Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

روايه ثمن الحريه الجزء الثاني

قصة محارب صغير حقق نصراً كبيراً

تأليف: أحمد العباسي

 

 

 

إهداء..

إلى ذلك البطل الذى صنع المعجزات رغم صغر سنّه؛ وحقق وحده ما ظنّ العدو أنّه من صنع كتائب الصاعقة المصرية، ووصل بإيمانه وذكائه إلى قلب مواقع العدو ليفجرها تحت سمعه وبصره ... ذلك البطل الذى لم يبخل على الوطن حتى بعينيه.

 

الجزء الثاني 

الردّ

 فكّر الشيخ عبدالرزاق أن يُخفي عن ابنه مُحمّد خبر وفاة أخيه؛ حتي لا يؤثر عليه في علاجه او يُبطئ من تماثله للشفاء والتئام جروحه، لكن الغريب أنّ مُحمّد رغم بكاء عينيه كان مبتسمًا، فُدهش الأب لذلك، فقال له مُحمّد:- "لقد أخبرت سليم كثيرًا أنّني سأسبقه إلي الجنة، فكان دائماً يضحك ويقول أنّ العيد الصغير يأتي قبل العيد الكبير، وبالتالي سأدخل الجنة قبلك" ابتسم الأب وقلبه يبكي، ثم مسح بيده وجه ابنه وهو يحمد الله على تنافس أولاده علي مثل هذا الشرف العظيم. صمت مُحمّد للحظات قبل أنّ يتحدث بصوت يملأه الإيمان والأمل معاً:-" أتعرف يا أبي، لقد وضعت ثلاث ألغام مضادة للأفراد تحت المقاعد في محطة الحافلات، لكن ما رأيته من دمار في المحطة يحتاج لعشرات الألغام، أتعرف ما يعنيه هذا يا أبي؟"

 لم ينتظر مُحمّد الرد لكنّه أجاب بنفسه: "إنّّني استشعر دائماً، أنّ الله معنا"

"وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى " صدق الله العظيم.. قالها الأب بإيمان خالص وفهم لكل لفظ في الآية .... ابتسم الاثنان معاً، ثم قبّل الشيخ عبدالرزاق جبين ابنه، قبل أن ينهض، ليتركه يستريح.

 علي عكس ما توقع الوالد، كان مُحمّد يهرول في اتجاه الشفاء، وكأنّه يسابق الزمن حتي يقف علي قدميه من جديد، كان يتناول طعامه كاملاً علي عكس عادته، وحريص علي شرب لبن الإبل، رغم عدم حرصه علي تناوله من قبل، بل ويطلب تحليته بالعسل، حتى الأعشاب المُرّة للغاية كان يتناولها وكأنها قطع حلوى.

سألته أمه بدهشة عن ذلك فأخبرها أنّ ذلك ينبع من رغبته الشديدة في الشفاء، وذلك ليُعاود هجماته علي الأعداء، اهتز قلب الأم للحظة، لكنها عادت لتُذكر نفسها أنّ الأعمار بيد الله، وأنّ جهاد ابنها لتحرير وطنه أكبر من أي شيء؛ لذا لم تنطق بكلمة وإنّما قبّلت رأس ابنها وهي تنهض، لكن العجيب أنّ مُحمّد لم ينتظر حتي يُتم الله شفاءه، وإنّما بدأ في التحرك مبكراً، فطلب من والده معلومات عن مخزن الذخيرة الضخم في قلب سيناء، وبالفعل قام الأب بجمع المعلومات بمهارة شديدة، وكأنه جندي استطلاع متمرس ثم وضع المعلومات بين يدي ابنه، كان الأمر غاية في الصعوبة؛ فنقاط التفتيش بالعشرات حول المستودع، وحتى إن نجح في اختراقها، فسور المستودع يتخطي الخمسة عشر مترًا، بينما يبلغ سُمكها أكثر من خمسة أمتار ولا يظهر من المخزن سوى مترًا واحدًا فوق الأرض بغرض التهوية، أمّا فتحات التهوية فهي لاتتجاوز العشرون سنتيمتر، ومغطاة بالحديد. استوقفت هذه المعلومة مُحمّد، فظل يسأل والده عنها، فأخبره أنّها مخصصة في الغالب لتجديد الهواء حتي لا تنفجر الذخيرة بفعل الحرارة، لكن سُمك السور وضيق فتحة التهوية يجعل من المستحيل لأحد الدخول عبرها.

ابتسم مُحمّد وهو يسأل أباه مداعباً:- "حتي ولو فأر؟"

 فكّر الأب للحظات دون أن يهديه تفكيره لمغزي سؤال ابنه، فاستطرد الأخير موضحاً" لو استطعت الوصول إلي فتحة التهوية، فسأتمكن من تدمير مستودع الذخيرة؛ وذلك عن طريق إدخال فأر صغير يجر في ذيله كرة نار"

 أكمل الأب بجدية:-"فزع الفأر من النار في ذيله، سيجعله ينطلق إلي داخل المستودع، وبالتالي... بوووم

 رد مُحمّد: "هذا بالظبط ما أعنيه يا أبي"

 ابتسم الاب لحظة، ثم طرح سؤالاً هامًا:-"كيف ستصل إلي فتحة التهوية؟ وكيف ستنصرف قبل أنّ ينفجر المستودع؟"

 في صباح اليوم التالي عاد الشيخ عبدالرزاق إلي الدار حاملاً شيئين لمُحمّد: الأول كان يربوعًا -وهو يشبه الفأر الي حد كبير- لكنه يتميز عنه بصغر الحجم والقوة النسبية، وهو ما أسعد مُحمّدا للغاية.

أما الشئ الثاني فكان عبارة عن حل لمشكلة دخوله وخروجه من منطقة المستودع، فهناك كهف غير بعيد عن المُستودع يستطيع النزول منه دون أن يراه أحد، ثم يعود إليه ليكون في أمان لحين حدوث الانفجارات العنيفة المتوقعة بعد اشتعال الذخيرة، ثم يغادر الكهف مستغلاً الهرج الذي يحدث عقب العملية، وقبل أن تخمد النيران تماماً يدور حول الجبل، حيث سيكون أبوه في انّتظاره بالجمل في الجهة الأخري.

 وافق مُحمّد علي الخطه لكنّه أدخل تعديلاً بسيطًا فقام هو بربط الجمل في هذه المنطقة دون وجود أبيه حتي لا تفقدهما الام معاً اذا حدث شئ -لا قدر الله- وأمام اصراره وافق أبوه

كان الانفجار رهيبًا هزّ سيناء كلها، وأضاء ليلها حتي أنّ جنود المراقبة علي الضفة الغربية رصدوه، وبعد دقائق كان الجمل يعدو حاملاً مُحمّد الذي كان يضحك مردداً:- "الحمد لله .... هذا ابسط رد علي اغتيالكم أخي".

الفخ

 كان رجال جهاز الاستخبارات الإسرائيلي "الموساد" علي حافه الجنون؛ فالعمليات في عمق سيناء لا تتوقف، ولا وجود لأي أثر لجنود مصريين أو رجال صاعقة، ولا أثر لصواريخ أو رصد لطلعات طيران، كيف إذاً تتم هذه العمليات، لا يوجد مبرر واضح لهذا التحول الشديد في تكتيكات الجيش المصري، الذي سقط منذ فترة في بئر الهزيمة.

 وزاد من حنق الموساد ذلك التقرير عن المستودع الذي تم تدميره، فلقد كان مُحصنًا فوق العادة، لا تؤثر فيه ضربات الطيران أو الصواريخ، ولا يمكن اختراق تحصيناته سوي بقنبلة ذرية كما أكّد المهندسون الذين أشرفوا على بنائه.

 لم يشف غليل الأعداء ما يفعلوه عقب كل عملية، من غارات على أهداف مدنية وقتل عشرات الأطفال والنساء في منازلهم، بل ومدارسهم أيضاً.

بعد نقاش طويل احتد فيه الكثير من القادة والعملاء علي بعضهم البعض، توصلّوا إلي خطة، كانت بمثابة فخ للإيقاع بمن يقومون بهذه العمليات، كانت الخُطة أن يُظهروا بعض التراخي من الحرّاس حول مستودع ذخيرة آخر قريب، وقد ظنّوا أنّه قد يكون الهدف التالي للمصريين، وبينما الحرّاس قليلون ومُتراخون سيكون هناك علي مبانّ قريبة قنّاصة يترقبون أي حركة غريبة.

 نصح الشيخ عبدالرازق ابنه بعدم القيام بعمليات أُخري في وقت قريب، ذلك أنّ جنود العدو اصبحوا كالمجانين يطلقون النار حتي علي ظلهم، استمع مُحمّد لنصيحة والده، لكن ما لبث أنّ أغراه مستودع الذخيرة الضخم الذي لا يحرسه سوي جنود قلائل، كما أنّ قربه من إحدي القري يجعل من السهل عليه الإختباء داخل القرية، ففي سيناء الجميع أقارب.

 درس مُحمّد الوضع جيداً وتأكد من قلة الحرّاس ومن تراخيهم، فقرر الاقتراب من سور المستودع بجمله وكأنه يلهو، وأن يفعل ذلك في وضح النهار، مستغلاً حرارة الشمس المرتفعة، كانت فكرة مُحمّد ذكية فاقترابه من السور في وضح النهار لم يُثر شك الحرّاس أو القناصة، ووقف مُحمّد بجوار السور كأنّه يقضي حاجته، ثم أخرج اليربوع من طيات ملابسه، وربط فيه كرة القماش المبلل بالبنزين، وهمّ بإشعالها فلمحه القناص وشاهد الكبريت في يده ، فأطلق النار علي الفور علي فخده، في محاوله منه للأمساك به، وانطلق القنّاص بلهفة من عثر علي غنيمة سهلة، فنزل من المبني الذي كان يجلس فوقه تاركاً كل شئ، وهو يُمنّي نفسه الإمساك بهذا الصبي وما سيفعله معه حتي يتمكنوا من التعرّف علي من يقفون وراءه والقبض عليهم، ليُنهوا بذلك مسلسل الخسائر الرهيبه التي يتكبدوها.

 وقف القنّاص مندهشاً عاجزاً عن الكلام .. أين ذهب هذا الصبي؟ .... لقد ظن أنّه غنيمة سهلة حتي أنّه لم يستدعِ زملاءه بجهاز اللاسلكي، فقد أراد أن يقبض عليه وحده؛ لينال التكريم والأوسمة وحده.

 أدرك مُحمّد الفخ الذي وقع فيه، وشاهد بعينيه رصاصة القنّاص بطولها المعروف تخرج من الجهة الاخرى لفخذه، فأدرك أنّه سقط في كمين أُعدّ بدهاء، لكنه لم يرغب بأن تكون هذه النهاية، فأمسك بلجام الجمل، لكن قواه بدأت تخور بفعل دمه النازف، فتشبث بالحياة، وبالحبل المربوط علي بطن الجمل ثم وكزه، ليغدو به مسرعاً ومبتعداً، ولكن قواه خارت تماماً، ولم يستطع الإمساك بالحبل أكثر من ذلك،ففتح يده رغماً عنه، ليسقط عند أطراف القرية ويشعر بحرارة الرمال، وحرارة الجرح معاً.

انطلق الجندي إلي السيارة كالمجنون ليبحث عن هذا الصبي الجريح .... بالتأكيد لم يبتعد كثيراً كما أنّ آثار دمائه تدل علي مكانه.

أغمض مُحمّد عينيه وهو يناجى ربه أنّ ينقذه، وإذ بسيدة عجوز تمر بالقرب منه بحمارها، فمالت على مُحمّد لتساعده، لكنه رفض؛ فقد خشى أنّ تتسبب مساعدته له فى إلحاق الأذى بها، فهؤلاء الأوغاد لن يردعهم كونها آمرأة أوعجوز .. لكن المرأه صممت، وأصرّت على حمله إلى البيت لينال الرعاية، فإّنها إن تركته سيموت إن لم يكن بسبب جرحه، فسيكون بيد جنود الأعداء الذين سيبحثون عنه فى كل مكان.

رضخ مُحمّد أمام إصرار السيدة، ونهض بمساعدتها ليتمدد على ظهر الحمار، الذى أسرع الخُطى نحو بيت العجوز، وكأنه يعلم خطورة الامر، وما هى إلا دقائق حتى استقر مُحمّد على أريكة مريحة داخل دار العجوز، واحاط به أبناؤها، فمنهم من ربط جرحه، ومنهم من حاول إطعامه. وصل القناص إلى أطراف القرية ليجد بقعة كبيرة من الدماء انتهى بعدها أى أثر للصبى .. فعضّ على أصابعه وهو حائر ماذا يفعل وكيف يتصرف؟ ثم قرّر أن يُخبر قائده بما حدث، فرغبته فى الإيقاع بالصبى غلبت على خوفه من العقاب على تركه يهرب وعدم إبلاغ زملائه.

اشترط مُحمّد على العجوز شيئًا لكى يظل فى بيتهم، لقد طلب منها قبل كل شئ أن تُحضر كل ما لديها من "الشطة" والفلفل الاسمر، ثم تنطلق إلى المكان الذى عثرت فيه عليه، وتنشر"الشطة" فيه، ثم تبدأ فى السير تجاه بيتها وهى تنثر الشطة على الرمال وأيضاً الفلفل الأسمر، فوافقت السيدة، وعلى الفور انطلقت لتنفيذ المهمة.

 دقائق فقط تلك التى فصلت بين مغادرة السيدة للمكان وقدوم فرقة من جيش الأعداء، معهم مجموعة من الكلاب المدربة على اقتفاء الأثر، كانت الفرقة قد أطلقتهم بعد أن قاموا بشم رائحة دم الصبى عند السور، ثم تتبعت أثره لهذا المكان، لكن ما أن وصلوا وبدأوا فى الشم حتى زكمت أنُوفهم رائحه الشطة والفلفل الأسمر، فأخذت الكلاب فى العطاس وعجزت عن مواصلة الشم أو تتبع الأثر بل نفرت من المكان كله، وأرادت المغادرة وسط دهشة الفرقه وعدم قدرتها على تفسير الأمر.

ذكريات

تمدد مُحمّد بجسده النحيل على سرير من الخوص فى بيت السيدة العجوز، وحوله ابناؤها ينظرون إليه نظرة تطرح ألف سؤال .. كيف لصبيّ فى الرابعة عشر من عمره أن يفعل بالجيش الإسرئيلى كل هذه الأفاعيل؟ .. كيف لفتى صغير مثل مُحمّد أن يُحارب وحده الجيش الذى ادّعى أنّه لا يقهر؟ كيف لمن غادر بالكاد مرحلة الطفولة أن يُكبّد جيشًا بهذا الحجم كل هذه الخسائر؟ إنّ ملامحه عادية، لا يكاد يوجد فى وجهه ما يميزه عن أقرانه .. عيناه لا تنطقان بالذكاء كما توقعّوا. عضلاته لم تكن مفتولة وكتفاه لا يدلاّن على أنّ صاحبهما فارس ومحارب فريد.. لكن ما كان واضحاً للجميع ذلك الإصرار الشديد فى ملامحه، والذى تؤكده شفتاه المذمومتان دائماً، وحاجباه المعقودان رغم ابتسامته! ظلّ أبناء السيدة العجوز حول مُحمّد طوال اليوم، وتطوّع أحدهم بالخروج لإخبار أبيه بمكانه وطمئنته عليه .. ظل الجميع حوله يطعمونه ويهدهدونه إلى أن نام.

لم يدر كم من الوقت نام، بل إنّ استغراقه الشديد جعله يشعر للحظات أنّه نام لعدة أيام، كان الجو مظلمًا للغاية ورائحه الشواء تملأ المكان، تلك الرائحه المُحببة إلى النفس والتى ما تلبث أنّ تُحرك وحي الجوع وتُسيل اللعاب.

جوعه الشديد هذا أشعره أنّه نام أيامًا عديدة .. لكن الخبر اليقين سيعرفه الآنّ فلقد دخل عليه أحد الأبناء حاملاً صينية كبيرة عليها قطعة كبيرة من اللحم عليها توابل يعرفها محمد جيداً، فقد كانت والدته تجلب هذه الاعشاب البرية صانعةً منها توابل هى فى الحقيقة أقرب إلى الدواء.

 تناول مُحمّد الطعام مستمتعاً بروعة وبخبرة من طهاه .. لكنّه كان مستمتعاً كذلك بتلك الذكريات التى تقصّها عليه هذه الرائحة .. كانت تحكى له عن بيتهم المميز وسط القرية الهادئة، وكيف أنّ والده صممّ على بنائه كاملاً بالأحجار دون الطوب اللبن، وكيف صممّ نظام البيت من الداخل على طراز أثرياء غزة .. لقد ظل بيتهم الجديد موضع حديث قريتهم بأكملها، وحديث العرب والمدن المحيطة حتى أنّ هذا الحديث وصل إلى عمه فى العريش .. كم كان والده يشعر بالخير فى كل اركان البيت، وخاصةً حينما تفجّر ذلك البئر وحده فى حديقة الدار، وبعدها بأيام قليلة انجبت ناقتهم قاعودين صغيرين دفعة واحده وهو شئ نادر، لقد كان كل شئ فى الدار يُوحى بأيام رائعة قادمة يملأها الخير ويفيض، لقد سكن الحمام ذلك البرج -الذى شاركه أخيه  سليم فى بنائه فوق الدار- قبل اكتمال بنائه .. قال يومها أنّها بركة أمه التى وضعت حجر الأساس أو فضل أبيه الذى جلب الأحجار الملونة من أعلى الجبل الذى يحتضن قريتهم .. المهم أنّه كان فألاً حسناً أنّ يسكن الحمام مكان قبل أنّ يكتمل.

صوته الدافئ عطّر الغرفة، إنّه والده دخل لتوه ليطمئن عليه، يبدو أنّ الرسول الذى أرسله إليه لم ينجح فى بث الطمائنينة الى قلبه، فجاء بنفسه ليفعل.

احتضن الشيخ عبدالرازق مُحمّد بكل رفق رغم قوة ضمته له، يبدو أنّ كل هذه السنوات لم تنجح فى التأثير فى أعصاب أبيه القوية .. شعر مُحمّد للحظة أنّ تلك الذكريات التى دارت بخلده كانت بمثابة استدعاء منه لأبيه، فهو رغم صموده وصلابته بل وحروبه مع العدو لايزال صبيًا يتطلع لدعم والده وينظر إليه وكأنه سر قوته .. ابتعد الشيخ عن ولده وهو يفحصه بلهفة وعيناه تسأل عن حاله وصحته، تحسس مُحمّد مكان الجرح وكأنه يرشد عيني والده لمكانه، فاقترب هذا الأخير ليفحص الجرح بيدى خبير، ثم ابتسم ابتسامة اعادت الطمئنينة إلى قلبه اكثر واكثر:

-         الحمد لله يا بنى، يبدو أنّ جرحك لن يطول.

-         الحمد لله، أتمنى أن يلتئم جرح الوطن قبل جرحى.

-         شفاء جرحك سيساعد -بأذن الله- فى شفاء جرح الوطن.

-         اتمنى أنّ أقدم شيئًا بحق.

-         وهل تقديم حياتك قليل.

ابتسم مُحمّد واحتضن والده وبدأ بذرف دموع أعادته لحجمه، فقد كانت السيدة وأولادها يرونه عملاقًا، فهو منذ دخوله لم يبك رغم كل آلامه، ليس هذا فقط لكنّه أيضاً لم يتأوه، ربما اختزن كل هذه المشاعر ليُلقى بها جميعاً على صدر أبيه.

 

الكتيبة

رغم أنّ الأيام التى قضاها مُحمّد فى بيت السيده العجوز قليلة، إلا أنّ علاقته بأبنائها أصبحت وطيدة لدرجة حرّكت بداخلهم روح البطولة، وأصبحوا يسألون أنفُسهم: لماذا لم يقدموا لبلادهم ربع ما قدّم هذا الفتى الذى يصغرهم سناً؟ لماذا لم يتحركوا ليدافعوا عنها ورضوا بذل الاحتلال؟ أيكفى أن يمتنعوا عن معاملة المحتل، فلا يبيعوا لهم شيئًا أو يأخذوا منهم شيئًا؟! لقد دار هذا الحوار بداخل كل واحد فيهم، إلى أنّ صرح به أصغرهم فى أحد الليالى الباردة والمطر يهطل فى الخارج .. لقد سأل نفسه بصوت مرتفع: "لو أنّنى عثرت عليك وأنّت جريح هل كنت سأفعل ما فعلته أمى؟"

مرت لحظات صمت بدت طويلة .. لكن صوت مُحمّد بددها بضحكته الهادئة، ثم أخذ نفساً عميقًا ليقول ودون تردد: " نعم بالتأكيد" ثم استطرد ليجيب عن سؤال آخر طرحته أعين الجميع" لقد كان أى منكم سيتصرف بنفس الطريقة، فهذه الأم الطيبة أرضعتكم جميعاً حب الوطن مع لبن الرضاعة، ثم منحتكم الشجاعة التى تملكها يوماً بعد يوم، والدليل على ذلك تلك الحفاوة التى تعاملوننى بها، فلم يتذمر أحد منكم رغم ما أمثله من خطر عليكم، فكلكم يعرف أنّ الأعداء يبحثون عنى فى كل مكان، وأنّ عثورهم عليّ داخل بيتكم كفيل بأنّ يُوصلكم جميعاً – لاقدر الله – إلى السجن ومع ذلك أنتم تتسابقون على خدمتى وترغبون فى حمل آلامى عنى"

ابتسم أكبر الأخوة بخجل قبل أن يربت على كتف مُحمّد شاكراً ردّه الذى رفع عنهم جميعاً الحرج، لكنه قال أنّ هذا لا يغير من الحقيقة شيئًا، فهم بالفعل لم يواجهوا جنود الأعداء يوماً"، ثم فجأة أضاءت له فكرة وجد فيها ضالته، لقد رأى أنّ الحل الأمثل هو تشكيله مع أخوته فرقة صغيرة تصبح تحت قيادة مُحمّد للقيام بعمليات فدائية.

فكر مُحمّد للحظات قبل أنّ يبتسم وهو يضغط على كفه معلناً موافقته، فتهللت وجوه الاخوة وكبّروا فرحاً، ثم علا صوت الام تحمد الله أنّ حبب أبناءها فى قتال العدو والجهاد فى سبيله.

 

 

القنابل الصفراء

قبض مُحمّد على مسدسه الموضوع تحت الوسادة بحركة تلقائية حينما سمع صوت اقدام تأتي نحو باب الغرفة التى يرقد فيها،( ذلك المسدس الذى منحه والده أياه فى نهاية زيارته الأخيرة، لقد فهم مُحمّد الرسالة جيداً .. لقد أوصاه والده بهذا المسدس ألا يستسلم للأعداء إذا عرفوا طريقه، وأن يُسقط بعضاً منهم قبل أنّ يصلوا إليه) .. لكنه ما لبث أنّ ترك المسدس حينما رأى ابتسامة على وجه الأبن الأكبر وقد دخل الغرفة، وهناك أمر خطر يطل من عينيه سرعان ما نّطق به لسانّه .. كان الابن يتحدث عن صيد سهل من جنود الأعداء يتمثل فى عدد من الجنود سيأتون إلى مزرعة قريبة لتسلّم شحنة من البرتقال، استمع مُحمّد للإبن وهو يشرح كيف سيمّر هؤلاء الجنود بمناطق جبلية، يسهل اصطيادهم فيها وقتلهم جميعًا، اعتدل محمد وهو يفكر بعد أن توّقف الابن فى انتظار الرّد لكن مُحمّد أطال الصمت فاستطرد الابن .. "لا تقلق يا مُحمّد لن أطلب منك المشاركة وأنت جريح .. ولن أُعرّض أخوتى للخطر"

-         لست قلقاً لكننى أدرس ما قلت.

-         العملية سهلة.

-         لا ليست كذلك.

-         لماذا ؟!

-         أولاً شعورك بسهولة العملية سبب كاف لفشلها، ثانياً لقد اعتمدت على تخمينات قد تكون جميعها خاطئة

-         كيف ؟!

-         لقد افترضت أنّ عدد الجنود الذين سيأتون لتسلّم البرتقال قليل وقد يكون غير ذلك، ثم أنّك افترضت مرورهم فى طريق معين وقد يغيروه، بالإضافة إلى إهمال احتمالات مثل وجود طائرة تحميهم من الجو.

صمت الابن وهو يحاول من وقت لأخر أن يبلع ريقه، لعله يُرطّب حلقه الذي يزداد جفافه، ثم ابتسم بتسامة حزينة وهو يتمتم: "إذاً لم يأن الآوان بعد "

"لا .. لقد آن الآوان" .. قالها مُحمّد بحماس من شُفيّ تماماً من جميع جروحه، فنظر إليه الابن وقد تضاعفت دهشته، وقبل أن يستفسر منحه مُحمّد الإجابة: "سنقوم بالعملية ونقتل أضعاف أضعاف من سيأتون لاستلام البرتقال" قفز السؤال عن الطريقة من بين شفتى الابن الأكبر، لتُجيبه نظرة ذكاء حاد من عينى مُحمّد تمنحه الثقة وتُعيد إليه الهدوء.

امسك مُحمّد برتقالة قريبة منه وهو يبتسم، ثم قذفها فى الهواء ليلتقطها الابن مع كلمات مُحمّد الرنانّّة:

  - سنُحوّل هذه الفاكهة اللذيذة إلى قنابل تُبيد الأعداء

-         كيف؟ هل تريد وضع ألغام أو قنابل داخل الأقفاص؟ إنّهم يقومون بتفتيش دقيق لكل قفص.

-         أعرف ذلك، لكننا سنستخدم ميزة البرتقال الرائعة ، وهى أنّ له قشرة تحفظه -وسنجعل هذه القشرة أيضاً تحفظه من التفتيش- سنحقن البرتقال بالسم، ونجعلهم يقتلون أنفُسهم بأيديهم

قفز الابن من مكانه ليحتصن مُحمّد صارخاً: " يالك من عبقرى .. يالك من عبقرى"

قبل الغروب

يعلم كل من عاش فى الصحراء أنّ كثيراً من العقارب تتحرك فى الليل بحثاً عن فرائسها، أما النهار فتقضيه تحت الاحجار والصخور هرباً من الشمس وعيون أعدائها، لذا كان على الأخوة التحرك فى أسرع وقت لجمع أكبر كمّ من الثعابين والعقارب قبل الغروب، حتى لا تصبح مهمتهم أكثر صعوبة فى الظلام مع تحرك هذه الكائنات السامة.

شارك الجميع -حتى الأم- فى جمع الثعابين والعقارب، وبلغ حماس الأخ الاكبر ذروته حيث امسك "بطريشة" وهى نوع من الثعابين غاية فى السمية حتى أنّها تستطيع قتل جمل ضخم خلال ثلاث دقائق، وهى تملك كمية كبيرة من السم رغم صغر حجمها، ويزيد شكلها رعباً تلك القرون على رأسها ما يجعلها اشبه بحيوان اسطورى.

كانت الأم العجوز آخر من حضر، وكانت تحمل حقيبة قماشية كبيرة، وضعت بجوارها كوبًا زجاجيًا قدمته لمُحمّد الذى تناوله بابتسامة ثم قال: "لو أنّنا ملأنا نصفه فقط لقتلنا أغلب الكتيبة"

 "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى" قالتها الأم بإيمان فأثلجت الآية قلب الجميع، لكن وقعها كان أشد علي مُحمّد الذي كثيراً ما سمعها من والده عقب عمليات ناجحة فاعتبر هذه إشارة بالتوفيق وأخبرهم بذلك.

 مدّت الأم يديها وبطريقة بدوية شهيرة أمسكت بأحد الثعابين؛ لتجبره على فتح فمه، ثم إفراغ سمه داخل الكوب الزجاجى الذى أمسك به مُحمّد بحرص، وعلى الفور نفّذ جميع الأبناء الطريقة نفسها ليمتلئ الكوب فى دقائق، وتبدأ مرحلة جديدة من العملية إذ ذهب أحد الابناء إلى ساحة الدار ليحضر محقنًا معدنيًا كان قد جلبه من بيت عمه ثم ملأه بالسم، وانطلقوا نحو مخزن البرتقال الموجود داخل المزرعة وهناك طلب منهم محمد كسر القفل، فرفض الأخوة في البداية، لكن مُحمّد اصر على طلبه فنفذّه الأخ الأكبر .. وفى الداخل وأثناء حقنهم البرتقال بالسم، شرح لهم مُحمّد وجهه نظره، وهى أنّ الاعداء حينما يكتشفون أنّ البرتقال مسمم سيقبضون على صاحب المزرعة وهنا قاطع احدهم مُحمّد قائلا: "ممتاز حتى يتعلم ألا يبيع شيئًا للأعداء"

رد مُحمّد بهدوء "بالتاكيد سيتعلم الدرس، لكن الاسرئليين كعادتهم سيجرون تحريًا وتحقيقًا، فإذا وجدوا القفل مكسور فسيكتفون بسجنه لإهماله، أما إذا وجدوه سليم فسيقتلوه، لأنّهم سيظنون أنّه من فعل ذلك .. وبالتأكيد نحن نتمنى أنّ يتلقى درسًا فقط، لا أنّ يفقد حياته".

وهنا تنهد الاخ الأكبر وهو يقول "يالك من انسان. لا تريد أن تقتل مصريًا حتى وإن تعاون مع الأعداء"

 رد مُحمّد " لعله يعود لرشده"

مر الوقت سريعاً وبزغ الفجر فاضطر الاخوه إلى التوقف، وقاموا بتوزيع البرتقال المسمم على جميع الأقفاص ثم انّطلقوا قبل موعد مرور الدوريات، حتى يتمكنوا من إيصال مُحمّد إلى مكان آمن قبل شروق الشمس ، فلقد قرر العودة لبيته رغم عدم اكتمال شفائه، فالأعداء سيقومون بتفتيش جميع المنازل بطريقة جنونية كما يحدث بعد كل عملية، مما يُشكّل خطرًا على حياته وحياة أهل البيت الذى سيجدوه بداخله.

العودة

لم تصدق الأم عينيها وهى ترى طيف ابنها قادمًا من بعيد، لكن نظرها الثاقب وقلبها الذى لم يخطئ قط، أكدّا أنّه هو، وزاد من تأكيد الأم ذلك الحمام الأبيض الذى حام حوله ورفرف فوق رأسه كما يفعل حينما يُقدّم له الطعام .. هرولت الأم بطريقة لاتتناسب مع سنها نحو ابنها تحضنه بعينها وقلبها ثم اخيراً بيديها، ياااااه إنّه هو ... مررت الأم يديها بعطفها المعهود على وجه ابنها ثم على شعره، وكأنما تستنطق جسده أن يبوح لها بمكان الجرح، إنّها سعيدة سعادتين؛ سعادة أن رأت ابنها يمشى على قدميه أمامها، وسعادة عودته المفاجئة التى سبقت ذلك الموعد الذى ضربه لها بأسبوعين كاملين.

"الحمد لله" .. قالتها أمه بزفرة من صدرها اخرجت معها كل الوساوس والظنون .. ثم قالت

-         ملعون ابليس هذا .. إنّه يسعى لتنغيص حياتنا بافكار سوداء

-         هذا دوره يا امى وهو يؤديه على اكمل وجه

 هبت الأم واقفه كالملسوع من عقرب، ثم قامت بعدها بحركة رشيقة اعتاد عليها مُحمّد اثناء مطاردتها لدواجنها .. ففهم ما يدور ببالها .. استوقفها وهو يبتسم ابتسامة زادت وجهه بهجة

-         يا أمى اطمئنى، لقد كنت عند أهل كرم .. اطعمونى وغذونى مثلك تماماً.

-         اتركنى أذبح لك ديكًا صغيرًا .. لقد كدت أن أطيل الحديث معك، دون أن أُجهز لك ما يضمد جراحك .. نصف ساعة وسأعود لنحكى معاً.

-         مهما فعلت لن استطيع أن أهرب طالما صدر الامر .. لكن أين أبى؟

-         ياآلهى .. لقد نسيت، لقد ذهب منذ الفجر يقصد زيارتك.

-         زيارتى .. يا آلهى .. يارب سلّم.

-         ماذا حدث يابنى؟ هل حدث مكروه .. لا قدر الله؟

-         لا ياأمى لكنّى أخشى على أبى من جنود الاحتلال، فهم كما تعلمين فى كل مكان.

-         اشعر أنّك تخفى شيئًا.. إنّها مشكلتك الأبدية معى .. إنّ عينيك تبوحان لى دائما بما لا يبوح به لسانك.

-         صدقّينى يا أمى .. كل ما فى الأمر ..

 قطعت طرقات الباب حديثهما فانتفض مُحمّد ليفتح .. وما إن فعل حتى بدا الارتياح على وجهه فلقد كان ابوه مبتسماً يُحيط به بعض الحمام ..

جلس مُحمّد مع أبيه يحتسيان الشاى بالقرب من الأم المنشغلة بطهى الدجاج . نظر الأب نظرة طويله إلى ابنه وكانه يريد أن يُشبع عيناه منه، ثم خلع غطرته فإذا بها ملطخة ببعض الدماء، هبّ مُحمّد متسائلاً عن السبب فضحك أبوه مداعباً ..

  - أنت السبب يا سيدي

-         كيف ؟!

-         ما فعلته هذا الصباح

-         أبى أرجوك، وضّح لى ..

-         لقد أوجعت ضربتكم الأعداء لدرجة أنّهم فقدوا السيطرة على أعصابهم، فأخذوا يبطشون بكل من قابلهم.

-         هل نجحت الفكرة ؟!

-         نجاح رهيب ..

-         بهذه السرعة

-         أسرع مما تتصور

-         هل تقصد أنّ الاعداء هم من جرحوا رأسك هكذا ؟

-         نعم .. لكنى لست حزينًا لأنّ هذا دليل على هزيمتهم.

-         احك لى يا أبى ما حدث بالتفصيل.

 

خسائر كبيرة .. وجرح طفيف

وضع مُحمّد لوالدة على الجرح بعضاً من عسل النحل ثم ربطه .. وجلس يستمع لأبيه بلهفة، ابتسم الأب وهو يلمس الجرح، ثم بدأ يحكى وابتسامة عينيه تزداد:- "لقد صليت الفجر ثم انطلقت بسيارة النقل أقصد زيارتك، ومعى بعض الهدايا لمضيفيك، وقفص به بعض الحمام الزاجل بهدف مراسلتك لنا والاطمئنان عليك، وفى الطريق اعتقلتنى قوات العدو بعنف شديد، وأخذونى إلى وحدة الجيش، وهناك قابلت الشاب الذى تُقيم عنده وبعض شباب القرية .. كان الجميع قلقًا إلا الشاب، فأدركت أنّ للأمر صلة بكم وبدأت أقلق إلا أنّه طمئننى بعينيه، وما هى إلا دقائق حتى جاءنا قائد الوحدة بنفسه، وعلى وجهه كل علامات الغضب، ومن خلفه جندى يحمل قفص برتقال وبدأ يتكلم بالعبرية وبدا على الجميع عدم الفهم."

-         لكنك تجيد العبرية يا أبى

-         تظاهرت بأنّى لا افهم ايضاًَ .. وهنا بدأ يتكلم العربية، وطلب منا أنّ نأكل من البرتقال فأبدى الجميع دهشته حتى الجندى الصهيونى نفسه، فتظاهر قائده بالدهاء وتحدث إليه بالعبرية-لكى لا نفهم-" إذا كان أحد هؤلاء هو من سمم البرتقال فسيرفض الأكل منه، أما إذا أكلوا منه فهم ليس لهم صلة بالأمر، الفائدة الثانية أنّنا سنعلم إذا كان البرتقال اصلاً مسممًا أم لا، فإن ماتوا فسنتأكد، وإنّ عاشوا سنبحث عن سبب آخر لحالات الوفاة التى حدثت فى الوحدة"

-         وماذا فعلتم .. هل أصاب أحد منك مكروه؟

-         الحمد لله يابنى أنت تعلم أنّنا جميعاً لدينا مناعة من سم العقارب والثعابين، إما بسبب لدغها لنا ثم علاجنا منها وهذا يعطينا مناعة .. أو بسبب ما نتناوله من أعشاب برية تقينا لدغها بالاضافة إلى تلك السنة النبوية التى يحافظ عليها أغلبنا .. لقول النبى صلى الله عليه وسلم "من تصبح بسبع رطبات لا يمسه سم ولا سحر" فأكلنا جميعاً وتركونا نرحل والحيرة تسيطر عليهم

-         يالله لك الحمد .. معنى ذلك أنّهم سيأكلون منه غداً أيضاً وربما تزداد خسائرهم

-         ربما .. المهم ما حققتموه بالفعل .. لقد قتلتم جزءً كبيرًا من الجنود، قبل أن يُعلنوا حالة الطوارئ، لقد ذهب تفكيرهم -كما سمعت من القائد- إلى أنّ الجيش المصرى يُنفّذ عليهم حرباً مبتكرة باستخدام غازات.

-         رائع .. دعهم يموتوا رعباً.

-         لكن هذا لن يستمر كثيراً، فبمجرد أنّ يرسلوا برتقالة للمعمل فسيكتشفون ما بها من سم.

-         المهم أنّنا نجحنا والحمد لله.

-         حجم سيارات الإسعاف والطائرات التى كانت تنقل المصابين والقتلى، تشير لفقد الوحدة للعشرات من الجنود.

 قالها الأب وهو ينهض ممسكاً بقفص الحمام فحاول مُحمّد أن يحمله عنه ولكنّه رفض، وطلب منه أنّ يستريح هو حتى يعود لرعاية الحمام من جديد، وأخبره أنّ هذا الحمام ملك المرأة العجوز وأنّ الأبن الأكبر أعطاه اياه لكى يرسل عبره الرسائل، وينظم معه أمورهم.

 

 

الزائر

لم يعتادوا على هذه الطرقات الرقيقة قبل الفجر فدائما الزائرون فى هذه الساعة المتأخرة يكونون من قوات الاحتلال، وبالتاكيد كانوا يدقون الباب بعنف أو حتى يحطموه .. خرج الشيخ عبدالرازق على أطراف أصابعه من حجرته وهو يصغى إلى الطرقات؛ لعله يستشف منها شخصية الطارق ثم عرج إلى النافذة، لينظر من ثقب بها على الباب، فرأى شخصًا ملثمًا يتلفت يميناً ويسارًا، ثم يعاود الطرق .. هنا ادرك الشيخ شخصيته .. أنّه الضابط خالد بكل تأكيد ..

فتح الشيخ الباب على الفور؛ ليدلف خالد بسرعة إلى فناء الدار، ويُخرج الشيخ رأسه من الباب متلفتًا يميناً ويساراً ليتأكد أنّ أحداً لا يتبعه.

استقر الضابط خالد على أريكه فى عمق الدار بعد أنّ فك لثامه، وقبّل كتفى الشيخ عبدالرازق وسرعان ما انضم إليهم مُحمّد الذى سعد للغاية بهذا الزائر، وبعد عبارات المودّة والترحاب بدأ خالد يتحدث

-         لقد جئت فى مهمة خاصة خلف خطوط العدو، انتم جزء منها .. إنّنى أريد معرفة بعض المعلومات عن تسليح العدو فى هذه المنطقة، بالإضافة إلى التأكّد من بعض المعلومات التى وصلتنا.

-         نحن رهن إشارتك .. قالها مُحمّد بحماس شديد

-         لقد رصدنا انفجارًا مهولاً -هو على الأرجح- لمخزن ذخيرة ضخم جداً .. مُرجح أن يكون الانّفجار بسبب خطأ بشرى أو ارتفاع حرارة الذخيرة

ضحك الشيخ عبدالرازق وهو ينظر لمُحمّد قائلاً : "إنّ نصف المعلومة صحيح والنصف الثانى خطأ" وقبل أنّ يستفسر خالد أجابه .. "لقد انفجر مخزن ذخيرة ضخم فعلاً، ولكنه ليس بخطأ بشرى وإنّما بفعل فاعل."

-         كيف؟ ومخازن الذخيرة مُحصّنة بطريقه تجعل من المستحيل اقتحامها.

-         هذا حقيقى .. لكنّه غير صعب على فأر ذيله مشتعل، يعدو داخل فتحة تهوية يبلغ قطرها ربع المتر تقريباً.

نظر خالد بدهشة بالغة إلى مُحمّد وهو يشير إليه بسبابته .." يالك من عبقرى"

 مال الشيخ عبدالرازق إلى الأمام قليلاً وقد مسح الحزن وجهه .. لقد كانت هذه العمليه هى رد مُحمّد على اغتيال أخيه

-         إنّ لله وإنّ إليه راجعون .. أوَاستشهد سليم.

-         الحمد لله أن وهبه الشهادة.

-         اللهم الحقنا به يارب .. قالها مُحمّد بخشوع قبل أن يسأل الضابط عما يريد من المعلومات

فأجابه خالد والتأثر لا يزال فى صوته

 - وصلتنا معلومة عن إصابة الجنود فى الوحدة القريبة من مطار العريش بمرض غامض حتى أنّ بعض الضباط والقادة أصيبوا به.

أجابه مُحمّد هذه المرة بجدية شارحاً عملية البرتقال, ثم أضاف والده أنّه قابل أحد قادة الوحدة، وهنا أخرج خالد مجموعة من الصور من جيبه، وعرضهم على الشيخ عبدالرازق ليُشير لإحداها وهو يقول .. هذا هو.

  - هل أنّت متأكد

أومأ الشيخ برأسه مؤكداً بما لم يدع مجال للشك، فتعجّب خالد من ذلك إذ أنّ هذه الصورة للمساعد الثالث لقائد الوحدة، مما يُعنى أنّ رئيس الوحدة ومساعديه قد أُصيبا.

كبّر مُحمّد فرحاً، وقرر أن يُرسل رسالة بذلك لأصدقائه يخبرهم فيها بمدى نجاح عمليتهم، ولكن الضابط خالد طلب منه أخذ الحذر، واستخدام رموز يفهموها هم فقط دون غيرهم، ثم بدأ يتساءل عن المعلومة الثالثة، وهى تتعلق بنشر اسرائيل لنوع غامض من الصواريخ فى وسط سيناء، لكن لا مُحمّد ولا أباه كان يملك ردّاً على هذه المعلومة .. وهنا قرّر خالد أنّ يتجول بنفسه الليلة للتأكد من ذلك.

 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech