى يشاهد فيها هذا الكم الهائل من " الغربان" على سطح دارهم والأشجار من حولها، تُرى أين ذهب الحمام الأبيض الجميل الذى يهدل طوال النهار؟.. لقد اختفى تماماً ولم يبق سوى الغربان .. ربما لأنّه لم يعد يُلقى إليه بالحبِّ كما كان يفعل دائمًا .. فكيف يُلقى إليه بالحبّ وهو لا يجده؟ إنّه وأسرته لم يتذوقوا الطعام منذ يومين، فلقد استيقظ من نومه ذلك الصباح على صوت رهيب وكئيب، وذلك حينما مرّت طائرات حربية منخفضة للغاية -أوشكت أن تُطيح بالعلم الذى وضعه ليعرف الحمام الدار، كما يفعل هواة الحمام دائمًا- وما إنّ هب واقفاً على ذلك الصوت حتى كادت أصوات الانّفجار أن تصمّ أُذنيه، وزكمت أنفه رائحة البارود التى غزت الجو، وما هى إلا دقائق حتى علم أنّ العدو أغار على مصر محاولاً انتزاع سيناء من بين ضلوعه.

لقد كانت دهشته بالغة وهو يرى الطائرات تُلقى بأطنان من المتفجرات والقنابل على قريته الصغيرة، فهى مجرد قرية في واد بعيد لا يوجد بها أى قواعد عسكرية أو جيش أو معدات، حتى السيارات بها قليلة للغاية يمكن عدّها على أصابع اليد الواحدة، لم يكن يجد مبررًا لهذه القسوة التى يعامل بها العدو أرضه وأهله .

قطع عليه تفكيره صوت والده وهو يستدعيه .. هبّ واقفاً أمام أبيه الذى بدا حائرًا كما لم يعهده من قبل .. تنهّد الأب بقوة وكأنّه يحاول حمل نفسه على النطق بالكلمات ثم قال بصوته الهادئ: "اسمع يا مُحمّد ..أنت تعرف أنّ البيت أصبح خالياً من الطعام؛ فلقد أعطينا ما لدينا من مخزون للجنود الذين يحاربون وها هم قد انسحبوا بالأمس من سيناء، وعسكرّوا على الضفة الغربية للقناة .. أنا لست عسكريًا حتى أعرف إن كان ما فعلوه خطأ أم صوابًا، لكن كل ما أعرفه أنّ الفترة القادمة لن تكون سهلة أبدًا، فالعدو فى كل مكان يُطلق النار حتى على القطط، لكننا مضطرون للخروج إلى مزرعتنا فى بطن الجبل؛ لنجلب بعض الفاكهة نأكل منها فكما تعلم لم يعد هناك أسواق أو محال نشترى منها الطعام .

أدرك مُحمّد أنّ والده ذلك الرجل الذى تخطّى الخمسين يرغب فى الخروج لجلب الطعام لهم رغم ما فى الأمر من خطورة ..

لكن حقيقة الأمر أنّ الأب لم يكن يشعر بالخطر على نفسه أو وجد الخوف طريقه لقلبه لكنّه كان يخاف على ابنه، فهو مضطر لاصطحابه معه؛ لأنّه لكبر سنه لن يستطيع جنى العنب.

في هذه اللحظة ابتسم مُحمّد وهو ينحنى نحو جوال قريب قائلاً: "سأذهب وحدى يا أبى".

 سرت رعشه فى جسد الوالد فهذا ما كان يخشاه، لقد فكر مراراًُ أنّ يذهب وحده حتى لا يسمع هذه العبارة، لكن مُحمّد أصرّ على الذهاب وحيدًا وأقنع والده بذلك، فما كان من أبيه إلا أن اصطحبه إلى الحظيرة الخلفية ليُعدِّ معه الجمل للركوب، واندهش مُحمّد فهو دائماً يستخدم الحمار فى مثل هذه الأمور، كما أنّ والده يمنعه هو وأخاه دائما من ركوب هذا الجمل .. أدرك الوالد على الفور ما يدور بخلد ابنه فربت على كتفه وهو يقول: "الجمل أكثر ثباتاً فى الأزمات وأسرع فى العدو، وارتفاعه يجعلك بمنأى عن الأخطار الموجودة فى باطن الارض. " أنهى الأب كلمته ثم احتضن ابنه الذى جلس فوق الجمل قبل أن يحُثّ الأب الجمل لينهض من مكانه ويقوم بمهمته المعهودة، مغادراً الحظيرة فى طريقه الخطر نحو المزرعة.

كان شعور مُحمّد لا يوصف، فلقد سيطر الحزن على قلبه وهو يرى سيارات الجيش المصرى مُحطمّة فى كل مكان، تمرح فوقها الغربان وزاده حزنًا تلك الراية البيضاء التى وضعها والده خلفه على الجمل، وأقسم عليه ألاّ ينزعها؛ فهى السبيل الوحيد لجعل العدو لا يبادر بإطلاق النار عليه قبل أن يسأله عن هويته ..

وصل مُحمّد إلى المزرعة وهناك اقترب بحذر، ليسمع صوتًا خافتًا فاقترب مستطلعًا الأمر وقد تضاعف حذره، ليجد خلف فروع أشجار العنب جنديا مصريا جريحًا يئنّ والدم يغطى ملابسه، وعلى الفور أدرك مُحمّد أنّ أمامه مهمة أكثر صعوبة، لكن تفكيره هذا لم يؤخر حركة تلقائية قام بها نحو الجندى ليحمله، لكن هذا الأخير منعه بما بقى لديه من قوة. ابتسم مُحمّد وهو يمسك بيده برفق قائلا :- "لا تقلق سأنقلك بأمان بإذن الله" .. وهنا ابتسم الجندى ابتسامة شاحبة ككلامه وهمهم بأنّه لا يخشى على نفسه لكنه يخشى عليه .

لم يردّ مُحمّد ولكنّه رفع الجندى برفق ليضعه فوق مجموعة من الأحبال المتشابكة والتى كونت معاً محمل الجمل، ثم قام بوضع أوراق أشجار البطيخ حوله حتى أخفاه تماماً مع ترك مسافات كافية تسمح له بالتنفس، ثم وضع على السطح بعض ثمار البطيخ وعناقيد العنب، لم يكن الطريق إلى البيت سهلاً نهائيًا فما إن خرج مُحمّد حتى وجد سيارة عسكرية تحمل الأعداء، تشق الطريق بسرعة كبيرة فى اتجاهه، تعالت دقات قلب مُحمّد حتى شعر أنّ الجنود سيسمعونها إذا استوقفوه، لكنه شاهد فى الأفق حمامة بيضاء تسبح فاردة جناحيها، فى مشهد يحبه كثيرا،ً ويُكسبه طمأنينة غريبة. أخذ مُحمّد نفسًا عميقًا، ثم أخرج زفيره ببطء شديد، ثم أوقف الجمل حينما وصل إليه الجنود وأشاروا إليه بالتوقف ثم ابتسم وهو يربت على البطيخ مردداً بطيخ " فاكهة" وعندما همّ أحد الجنود بالنزول من السيارة، وفحص محمل الجمل باغته مُحمّد بإلقاء ثمرة بطيخ كبيرة، تلقفها الجندى بذهول وارتباك، ثم أمسك مُحمّد ببعض عناقيد العنب وأخذ يقذفها نحو باقى الجنود فى السيارة، فابتسم الجميع وأخذوا يتذوقون العنب بتلذذ قبل أنّ يُشيروا إليه بالاستمرار فى السير.

كانت الطائرات تُحلّق فى كل مكان والدوريات لا تنقطع فمنذ 5 يونيو 1967 والاسرئيلين يحاولون بسط سيطرتهم بشتّى الطرق، فأحيانًا بالقوة والبطش وأحيانًا أخُرى بتقديم الطعام والشراب، المهم أنّ يخضع الجميع .

دخل مُحمّد إلى الحظيرة ليجد والده ووالدته وأخاه الصغير فى انتظاره، وقد استبدّ بهم القلق، أناخ الأب الجمل وهمّت الأم وسليم بحمل الثمار التى أحضرها، فاستوقفهم مُحمّد ثم خرج مسرعاً نحو باب الحظيرة، ليدور حول البيت ليتأكد من عدم وجود أى شخص فى الجوار وبعد أن تأكد تماماً من ذلك عاد إلى الحظيرة ليُميط أوراق الأشجار عن الجندى الجريح وسط دهشة الجميع.

لم يقف الشيخ عبدالرازق كثيراً فلقد ساعد ابنه مُحمّد فى حمل الجندى الجريح الذى فقد وعيه تماماً؛ ليدخلاه إلى الدار، وهناك استغل الشيخ عبدالرازق فقدانه الوعى وقام بكيّ الجرح - بخنجر تركه فوق النار حتى احمّر- ليتوقف بذلك نزيف الدم الذى تسبب فيه مكان إصابته.

بعد كيّ الجرح وضع عليه مُحمّد بعض العسل حتى يُطهّره ويحميه من التلوث، ثم أعطاه الشيخ  سليم بعض الأعشاب، ومنحته الأم من حليب الأبل وهى تدعو الله أن يُتم شفاءه.

 

الخطوة الأولى

ما هى إلا أيام قليلة حتى أتمّ الله شفاء الجندى الذى أحب هذه الأسرة للغاية، ليس فقط لأنّ الله كتب له على أيديهم حياة جديدة، ولكن لما وجده فيهم من طيبة ونقاء، لقد عاملوه منذ اللحظة الأولى كابنهم، وعرّضوا أنفسهم للموت بسببه، فمجرد اكتشاف الدورية لمُحمّد وهو ينقله من المزرعة كان كفيلاً بإعدامه فوراً .. وهذا أيضاً مصيرهم إذا وجده جنود العدو فى إحدى مداهماتهم المتكررة.

ومن أجل ذلك قام الشيخ عبدالرازق بتخصيص مكان داخل الحظيرة لإخفائه عند علمه بوجود أحد الدوريات، أو عند قدوم أي شخص لزيارتهم .. كل هذه الأمور جعلته يُحبهم لكن ما حدث ذلك اليوم ضاعف شعوره آلاف المرات ...

لقد جاء الشيخ عبدالرازق ووجهه متهللاً حاملاً البشرى إلى الجندى بأنّه أعدّ كل شئ ليمُكنّه من المغادرة ليشارك في المعركة القادمة، لكن المدهش هو رد فعل الجندى الذى استأذن الشيخ عبدالرازق أنّ يؤجل هذا الامر يومًا أو يومين؛ لأنّه يريد أن يشفى قلبه كما شُفي جسمه.

 انتبه مُحمّد لهذا الحديث، وسرعان ما شارك فيه ليسأل الجندى عن الطريقة التى ينوى أخذ ثأره بها.

هنا صمت الجندى لحظات قبل أن يأخذ نفسًا عميقًا ثم يُخرح كلمات جادة بدأ بها قصته، فهو ضابط مهندس متخصص فى مكافحة الألغام، وأنّه وزملائه فى الكتيبة كانوا يدرسون الخطط التى سينفذوها بعد بدأ الحرب، خاصة أنّ الأنباء الأولى كانت تشيرإلى إسقاط العشرات من طائرات العدو مما ملأهم بالحماس والرغبة الشديدة فى المشاركة فى صنع النصر .. لكن سرعان ما تبدلت الأمور ليكتشفوا أنّ الجيش المصرى لم يحارب، وأنّ طائراته جميعاً ضُربت على الأرض قبل أن تغادر، وأنّ الحرب كشفت عن ضعف شديد وانعدام خبرة لدى قيادات الجيش، مما ترتب عليه كارثة أكبر ألا وهي الانسحاب غير المدروس للجيش من سيناء وهذا فى رأى الضبّاط كان الخطأ الأكبر؛ لأنّه وزملائه أصبحوا فريسة سهلة لطائرات العدو التى كانت تتفنن فى قتلهم وهم عُزّل، وأُسر الكثير من زملائه، وأُصيب هو بشظية منعته من مواصله السير نحو الضفه الغربية للحاق بالجيش.

نهض مُحمّد ليربت على كتف الضابط وهو يواسيه بطريقه رصينة لا تتناسب مع صبى فى عمره وبكلمات بليغة مما أزاح همّ الضابط وأعاد له ثقته بنفسه .. ثم فجّر المفاجأة التى جعلت الضابط ينهض من مكانه مندهشاً .. لقد أخبر مُحمّد الضابط أنّ هناك حقل ألغام قريب منهم كان الجيش المصرى، قد أعدّه لوقف تقدم العدو، ولكن العدو اكتشفه وأحاطه بسياج.

"رائع" .. قالها الضابط وهو يقفز متخلياً عن وقاره المعهود وطلب من مُحمّد أن يصحبه فوراً إلى مكان الألغام .. وذلك بعد تأمين المكان بالتأكيد.

شعر مُحمّد وهو يتابع عينى الضابط أنّه أمام طفل سقط على منجم حلوى، فلقد كانت السعادة تقفز من عينية ويديه تُلوح فى الهواء دون توقف، ثم أصدر الضابط أمره لمُحمّد بالابتعاد بطريقة عسكرية مما دفع الأخير لتنفيذ الامر دون مناقشة ...

ما هى إلا دقائق حتى نهض الضابط حاملاً بعض الألغام ليتجها مباشرة إلى المنزل، وهناك تحدث عن العملية التى ينوى القيام بها وهى زرع هذه الألغام فى طريق عربات العدو أو مدرعاته حتى تنفجر فيها، لكنّه طلب من الشيخ عبدالرازق أنّ يدله على طريق لا يسلكه المصريون.

 ابتسم الشيخ بهدوء معلناً أنّه سيقدم له كل الدعم اللازم، وتحمّس مُحمّد ليطلب من الضابط اصطحابه فى هذه المهمة.

لم يملك الضابط أمام اصرار مُحمّد سوى الرضوخ لرغبته، فخرجا معاً قبل ضوء الفجر بساعة ليجدا الشيخ عبدالرازق فى انّتظارهم عند سفح الجبل حاملاً معه بندقيتين، وقد أمّن لهما الطريق تماماً، وما إن رآهم حتى قدّم بندقية لمُحمّد وطلب منه السير خلفهما لحماية ظهرهما أما هو فقبض على الحقيبة المصنوعة من القماش التى أعطته إياها أم مُحمّد حتى يضع بداخلها الألغام، وما هى إلاّ دقائق حتى وجد الضابط نفسه على طريق اسفلتي يظهر عليه بوضوح آثار " المدرعات والدبابات " أنهى الضابط مهمته تحت حراسة مُحمّد ووالده، وتأكد أنّ كل شئ على ما يرام، ثم همّ بالمغادرة إلا أنّ مُحمّد استأذنه للحظات، حيث ابتعد عن الألغام بضعة أمتار ثم أحدث على الرمل نفس الآثار التى أحدثها الضابط حينما وضع الألغام، وابتعد عنها من الجانب الآخر وفعل نفس الشئ، وأخذ يفعل ذلك لمسافة تقارب الكيلو، وعلى الفور فهم الضابط مقصده فهو يريد أنّ يشتت انتباه ضُبّاط وجنود العدو إذا ما قرروا فحص هذه المنطقة؛ لأنهم سيحفرون عشرات الحفر قبل أن يصلوا لمكان الألغام الحقيقى.

فى السادسة صباحًا مع أول ضوء للنهار دوى انفجار رهيب خلف الجبل، شقّ سكون البكور وسمعه النائم قبل اليقظ، فعلم الجميع أنّ المهمة قد نجحت، وسعدوا كثيراً بهذا اليسر الذى تمت به العملية، لكن الشيخ عبدالرازق طلب من الضابط أن يذهب لمخبأه لأنّ جنود العدو سيقلبون القرية رأساً على عقب بحثًا عن فدائيين أو جنود صاعقة، وبالفعل ما هى إلا دقائق حتى اقتحم عشرات الجنود القرية وسط ضجيج وصراخ بحثاً عن أى غريب أو أي شئ يدل عمّن نفّذ هذه العملية.

عاد مُحمّد مع غروب الشمس إلى البيت يسوق الأغنام التى يرعاها مع أخيه فى وادى المطر القريب من سفح الجبل، عاد سعيداً فرحاً بما شاهده، فلقد انفجرت الألغام فى دبابة فأعطبتها، كما احترقت عربة كبيرة بدت كناقلة جنود .. لم تكن فارغة بالتأكيد بدليل هذه الخوذات المتناثرة حول السيارة المحترقة.

أخبر مُحمّد أباه والضابط بما رأى، فمرر الضابط يده على صدره وهو يقول "الآن بدأ الجرح النازف يتوقف" .. ثم ربت على كتفى مُحمّد بشئ من القوة .. وهو يقول: "أبليت حسناً بالأمس كنت شجاعاً وذكياً بما يكفى لتكون محاربًا صلبًا"

زمّ الشيخ عبدالرازق شفتيه قبل أنّ يقول بجدية :- "هذا ما أرغب فيه، إنّنى أتمنى أن ندافع جميعا عن بلادنا، ونحرر أرضنا"

هنا قفزت فكرة فى إلى الضابط سرعان ما أخبرهم بها.

الاختيار

 قرر الضابط أن يُدرب مُحمّد على فك الألغام وتركيبها وتعليمه أنواعها واستخدامتها، ورغم خطورة الأمر لم يتردد مُحمّد للحظة، لكن العجيب أنّ والده طلب أنّ يتعلم هو أيضاً ولحق بهما  سليم الصبي الصغير، ثم تقدمت الأم على استحياء وهي تقول: "أنّ السيدات متميزات في الأعمال اليدوية"

 وهكذا بدأ الضابط محاضرات ودروس عملية مُكثفة لُتصبح هذه الأسرة العظيمة قادرة على فك وتركيب أي لغم بمهارة بالغة، وأبدوا تعاونًا وتفوقًا جعل الضابط يندهش من اتقانهم للأمر في مدة لم تتجاوز أسبوعاً.

 قام أفراد الأسرة -كلاً علي حدة- بجلب الألغام من مناطق مختلفة، ليتاكد الضابط أنّ الجميع قد أتقنوا المهمة بل وأبدعوا فيها خاصةً في استخدامهم الأغنام كغطاء لعملياتهم، وهذا ما جعل الضابط يشعر أنّ مهمته انتهت، وأنّ عليه أن يعود إلي الجيش ليؤدي واجبه هناك، وبالفعل أمّن له الشيخ طريق العودة، إلي أن أوصله إلي شاطئ القناة حيث كان بانتظاره قارب صغير استخدمه في العبور إلي الضفة الغربية.

بعد أيام كان الضابط قد قدّم تقريرًا شاملاً عن الفترة التي قضاها عند الشيخ عبدالرزاق وعن علاجه، والعملية التي قام بها، بالإضافة التي تعليم الأسرة مكافحه الألغام وتركيبها، وأخيراً طريقة عودته إلي الضفة الغربية.

 كانت دهشة الأطباء بالغة حينما شاهدوا جرحه الذي عالجه الشيخ عبدالرزاق، فلقد قام بما لم يستطع القيام به أطباء مهرة في فترات الحروب، وزاد دهشتهم أنّه لم يترك أي بقايا للشظايا التي اخترقت مناطق عديدة من جسده، وكيف أنّه استخدم العسل في تغطية الجرح مما جعل الجلد يلتئم بطريقة بدت طبيعية، إضافة إلي عدم تلوثه.

 ابتسم الضابط وهو يقول "الحمد لله، هذا من فضل الله، نجاة من الموت، وعلاج علي يد خبير بطب الأعشاب "

 تنهّد الضابط بداخله ليكتم شوقه لهذه الأسرة، التى أحبها من كل قلبه، داعياً الله أن يحفظهم ويُوفقّهم في تلك المهمات التي ينوون القيام بها.

سباق على الموت

كان الراديو الخشبى العتيق الذى أحضره والده قبل ميلاده من القاهرة، هو المصدر الوحيد لمعرفة مُحمّد بما يجرى فى قلب الوطن، وها هو يسمع عن البطل أحمد المنصورى، ذلك الطيار الذى حوّل عيب طائرته إلي ميزة تغلّب بها علي العدو، فلقد كانت الطائرات المصرية قديمة نسبياً مقارنةً بالطائرات الإسرائيلية، مما جعل الأعداء يشعرون بالتفوق والتميز، وكان من أكبر العيوب أنّ قدرة الطائرات المصرية لا تستطيع التحليق أو القتال أكثر من 45 دقيقة، بينما تستطيع الطائرات الاسرائيلية التحليق لمدة ثلاث ساعات، مما جعل الطيارين الإسرائليين يحاورون ويناورون حتي ينتهي وقود الطائرات المصرية، فتُصبح صيداً سهلاً، لكن بفضل التدريبات الرائعة التي تلقاها هؤلاء الطيارون، والتي جعلت من الطيار وطائرته شئ واحد، استطاعوا تحقيق المعجزات والتفوق التام علي الأعداء، وتحطيم أسطورة ما أطلقوا عليه الذراع الطويلة.

 كانت مهمة الطيار أحمد منصور هي طرد سرب مكوّن من خمس طائرات اخترق مجالنا الجوي، كانت المهمة هي إخراجهم فقط دون قتال، لكن هذا الطيار المتحمس أراد أن يُعطي العدّو درساً في فنون الطيران، فانطلق بعد إقلاعه بثلاث ثوان في اتجاه قائد السرب، ليصبح في مواجهته مباشرة وما هي إلا لحظات، حتي كانت طائرة القائد في طريقها إلي الأرض مشتعلة تماماً وسط دهشة زملائه الذين ظلّوا لحظات أسري الذهول، ثم ما لبثوا أن استأسدوا علي البطل، الذي كان يعد العُدّة ليُلقنّهم درساً آخر في المناورة، فقد أخذ يناورهم وهم علي أمل إسقاطه بصاروخ أو قذيفة دون جدوى، وظلّ أملهم يكبر لأنّ وقود طائرته يقل، حتى أنّه أصبح من الصعب عليه العودة للمطار، وهنا جاء موعد الدرس الثالث، حيث بدأ الطيار هجوم متنوع جديد مستخدماً طائرته كصاروخ، فكان يحاول الاصطدام بطائرات العدو، وكأنّه لا يخشى الموت مما أفزع الطيارين وأجبرهم علي الفرار، وهنا بقيت مهمة مستحيلة للطيار العبقري، حيث كان عليه الهبوط بطائرته رغم نفاذ الوقود، ولأنّ الرجوع الي المطار مستحيل، فكّر الطيّار في شئ لم يحدث من قبل، لقد قرّر النزول بطائرته في الشارع ..... نعم في الشارع! وبالفعل هبط بالطائرة علي طريق أسفلتي، ونجا ونجت طائرته ليكمل بها حرب الاستنزاف لقوات العدو.

ألهبت هذه البطولة حماس مُحمّد، لكن الأهم أنّه علم من خلال هذه البطولة أهمية الطيارين بالنسبة لأى جيش، وكيف أنّ اسرئيل أخذت تبكى هذا الطيار الذى أسقطه أحمد المنصورى مع طائرته، بكت الطيار ولم تبك الطائرة ذات الخمسين مليون دولار.. وهنا قرر مُحمّد أنّ يسلب العدو بعضاً من طياريه، فاستأذن والده ليذهب إلى مدينة العريش لزيارة عمّه، وهناك بدأ فى دراسة الوضع أثناء رعي الغنم مع ابن عمه وأخيه، فلاحظ وجود محطة حافلات خارج المطار يستخدمها الطيارون بملابسهم المميزة عند تبديل الخدمة .. فما كان منه إلا أنّ جهز عدة الغام وخيط قوى شفاف ورفيع كان يستخدمه فى صيد الأسماك .. وبقى أمامه لإتمام الخطة عنصر واحد، وهو كيف سيجعل اللغم ينفجر فى أكبر عدد من الطيارين؟ وهداه ذكاؤه إلى أن يجعل الطيارين هم من يُفجرون الألغام بأيديهم، بل ويتسابقون على ذلك أيضًا، فقد شاهد مع ابن عمه ميدلية مفاتيح قيمة للغاية بالنسبة للصهاينة، فهى بالاضافة إلى جمال تصميمها تحمل صورة بن جوريون مؤسس دولتهم المزعومة.

تسلل مُحمّد مع أخيه إلى موقع الحافلات، وقام مُحمّد بزراعة الألغام أسفل المقاعد بينما راقب  سليم الطريق، وما إن انتهى حتى وضع الميدالية على أحد المقاعد، وقد ربطها بالخيط الشفاف، ثم مد الخيط أسفل المقاعد ليربطه بحذر بإبرة التفجير فى اللغم، وما هى إلاّ ساعة حتى حضر فريق من الطيارين لاستلام الخدمة من زملائهم.

 توقفت الحافلة لينزل الطيارون منها بزهوهم المعهود، ثم يصطفوا لأداء التحية وإثبات حضورهم لقائدهم الذى أشار لهم عقب الانتهاء بالاستراحة، حتى تأتى السيارات العسكرية التى ستنقلهم، وأثناء انتظارهم لمحوا الميدالية الموجودة على المقعد فدخلوا في سباق محموم في محاولة للوصول إليها، وبالفعل وصل أمهرهم وأسرعهم اليها وجذبها ثم .... انفجار رهيب أطاح بهم، بل ووصل إلى الحافلة وسمعه كل من فى المطار، وردد الجبل صداه ليسمعه مُحمّد و سليم فى سريريهما ليبتسما ابتسامة ذات معنى ثم يخلدا للنوم.

لم يوقظهما إلا صوت أجش لجندى اسرائيلى يتحدث العبرية وهو يحاول الدخول للغرفة التى يناموا فيها، بينما يطلب منه عمهما التمهل حتى يوقظهما.

 كان ابن عمهما يمسح عينيه فى محاولة لاستيعاب ما يحدث، بينما كانا هما متأكدان أنّ ما يحدث سيحدث، بل وتمنياه، فلقد أصبحا يتلذذا برؤية هؤلاء الأوغاد وهم ثائرون من ألم الضربة التى أعطاهم محمد إياها وهذه المرة كانت ثورتهم عارمة بسبب الخسارة الفادحة، كانت لديهم رغبة فى تحطيم أي شيء وكل شيء، فبرغم سعيهم الدائم للتقرب إلى أهل العريش بل ومنحهم الهدايا كنوع من الرشوة ليكسبوا ودهم ويأمنوا جانبهم – وهذا بالتاكيد لم يحدث يوماً – إلاّ أنّهم هذه المرة تعاملوا مع الجميع بعنف -حتى عمّه الرجل المسن ذا المكانة الكبيرة فى قبيلته- لكن خاطرا رائعا مر برأس مُحمّد جعله ينتعش، لقد أدرك أنّ على قدر الضربة يكون رد الفعل، وبمقدار الخسائر تكون ثورة الغضب، فأدرك أنّه أسقط العشرات بين قتيل وجريح.

أيقن مُحمّد أنّ الخاطر الذى مر برأسه حقيقى، حينما ألقى نظرة قبل الغروب على المكان، لقد استغل بصره الحاد فى رؤية آثار الدمار الذى حدث لمحطة الحافلات من فوق الجبل، لقد أحدثت الألغام حفرة كالتى تحدثها الصواريخ، كما أنّ الحافلة بها إصابات بالغة مما يعنى أنّ أى جندى بين المقاعد والحافلة قد أصُيب إصابة فادحة إن لم يكن قُتل.

عاد مُحمّد مع أخيه سليم إلى قريتهما، وهناك أخبرا أباهما بما فعلا، فاحتضنهما بقوة من يريد أنّ يُعلن فخره وسعادته بما قاما به، لكن مُحمّد تمتم ببعض الكلمات علم منها والده أنّه غير سعيد بسبب ما يحدث لشباب المدينة من اعتقال وتعذيب بعد كل عمليه يقوم بها، ربت والده على كتفه برفق وهو يقول "ياولدى العدو هو العدو، يعتقل ويقتل ويُعذب سواء فعلنا شيئاً أم لم نفعل"

هواية خاصة جداً

يهوى الصبية فى سن مُحمّد صيد الأسماك أو تربية الحمام، ومنهم من يهوى الرياضة ويمنحها جُل اهتمامه، لكن مُحمّد الآن أصبحت لديه هواية من نوع آخر، فقد أصبح يهوى عمل الفخاخ، ويتسابق مع  سليم فى حصد أكبر عدد من جنود العدو، حتى أنّهما أحياناً ما يقومان بكمين مزدوج، فيقوم أحدهما بوضع لغماً فى طريق المدرعات، ويقوم الآخر بوضع لغماً فى طريق الإمدادات وفرق الإنقاذ، ولأنّ الشيخ عبدالرازق سعيد بما يفعلان وكذلك الأم فقد كانا يجمعان لهما عشرات الألغام أثناء رعى الأغنام ويتفنون فى إخفائها، وفى المساء يخرج مُحمّد وسليم لزرعها بصفه شبه يومية، مما أربك العدو، الذي كان متفهمًا لما يقوم به أبطال الصاعقة المصرية من عبور القناة والاشتباك مع جنوده على الضفة الغربية، وقتلهم للعديد منهم وأحياناً أخذ أسرى، لكن المُدهش هو تلك العمليات التى تحدث فى عمق سيناء بمهارة فائقة، دون أن يجد أثرًا لجندى أو يخبره الرادار بعبور طائرات مصرية.

لقد جنّ بحق جنونه واشتعلت عناصر الموساد فى كل مكان من سيناء؛ بحثاً عمن يقومون بهذه العمليات المتقنة، لعلهم يستطيعون القضاء عليهم، لكن كل ذلك دون جدوى، واستعان الجيش الإسرئيلى بأجهزة امريكية خاصة لعله يتمكن من رصد شئ، وكثّف دورياته حتى أصبحت كل عشرين دقيقة تقريباً.

كل هذه الاشياء لم تُوقف مُحمّد وسليم عن القيام بعملياتهما، فقد كانا يستخدمان الأغنام كستار أثناء فك الألغام، ولا ينسى سليم ذلك اليوم الذى كان يرعى فيه الغنم على هضبة مرتفعة، ثم وجد لغما قريبا وما إن همّ بفكه حتى اقتربت منه طائره إسرائيلية لُتحلّق على بعد أمتار منه، والجنود ينظرون إليه بريبة، فقام  سليم على الفور برفع جزء من ثيابه، وكأنه يقضى حاجته، فضحك الجنود وانّصرفوا وهم يسخرون منه.

يسخرون دون أن يعرفوا أنّهم قد يكونوا قريباً ضحايا لهذا البطل، وأنّه قد يفتك بهم بذلك اللغم الذى استمر فى معالجته بعد انصرافهم.

الرحيل

لا يعلم الشيخ عبدالرازق سر هذا القلق الذي انتابه هذه الليلة، كان يتقّلب في فراشه وكذلك تفعل زوجته، لقد اعتادا على السهر إلي حين رجوع ولديهما  سالمين عند كل عملية، لكن هذه الليلة كان الأمر يختلف؛ فقد تسّرب القلق إلي قلبيهما، والأرق إلي عينيهما أكثر مما اعتادا، بل وزاد عليهما ذلك النشاط المفاجئ للهواجس التي تنهش عقليهما.

 تململ الشيخ عبدالرزاق في فراشه ثم انتفض واقفاً حينما سمع دوي انفجار شديد، دون أن يعود أولاده، حاول إقناع نفسه أنّ الانفجارات مستمرة ولا شئ جديد، وأنّ أسبابها عديدة، لكن نفسه أبت أن تقتنع بذلك، وزاد قلقه مع تسرب ضوء أبيض خفيف من النافذة، ليقوم علي عجل بارتداء ملابسه، وأخذ مفتاح سيارته منطلقاً بها في غير اتجاه محدد أو مكان يقصده بعينه، كان يبحث هنا وهناك ويُبرر خروجه المبكر هذا للدوريات الإسرائيلية بأنّه ينوي الذهاب إلي سوق العريش، وأنّه يجمع بعض رفاقه ممن ينوون الذهاب معه.

 كانت أعصاب الرجل تحترق، لكنّه توقف فجأة وأغمض عينيه وهو يردد بداخله: "يارب يا رب يارب" ثم انطلق بالسيارة لمكان حقل الألغام الموجود عند سفح الجبل ليجد ما يُفجعه ويُدمي قلبه، لقد وجد ابنيه ممدين فاقدين الوعي، وغارقين في بركتين من الدماء، وبالقرب منهما لغم منفجر. علي الفور حملهما الأب في السيارة وانطلق بأقصي سرعة إلي بيته، ليجد زوجته في انتظاره خارج البيت، والقلق يسيطر عليها والحزن يطل من عينيها، وما هي إلا لحظات حتي فجعها ما فجع زوجها؛ لقد شاهدت ولديها والدماء تغطيهما، فحملت سليم وقلبها يصرخ بينما حمل زوجها مُحمّد.

وفي الداخل حاولا أن يُسقيهما لبنًا فشربا ولكن المفاجأة القاسية أنّ اللبن خرج من بطن  سليم الذي ابتسم وهو ينطق بكلمات متقطعة :-"الحمد لله أنّني نُلت الشهادة في سبيله" بينما فقد مُحمّد الوعي مرة أخري قبل أن يُسلم  سليم الروح.

 علي غير المتوقع في هذه الظروف لم تصرخ الأم أو يبكي الأب، وإنّما أثلجت ابتسامة سليم الملائكية وكلماته قلبهما فأخذا يرددان "الحمد لله .. الحمد لله" تلك الكلمات التي ختم بها  سليم مشوار كفاحه وجهاده.

 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech