Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

السرب 77 قتال - الفصل السابع

الفصل السابع

هدوء حذر

 

كان الوضع علي الجبهه المصريه يتجه للاشتعال في اي لحظه ، فعبد الناصر والعرب اعلنوا رفضهم الاستسلام وأعلنوا في مؤتمر القمه بالخرطوم ان ما اخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة ، في نفس الوقت كانت عجله اعاده بناء القوات المسلحه تدور بأقصي قوة ، حيث ما زالت المخاوف من تطوير أسرائيل  لنجاحها في يونيو ومحاوله العبور تجاه القاهرة لكسر اي محاوله لاعاده بناء القوات المسلحه المصريه

الا ان هذه المخاوف زالت في ديسمبر 67 عندما اكتمل النسق الاول للدفاعات غرب القناه والذي انشئ علي عجل في يوليو 67 وكان يتم تدعيمه بكل ما يتم الوصول اليه من سلاح وافراد ، حتي وصل لمرحله النضج في ديسمبر ، في نفس الوقت كان يتم أستحداث وحدات جديده مثل فرق المشاه والمدرعه والميكانيكيه والتي تشكل النسق الاول والثاني للدفاعات ، وكان ذلك يتطلب مجهود عسكري واداراي وفني ضخم جدا

وكان السرب 77 علي علم بكل التطورات الجاريه  بفضل زيارات الدمنهوري ، ذلك الرجل الغامض الذي ظهر في حياه طياري السرب في اواخر يناير 68، كان الدمنهوري الذي عرف نفسه علي انه ضابط توجيه معنوي يقص علي الرجال اخبار الاشتباكات التي تدور علي الجبهه اول بأول ، شارحا كل التفاصيل التي لا يذاع منها الا النذر اليسير ، ورغم وجود تعليمات من القياده بحس استقبال الدمنهوري الا ان احمد عجز ان يعرف من قيادته رتبه او حقيقه عمل الدمنهوري ، فالرجل كان ودودا ذو وجه خال من الملامح ، مرحا بوقار ، جعل متناقضات شخصيته المفتاح لحب الناس له وتلهفهم لزياراته ، وكان الطيارين يعلمون جيدا ان مركزة اعلي من أن يكون ضباط توجيه معنوي فقط ، فالرجل يعلم كل شئ عن كل فرد بالمطار، ويتصرف بتكتيك معين يهدف لاكساب الرجال الثقه بالنفس وبالسلاح ، وكأنه يشن عليهم حرب نفسيه لتقويه عزيمتهم ،فرغم انتصاب قامه كل منهم من الخارج ،الا ان الدمنهوري كان متأكد من انهيار المعنويات والقيم المعنويه لهم داخليا ، فحث الجميع علي الصلاة والتمسك بها والاكثار من قراءة القرأن ،كذلك كانت هداياه سواء للجنود او الطيارين ذات دلاله واضحه علي معرفته بأدق الاسرار وتقدير القياده  لمشاعرهم ، فقدم لطارق مثلا اسطوانه كلاسيكيه شهيرة لموزارت ، بينما أهدي أحمد خوذه رفيقه الشهيد مدحت المليجي والتي تأثر بها احمد كثيرا وهو ممسك بها ،وعندما ظهرت نظرات تساؤل بين الدموع من عيني احمد ،

رد الدمنهوري بهدوء (( محدش غيرك يستحق التذكار ده ))

كانت لقاءات الدمنهوري مع الرجال تتم عاده ليلا ، حيث يمكث معهم ساعه او ساعتين أسبوعيا ثم يغادر معتذرا لضيق وقته ، وكثيرا ما افاض في شرح الموقف العسكري الاسرائيلي وانواع السلاح المتوفر لديهم بصورة عميقه ، جعلت الطيارين يدونون ما يقول للاستفاده منه ، وكانت احاديثه عن المجتمع الاسرائيلي وطريقه حياته ونقاط القوة والضعف فيه – ملهمه للرجال الذين اصبحوا يرون المجتمع الاسرائيلي  وكأنهم يعيشون فيها من دقه وصف الرجل،لذلك فقد اجتمع الجميع علي حب هذا الرجل الغامض ، وفي احد  ليالي شهر أبريل المقمرة  جلس الدمنهوري وسط الرجال بالقرب من احدي الطائرات في العراء ، وبدأ يسرد لهم دور تلك القوة الجديده التي دخلت القوات المسلحه الا وهي قوات الدفاع الجوي ودورها الحيوي المستقبلي في حمايه سماء الجبهه لكي يتفرغ الطيارين للتدريبات لمعركه التحرير .

وشرح لهم ما سيحدث في الفترات القادمه من محاولات لتكوين النسق الاول لحزام دفاع جوي يحمي القاهرة ، علي ان يتحرك هذا الحزام تجاه القناه.

أصبح الدمنهوري بالنسبه لهم بمثابه  الاعين  التي تري ما لا يرونه او يسمعوا عنه في المطار

في تلك الفترة من ابريل 68 ، كان السرب قد قام بحوالي 75 طلعه قتال بدون ان يشتبك مع طائرات العدو نظرا للاوامر المحدده بعدم البقاء داخل سيناء لاكثر من خمس دقائق فقط ، نظرا لحرص القياده علي الحفاظ علي الطيارين وتدريبهم مع الابقاء علي النزعه الهجوميه لهم ، كذلك عدم مطارده الاسرائيلين لطائرات القنص خوفا من الوقوع في كمين ، وكانت الاشتباكات المدفعيه شديده بطول الجبهه ، وعلي فترات متباعده ، وظلت الاوامر محدده بتفادي الاشتباك الجوي مع العدو 

الا ان الاوضاع اتخذت منحني اخر في تلك الفترة ، اذ وردت تعليمات بقرب قيام الإسرائيليين بنشاط جوي قوي فوق القناه ، ويجب تدخل القوات الجويه في الدفاع عن القناه لكن بحساب وبلا تهور

فتم وضع السرب 77 علي اهبه الاستعداد للدفع به في اي أشتباك ، وأبلغ احمد قيادته بأن السرب علي اهبه الاستعداد طوال الوقت ، مما رفع من روح الرجال المعنويه مرة اخري

وفي اليوم التالي أستيقظ الجميع وأثناء تناول طعام الافطار، وقام جمال بتسليم أحمد خوذته التي سبق ان استعارها منه الليله السابقه ، وعلي الخوذه البيضاء وجد احمد عبارة (( لا اله الا الله )) مكتوبه بخط منمق ومن تحتها (( النصر او الشهاده )) ،أعجب احمد جدا ودهش عندما وجد جميع خوذات الطيارين بنفس الشكل وأضاف جمال (( بدل ما نعمل زي الاسرائيلين ونرسم صورة نسر ولا صقر او حتي نجمه داود السداسيه ، قلت نكتب اللي احنا فعلا حاسين بيه وعايزينه علي رأسنا،انا بقالي مده بفكر نكتب حاجه علي الخوذات لغايه ما وصلت للفكرة دي )) تدخل عمر وهو ممسك بخوذته (( فعلا . احنا مقدمناش دلوقت بديل تاني إما النصر او الشهاده ، لكن إننا نعيش في الذل ده ، ده مش مقبول)) أستمع احمد  لما يقال بينما محمد صلاح يأكل في صمت أغاظ جدا طارق فبادرة سائلا ((وانت رأيك ايه يا محمد ؟؟))، نظر محمد لطارق نظرة لا تحمل اي تعابير قائلا (( انا كنت افضل ان خوذتي يكتب عليها ، إقتل اسرائيلي اينما تجده ، لان ده اللي انا حاسس بيه فعلا ، لكن انا مش مع عمر خالص ، احنا مش عايشين في ذل لا ... احنا بعد الذل بكتير ، لما الاسرائيلي يكون محتل ارضي ، وشايفه الناحيه التانيه من القنال ومقدرش اوصل له واقتله ، ده يبقي ابعد كتير من الذل والاهانه )) فتدخل وليد سائلا محمد (( أمال نعمل ايه ؟؟))

فأجاب محمد منفعلا وهو يضرب بيده علي الطاوله  (( نهاجمهم بكل اللي معانا وطول الوقت ومنخليش ولا واحد منهم يعرف ينام مستريح ، ونطير في كل ثانيه ونضرب لهم كل شبر في سينا وجوة اسرائيل كمان ، أحنا مش أقل منهم، حتي ولو هخش بطيارتي في طياراتهم  .........)) وقطع الحديث دخول ايهاب مهرولا علي غير عادته ، حاملا اشارة لاسلكيه في يده ... ، وسط نظرات التشوق من الجميع قرأ احمد الرساله

(( الي السرب 77 – علي السرب القيام بحمايه طائرة الاستطلاع عن عودتها من سيناء في القطاع الخامس –الساعه 900 )) نظر احمد لساعته فوجدها ما زالت السادسه صباحا ، والضباب يلف المكان فأعطي اوامرة للسرب بالاستعداد للاقلاع في التاسعه الا ربع صباحا

وفعلا في تمام التاسعه الا ربع صباحا ، كان السرب يقلع فرادي  ليلتحم في الجو تحت قياده احمد

وصلت الاشارة من مطار ابو صوير بأن طائرة الاستطلاع في طريق عودتها من وسط سيناء كما هو مخطط  ،أعطي احمد اوامرة لطارق بالانفصال ومعه محمد ووليد وشريف ويتجهوا جنوبا تجاه فايد علي ارتفاع منخفض جدا  كما تم الاتفاق عليه مسبقا ، بينما طار أحمد وتشكيله  فوق الاسماعيليه .

بعد ثوان أفاد رادار أبو صوير باقلاع طائرات إسرائيليه في اعقاب طائرة الاستطلاع المصريه التي مازالت تتجه غربا بسرعه ، وبسرعه قدر احمد المسافه والزمن فوجد ان الطائرات الإسرائيليه لن تلحق الطائرة المصريه لكنه وباقي الرجال في شوق للاشتباك فقرر الاشتباك فورا، وأمر تشكيل طارق بالاتجاه شرقا لاعتراض مقاتلات العدو علي ان يظل طارق علي ارتفاع منخفض جدا

وأنطلق التشكيلان تجاه الشرق في سرعه وقد مني كل طيار منهم نفسه بأسقاط طائرة للعدو ، اما محمد فكان في قمه تركيزة وهو يحصي كل ثانيه وكل كيلو متر يقربه من طائرات العدو 

افاد رادار ابو صوير أن تشكيل العدو يتكون من أربع طائرات فقط وان المسافه هي عشرة كيلو متر ، وفجأة وبدون اي انذار ،وبعد التأكد من مرور طائرة الاستطلاع  اعطي احمد اوامرة لتشكيله بالانسحاب شرقا خلفها وفتح الحارق اللاحق لزياده سرعه الطائرة للحد الاقصي ، ومع قمه الاندهاش التي اصابت طياريه ، أنسحب التشكيل تجاه الغرب ، بينما ظل تشكيل طارق يطير منخفض تجاه الشرق ، سأل أحمد رادار ابو صوير

(( المسافه كام )) يقصد بينه وبين العدو ، وأجاب الرادار 9 كيلو وتتناقص ببطء ، في هذه اللحظه كان تشكيل العدو في كمين محكم ، فطارق يعلم ما يحدث ويعرف الكمين الذي نصبه احمد، بفضل الربط العقلي بين جميع طياري السرب  ، فرادارت العدو لا ترصد تشكيل طارق المنخفض جدا، وظلت طائراتهم تطارد تشكيل احمد ظنا منهم انه ينسحب كالعاده خلف طائرة الاستطلاع التي عادت غرب القناه بأمان.

أصدر احمد أمر بالاشتباك ، وسمعه كل طياري السرب علي الموجه المفتوحه، في هذه اللحظه أرتفع تشكيل طارق واتجه للغرب ملاحقا لطائرات العدو ، بينما أستدار تشكيل احمد ليقابل الطائرات الإسرائيليه التي أصبحت داخل كمين محكم .

فورا افاد رادار ابو صوير برصد إقلاع مقاتلات معاديه إضافيه من مطار المليز في وسط سيناء، وظهر في الافق بوادر معركه جويه حاميه الوطيس ، كان عمر هو اول من رصد طائرات العدو التي انفصلت وانتشرت في السماء لتفادي الكمين ، وأستطاع تمييز أنها ميراج3 التي يطير بها افضل طياري المقاتلات في إسرائيل ، وتبعه طارق في رصدها والذي وصل بتشكيله لسماء المعركه ، بدأ الاشتباك فوق سيناء كدائرة كبيرة من الطائرات التي تطير في دوائر محاوله اللحاق بذيل الطائرات الاخري

وهو ما يعرف في الطيران DOG FIGHT ، لكن محمد لم يتدخل وظل طائرا يراقب الاشتباك ونداءات الطيارين لبعضهم في اللاسلكي ،كانت عينيه تراقب طائرات العدو في تركيز تام ، وفجأه لمح طائرة للعدو في وضع مناسب له ، فأنقض عليها بسرعه شديده لدرجه ان طارق ظن ان سيصطدم بها ، وفورا تنفصل طائرة العدو مذعورة من الدائرة لتفادي اصطدام محمد بها ، وتضع نفسها امام طلقات محمد الذي أطلق دفعات مكثفه من مدفعه أصابت الطائرة وتصاعد الدخان الاسود من محركها ، ووسط فرحته بأصابه اولي طائراته ،يجد صوت جمال يصيح بأن طائره للعدو تطلق نيرانها عليه وانه لا يستطيع الافلات ، فيتدخل محمد فورا تاركا الطائرة المصابه تنسحب من الاشتباك بعد ان كان قد عقد النيه علي استمرار الضرب عليها ، وبصوت هادئ ومتماسك ، يطلب محمد من جمال الخروج بمناورة جانبيه حاده ،  في نفس الوقت يصل عمر لدعم جمال أيضا وكان وضعه افضل من محمد من حيث زاويه التصويب ، فيطلق صاروخين متتاليين ، يصيب احداهما طائرة العدو في مقتل وتنفجر قبل ان يتمكن الطيار من القفز بالمظله

ومرت حوالي 30 ثانيه علي بدء المعركه أطلق خلالها السرب 77  عشر صواريخ علي طائرات العدو التي تمسكت بسماء المعركه ، وافاد ايهاب في اللاسلكي بإقلاع ست طائرات للتعزيز من المنصورة ، لكن أحمد كان قلقا بخصوص طائرات التعزيز الإسرائيليه التي أقلعت وشارفت علي الوصول لسماء المعركه

وبينما أحمد يحمي ذيل وليد الذي يطارد بدورة طائرة معاديه ، أمر أحمد بخروج جمال وخالد وشريف من دائرة القتال والعوده للمطار سريعا علي ارتفاع منخفض  ،ونفذ الثلاثه الامر بسرعه وتلقائيه ، وحدث ما توقعه احمد ، فقد تابعتهم الطائرات الاسرائيليه غربا لفترة ، مما سمح لبقيه السرب في تعقبهم ونقل المعركه قرب خطوط قواتنا وفي نفس الوقت الابتعاد عن طائرات التعزيز الاسرائيليه ، لكن الطائرات المطارده فطنت لذلك وانسحبت من المعركه سريعا عندما شاهدت مقاتلات السرب تتعقبهم ، ومع انسحاب الطائرات الأسرائيليه حتي التي كانت متجهه للمعركه وفق ما اعلنه ايهاب في اللاسلكي ، فقد انتهت المعركه وسط شعور بالبهجه من الجميع عدا محمد الذي ود لو استطاع ان يتابع مطاردتها ، والتحم السرب في تشكيل واحد وهو يعبر القناه متجه غربا في حمايه طائرات التعزيز التي وصلت من مطار المنصورة

وعلي خط القناه تابع رجال احد وحدات الصاعقه هذه المعركه الجويه ، وأنفرجت اساريرهم عندما احصوا عدد طائرتنا العائده فوجدوها كامله ، وكانت شعورهم بوجود حمايه من نسور مصر فوق رأسهم لا يضاهيه أي شعور أخر من الحماسه والفخر  

فور نزول السرب الي المطار والدخول وسط الاشجار سريعا ، تلاقي الطيارين وسط الاشجار بالاحضان وسط حاله من الفرحه  بما تحقق في هذه المعركه ، فلمرة الاولي يثبت السرب 77 تفوق علي الطائرات الاسرائيليه ، وياتي ايهاب مهرولا لاحمد حاملا إشارة تهنئه من قياده القوات الجويه للسرب 77علي ادائهم في ذلك اليوم ،و أسهمت تلك البرقيه في زياده فرحه الرجال خاصه وان بها مكافأه لجميع العاملين بالمطار قدرها عشرون جنيها .

في تلك الليله حضر الدمنهوري خصيصا للقاء الرجال وبدا سعيدا بما حققوه ، فالمعركه علي حد وصفه هي معركه سيطرة علي سماء القناه والغلبه لمن يفرض سيطرته اولا ويحافظ عليها

لكن الرجل كان حاملا معه معلومه علي قدر كبير من الاهميه للطيارين ، فقد وصلت معلومات مؤكده عن قرب حصول الاسرائيليين علي الطائرة سكاي هوك A4وهي طائرة مقاتله وقاذفه خفيفه امريكيه الصنع

واخبرهم ان الطيارين الاسرائيلين سيقودونها لاسرائيل خلال شهر مايو او يونيو المقبلين، وان طياري السرب يجب ان يستعدوا نفسيا لمواجهه تلك الطائرة الخفيفه في اي وقت ، فظهر الاهتمام الشديد من الطيارين بهذه المعلومه ، واضاف الدمنهوري بأن المفاوضات تجري مع امريكا لامداد اسرائيل بالمقاتله القاذفه فانتوم F4 لكنها ليست معلومه مؤكده بعد.

تدخل شريف المصري في حوار الدمنهوري قائلا بأنه قرأ عن السكاي هوك والفانتوم قليلا بأحد الابحاث الخاصه بحرب فيتنام الدائرة حاليا، لكنه لم يستطع اضافه معلومات جديده عنها لان ليس هناك معلومات كثيرة متوافرة عنها، الا ان الدمنهوري اضاف بأن ضباط من القوات الجويه سيقومون بأعطاء طياري السرب كل ما يحتاجونه من معلومات عن تلك الطائرات لاحقا .

 

طائرة سكاي هوك بالطلاء الاسرائيلي المموهه

 

وتساءل عمر عن الطائرات التي ستخرج من الخدمه لتحل محلها تلك الطائرات ، فأضاف الدمنهوري بأنه غير متأكد لكن النطاق لن يخرج عن السوبر ميستير أوالارجون البطيئتي الحركه وقليلتيي التسليح مقارنه بالميراج والسكاي هوك والفانتوم 

فأضاف وليد انه بذلك سيختل الميزان في الجبهه بشده نتيجه تلك الصفقات ، فالميج التي يقاتلون بها تستطيع بالكاد مجابهه الميراج فما بالك بالسكاي هوك والفانتوم الامريكيتين والاكثر تقدما من الميراج الفرنسيه  

تدخل خالد فؤاد قائلا ان الاتحاد السوفيتي يجب ان يزود مصر بطائرات حديثه اكثر من الميج 21

فتهكم الدمنهوري قائلا (( لو بأيد السوفيت – كانوا خدوا منكم الطيارات اللي معاكوا – دول ناس ابخل من اليهود ومعتقدش انهم هيدوكوا طيارات احسن من الميج 21 ))

قال جمال (( لما كنا في الاتحاد السوفيتي كانوا بيعملوا اختبارات علي طيارة ميج جديده  ودي اكيد احسن من الميج 21 في الحموله )) ووسط حديث الجميع كان احمد يستمع بأهتمام بينما محمد صلاح يستند علي جذع شجرة يدخن سيجارة ، الا انه تدخل في الحوار (( طب ليه نشتري طيارة جديده؟ ما نطور اللي معانا ؟؟))  كان دخول محمد في الحوار علي غير العاده دافعا للجميع علي الانصات له فأستكمل (( الميج 21 ،مقاتله جيده جدا في القتال الجوي من حيث المناورة بس عيبها إن لها نقطتين تحميل بس علي الجناحين ولو قدرنا نحط نقطتين كمان يبقي كده ضاعفنا تسليح الطيارة وبكده نقدر نقلل عدد الطيارات في الطلعه الواحده،او نزيد فرصه اصابه الاهداف وده هيرفع مستواها ليقترب من  الميراج ))

طارق متسائلا (( مش ده هيأثر علي سرعه الطائرة ومناورتها ؟))

محمد (( أكيد لو قدرنا نحسن المحرك هنزيد من قوة الدفع وبالتالي نقدر نحملها زياده ))

تدخل عمر ووليد في النقاش الفني البحت بعمق ، وانصت الدمنهوري الي النقاش الحامي بين الطيارين والذي يهدف لرفع كفاءة الطائرة الميج 21 لمجابهه التطور الجوي الاسرائيلي

ثم تدخل الدمنهوري في نهايه الحوار سائلا محمد (( انت تقدر تعمل دراسه يا محمد عن تطوير الميج  21بالشكل اللي يرضي طموحك ؟)) فأجاب محمد بالايجاب

الدمنهوري (( وعليا إني ارفع لك الدراسه دي لاعلي مستوي– بس تكون صح ، يعني في الحدود المعقوله )) اومأ محمد ايجابا واردف (( بس ححتاج طارق معايا )) ووسط دهشه طارق من طلب محمد ، أومأ احمد موافقا .

وخلال الاسبوع التالي وبين اوقات الطلعات الجويه والتدريبات انهمك طارق ومحمد في دراسات فنيه بحته ساعدهم في ذلك أحد مهندسي مطار إنشاص والمتخصص في هندسه الطيران والذي حضر للمطار بناء علي طلب الدمنهوري والذي ظهر مع الوقت ان له نفوذ كبير في القياده يتعدي بمراحل كونه ضابط توجيه معنوي

ساعدت تلك الدراسه الفنيه في التقارب بين محمد وطارق الذين انهمكا في حسابات وقياسات وحساب حمولات الطائرة .

وكان عمر وبقيه زملائهم ينصتون لتلك المناقشات والمجادلات الحاميه بين محمد وطارق او بينهم وبين والمهندس وكثيرا ما تدخل احمد شارحا معلقا او مستفسرا ، فقد اندمج وانصهر الجميع في مشروع تطوير طائرة تعتمد عليها القوات الجويه المصريه ثم تم عمل اختبارات عديده علي الارض بتحميل الطائرة بما يفوق وزنها ومتابعه النتائج علي الارض .

وفي يونيو 68 انتهت تلك الدراسه بعد اسابيع طويله وخلصت لان المحرك يجب ان يتم استبداله بأخر ذو قوه دفع اكبر لكي يمكن الطائرة من حمل صاروخين اضافيين وخزان وقود اضافي تحت بدن الطائرة مما يزيد من مدي الطائرة ايضا .

التقط الدمنهوري تلك الدراسه واسرع بها الي القياده ، وبعد اسبوع فقط تم استدعاء أحمد ومحمد وطارق الي القياده حيث وجدا أكثر من ثلاثين طيار من كبار طياري الميج 21 من مختلف الاسراب والمطارات وتقابل الجميع مع كبار مهندسي القوات الجويه لمده ثلاث ساعات في مناقشه تفصيليه لتلك الدراسه ودراسات اخري قام بها طيارون اخرون ، والهدف من تطوير الميج 21 ،

 حيث أتفق الجميع علي كفاءة الطائرة وعدم الحاجه الي استبدالها بل الحاجه الملحه الي تطويرها، ووجدت الدراسات المختلفه تلاقي في المضمون مع دراسه محمد وطارق وبعد طول مناقشات صرح العميد نوح كبير مهندسي القوات الجويه ان تلك الدراسه سترفع للرئيس عبد الناصر رأسا لمناقشه السوفيت فيها .

في تلك الاثناء كانت الامورة مستقرة علي الجبهه لحد ما ، فالتراشق المدفعي مستمر ، والعمليات المصريه خلف الخطوط الاسرائيليه شبه يوميه ،والتدخل الاسرائيلي الجوي مستمر ضد خط القناه ، لكن التعليمات كانت قد صدرت بتقييد القوات الجويه ومنعها من الاشتباك الا في حدود ضيقه ،فأمضي السرب معظم وقته في التدريبات الجويه في عمق مصر بعيدا عن القناه واكتساب مهارات جديده يوما بعد يوم

ومع زياده عدد الخبراء السوفيت في القوات الجويه زادت  التطبيقات الجديده لقتال الجوي، والتي تحتاج لتدريبات شاقه حتي يتم اتقانها ، وكانت تلك التطبيقات وليده الخبرة بين الطيران الامريكي والطيران الفيتنامي الشمالي والذي يستخدم مقاتلات ميج 21 أيضا .

في تلك الاونه ظهرت السكاي هوك في سماء القناه ، و لتتأكد نبؤه الدمنهوري الا أن التعليمات كانت مشدده علي تفادي الاشتباك مع طيران العدو

كان قد مر علي الرجال سته أشهر في مطارهم الجديد ، وطوال تلك الفترة لم يقم اي منهم باجازة حتي الفنيين ، فالاجازات ممنوعه والاستعداد دائم وعلي اعلي درجه ، وفي اوقات الراحه ليلا يقضيها الرجال إما في مشاهده افلام سينمائيه تم تصويرها في عمليات قتال جوي لدراستها او في محاضرات نظريه يقوم بها ضباط القوات الجويه الكبار لصقل مهاراتهم،او في محاضرات توعيه دينيه واجتماعيه وثقافيه يقوم بها الدمنهوري، وفي اوقات نادرة يقوم احمد بعرض فيلم سينمائي للترفيه عن الرجال ، كانت الحرب هي الشاغل الوحيد لذهن ووجدان الرجال ، وكان التفرغ النفسي والعقلي لها طبيعيا لكل طيار ، فأصبحت العائله والاهل والتفكير في المستقبل شئ ثانوي يفكر فيه الطيار نادرا  

وطوال تلك الفترة كانت التقارير تفد الي احمد من قائد الامن بأن اهالي كفر نور أصبحوا علي علم تام بما يحدث بالمطار وأن عدد من الاهالي وفدوا الي محيط المطار عارضين تقديم طعام والالبان للجنود ، لكن الامن صرفهم نافيا وجود جنود بالمكان ، مما اثار إعجاب احمد بالتفاف الاهالي مع جنودهم رغم الازعاج المتكرر جراء صوت محركات الطائرات .

وفي احد أيام شهر يوليو عام 1968 جاءت أشاره من القياده علي درجه عاليه من السريه والاهميه فتلقاها أحمد وهرع بعدها بالسيارة الي القاهرة للقاء قاده القوات الجويه بدون ان يبلغ احدا بما فيها

ثم عاد احمد ليلا واجتمع بطياريه في غرفه العمليات وابلغهم في حزن بوقف العمل في المطار حتي إشعار اخر ، لم يترك احدا من الطيارين المنزعجين هذا التصريح يمر بدون أن يعرفوا السبب .

فقال احمد بحزم (( التعليمات صدرت بوقف الطلعات حتي إشعار اخر ، فالاسرائيلين أستطلعوا المطار أكتر من مرة علي كذا ارتفاع ، ومن المتوقع انهم يعملوا هجوم علينا في اي وقت ، واحنا مش عايزين نديهم الاحساس انهم فعلا ضربوا مطار علشان ميستغلوش الموقف دعائيا )) ثم وجه كلامه لكبير الفنيين

(( الطيارات تتأمن كويس جدا ونحط عليها شبك تمويه كثيف وتكون فاضيه من الجاز، وبكرة الصبح جدا هتيجي عربيات تسحب الجاز والذخائر من الخزانات )) ثم أستكمل حديثه للجميع في أقتضاب (( الطيارين هياخدوا اجازة اربع ايام ، وبعدين يسلموا نفسهم للقياده في القاهرة، أما الميكانيكيه فلازم يفضل عدد منهم هنا ، ومهمتهم يعملوا جدول للاجازات بس كله يبقي بعد أسبوع من النهارده في القياده  ))

وفور انتهاء احمد من تعليماته هرع الفنيين لتنفيذ التعليمات سعداء بتلك الاجازه التي طال انتظارها

كذلك بدأ الطيارين في الاتصال بذويهم لابلاغهم بالاجازة ، عدا محمد الذي لم يبال بما قاله احمد

فسأله طارق عما سيفعل في الاجازة ، ورد محمد في حزن (( انا مالياش حد انزله اجازة ، انا بيتي هنا وحياتي هنا ، ومش محتاج انزل اجازة ))

 وعبثا حاول طارق اثناؤة عن البقاء بالمطار شاركه في ذلك عمر وجمال ووليد ، لكن بدون فائده تذكر ، فقد أعطت مشاركه الطيارين في دراسه تطوير الميج 21 دفئا أذاب الثلج بين محمد ورفاقه وتقبل الجميع بعدها طريقه محمد الغريبه في التعامل .

وفي اليوم التالي تم اخلاء المطار من كل الوقود والذخيرة التي به وتم تأمين الطائرات ،وليلا تم اخلاء الطيارين عدا محمد الذي أثر البقاء في المطار مع عدد من الفنيين .

وبعد يومين وقرب المغرب بينما الرجال في اجازتهم ، خرج بيان من القوات المسلحه أستمع له احمد بمنزله بدون أكتراث ، كان البيان يصف هجوم هجوم وحشي للطيران الاسرائيلي علي قريه مصريه ومقتل عدد من السكان ، كان بيانا كأي بيان اخر تبثه الاذاعه عن الاعتداءات الاسرائيليه المتكررة علي الجبهه ،

الا ان أحمد انتفض من مكانه عندما ذكر البيان كفر نور ، ذلك الكفر المجاور لمطاره السري ، اذن فقد كانت تحذيرات المخابرات في محلها ، فدار عقله بسرعه وادار شريط البيان في عقله مرة اخري ، فلم يتم ذكر اي شئ عن المطار بالطبع أو موقع شركه البترول ، وهو الاسم الكودي للمطار الذي أشار اليه رجال المخابرات في التعاملات العامه .

وبعد ساعتين ونصف بالضبط ،مرت سيارة طارق وبرفقته أحمد نقطه الشرطه العسكريه قرب المطار ، حيث وجدا  المنطقه مضاءة  فالحرائق ما زالت تملئ كفر نور وسيارات الاسعاف والمطافئ تملئ المكان لتحول ظلام الليل الي نهار، فهرع احمد بين الاشجار نحو مبني القياده حيث همه كان الاول الاطمئنان علي سلامه موقعه وجنوده ففوجئ بفرد أمن فقط  ، وسأل عن قائد الامن والطيار محمد وبقيه الفنيين ، فأجاب فرد الامن بأنهم توجهوا للقريه منذ الغارة ولم يعودا حتي الان.

خرج احمد ليجد طارق قد أطمئن سريعا علي سلامه منشأت المطار وكان مرتاحا لذلك ، فالقنابل الاسرائيليه لم تقترب حتي من المطار او الطريق ، مما يعني ان الاسرائيليين لم يستطيعوا رصد أي شئ وظنوا ان حقول كفر نور الممتده حول المطار هي ممرات الطائرات فقصفوها مع مبان القريه في جريمه بشعه ، مما يؤكد صدق تنبؤات رجال المخابرات وكفاءة تمويه المطار .

وبعد ثوان من التقاط الانفاس ، توجه احمد وطارق فورا نحو كفر نور لاستطلاع الموقف .

وهناك كان الوجه المخيف للحرب يطل ببشاعه ، فمن الواضح ان الطائرات الاسرائيليه أستخدمت قنابل ثقيله في قصف محيط كفر نور مما ادي الي تهدم العديد من المنازل علي سكانها وإستشهاد العشرات كما كان واضحا من عدد سيارات الاسعاف الكثيرة ، ووقف الاثنان يتابعان في ذهول عمليات اخلاء الضحايا علي مبعده ، ومن وسط الانقاض ظهر محمد يحمل أحد الاطفال الضحايا ويسرع به نحو أحد عربات الاسعاف وقد تلطخ وجهه وملابسه بالدماء وكان يبدو عليه الاعياء التام .

فأندفع احمد وطارق يساعدان في نقل الشهداء والجرحي من داخل حطام المنازل بعد ان زالت صدمتهم  من هول المشهد ، وبعد وقت طويل رحلت سيارات الاسعاف حامله الشهداء والجرحي ، ليتحول الكفر للحداد مع تعالي أصوات البكاء والعويل من النساء علي الشهداء حول الانقاض غير مصدقات ما حدث.

وعلي اطراف القريه يجلس الطيارين الثلاث بملابسهم المدنيه المتشحه بالدماء والتراب بجوار حطام احد المنازل ،الصمت والسجائر المشتعله القاسم الوحيد بينهم ، بينما كل منهم يدور عقله في فلك خاص به وأعينهم تتجول في أسي بين  منازل القريه المحترقه والمهدمه ((ذنبهم ايه الناس دول ؟؟؟)) تمتم طارق علي أستحياء وكأنه يفكر بصوت عال ، ولم يرد أيا من زملائه وظلوا في فلكهم الخاص وظل الدخان يتصاعد من سجائرهم ليعانق خيوط الدخان البسيط المتصاعد من الانقاض،الا ان الرد جاءوهم من رجل عجوز يجلس خلفهم ((ذنبهم إننا بنحارب ناس متعرفش دين او رحمه )) فالتفت احمد متفاجئا ليجد ان الرد جاء من عمده القريه والذي تهدم منزله هو الاخر علي عدد كبير من عائلته،فتمتم أحمد بحزن(( البقيه في حياتك يا عمده )) لم يرد الرجل علي عزاء أحمد ، أنما ردد بعد فترة صمت قول الله تعالي

(( ولا تحسبن الذين فتلوا في سبيل الله امواتا،بل احياء عند ربهم يرزقون ))  وأنسابت الدموع من عينيه في صمت لتبلل لحيته  البيضاء، في هذه اللحظات وصل عمر ومعه بقيه الطيارين ليجدا المشهد البشع امامهم فيصابوا جميعا بالذهول والغضب من حجم التدمير الذي حل بالقريه ، فيتقدم عمر مواسيا العمده الباكي ، فيرد الشيخ بحده (( انتوا هنا بتعملوا ايه ؟)) ينظر الرجال لبعضهم البعض في حيرة من سؤال الرجل المفاجئ ولا يملك اي منهم جواب السؤال ، فيستكمل الشيخ بحده وغضب مكتوم ((هو مش المفروض انكم طيارين ومعاكم طيارات ؟؟؟ خلاص محدش غيركم هياخد بتار كفر نور .... قاعدين هنا ليــــــــه؟ )) ينظر الطيارون لبعضهم البعض في حيرة .

الا ان محمد يقطع تلك الحيرة قائلا للشيخ ((أقسم لك يا عمده ،اننا هناخذ بتار كفر نور كله وكل شهيد مات النهارده هناخد بتارة من ولاد الكلب))  يتدخل أحمد بعدها ملطفا الحوار ومعتذرا للعمده عما سببه وجودهم بقرب الكفر من موت ودمار ، وهنا ينتفض العمده مطيحا بكل احزانه ومعلنا غضبه غضبا شديدا التفت له كل الرجال المتواجدين بالقرب منهم صائحا (( هوا احنا مش مصريين ولا انتوا بس المصريين ؟؟؟  ..كلنا مصريين وزي ما انتوا بتحطوا ارواحكم علي ايديكوا في كل لحظه ، احنا برضه بنحارب معاكم  ومش مهم كام واحد مننا يموت المهم نحرر الارض وناخد بتارنا ونرجع نقدر نرجع نرفع رأسنا تاني ))

ظلت كلمات عمده كفر نور تتردد في عقل احمد طيله الايام التاليه والتي شهدت صراعا بين الطيارين متمثلا في احمد كقائد للسرب وبين قيادته العليا والتي أصرت علي أستمرار ايقاف العمل بالمطار ، فقد حفر تشبيه العمده في مخيله احمد ، فالعمده شأنه شان اي مصري وعربي لم يعد يستطيع ان يرفع رأسه خجلا ومهانه مما حدث ، ودور الجيش هو اعاده رأس مصر لاعلي حيث كانت وحيث يجب ان تكون دائما .

وتم نقل الطيارين لاحد المطارات البعيده عن الجبهه للتدريب ومرت عده اشهر والطيارون مازالوا يتدربون في احد المطارات بصعيد مصر بعيدا عن الاشتباكات التي يسمعون عنها يوميا في الاذاعه ، ووسط قيظ حر صيف 1968 والخريف التالي ، ظل الرجال في مطاراهم يتدربون ويكتسبون خبرات من كبار الطيارين المصريين والخبراء السوفيت، وبدون اجازات او راحه واصل الرجال المحاضرات النظريه والتدريبات العمليه

 

وزير الدفاع السوفيتي  في زياره لقاعده جويه مصريه وعلي يمين

الصورة الفريق مصطفي شلبي الحناوي قائد القوات الجويه

وخلفه الفريق عبد المنعم رياض رئيس اركان حرب القوات المسلحه

 

كان النسر الاصلع اكثرهم حنقا وغضبا من بقيه زملائه ، ووضح ذلك عليه من خلال عصبيته الزائده واحتكاكه الدائم مع المدربين السوفيت الذين كانوا تحت المستوي المطلوب طبقا لكلامه .

وفي احد الليالي الهادئه وصل الدمنهوري فجأه ، فكان ذلك تغييرا في الروتين اليومي الممل ، جعل الرجال يستقبلونه بسعاده بالغه وترقب لاخبار جديده، وبالفعل فقد كان الدمنهوري يحمل اخبارا طازجه جدا تخص النسر الاصلع ، فقد قبل السوفيت بمقترحاته هو وطارق بخصوص تعديلات الميج 21 وكان ذلك في حد ذاته نقله نوعيه لمستوي الطيارين ، وكعادته قابل النسر الاصلع تلك الانباء بقتور متعللا بان السوفيت يومهم بسنه ومن غير المتوقع تطبيق تلك التعديلات سريعا ، لكن الدمنهوري فاجأ الجميع بأن الرئيس عبد الناصر كان في زياره سريه لموسكو وتم الاتفاق علي توريد المحركات الجديده لكي تزود المقاتلات المصريه بها في اسرع وقت ، مما اثلج صدور الرجال كثيرا ، واضاف الدمنهوري بأن المهندسين المصرين قد طوروا كثيرا في الميج 21 وانها اصبحت جاهزة لاستقبال المحركات الجديده لكي تدخل الخدمه .

ومن بين جو المرح الذي اضفاه الدمنهوري علي الرجال بزيارته المفاجئه وهدياه الخاصه المتنوعه للجميع ، تساءل وليد عن اخبار المطار 77 و كفر نور ، ذلك الكفر الذي لم ينساه احد من الطيارين قط منذ تلك الغاره الاخيرة فتبسم الدمنهوري متسائلا اذا كانوا يقصدون القسم الذي قطعوه علي انفسهم للعمده ، فأومأ الجميع ايجابا في دهشه من معرفه الرجل بهذا الوعد، فأكد الدمنهوري ان الفرصه ستتاح لكل منهم للوفاء بقسمه قريبا ، فتساءل احمد مقاطعا عما اذا كانوا سيعودون للمطار 77 مرة اخري ،فأجاب الدمنهوري بالايجاب لكن بعد ان يتسلموا طائرات جديده معدله بدلا من تلك التي سحبت من المطار وكذلك بعد ان يتيقن الجميع من ان الاسرائيلين قد نسوا امر هذا المطار والذي مازالوا يستطلعونه بين الحين والاخر حيث شرح الدمنهوري فكرة اعاده المفاجأه مرة أخري بعد ان يتأكد الاسرائيليين من نجاح غاراتهم السابقه في تعطيل المطار .

مرت عده اسابيع اخري وقارب عام 68 علي الانتهاء ، وقام طياروا السرب بزيارة لاحد المطارات حيث شاهدوا النموذج المعدل من الميج 21 والذي اضاف السوفيت علي اسمها رمز MF، وفرح الرجال جدا بالتعديلات التي شملتها الطائرة من حيث وجود خزان وقود اضافي وأماكن لاربعه صواريخ علي الاجنحه 

وزادت فرحتهم اكثر عندما علموا بقرب تسلمهم لتلك الطائرة المعدله ، وفورا بدأ احمد يعد طياريه طبقا لكتيب التعليمات الجديد للطائرة - علي التكتيكات الممكنه لهذا الطراز المعدل حيث تضاعف التسليح تقريبا وزاد المدي كثيرا ، مما شكل تطويرا لتدريباتهم

 

 

 

         MIG 21MF المطوره ويظهر خزان الوقود            

        الاضافي في البطن ونقطتين للصواريخ علي كل جناح     

 

في تلك الفترة تلقي احمد تعليمات بنزول جميع طياريه الي اجازة تستمر اسبوعا كاملا بدأ من اول الاسبوع القادم ،وكذلك تلقي عمر التصديق علي طلبه المقدم من فترة بالزواج مما جعله يطير فرحا بهذا الخبر وشاركه الجميع فرحته ، سرعان ما اتصل عمر بناديه لاعلامها بتصديق الجيش علي طلبه ولكي تعد نفسها في الفترة المتبقيه

 

ووسط الجو الاحتفالي بعمر ، تقدم طارق عارضا شاليه اسرته بالمعمورة لعمر كهديه زفاف ليقضي فيه شهر العسل ، ولم يترك جمال الفرصه تفوته بتعليق ساخر بأن طارق يعرض شاليه في المعمورة في عز الشتاء والامطار لشهر العسل ، فضحك الجميع وامضوا تلك الليله في الاحتفال بعمر

لكن احمد كان مدركا انهم مقبلون علي مرحله اخري في عملهم ، فقد تعودوا علي ان الاجازة الطويله يليها شئ مهم ،خاصه وان تعليمات القياده تنص علي التجمع بعد الاجازه في القياده بالقاهرة

وبعد ايام كان الطيارون يلتقون في منزل عمر بالعباسيه للاحتفال به وبعروسه ، ولفت الطيارون الانظار فور دخولهم مجتمعين بزيهم العسكري الانيق وأجسامهم  الرشيقه المتناسقه

ووسط الاغاني وفرح الجميع يعقد القران ،وتنهال علي احمد ورفاقه اكواب الشربات وسط نظرات اعجاب من صديقات ناديه للطيارين و خاصه لمحمد والذي ظل معظم الوقت في الشرفه يتابع الاحداث في صمت ، ويدخل الدمنهوري بملابسه المدنيه حاملا هديه ثقيله في يده لتزداد سعاده الجميع بوصوله ويلتقط طياري السرب صورة تذكاريه  لهم مع العروسين بينما رفض الدمنهوري ان يشاركهم وسط دعابات من جمال .

وانتهي الحفل سريعا قبل المغرب بقليل ، ليسافر بعدها عمر وناديه الي المعمورة لقضاء شهر العسل هناك ،ورغم بروده الطقس والامطار ،الا ان احساس عمر بالانعزال التام عن العالم مع ناديه فقط كان يعطيه احساس يفوق الوصف من الراحه النفسيه التي هو في أمس الحاجه لها

اول شئ قام به عمر هو فتح هديه الدمنهوري الثقيله الوزن ، وفجأه صدم عمر عندما فتح غطاء العلبه ، فبداخل العلبه كانت ترقد قطعه حديد محترقه وغير محدده المعالم ، وعندما قلبها عمر وجد علي الناحيه الاخري جزء من نجمه داود السداسيه الاسرائيليه ، دار عقل عمر في سرعه ، فكيف عرف الدمنهوري بالمهر الذي طلبته ناديه والذي تعذر عليه الحصول عليه نظرا لان الطائرات التي اصابها او اسقطها كانت تسقط في اراضي العدو ،كانت نظرات الدهشه تملئ ملامح عمر وعقله يعمل بسرعه ، فمن يعرف هذا المهر غير ناديه وطارق وقائده احمد ؟ ولولا دخول ناديه للحجرة وفرحتها بهذه الهديه الغاليه لظل عمر واقفا مذهولا طوال الليل محدقا في قطعه الحديد من جناح الطائرة الاسرائيليه

ورغم كل الحب الذي بثته ناديه في نفس عمر والذي كان بدوره محتاج له ،الا ان الكوابيس ما زالت تطارده وهو أمر افزع ناديه عده مرات ،عندما شاهدته يصحو مفزوعا كمن يطارده شبح وعبثا حاولت ان تعرف منه بماذا يحلم ، فلم يرد سوي بكلمات غير مفهومه لها مثل (( انت متعرفيش اللي مرينا بيه )) (( الموت كان ورانا وبيطاردنا )) (( محمود والصاوي ماتوا قدام عنيا )) (( ضربونا علي الطريق )) كان العرق يتصبب من كامل جسده وهو يردد تلك العبارات وما يلبث ان يهدأ بعد فترة ويعود للنوم .

اما محمد صلاح فقد وجد نفسه في منزله ببورسعيد بعد ما يقرب من عامين من مغادرته اخر مرة ،فلم يكن امامه مفر اخر يلجأ له فسلم لامر كان يخشاه وهو ان يعود الي المنزل الخالي من اهله ، وقف محمد يشاهد الصور المعلقه علي الحوائط لوالده ووالدته وشقيقيه جمال ومسعد اللذين استشهدا بالاردن في ايام النكسه ، وانسابت الدموع تلقائيا علي وجهه بعد ان ظلت متحجرة طيله عام كاملوظل فترة الاجازه هائما مع ذكرياته العائليه والامه وغضبه 

وتمر أيام الاجازة سريعا ، ليتقابل الجميع مرة اخري في مقر قياده القوات الجويه لتلقي التعليمات

وكانت التعليمات مختصرة جدا .........العوده الي المطار السري

التقي الطيارين بالعقيد فريد مرة اخري والذي اخبرهم بأن هناك مؤتمر للطيارين سيعقد في القياده اليوم وبعدها سيتوجه الجميع الي مطار غرب القاهرة لاستلام الطائرات الجديده  

دخل الطيارين للقاعه ووجدوا انفسهم وسط ما يقرب من مائه طيار من مختلف الاسراب وعلي الفور بدأ المؤتمر والذي انتهي بعد ساعتين تقريبا ، و كان مؤتمرا مثيرا للاعصاب ، فقد تحدث عدد من الخبراء السوفيت عن التطور في الميج 17 والميج 21 والسوخوي 7 كأنهم اصحاب تلك الافكار رغم انها افكار مصريه نابعه من خبرة القتال الفعلي مع العدو ، وتغني الخبراء في تعديد مزايا التطوير والامكانات الفنيه الجديده للطائرات والتي تجعلها تقارب ان لم تكن تتعدي مثيلاتها لدي اسرائيل

كان احمد وطياريه يعلمون ان هذا ليس حقيقي فما زالت هناك فجوات كبيرة مع اسرائيل احداها تتعلق بالصواريخ الجو جو والتي تزيد كفاءتها عند العدو وتمكن الطائرات الاسرائيليه من ضرب مقاتلاتنا من بعيد ،كذلك مدي الطائرات مازال قصيرا ، لكن احمد تحكم في اعصابه وامسك بيد محمد عندما حاول ان يحاور الخبير الروسي ،وبنظرة صارمه صرف محمد النظر عن مجابهه الرجل (( أصل ما فيش فايده من الكلام مع الناس دي يا محمد )) قال احمد بعد نهايه المؤتمر واستطرد (( هما مفتنعين إن العيب فينا كطيارين مش في سلاحهم ، واحنا دورنا اننا نشتغل بالي تحت ايدنا بس ))

كان احمد يقول هذه الكلمات وهو يعلم من قياداته بصواب هذا الرأي ،فالخبراء السوفيت زرعوا روح من اليأس والاحباط بين طيارينا بدعوي عدم كفاءتهم وهنا يبرز دور القاده الاصاغر في تحويل هذا الاحباط الي تحدي فلم يكونوا هؤلاء الشباب يحاربون اسرائيل فقط ، بل يحاربون امريكا التي تمد اسرائيل علي الفور بكل جديد ومتقدم من السلاح ، ويحاربون السوفيت ليقنعوهم بكفاءتهم ليمدهم السوفيت بدرجه اعلي من السلاح وإن كانت مازالت متخلفه عما تمده امريكا –أسرائيل ، ويحاربون الزمن في التدريب والابتكار للوصول لمستوي عالي من الكفاءة بما هو متيسر لديهم ،وفي النهايه يحاربون اسرائيل بكل ما لديها من عتاد وسلاح

أوضح وليد ان السوفيت لديهم طائرات اكثر تقدما وموديلات من الميج 21 والسوخوي 7 أكبر مدي واننا لم نسمع عنها اي شئ ودلل علي كلامه بأن التعديلات المصريه قوبلت بترحيب سوفيتي لانها مرت عليهم من قبل وكانت جاهزة عندهم بل ومطبقه لكنهم احتفظوا بها سرا

فيتدخل شريف في الحوار (( ما هوا مش معقول تقولي ان مفيش عند الروس طيارات تقدر توصل اسرائيل من هنا ، بس كل مرة نسأل يقول الخبير ان ده احسن سلاح عندنا ))

يتابع خالد الحوار (( المشكله كمان ان اسرائيل بدأت في استخدام صواريخ سباروا علي السكاي هوك ، والكلام ده من نشرات التوجيه الدوريه ، يعني يقدروا يضربوا علينا من مدي 15 الي 20 كيلو واحنا منقدرش نضرب الا من 3 كيلو بس ))

يقاطعه محمد (( كلامكم صح ، بس الصاروخ السبارو لما يقرب منك بيكون خلاص انهك المحرك علي المدي ده وأعتقد اننا ممكن نتفاداه بمناورة جانبيه حاده في الوقت المناسب ساعتها ميقدرش الصاروخ يستجيب لها ويضل الهدف ))

أحمد (( مش هنقدر نؤكد الكلام ده يا محمد الا لما نقعد مع طيارين اشتبكوا مع الصاروخ وعرفوا امكانياته )) ثم ركب الجميع سيارة كبيرة متجهين الي مطار غرب القاهرة لاستلام طائراتهم الجديده ، بعد ان تأكد احمد من مغادرة الفنيين واطقم الامن الي المطار 77 حاملين معداتهم واجهزتهم الخاصه

 

 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech