Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

روايه وحش الجزيره - بقلم احمد زايد - الجزء الثالث

الفصل الثالث

الجــــــــــــزيــــــــــرة الخضـــــــــــــــــــــراء

 

الجزيرة الخضراء هي واحده من الجزر الهامه التي تقع في خليج السويس ، وهي تقع  في اقصي الشمال من خليج السويس ولها اهميه استراتيجيه وعسكريه كبيرة جدا حيث انها تشرف وتتحكم في المدخل الجنوبي لقناه السويس تحكما كاملا ، وهي لا تبعد عن شاطئ مدينه السويس سوي خمسه كيلومترات وعن شاطئ بورتوفيق وسيناء سوي سبعه كيلومترات .

وتاريخيا اكتشف البريطانيين اهميه هذه الجزيرة فوضعت فيها قوة مسلحه دائمه لتأمين الملاحه في المدخل الجنوبي لقناه السويس وبعد انتهاء الاحتلال البريطاني لمصر ، وضعت مصر بها قوة مسلحه خفيفه زادتها بعد النكسه خوفا من استثمار العدو لنجاحه وقيامه باحتلا ل تلك الجزيرة الهامه ، مما يمكنه من تهديد جنوب السويس وطريق البحر الاحمر وميناء الادبيه .

ورغم صغر حجم هذه الجزيرة التي لا يزيد عن كيلومتر واحد ، فقد تمسكت بها مصر بضراوه وحاول الطيران الاسرائيلي كسر مقاومه الجزيرة اخضاعها لكنه فشل في ذلك ، وكانت من اكثر المواقع تعرضا للغارات الجويه .

 

وصل خيري الي مدينه السويس في مارس 1968 ، وكان الدخان الاسود يغلف سماء المدينه بصورة رهيبه جدا ، وكان صوت ضرب المدفعيه مسموع من بعيد ، وتحولت حاله الهرج والضحك في صندوق السيارة الي حاله صمت وترقب ووجوم ، فقد دخلوا الي الجبهه بكل ما تحمله من قتال وضحايا واصابات ومعاناه كل يوم ، كانت رائحه البارود تملئ الجو بصورة مكثفه من جراء القصف المدفعي الاسرائيلي علي المدينه ، وبينما السيارة تسير ببطء في طرق السويس ، تطلع خيري ورفاقه الي حجم الدمار الهائل الذي حل بالمدنيه ، فالمباني شبه مهدمه ومن النادر ان تجد منزلا غير مصاب بطلقات او شظايا عديده ، او تجد طريقا ممهد فكل الطرق بها فجوات ناتجه من القصف المعادي .

كان خيري مجبرا ان يقارن بما يراه في السويس وبين مشاهد الحقول الممتده حول مسار القطار ، او بين قريته التي تنعم بالهدوء التام والسلام بينما السويس تعاني من الحرب والخراب، كان الاحساس الذي لازمه في تلك اللحظه انه خرج من عالم الي عالم اخر مختلف تماما عما يعرفه .

كانت الحرب تطل بوجهها القبيح علي السويس وتعلن انها مدينه اشباح فالعدو علي بعد امتار قليله منه الان ، لا يفصل بينهم سوي قناه السويس ، فها هو المسرح قد ُاعد والمواجهه مع العدو ستحدث لا محاله ، ومع السير البطئ الاجباري لسيارة الجنود تطلع خيري الي مظاهر الحياه في السويس ، فرغم هذا الدمار الهائل ورغم التهجير الاجباري لاهل السويس الا ان عددا كبيرا منهم رفض مغادرة منزله واثر التمسك ببيته ولو حتي معرضا حياته للموت ، فها هي سيده تقف تشتري حاجيات منزلها من منفذ التموين ، وهذا اخر يقف في محله ليبيع الخردوات ، مظاهر تظهر علي استحياء لحياه تحت القصف المعادي المتقطع .

دلفت السيارة الي جوار احد المباني ، وتوقفت وُطُلب منهم النزول ، فنزل الجنود من السيارة وهم واجمون مما هم فيه

وتم تقسيم الجنود بواسطه احد العرفاء ، فجزء سينطلق الي منطقه الشط ، وجزء اخر سيتجه مع السيارة الي قياده الجيش الثالث وجزء اخر سيتحرك سيرا الي احد مواقع المدفعيه المضاده للطائرات والمخصصه للدفاع عن مدينه السويس نفسها وتبقي خيري وثلاثه أخرين ، واخبرهم العريف بأنهم سينتظرون في شقه صغيره مهجورة في نفس المكان حتي هبوط الظلام ثم  يتحركوا تجاه شاطئ البحر حيث سينقلون بحرا الي الجزيرة .

دلف خيري الي تلك الشقه المهجورة داخل المبني الخالي من السكان، والتي اتخذها العريف نقطه للراحه حتي التحرك ليلا ، وضع خيري المخله التي تحتوي علي حاجياته الشخصيه والعسكريه ، ومدد جسده علي الارض واضعا رأسه علي المخله وتسلل النوم الي عينيه رغما عنه .

وقرب المغرب أستيقظ خيري مرعوبا مفزوعا وهو يسمع دوي انفجار رهيب قريبا منه اهتز علي اثرة المبني بشده ، وتطاير من النوافذ ما تبقي بها من زجاج و عم الفرغ ارجاء الشقه ، وبدأ الذعر علي خيري وعلي زملائه الثلاثه ، أما العريف فكان هادئا يحتسي كوبا من الشاي ويجلس في احد اركان الغرفه باسما وهو يقول (( اهلا بيكم علي الجبهه )) فأنفعل احد الجنود غاضبا من هدوء العريف فانفجار القنبله كان قريبا جدا وكاد يودي بحياتهم ، فأرتشف العريف بعضا من الشاي بلا اكتراث بغضب الجندي واستكمل باسما

(( من الحاجات اللي هتتعلموها في الحرب ، ان القنبله اللي هتموتك مش هتلحق تسمع صوتها ، وطالما انك سمعت صوت الانفجار يبقي انت عايش ، وانا واحد بعرف ربنا وعارف ان لكل اجل كتاب ، فبلاش قلق وكلها كام يوم وتتعودوا علي الضرب واعصابكم تهدأ  ))

 لم يستطع خيري ورفاقه ان يستوعبوا الكلام الباسم المطمئن من العريف ، فالانفجار كان قريبا كبيرا ومدويا .

خرج خيري مع رفاقه بعد ثوان من الانفجار يتابعون تبعاته ، فوجدوا ان الانفجار اصاب الطريق العام وبدأ الدخان في التلاشي تاركا فجوة عملاقه في وسط الطريق .

وقف خيري ورفاقه ينظرون الي رد فعل اهالي السويس بعد الانفجار ، فوجدوا ان احدا لم يهتم بالتجمع قرب الانفجار كعادته المصريين في التجمع والتجمهر عند اي حادث  ، لكن احدا من اهل السويس لم يبالي .

فقط سيارة دفاع مدني جاءت مسرعه تشق الطريق شقا ومن خلفها سيارة اسعاف  وتوقفتا قليلا قرب الانفجار ، وعندما تأكد من فيها بأن الانفجار لم يخلف ضحايا او حرائق ، عادتا مسرعتين من نفس الطريق.

مالت الشمس خلف جبل عتاقه وبدأ الظلام يحل تدريجيا علي السويس وبدأت معالم المدينه تختفي امام عيني خيري وهو يقف يتأمل في شرود ويحاول ان يستوعب الواقع الجديد الذي اصبح فيه

نادي العريف علي خيري ورفاقه بان يستعدوا للرحيل، فقد اوشك الظلام ان يملئ ارجاء المكان تاركا ستارا يمكن للرجال التحرك في ستارة بهدوء ، وبعد دقائق كان الرجال يتحركون سيرا حاملين المخالي متجهين تجاه شاطئ خليج السويس

 

سار الرجال خلف العريف في صمت يتابعون ما يستطيعون متابعته من مباني المدينه المهدمه ، وقرب الشاطئ أشار العريف تجاه الشرق قائلا (( الصبحيه تقدروا تشوفوا العلم الاسرائيلي علي الناحيه التانيه من هنا  )) أحس خيري علي الفور بالدم يندفع في عروقه حارا حارقا ، فالكلاب لا يبعدون عنه الان سوي امتار ، لابد وانهم الان يضحكون ويمرحون ومستمتعون في مواقعهم علي ارضنا المحتله ، ياله من شعور قاسي بالعار والخزي والمهانه وقله الحيله والذي يجتاح كل  مصري يري العلم الاسرائيلي امامه يوميا بدون ان يستطيع ان يحرقه او ينكسه ويضع علم مصر محله .

وصل خيري الي شاطئ الخليج علي بعد عده مئات من الامتار فقط من عدوة  ، وامرهم العريف ان يتجهوا معه تجاه احد لنشات الصيد الراسيه علي احد المراسي ، وجد خيري لنشا قديما متهالكا يعلوه صاري وعلي الصاري علم صغير لمصر مقطع الاوصال ، وبعد لحظات كان الرجال يتخذون مواقعهم علي سطح اللنش في انتظار الابحار .

لكن الانتظار طال وبدأ الرفاق في الاحساس بالملل خاصه وان الجو أصبح باردا جدا، لكن خيري كان معهم جسدا فقط وروحه هائمه فوق ذلك الموقع الاسرائيلي الغارق في الظلام فوق ضفه القناه ، تمني لو معه سلاحا يستطيع ان يمحو ذلك الموقع من الوجود محوا ولا يترك مكانه حجرا فوق حجر .

مر الوقت والرجال مازالوا في انتظار ابحار اللنش وتعالت الاعترضات من الجنود بسبب بروده الطقس ، لكن العريف اخبرهم بأنه تم رصد دوريه مدرعه اسرائيليه عند بورتوفيق ، ومن الممكن ان تقوم برصد اللنش و فتح نيرانها عليه في اي وقت لذلك هم في انتظار ابتعاد الدوريه عن شاطئ الخليج.

وبعد فترة صعد رجل الي سطح اللنش يلبس ملابس رجال الصيد ، ومع صعوده  بدأت الحركه تدب علي اللنش ، وظهر من الظلام جنود يحملون صناديق لتحميلها علي اللنش استطاع خيري تمييز صناديق ذخيرة المدفعيه المضاده للطائرات بسهوله ، وصناديق التعينات والمهمات وصناديق اخري مختلفه الاحجام لكافه متطلبات الموقع .

عاد الرجل بكل خفه ونشاط من قاع اللنش وبدأ في اعطاء اوامرة يمينا ويسارا للرجال والجنود علي السواء والكل ينفذ في طاعه وسرعه  فقد كان الجميع يستعد للابحار ، وفي إنعكاس لضوء احد المصابيح الخافته علي وجه الرجل استطاع خيري ان يري ملامح العجز وتقدم السن علي وجه الرجل والذي قدر خيري عمرة بأنه اكبر من سبعون عاما علي اقل تقدير ، ورغم ذلك فأن الرجل يتمتع بحيويه ونشاط شاب في العشرين من عمرة .

وبعد قليل دار محرك اللنش بصوت عال جدا معلنا عن محرك يعاني من تقدم العمر وقله الصيانه ، وبدأ اللنش يتحرك رويدا رويدا مغادرا الشاطئ وتاركا قلوب الرجال تودع اضواء السويس الخاقته في خوف وترقب مما يمكن ان يقابلونه في المستقبل علي تلك الجزيرة .

ومع مغادره اللنش الشاطئ تحرك خيري الي المقدمه حيث كان شوقه الي موقعه والي سلاحه ، ودار عقله برفاقه الثلاث الجالسين في صمت يدخنون السجائر وفكر أيعقل ان يكون احدهم صديقا له او قريبا من نفسه كمحمد ، لكنه رد علي نفسه بسرعه تلقائيه رافضا تلك الفكرة رفضا باتا ، وتساءل مرة اخري في نفسه عن حال هؤلاء الثلاثه والذي لا يختلف عن حاله كثيرا .

فمن المؤكد ان كل منهم كان يخطط للمستقبل بشكل مختلف تماما ولم يكن يضع في حساباته او توقعاته ان يكون مستقبله في الحرب والقتال ومواجهه الموت من كل جانب .

مستقبلهم اصبح بين عشيه وضحاها قاتما اسودا  لا امل فيه في القريب ، فتمتم خيري من اعماق قلبه وهو ينظر تجاه نقطه العدو (( الله يخرب بيوتكم بيت – وييتم عيالكم قادر يا كريم  ))

ووسط ظلام حالك سواء من السماء الملبده بالغيوم الكثيفه او من البحر الساكن بلا حركه كالسجاده الثقيله، تحرك اللنش مسرعا تجاه الجنوب وخيري يقف علي مقدمته هائما في الماضي متحفزا للمستقبل ، ومع تعالي صوت اللنش في ارجاء البحر جاءته من خلفه يد ممدوه بسيجارة مشتعله ، فرفض بأدب وسار بعينيه ليري وجه صاحب هذه اليد ، فوجده الريس غريب صاحب اللنش وربانه ،  والذي قال وهو يشعل لنفسه سيجارة (( سمعتك بتلعن ابو اليهود ، فقلت اجي معاك العن ابوهم )) وسحب الرجل نفسا من سيجارته بينما لم يتجاوب خيري مع الحوار

فأردف الرجل سائلا ((انما انت منين يا دفعه ؟؟))

فرد خيري (( منيا القمح – شرقيه )) فتهلل وجه الريس غريب (( أجدع ناس واهل الكرم والجود كله )) فتبسم خيري علي مجامله الريس غريب ، في نفس الوقت تعالي صوت الحديث بين الجنود الثلاثه المرافقين لخيري علي سطح المركب ،فألتفت اليهم الريس غريب معاتبا وطالب منهم عدم رفع صوتهم خشيه ان يسمع صداه في البحر ويسمعه اليهود من الناحيه الاخري ، فرد احد الجنود مداعبا (( ياريس انت صوت مركبك بيتسمع في اسوان )) وضحك الجميع وتبسم الريس غريب من مداعبه الجندي له ثم تحولت نظرته المبتسمه الي جديه (( انتم اصلكم لسه صغيرين ومتعرفوش اليهود كويس ، احنا بقه السوايسه عارفنهم كويس جدا ، انا حاربتهم في 48 وكنت مع الشهيد احمد عبد العزيز ، الله يرحمه كان مجننهم بجد، وفي سنه 56 كنا شايفنهم علي البر التاني وشفنا عملوا ايه في العمال الغلابه اللي ملهمش في الطور ولا الطحين ، ياولداه العمال ادفنوا عايشين ،وطبعا اللي حصل في يونيو اللي فات ده ملوش وصف،دول ناس ميعرفوش دين او اخلاق ))

اصطدمت كلمات الرجل الحاده بعقل كل منهم بقوة جعلت العقول تعمل في تصوير ما يقوله ، لكن الرجل أستطرد بدون ان يترك لهم فرصص للحوار  (( بس علي فكرة الحرب لسه مخلتصش ، انا كل يوم بشوف رجاله زي الورد ، زيكم كده بالضبط ، الرجاله دول بيعدوا الكنال للناحيه التانيه بالقوارب وساعات عوم كمان ، بيموتوا منهم كتير وبيضربوا دباباتهم ، ومن كام اليوم الولد الرفاعي رجع وهو معاه اسير من ولاد الكلب، وبعد ساعه كانت السويس كلها عرفت ان الرفاعي جاب اسير )) تساءل خيري في عقله سريعا عمن يكون هذا الرفاعي الذي تعرف السويس عملياته وتتابع اخبارة ، التقط الرجل انفاسه ثم استطرد ((الرفاعي ده ولد مجبتوش ولاده ، ومعاه رجاله ياكلوا الظلط ، ربنا يكرمه ويكرمنا معاه ، لكن انا بقه واللي في سني ..... خلاص راحت علينا  البركه فيكم بقه ، لو كل واحد فيكم عمل اللي عليه ، صدقوني هنرجع الارض ))

جاء صوت احد مساعدي الريس غريب ليقطع استرسال الريس غريب في الحوار.

وتحرك الريس بسرعه واستلم دفه القياده ، وانتبه الجميع لما يحدث ويبدأ اللنش في الانعطاف في اتجاه اخر ، حاول خيري ان يفهم مغزي هذه التحركات البحريه ، فاللنش يسير وسط  ظلام تام سواء في السماء او البحر علي السواء ، وبعد لحظات صعد الريس غريب الي مقدمه اللنش مرة اخري وفي يده مصباح ، وبدأ يعطي اشارات ضوئيه متقطعه وتعجب خيري عندما شاهد اشارات رد تلك الاشارات من وسط الظلام وتساءل بتعجب عن كيفيه اهتداء الريس غريب الي مكان الجزيرة في سط هذا الظلام .

 

وبعد قليل صاح الريس غريب في الرجال (( لما نربط ، كل واحد منكم يشيل صندوق وينزل بيه بسرعه ، انا مقدرش اقف في الجزيرة كتير والا هيسمعونا وهننضرب علي طول ، لكن قبل ما نربط انا عايز اقولكم حاجه واحده بس تحطوها حلقه في ودانكم من واحد شاف اللي مستحيل واحد منكم يشوفوه من اليهود ، الجزيرة دي أمانه في رقبتكم واوعوا تخلوا رجل كلب يهودي تلمس ارضها الطاهرة ، الجزيرة دي حته من مصر ومتخلوش حد ياخذ مصر منكم الا علي جثثكم  ))

 أحس خيري برجفه مع كلمات الريس غريب ، فكلمات الرجل المشجعه  لمست وجدانه تماما .

أقترب الضوء المتقطع من الجزيرة ومن خلفه بدأت معالم الجزيرة تظهر شيئا فشيئا وسط الظلام الحالك ، فرغم الظلام الحالك الا ان داخل هذا الظلام يقبع رجال ساهري الاعين ، متقدي الحماس ،شديدي الايمان برغبتهم في الصمود ومنع العدو من النيل من جزيرتهم الصغيرة .

رسي اللنش علي الشاطئ وسرعان ما حمل كل جندي صندوقا كما قال لهم الريس غريب ونزل به بسرعه بينما صعد جنودا اخرين ليقوموا بعمليه التفريغ لبقيه الصناديق، لم يري خيري من اين ظهر هؤلاء الجنود  الا انه وجدهم فجأه علي حافه اللنش خارجين من وسط الظلام في خفه وسرعه .

 

وما هي الا لحظات الا وغادر اللنش شاطئ الجزيرة تاركا خيري وسط رفاقه الجدد  في وسط ظلام الجزيرة .

ومع بدء صوت محرك اللنش في الاندثار ، صاح صوت اجش يحمل نبرة أمرة لا تجعل من الممكن تجاهلها

(( أقف انتباه يا عسكري منك له )) فوقف خيري ورفاقه في وضع الانتباه بسرعه .

وضع الرجل ذو الصوت الاجش الضوء في اعين الجنود وخاطبهم (( حمد الله علي السلامه يا رجاله ، انا اسمي الشاويش عباس  انا حكمدار الموقع ، اللي محتاج حاجه يجيلي وانا اعملهاله واللي هيعمل حاجه غلط ومش هيمشي معايا زي الساعه هطين عيشه اللي خلفوة )) حاول خيري ان يتعرف علي ملامح الرجل ذو اللهجه الحاده ، لكنه فشل فقد اعماه ضوء المصباح المسلط علي اعينهم ، وبعدها أستكمل الشاويش عباس حديثه بنبرة هادئه لا تخلو من صيغه الامر

(( دلوقت الرائد منعم قائد الموقع هيقابلكم )) واستدار الشاويش وسار ومن خلفه الجنود الي قلب الموقع

تعثر احد الجنود وقاوم خيري الا يتعثر ، فهم يسيرون فوق صخور حاده بارزة في الظلام خلف ضوء الشاويش والذي مثل لهم الدليل، وبعد عده خطوات احس الشاويش بتعثر الرجال فقال لهم (( خلاص وصلنا )) فتمتم احد الجنود غاضبا في هدوء بينما تساءل خيري في نفسه (( وصلنا ازي ؟؟!ّ!!!!!)

أشار ضوء الشاويش الي ضوء اخر يبرز خافتا بين الصخور وامرهم بالنزول ، نزل الجنود ومن بعدهم خيري وفي النهايه الشاويش عباس

كان الضوء يقترب بينما خيري يهبط درجات صناعيه  مصنوعه من شكائر الرمل الصلبه  بينما جانبي الدرج من صخور الجزيرة ناريه اللون ، ومع نزوله عده درجات زاد الضوء جدا ووجد امامه خليه نحل لا تهدأ فعلي يمينه وجد رجلا يجلس امام جهاز لاسلكي وهو يضع السماعات علي اذنيه ويدون ما يسمعه ، وعلي يسارة رجلا اخرا يجلس امام جهاز مختلف ويحرك بيده مؤشره في صمت ويستمع بالسماعات بحثا عن اشارة ما  ، سار خيري خلف رفاقه عده خطوات ليجد نفسه وسط قاعه كبيرة تتوسطها طاوله موضوع عليها خريطه كبيرة وبجانبها خرائط اخري للجزء الجنوبي من قناه السويس ، ومعلق علي الحائط علم كبير لمصر وصورة الرئيس عبد الناصر ، أيقن خيري انه يقف في غرفه عمليات الموقع،  وتلي تلك القاعه ممر مظلم لم يستطع  خيري أن يستنتج الي أين يؤدي .

وقف الجنود انتباه بينا دخل الشاويش عباس متأخرا ، وتحت الاضواء البراقه استطاع خيري ان يميز صاحب هذا الصوت الاجش ، فوجد رجلا متوسط القامه في الاربعينيات من عمرة يخط الشعر الابيض في جزء من شعرة بقوة بينما تكفل الصلع بباقي أجزاء رأسه ، بدين وغير متناسق الجسد بشكل ملفت للنظر ، يخط شارب سميك وجهه ويغطي فمه تماما

دلت هيئه الشاويش عباس انه امضي ردحا من الزمان في الاعمال المكتبيه ومثله مثل عشرات اخرين فقد تم سحبهم من مكاتبهم للخدمه علي الجبهه مباشرة بدون اعاده تأهيل بدني .

تفحص خيري الرجل حتي سمع وقع اقدام علي الارضيه الاسمنتيه ، تأتي من داخل الممر، ونادي الشاويش عباس بصوته الاجش (( أأأأنتبــــــااه )) فوقف الجميع انتباه بمن فيهم الشاويش عباس نفسه ،

 ودخل القاعه رجل في اوائل الثلاثينيات من عمرة  مهندم الملابس  حليق الزقن ، جسده متناسق مع طوله المتوسط ، ، حذائه لامع ، وشعره قصير مهندم ، وعينيه تحمل قدرا كبيرا من الثقه تظهر رغم معالم الاجهاد والهالات السوداء حولها من فرط الارهاق وقله النوم ، ويحمل علي كتفيه رتبه الرائد .

تفحصه خيري جيدا فهو الرائد منعم قائد الموقع واول قائد ميداني له ، قام الرائد منعم بقراءه ورقه موضوعه علي خريطه العمليات وقام بمكالمه تليفونيه مع احد الضباط وبصوت لا يكاد يكون مسموعا ، ثم  انتصب ناظرا بعيون حاده كعيون الصقر في وجوه الجنود الجدد ، وبعد ثوان من الفحص قال الرائد (( أحب ارحب بيكم علي الجزيرة ، انا الرائد عبد المنعم قائد الموقع ، والجزيرة هنا فيها تحت قيادتي برضه سريه مشاه بقياده النقيب مصطفي ابو سديره)) ثم تحولت لهجته للشده والحزم قائلا (( الجزيرة هنا تعتبر اقرب موقع لقواتنا من قلب مواقع العدو في سينا ، والارض قدامنا مفتوحه عشان كده بنقدر نلقط اتصالاتهم بسهوله اكبر من باقي الجبهه ، واليهود عارفين كده كويس عشان كده موقعنا حيوي جدا وكمان بنحمي ميناء الادبيه وشاطئ السويس ، يعني بالمختصر احنا لقمه في زور اليهود ، وعشان كده احنا بننضرب ليل نهار ))

وازدادت لهجته حزم (( العساكر اللي بيشتغلوا معايا مش مجرد عساكر وبس لا – دول وحوش ، عارفين يعني ايه وحوش ؟؟، يعني مفيش نوم او اكل كفايه وفيه قتال كل يوم تقريبا ، ولو مفيش قتال لازم نكون جاهزين لاي قتال ،لان اليهود اولاد الكلاب مش هيعدوموا حيله الا وعايزين يفجئونا بأي شكل ، وهما عارفين اننا في كل مرة بنكون صاحيين لهم تمام وعشان كل ده انا متوقع كل واحد فيكم يكون وحش زي زملائه القدام اللي هنا ويكون قد المسئوليه زيهم ))

وأستكمل (( في كل غارة لازم علي الاقل نصيب لهم طيارة او اتنين ، وعلي فكرة انا قريت ملف كل واحد منكم وعارف قدراتكم )) ثم تقدم متفحصا وجوه الجنود عن قرب بنظرات فاحصه قويه ثم استطرد

(( التعليمات اللي عندي اني ادافع عن موقعي لاخر طلقه واخر راجل ، وانا معنديش استعداد رجل يهودي تنزل علي الجزيرة الا علي جثتي فاهمين ؟؟ ))

ثم وقف امام خيري متفحصا عينيه واردف سائلا (( ولا ايه يا خيري ؟؟))

فوجئ خيري بأن القائد يعرف اسمه بالتحديد ، لكنه رد بكل حزم وقوة (( تمام يا فندم ، لاخر طلقه ولاخر راجل ))

ظهرت ابتسامه خفيفه علي شفتي القائد الذي عاد لطاوله العمليات ودعا الجنود للاقتراب منها ايضا وبدأ في الشرح عليها

(( زي ما قلت لكم الجزيرة قوتها الاساسيه عبارة عن سريه مشاه تحت قياده النقيب مصطفي وملحق عليها سريه مدفعيه مضاده للطائرات (م-ط) السريه دي فيها مدفعين تقيل 14.5 بوصه متمركيز في القلب ، وعلي الاطراف ست مدافع عيار 85 مليمتر ، العبء الرئيسي حاليا في الدفاع عن الجزيرة بيكون علي قوات الدفاع الجوي لان كل الهجمات دلوقت بتكون من الجو بس احتمال الانزال البحري وارد جدا في اي وقت، وده معناه يقظه تامه 24 ساعه علي مدار ايام السنه )) ثم اختلفت نظرته وكسا الحزن صوته (( من يومين خسرنا مدفع وخمس شهداء ، واتعطل مدفع تاني ورحلنا 3 جرحي للسويس )) ثم تحولت نبرته للحده مرة اخري (( عارفين ده معناه ايه ؟؟ معناه ان القياده مستعده تقبل اي حجم من الخسائر في الموقع بس ميقعش في ايد اليهود )) ثم استدار للشاويش عباس (( عباس .... خذ الرجاله علي ملجاءهم ، يلحقوا يريحوا شويه عشان ورانا شغل كتير بكرة )) ادي الشاويش عباس التحيه لقائده وامر الجنود بالانصراف بالخطوة السريعه .

وبعد دقائق كان الشاويش عباس يصطحب خيري عبر الظلام الي ملجأة وتساءل خيري عن مدفعه وموقعه

(( مدفعك رقم سبعه يا خيري ، ده في وش اليهود علطول )) واشار الي هيكل معدني غارق في الظلام

(( اهوة مدفعك يا وحش ورينا الهمه يا بطل )) هام خيري مع منظر مدفعه القابع في الظلام كالسيف في غمده منتظرا ضوء النهار او هجوم العدو لكي يخرج من غمده ويذيق طائرات العدو من نارة .

لمح خيري رجلا يقف علي المدفع في ورديه حراسه وهم ان يتقدم تجاهه الا ان عباس قطع تفكيرة مشيرا الي ملجأ تحت الارض قائلا (( ده ملجأك يا خيري هتلاقي تحت جنب سريرك الشده والبندقيه بتاعتك ، بكرة الصبح تبقي تيجي لي تمضي علي استلام الشده والسلاح ))

ترك الشاويش عباس- خيري بمفرده يتأمل ذلك الشبح الحديدي الغارق في ظلام الجزيرة ،أراد ان يلمسه ويتحسسه ويناجيه ، اراد ان يعتليه فورا لكن بروده الجو وتعب ومشقه السفر طوال اليوم حالت دون ذلك فاثر ان يستريح قليلا  ويستيقظ مبكرا لكي يناجي مدفعه طوال اليوم كيفما شاء ،

فنزل درجات الملجأ تحت الارض والغارق هو الاخر في الظلام وبصعوبه تحسس طريقه في الظلام حتي تعثر في الشده الميدانيه الخاصه به ، وعلي الفور أستيقظ احد الجنود  واضاء مصباحه في وجه خيري مستفسرا في حده عما يكون .

عرفه خيري بنفسه ورد الاخر بأنه يعرفه حيث ابلغهم الشاويش عباس بموعد حضورة ، وقام الجندي واضاء مصباحا صغيرا متدلي من سقف الملجأ ، ولاول مرة يشاهد خيري ملجأ قتال حقيقي ، فها هو منزله الجديد ، ودار بعينيه في انحاء الملجأ ذو السقف الحديدي المنخفض و المكسو بشكائر الرمل لتحمل القصف وكذلك جوانبه مكسوة بنفس نوعيه الشكائر في تناسق وعلي الارض وضع اربع اسرة ميدانيه وبجوارها عدد من الدواليب ، فتسال خيري عن مكان سريرة فأشار اليه الجندي الي سرير في اخر الملجأ ، فشكرة خيري وسأله عن اسمه فرد الرجل الملتحف بعدد لا بأس به من البطاطين

(( انا بولس زميلك علي المدفع  ، واللي نايم جنبك ده عبد الحميد )) واشار الي شخص نائم وقد غطي كل جسده بعدد من البطاطين لكي تقيه من البرد الذي يحيط بجو الجزيرة ، ثم اكمل بولس مشيرا الي اخر لا يظهر من جسده شئ هو الاخر من كم الاغطيه التي تغطيه (( وده شديد واد مجدع وابن بلد )) ثم بدأ بولس يهز في جسد شديد في عنف طالبا منه الاستيقاظ لاستلام نوبه الحراسه من زميله وحيد ،فاستلق خيري علي سريرة بعد ان جمع حاجياته بجوار سريرة وشاهد شديد وهو يستيقظ من نومه متثاقلا لاستلام خدمته علي المدفع ، ونصحه بولس بالنوم قليلا حيث قارب الفجر علي الظهور ووافقه خيري في حاجته لقليل من الراحه

وما  هي الا ثوان والا وكان خيري في سبات عميق بعد ان غطي نفسه بكل ما وصلت اليه يديه من الحفه وبطاطين .

 

افاق خيري في الصباح التالي علي يد تهز كتفه ، فنظر بأستغراب لصاحب اليد ، فوجدها يد زميله شديد الذي طلب منه سرعه التوجه لمقر القائد سريعا ، وانصرف خارجا من الملجأ.

احتاج خيري الي لحظات لكي يقوم ويلبس ملابس القتال ويعتمر خوذته ويمسك بسلاحه الالي ويسرع خارجا من الملجأ الخالي من الجنود ، وفور خروجه من الملجأ أصابه ضوء الشمس اللامع فأعمي عينيه لثوان ، بعدها استطاع  ان يري جيدا ، وان يري ملامح الجزيرة واضحه في ضوء الشمس ، فوجد الجزيرة شبه بيضاويه يتوسطها تبه صغيرة من الصخور الناريه الحاده في منتصف الجزيرة الصغيرة وفي اعلي التبه برجا للملاحظه يقف عليه جنديين ينظران  بنظارتهم المعظمه في جميع الاتجاهات لانذار الجزيرة من اي هجوم  ويعلو البرج علم مصر ، وتحت برج الملاحظه سلسله من الخنادق المتصله وقد غطيت حوافها بشكائر الرمل وتمركزت عليها بعض الرشاشات الاليه ، وتجاه الشاطئ حول التبه رصت المدفعيه المضاده للطائرات المتوسطه كما شرح له القائد امس ، والمدفعين الثقيلين علي جانبي التبه في منتصف الجزيرة تماما، وكان مدفعه يقع في الشمال من الجزيرة في مواجهه شاطئ مدينه السويس ومدخل قناه السويس

، سمع خيري صوت يأتيه مازحا (( صباحيه مباركه يا عريس )) وتعالي بعدها صوت ضحك جماعي ، فنظر تجاه الصوت فأذا هو احد رفاقه علي المدفع ، فأشار اليهم خيري محييا بأبتسامه صغيرة وهرول تجاه مركز القائد .

وفي الطريق الي مركز القائد الذي استطاع خيري تحديد موقعه بخبرته القرويه ، شاهد الجزء الجنوبي من الجزيرة والذي يمثل ارضا منبسطه نوعا ما أستغلها رجال سريه المشاه في تدريبات بدنيه عنيفه وقرب الشاطئ الاخر مدفعي متوسطي العيار مثل مدفع خيري وعلي مسافه قصيرة منهم تجمع كم كبير من الحديد المحترق والذي استطاع خيري تمييزة بسرعه ، فهذه مدافع مدمرة ومحترقه تماما لابد وانها اخر خسائر تعرضت لها الجزيرة وتنتظر الاخلاء كما قال القائد ،وهرول خيري نازلا درجات مقر القائد ووقف امامه انتباه ودوي صوت كعبي حذائه في ارجاء المقر وهو يؤدي التحيه العسكريه بشكل محترف صارم .

كان القائد منكب علي الخريطه وبجوارة شاب يحمل علي كل كتف ثلاث نجوم ، فلابد انه النقيب مصطفي قائد سريه المشاه وبجوارهم الشاويش عباس متابعا الحديث الذي يدور حول تشديد الدفاع عن الجزيرة بصورة اشد احكاما

تابع خيري ملامح النقيب مصطفي ، فهو في العقد الثاني من العمر ذو جسد متناسق يميل الي الطول ، عينيه تشع بريقا من الثقه والهدوء ولديه شارب رفيع .

وقف خيري قليلا حتي انتهي الحوار بانصراف النقيب مصطفي والشاويش عباس ، فأدي خيري التحيه لقائده مره اخري ورد القائد التحيه  ودعاه الي الاقتراب منه  وسأله اذا ما كان قد استلم مهماته وسلاحه ، فرد خيري بالايجاب ، فعاد  وسأله القائد عما اذا كان هناك شيئا ينقصه فرد خيري بالنفي شاكرا للقائد اهتمامه  .

وتطرق القائد بعدها الي الشرح العسكري موضحا لخيري ان التحذيرات قد وصلت اليهم هذا الصباح بأن الجزيرة معرضه لقصف جوي مركز في القريب مع احتمال قيام العدو بأنزال بحري وشيك ، وتطرق القائد الي العجز الواضح لديه في الحكمداريه لادارة وتنسيق النيران ، واردف بأنه قرأ ملف خيري جيدا واعجب بقدراته لذلك عينه حكمدارا لمدفعه رقم 7 والذي يقع في اتجاه الهجوم الجوي المعادي ، ومن الضروري ان يكون المدفع رقم 7 هو اول من يضرب واخر من يتوقف عن الضرب ، كان خيري مركزا كل حواسه في اذنيه  فكل كلمه تسجل بالحفر في عقله لكي لا تمحا ابدا ، ثم اردف القائد بأن خيري مسئول ايضا مؤقتا عن  المدفع رقم سته والمجاور لمدفعه لحين استعواض خسارة العريف رضا والذي اصيب من يومين ، واضاف القائد ان حاله المدفع سته هي 50% فقد اصيب تروس الحركه به ولم يعد قادرا علي الضرب علي الاجناب ، واضاف القائد حانقا بان قطع الغيار كان من المفترض وصولها امس علي نفس اللنش الذي جاء فيه خيري لكنها لم تأت معه .

ثم تقدم من خيري وامسك كتفيه (( انا عندي نظرة في الرجاله اللي معايا والنظرة دي عمرها ما خيبت ، انا عارف انك هتكون قد المسئوليه يا خيري )) ثم تبسم (( توكل علي الله عايزين نملي ملفك بحاجات حلوة ))

 تبسم خيري وادي التحيه لقائده بنفس الدقه والانضباط واسرع منصرفا .

كانت كلمات القائد المشجعه بالاضافه الي حماسه الداخلي وفرحته بأول ايامه علي الجبهه دافعا لكي يركض ركضا الي مدفعه وفور ان امتطاه واحتل موقعه كفرد رقم اثنين حتي بدأ في التعود علي المدفع وتحريك ماسورته لبيان مدي قوته ودقته وصلاحيته ، فقد كان ينتظر هذه اللحظه بشوق بالغ وتجاوب معه افراد المدفع بكل دقه واعجبوا فيما بينهم بسرعه تحريك خيري لماسورة المدفع وضبط زوايا الضرب علي اهداف وهميه سريعه ، كذلك كان خيري يحتاج الي ان يتعرف علي موقع مدفعه وسط بقيه المدافع لكي يعرف الزويا الحرجه والاتجاهات التي يجتاج ان يركز عليها اكثر .

وبعد حوالي نصف ساعه من التدريب السريع أحس بالاطمئنان الي مدفعه فأنصرف تجاه المدفع رقم سته تاركا عبد الحميد مكانه .

وعلي المدفع رقم سته دار حوار قصير بين خيري وبين طاقم المدفع حول صلاحيه المدفع ووجد ان ماسورة المدفع لا تتحرك يمينا او يسارا كما قال القائد ، وكان ذلك يعني بالنسبه للموقع ان هناك ثغرة في السماء يمكن للطيران الاسرائيلي ان يخترق منها ولا يمكن للمدفع ان يغلقها مما يعرض بقيه الموقع للخطر ، واسقط في يد خيري  فهذه بدايه غير مبشرة علي الاطلاق ، ووجد خيري الحل سريعا في عقله ، في نفس الوقت كان الشاويش عباس يقف بجوار احد الخنادق يرتشف كوبا من الشاي ويتحدث مع احد الجنود ، فاسرع اليه خيري طالبا منه الاذن بمغادرة موقعه الي حيث يرقد المدفعين المدمرين ، تلكأ الشوايش عباس في اعطاء الامر وظهر تردده واضحا ، مما جعل خيري يطلب منه اخذ الاذن من القائد بنفسه ، فوافق الشوايش علي الفور وظهر لخيري ان الرجل الصارم ذو الصوت الاجش يخشي اعطاء موافقه بدون علم القائد رغم انها من صلاحياته المباشرة ، وعلي الفور دار اتصال بين القائد وبين الشاويش عباس ، ووافق القائد وارسل مع خيري اثنين من جنود الصيانه لمرافقه خيري .

ووسط دهشه زملائه علي المدفع رقم سبعه مما يحدث هرول خيري تجاه الجانب الاخر من الجزيرة

وصل خيري الي حيث يرقد ما كان يقال عنهم من قبل مدافع ، فوجد كومه من الحديد المنصهر والمختلط بزيوت الحركه،

 لم يكن لاي فرد يري تلك القطع المعدنيه المنصهرة ان يتوقع انها كانت فيما مضي مدافع تطلق نيرانها بشده وقسوة تجاه طائرات العدو ، لا يستطيع احد ان يعقل ان هذا المنظر البشع حمل الموت الي طائرات العدو ، وفي لحظه من الزمان تمكنت منه طائرات العدو واسكتته الي الابد .

وجد ان احد المدافع قد تدمر به كل ما يمكن استخدامه كقطع غيار اما المدفع الاخر فبه ما يمكن استخدامه ، فبدأ خيري فك ما يمكن فكه من الحديد المنصهر وبعد نصف ساعه وجد خيري نفسه وسط كميه من قطع الغيار المختلفه التي تعتبر كنزا للموقع في مثل هذا الوقت الحرج وقله الامدادات

كانت عقارب ساعته تشير الي السابعه صباحا عندما هرول عائدا الي المدفع رقم سته يحمل مجموعه كامله من التروس الصالحه ومن خلفه احد جنود الصيانه يحاول اللحاق به بينما انشغل جندي الصيانه الاخر بحمل باقي قطع الغيار الي المخزن تحت الارض ، وبينما وقف القائد اسفل برج الملاحظه يتابع ما يجري علي فترات ، فأن طاقم مدفعه بدأ في تشجيعه عندما أستنتجوا  ما يحدث .

خلع خيري عده القتال ووضع سلاحه جانبا وبدأ في فك اجزاء المدفع رقم سته واختفي تحته وبجوارة جندي الصيانه يناوله الادوات ، وسرعان ما تمكن خيري من فك علبه التروس والتي ظهرت مهشمه تماما بفعل شظيه من احد قنابل العدو

 

 مازالت الشمس تصعد في السماء ، وعقارب الساعه تتحرك وخيري يعمل بسرعه البرق لتركيب التروس الجديده ، فلو هاجم العدو الان لكان وضعه لا يحسد عليه .

ومع دقات الثامنه صباحا كان خيري قد انتهي من تركيب التروس وبدأ في تجربتها وتحرك المدفع في سهوله ويسر وسط فرحه افراده وتشجيع طاقم المدفع رقم سبعه ، ومن بعيد كانت عيني القائد تلمع في سعاده واسر بعده كلمات في اذن النقيب مصطفي الواقف بجوارة فأومأ الاخير موافقا علي ماقاله القائد .

عاد خيري الي مدفعه وانفاسه تكاد تتقطع من فرط المجهود الذي بذله طوال ساعه كامله ، وفور امتطائه المدفع أخبر شديد بأن يبلغ القائد بأن المدفع رقم سته جاهز للاشتباك الكامل مع العدو ، فهو لم يلاحظ ان القائد يتابع كل ما يدور من مركز قيادته الخارجي تحت برج الملاحظه .

مرت فترة من الزمن وخيري شلمخ علي مدفعه ، يتابع بنظراته المعظمه سماء الموقع والافق البعيد مثله مثل اي حكمدار اخر ، فالعدو من الممكن ان يهاجم من اي اتجاه  وفي اي وقت .

دق جرس الانذار فجأه ودوي صوته في انحاء الجزيرة ، وعلي الفور وبسرعه رهيبه ظهر جنوب المشاه في الخنادق وخرجت رشاشات ثقيله لتوضع في اماكنها ، واعتلي الرائد منعم مكانه في القياده بينما بدأ جنود المدفعيه في مسح السماء بحثا عن اهداف .

مسح خيري السماء فلم يجد الا طائرة تطير علي ارتفاع شاهق جدا مخلفه ورائها ذيلا من العادم الابيض ، كان واضحا انها طائرة استطلاع تستطلع قواتنا علي الجبهه ، ولا يمكن لمدي مدفعه ان يصل الي منتصف ارتفاع تلك الطائرة .

احس خيري بالغضب والحنق يملئ كل جوارحه ، فها هي اول طائرة اسرائيليه يراها ، ومدفعه عاجز ان يصل اليها ويحرقها حرقا ، تمني لو مد يده لتلك الطائرة وعصرها بأصابعه التي تعتصر مقود التوجيه ، ان الالم الذي يحس به في اصابعه الان من فرط قوة قبضته علي مقود التوجيه ، ما هو الا نتاج البركان الداخلي الذي يملئ كل جوارحه .

صاح وحيد ساخرا (( هما كده يا خيري يا خويا ، كل يومين يبعتوا طيارة استطلاع ، تمسح الجبهه من الجنوب للشمال ، ولاد الكلب خايفين نكون دخلنا صواريخ للجبهه وعايزين يكونوا عاملين حساب كل حاجه  ))

رد بولس ((  الطيارة دي هترجع ويشوفوا الصور ويطمنوا  وبعدين يبدأوا الضرب فينا زي كل يوم ))

تدخل عبد الحميد في الحوار (( يعني هما خايفين من ايه ؟ هييجوا ويطحنوا فينا زي كل يوم واحنا نطحن فيهم ))

تساءل خيري عن اصابات طائرات العدو في الغارات الاخيرة ، فرد عبد الحميد (( بقالنا كام يوم مش عارفين نضرب لهم اي طيارة ، كلها اصابات بس ، امبارح مدفع حسين اصاب لهم طيارة ودخنت علي طول بس الطيار كمل بيها ورجع علي طول))  فتدخل شديد (( يارب يكون مات ومقدرش يوصل بيها للمطار ، ربنا يلعنهم ))

احس خيري بالبروده تسري في اوصاله بسرعه ، فالحديث عن الحرب مختلف في الموقع عن الحديث في معسكر التدريب

ففي معسكر التدريب كان الحديث مرسلا اما الان فهو واقع امامه ورغم البركان الكامن داخله في قوة الا ان البروده سرت في اصاله تدريجيا حتي وصلت لاطراف اصابعه التي تجمدت علي مقود التوجيه واحس بقدميه تتجمد ايضا علي بدال الضرب .

لاحظ الرجال حوله حالته وتغامزوا فيما بينهم فهو جندي مستجد وهو امر طبيعي له في اول قتال ، لكن علقه كان يعمل بلا هواده ، طلب منهم ان يعيدوا التأكد من جاهزيه المدفع لكي يحرك اطرافه ، وفي عقله كان يعاتب نفسه بشده ، ايعقل ان تتجمد اطرافه ويحس بذلك الخوف الكامن من الموت ، فماذا يفعل اذن لو كان خائفا ؟؟ اليس هو من اراد الانتقام ؟؟؟ ،

إن الانتقام لابد له من قلب قوي لا يعرف الخوف او الرحمه  قلب ميت من الحواس ، وها هي الفرصه لاخراج البركان ولابد من استغلالها جيدا ،وردد مرة اخري(( وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس باي ارض تموت )) ، ومع هدير محركات عقله بأيجابيه تامه وثقه ، عاد الدفئ مرة اخري الي اوصاله وعاد تركيزة مرة اخري الي عينيه متطلعا باحثا مدققا منتظرا طائرات العدو .

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech