Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

السرب 77 قتال - الفصل الثامن

حرب الاستنزاف

 

وفي نفس اليوم وقبل اخر ضوء بقليل ، كانت الطائرات الثمان تهبط فرادي في المطار 77 مرة اخري ليعود هذا المطار للحياه مرة اخري في ديسمبر  68

وبعد حوالي الساعه هرع احد افراد الامن الي احمد مرتبكا ، فعدد كبير من اهالي كفر نور يتقدمهم العمده قد توافدوا حول المطار حاملين المشاعل وانه ( اي فرد الامن ) لا يعلم نيتهم بالضبط ولا يمكن لافراد الامن منعهم لفترة طويله نظرا لكثرة عددهم واصرارهم علي الدخول لمحيط المطار.

خرج احمد تجاه حشد الاهالي عند محيط المطار متحفزا وتبعه بقيه الطيارين ،فوجدوا ما لا يقل عن مئتي رجل وأمرأه  يحملون المشاعل في مظاهرة تنذر بعواقب وخيمه ،وفورا اتجه احمد تجاه عمده القريه ، صاح العمده غاضبا في وجه احمد بدون مقدمات بأنه لا يحق للأمن منعهم من الدخول ، حاول احمد تهدئه العمده وتلطيف الجو ببعض العبارات عن الامن وتنفيذ الاوامر ، الا ان العمده العجوز صاح في وجهه احمد بأن الاهالي فور رؤيتهم للطائرات تهبط  قد تجمعوا واخرجوا ما بديارهم من طعام وحليب ليقدموه للجنود .

ففغر احمد فاه من الدهشه واسقط في يده ، واحسن كل طياري السرب بالاحراج عند برزت النساء من خلف الرجال يحملن علي رؤسهن شتي انواع الطعام واللحم وكميات كبيرة من اللبن .

وبلهجه أمره قال العمده (( يا بني انتوا ولادنا ودي أقل حاجه نقدمها لكم، فلازم تاخدوا الاكل)) كان الرجل مُصر اشد الاصرار ومن خلفه رجال الكفر وعلي ملامحهم تبرز الجديه والاصرار ، فقال احمد في احراج بالغ

(( بس يا عمده ده كتير جدا ، وانتوا محتاجين الاكل ده اكتر منا )) ردت احد النساء من خلف العمده

(( ودي تيجي حاجه جنب اللي انتوا بتعملوه ، دانتوا بتشوفوا الموت كل يوم عشان تحمونا )) فأسقط في يد احمد للمرة الثانيه ووجد ان اصرار الاهالي اكبر من ان يرفضه وفي حاله الرفض سيتحول الموضوع الي اهانه لهم ولكرمهم ، فشكرهم احمد مع تأكيده بالا يتكرر هذا الموضوع لان لديهم ما يكفيهم ، وحمل الجنود والضباط الطعام وانصرفوا شاكرين ، في حين لم يتحرك اهالي القريه بعد ان تأكدوا ان جميع اصناف الطعام قد سُلمت ، وخلال عودتهم الي المنزل ،قال شريف (( غريبه جدا الناس دي ، باعتين لنا حمام وبط ووز ولبن وكميات رز تكفينا شهر وهما في نفس الوقت محتاجين كل الاكل ده أكتر منا ))

يرد خالد (( دول فلاحين يا جماعه ، وده واجب الضيافه عندهم وكان لازم كابتن احمد يقبله من الاول والا كانوا عملوها قضيه وزعلوا ))

وليد (( بس احنا لازم نفكر برضه في الناس دول ، احنا كل يوم بناكل لحمه وفراخ وفيه ناس كتير مش لاقيه تاكل عيش حاف ، سواء في القري هنا او في المدن ))

فيرد احمد (( احنا بناكل لحم وفراخ كل يوم فعلا لاننا محتاجين نحافظ علي صحتنا ولياقتنا عشان الحرب والناس عارفه كده مضحيه ومقدره والدليل اللي حصل دلوقت ، الناس بتاخذ من فم اطفالها وتأكلنا ، فيه ايه اعظم من كده ؟ ناقصنا ايه بعد كده عشان نحارب ؟)) (( ناقصنا الامر بكده )) رد طارق

ويتبعه محمد (( انا لو عليا ،املي طياراتي ديناميت وانزل بيها علي اي مطار عند الكلاب دول وافجرة ))

يرد عمر بيأس (( وهتكسب ايه ؟؟ هتموت ونخسر إحنا طيار ممتاز زيك وطيارتة وفي نفس الوقت اسرائيل يجيلها بدل الطيارات المدمرة عشرة ، نبقي كسبنا ايه ؟)) وانتهي النقاش عندما وضعت اصناف الطعام علي المائده وخُزن ما فاض وبدأ الجميع في تناول الطعام الشهي

في اليوم التالي أتخدت الطائرات وضع الاستعدات طبقا للتعليمات ، وتأتي اشارة من القياده بان العقيد فريد والدمنهوري سيحضران ليلا ، وبالفعل اجتمع الرجال مع الدمنهوري والعقيد فريد يستمعان لما لديهم ليقولونه

الدمنهوري (( احنا داخلين علي مرحله مختلفه عن الاول ، في الاول كنا في مرحله صمود وردع يعني كان لازم نصمد ونعيد تنظيم الجيش وندافع عن خط القناه وتحملنا في المرحله دي خساير كبيرة بس تأثير المرحله دي علي العدو كان كبير جدا ، فبدؤا يعملوا تحصينات دفاعيه بطول القناه تحت اشراف الجنرال بارليف بنفسه لان اليهود بطبعهم جبناء وقصفنا المدفعي كبدهم خساير كبيرة،أما مرحله الردع اللي احنا نعتبر لسه فيها فقد اختلف الحال ، فبدأنا في دوريات عبور واستطلاع للعدو ومهاجمه دورياته ،

وفيه مجموعه من رجال الصاعقه المختلطه مع رجاله المخابرات الحربيه بيعمولوا عمليات بطوليه خلف خطوط العدو واحنا مسميين المجموعه دي المجموعه 39 ودي لوحدها مجننه اسرائيل ،

وفي الكام شهر اللي فاتوا لاحظنا من الاستطلاع ان تحصينات الجنرال بارليف بدأت تاخذ شكل تاني في شكل خط دفاعي حصين واستعملوا قضبان سكه حديد غزة وحجارة لتغطيه أسقف الدشم دي ، ومن ورا الخط الدفاعي ده حطوا عدد من سرايا الدبابات لدعم اي نقطه تتم مهاجمتها ))

محمد مقاطعا (( ياولاد الحراميه، تبقي ارضنا ويثبتوا نفسهم فيها ؟ دول مش ناويين يطلعوا منها ؟))

المنهوري (( لا يا محمد مش باين لهم خروج منها ، عشان كده الريس لما قال ان اللي أتاخذ بالقوة لازم يرجع بالقوة كان عنده حق ، اما الجديد كمان علي الجبهه انهم بدأوا يحطوا بطاريات صواريخ هوك ارض جو في المحاور الحيويه ودي صواريخ متطورة جدا ، وكمان طوروا مطار المليز وبقه اسمه رافديم وطوروا عدد تاني من المطارات وعملوا طرق جديده مرصوفه كويس لتحركات قواتهم ،لكن اللي يهمكم فعلا ان فيه طيارين اسرائيلين هيسافروا امريكا عشان ياخدوا دورة في الفانتوم ويرجعوا بيها طايرين،بس ده مش قبل سنه تقريبا ))  طارق وقد تعالي اندهاشه (( طايرين بيها من أمريكا ؟؟ ازاي ؟؟))

العقيد فريد (( احنا لسه معندناش معلومات مؤكده عن امكانات الفانتوم لكن هنتكلم النهارده عن امكانيات السكاي هوك ومقارنتها بالميج 21 المعدله اللي معاكم ، واول ما نجيب مواصفات الفانتوم هنبلغكم بيها علي طول )) أحمد (( والسكاي هوك دي اخبارها ايه ؟))فقام العقيد فريد ووضع علي طاوله الاجتماعات صورا عديده للطائرة سكاي هوك بالالوان الاسرائيليه

 

اول تشكيل سكاي هوك إسرائيلي

 

ثم أستطرد العقيد فريد (( السكاي هوك مصممه اصلا للعمل فوق حاملات الطائرات كقاذفه بحريه خفيفه ، لكن قدرة المناورة عندها تخليها مقاتله كويسه برضه ،سرعه الطيارة 1.1 ماخ(الماخ هي وحده سرعه الصوت ) وهي محمله مقارنه بـ 1.5 ماخ للميج 21 عندنا ، اما حموله الطائرة فهي اكبر من ضعف الميج 21 فحمولتها تصل الي 3700 كيلو جرام مقارنه بـ 1500 كيلو جرام للميج 21 وده معناه ان الميج 21 وهي محمله بالصواريخ وضعها افضل بكثير من السكاي هوك وهي محمله لان مناورتها بتقل طول ما هي محمله ، اما بخصوص المدي فهو 3300 كيلو متر بخزانات اضاقيه وعلي ارتفاع عال مقارنه بـ1800 كيلو للميج المعدله ))

كان جميع الطيارين يدونون ما يقال في تركيز عال وتساءل خالد عن تسيلحها ، فاجاب العقيد فريد شارحا علي المخططات التي امامهم  (( السكاي هوك فيها خمس اماكن لتحميل الصواريخ والقنابل وتسليح الاعتراض الجوي الاساسي هو الصاروخ السايدوندر والصاروخ سباروا وفيه اجهزة الكترونيه  لتوجيه الصواريخ والرصد )) فتساءل  شريف عن كيفيه التصدي لتلك الطائرة ونقاط القوة والضعف ، ولمده ساعتين انهمك الرجال في سجال مع العقيد فريد في مناقشه تلك الطائرة وامكاناتها وكذلك الخبرات السابقه المنقوله من السوفيت والفيتناميين الشماليين في معاركهم مع تلك الطائرة ،وانتهي الحوار مع العقيد فريد بوضع تصور لاحسن اسلوب لمواجه تلك الطائرة بناء علي المعلومات المتاحه وفي نفس الوقت شدد العقيد فريد علي تقليل عدد الطائرات في المهمه الواحده نظرا لحساسيه الموقف ، وتدخل الدمنهوري (( مطاركم معرض للكشف في اي لحظه بسبب وجود سوابق ناجحه لكم مع العدو فهو حاططكم تحت المنظار ، فلازم تكونوا مستعدين للتحرك لاي مطار تاني في اي وقت ، بس المعلومات اللي عندنا بتقول انه متخوف من محاوله ضربكم هنا تاني بعد ما ضرب كفر نور غلط ، التدريبات هتكون في اضيق الحدود والطيران علي اقل ارتفاع ممكن لتفادي كشف العدو لكم ،لاننا شاكين في رصد طائراتنا ،

فكل مرة نطلع طيارة تلاقيه مطلع اتنين يعني هوا كاشف مطاراتنا ، ازاي ؟؟ لسه منعرفاش ، ممكن جواسيس او رادارات لسه منعرفش بالتحديد لكن اللي نعرفه كويس انكم لازم تحققوا المفاجأه تاني وتعترضوا طياراته في مكان وزمان هوا مش متوقعه ))

أحمد (( طيب ازاي هوا كاشفنا بالطريقه دي ونقدر نفاجأه ؟؟؟))

العقيد فريد (( احنا متوقعين ان العدو  يكثف هجماته الايام الجايه ضد مواقع الصواريخ خصوصا  علي الجبهه ، وهيكون عامل حسابه لطيران باقي القواعد الجويه لكن مش عامل حسابكم خالص ، عشان كده احنا محتاجين نفاجأه تاني من حيث لا يتوقع ))  طارق (( طيب واخبار الدفاع الجوي ايه ؟؟))

الدمنهوري (( احنا دخلنا الجبهه عدد من كتائب الصواريخ سام 2 عشان تحمي المطارات وكمان بقدر الامكان تحمي اكبر عدد من الوحدات البريه كمان ، بس مقدرش اقول ان الدفاع الجوي وقف علي رجليه لسه عشان كده احنا معتمدين علي الطيران مع الدفاع الجوي لصد هجمات العدو بس لما الدفاع الجوي يقف علي رجليه هتقدروا انتوا تستريحوا ))

العقيد فريد متداخلا (( حمايه قواعد وتحصينات الدفاع الجوي اللي لسه بتبني لها اولويه قصوي للقياده)) الدمنهوري (( انتوا داخلين علي ايام صعبه جدا ، فلازم تكونوا جاهزين جدا ))

 ثم تبسم قائلا (( وبلاش تتقلوا في الاكل زي امبارح بليل )) فضحك الجميع من دعابه الدمنهوري

 

مر شهري يناير وفبراير علي الرجال في سكون تام ، فلم يتم عمل طلعه واحده من المطار وإن حافظ احمد بصعوبه علي كفاءة الطيارين بعمل تدريبات ارضيه شاقه بهدف الحفاظ علي ازمنه الاقلاع والهبوط

في تلك الفترة وعمل الطلعات اللازمه من مطار إنشاص ،وبعد موافقه القياده تم انزال مستوي الامن حول المطار ، فتم السماح للسيارات المدنيه بالمرور علي الطرق الموازيه للمطار والتي تمثل الممرات ، كما تم السماح لاهالي القريه بالمرور في قلب المطار ، وكان ذلك في حد ذاته خداع لاي استطلاع قد يقوم به العدو مع الالتزام مع عناصر الامن بالاستعداد لاغلاق الطرق في اي لحظه ،بينما تم زياده مستوي تمويه الطائرات داخل المطار وكان ذلك بناء علي خطه وضعها احمد مع الدمنهوري في يناير 1969، تحسبا لاي عملاء للعدو، يحاولون رصد المطار

في تلك الفترة كانت الاشتباكات الجويه قد خفت حدتها قليلا مع ورود معلومات بزياده تحصينات خط بارليف علي شاطئ القناه مما كان يصيب الرجال باحباط بالغ

وفي اول مارس 1969 صدرت الاوامر للسرب بالاستعداد لتنفيذ اي مهام ، وكانت اشاره غامضه لاحمد فهم في الحقيقه علي اعلي استعداد والقياده تعلم ذلك بالفعل فما سر تلك الاشارة ، وفي اليوم التالي مباشرة جاءت اشارة مشفرة  باستعداد السرب كاملا للمعاونه ، فتم وضع جميع الطائرات في اقصي درجات الاستعداد منذ اول ضوء ، ومن داخل كبائن الطائرات أستمع الطيارون للاشارات اللاسلكيه من القواعد المختلفه

وقرب الظهر وضح جليا ان هناك نشاط مكثف في الجو ، فطائراتنا القاذفه تتجه لقصف وحدات العدو

كانت تركيز الرجال مع الاشارات المختلفه من الطيارين ، بينما أيهاب علي الارض مواجهاً لجهاز اللاسلكي منتظرا اي اشارة بالاقلاع .

أستمع الرجال لطيارينا وهم يهاجمون تجمعات مدفعيه العدو ودباباته علي الشاطئ الشرقي للقناه في عنف وتركيز شديدين وبلاغات قاده التشكيلات باصابات العدو المتواليه ، لكن ما شد انتباه احمد هو هجوم يقوم به تشكيل سوخوي بمهاجمه مركز للعدو فوق جبل ام خشيب وهي اعلي قمه في جبال سيناء علي المحور الاوسط .

كان قائد التشكيل يتحدث عن اصابه مباشرة للهدف بينما القياده تلح بمعاوده الهجوم مرة اخري علي غير العاده ،في نفس الوقت افادت الرادارات المصريه بإقلاع طائرات العدو ، بينما عادت طائراتنا جميعها بعد تنفيذ مهامها كان هذا التشكيل مازال فوق الهدف .

أحس محمد بأن الامر سيصدر لنجده هذا التشكيل ، الا ان الامر لم يصدر بعد فتابع طياروا السرب 77 بلاغات قائد التشكيل الذي افاد بأنه قد انهي مهمته وانه عائد لقاعدته في اقصي سرعه

وبينما بلاغات غرفه العمليات تبلغه باقتراب تشكيل معادي من مؤخرته وان طائرات التعزيز في الطريق

وقتها توقع احمد ان يصدر لهم الامر بالاقلاع لتغطيه الانسحاب ، فتابع في تركيز بلاغات قائد التشكيل

الذي أقترب باقصي سرعه من القناه ، وفجأه سمعوا قائد التشكيل ينبه طيار أخر صائحا   (( طيارتك مولعه يا عبد الباقي – نط منها )) أحس طارق بأن الزمن توقف به وهو يستمع لتلك المحادثه ، فطيار زميل لهم علي وشك الموت او أسره في تلك اللحظات ..... ثم تلي ذلك فترة صمت لاسلكي

ثم ظهر صوت قائد التشكيل يسأل طياريه هل رأي أحدهم  مظله عبد الباقي ، ولم يكن هناك رد بالايجاب من باقي التشكيل ، فجأه تنسحب طائرات العدو بعد ظهور طائرات التعزيز التي اقلعت من مطار القطاميه  ووصلت لسماءالمعركه قرب القناه ، فيتساءل قائد التشكيل مرة اخري هل رأي احد مظله عبد الباقي ، فيأتي صوت احد الطيارين بالايجاب وانه رأه يقفز بالمظله ، ليتنفس الجميع الصعداء 

ويمسح احمد قطرات العرق التي تصببت بشده وهو يستمع لتلك المحادثات المتوترة فهو يجلس في طائرته لا حول له ولا قوة ويتمني مثل طياريه ان يصدر الامر بالاقلاع ..................

ومر اليوم بدون أن يصدر الامر بالاقلاع للسرب

وليلا يجتمع الرجال حول الراديو ليستمعوا لخطاب الرئيس عبد الناصر الذي اعلن فيه بدء صراع جديد يهدف لاستنزاف طاقات العدو وتكبيده اكبر خسائر ممكنه، لٌيشحَن الرجال مرة اخري بقوة كلمات عبدالناصر المتحديه ، فلا استسلام فقط قتال حتي تحرير الارض او الموت

وفي الايام التاليه تشهد الجبهه المصريه اعنف قصف متبادل من المدفعيه البعيده المدي ، وينام الرجال ليلا وهم يسمعون الانفجارات من بعيد تهز الارض تحت اقدامهم وتتوتر الاعصاب يوما بعد يوم وخاصه اعصاب محمد الذي اصبح وجوده علي الارض صعبا خاصه بعد اشتعال المواجهات الجويه

الا ان تعليمات القياده للسرب كانت بالالتزام بضبط النفس ،وفي التاسع من مارس ليلا تصل اشارة الي المطار تنعي الفريق عبد المنعم رياض رئيس الاركان في نقطه المعديه رقم 6 وهي اقرب نقاط المواجهه اثر قذيفه مباشرة ، فعم الوجوم والحزن وجوه الجميع وانزوي احمد حزينا علي هذا الرجل الذي ظهر معدنه القيادي الاصيل في لقاءته القليله مع الطيارين بعد النكسه ، فقد كانت خسارة كبيرة لمصر بكل المقاييس

وبعد يومين غادر عمر المطار مندوبا عن السرب لحضور الجنازة ، وفي قلب العاصمه تجمع الملايين من شعب مصر أيضا لحضور جنازة ذلك البطل ، ووسط حشود قل ما يقال عنها انها رهيبه وقف عمر ببذلته الرسميه ضمن وفد القوات الجويه ، ومع أنتهاء صلاه الظهر يبدأ موكب الجنازة يتقدمه الرئيس عبد الناصر، وما هي الا خطوات قصيرة الا ويذوب الرئيس وسط جموع البشر ويغيب عن انظار عمر ، وتتحول الجنازة الي ملحمه شعبيه فهتف الملايين (( بالروح بالدم نفديك يا شهيد )) ليهتز وجدان عمر من جلال الهتاف يعقبه هتاف اخر (( هنحارب – هنحارب )) لتأكيد وحده الشعب مع الجيش ، وهيهات حاول عمر ان يلمح الرئيس مرة اخري الا ان الرجل ذاب وسط جموع البشر بدون حراسه او رسميات  ليندمج وسط شعبه في تشيع جثمان اعلي رتبه لشهيد مصري في هذه الحرب المريره 

مضي علي السرب ما يقرب من ثلاث اشهر لم يقم فيها بطلعه واحده منتظرا الاوامر بعمل الكمين المناسب لطائرات العدو والتي لم تقترب من منطقه الكمين بعد ، ومع فشل نظريه الكمين ووجود ضغط علي القياده من الطيارين برغبتهم في مشاركه زملائهم في العمليات ، يتم اعطاء أحمد الامر بحراسه تشكيل ميج 17 من مطار المنصورة  اثناء تنفيذه مهمه قصف لموقع صواريخ هوك ،

 ويشتعل الحماس بين الطيارين عندما يعود احمد من مطار ابو صوير حاملا تعليمات العمليه ،ويشتعل الحماس بكل من في المطار مرة أخري،ويلاحظ  اطفال كفر نور الحركه المفاجئه بالمطار فيتجمعون للمشاهده من بعيد .

وفي نفس اليوم يقلع عدد من طائرات السرب قبل الغروب بنصف ساعه وسط تهليل سكان كفر لنور لكل طائرة تقلع  ،وتحت قياده احمد  انضم التشكيل المكون من محمد ووليد وطارق الي تشكيل الميج 17 غرب القنطرة علي ارتفاع منخفض ،وعلي الارض ينتظر عمر وخالد وشريف وجمال لتعزير موقف احمد اذا دعت الضرورة ،ويتجه التشكيل شرقا تجاه بطاريه الهوك علي المحور الشمالي علي ارتفاع منخفض،  وتعبر الطائرات القناه ليشاهد احمد وزملائه سيناء وما تم فيها من تغييرات كبيرة منذ اخر مرة رأوها ، فهناك الان ساتر عال من الرمال يحجب القوات الاسرائيليه عن المصريه ومن بعده دشم حصينه يرتع حولها الجنود الاسرائيلين في امان

طبقا للمخطط فأن قائد تشكيل المقاتلات القاذفه النقيب محمد عكاشه  سيخترق الغطاء الراداري الاسرائيلي  علي ارتفاع منخفض جدا وقرب الهدف سترتفع الطائرات جميعها لعمل هجوم علي الموقع

بينما ينتظر تشكيل احمد خارج منطقه الهجوم للحمايه  من اي تدخل جوي معادي ، وبالفعل يتم الوصول للهدف ببراعه تامه ومفاجأه للعدو ،

 ويتم قصف احد القواذف وأحد الرادارات ، لكن فوجئ الجميع بقصف مدفعي معادي ضد طائراتنا عند ارتفاعها لعمل دورة اخري لقصف بقيه القواذف ،وطبقا لتقارير المخابرات فلم يكن من المفترض تواجد تلك المدفعيه المضاده للطائرات والتي نجحت في اصابه طائرة ميج 17 فأنسحب الطيار بها بعد ان تخلص من  حمولته مخلفا وراءة ذيلا من الدخان الأسود ، وعلي الارض أستمع عمر لنداءات الطيارين لبعضهم البعض في صمت وتركيز وعقله يدعو للجميع بالسلامه .

مازال تشكيل الميج 17 يحاول ان يخترق الستار المعادي وقصف الهدف وسط القصف المعادي الكثيف ،لكن طائرات التشكيل تقابل بنيران مركزه من مدافع العدو  L 70في كل مرة تحاول الاختراق ،

 وتصدر الاوامر بانسحاب الطائرات بعد ان أفاد قائد التشكيل بصعوبه الاختراق وتعرض طائراته لنيران شديده ، ويبدأ أحمد في حمايه مؤخرة الميج 17 ، يلاحظ محمد عدم ثبات احد طائرات الميج اثناء الطيران في التشكيل وشرودها ، ويتم النداء علي الطيار بدون رد ، وبينما الطائرات تنسحب شرقا ، يتقدم محمد لمعرفه ماذا حل بطيار الطائرة القاذفه ، ويبلغ محمد – أحمد بأن غطاء الكابينه غير موجود وان الطيار قد انزل مستوي الكرسي ليتفادي الهواء المندفع في وجهه ،لذلك فأن الطيار لا يري شيئا امامه ويحاول الحفاظ علي اتجاهه بواسطه باقي طائرات التشكيل التي يستطع رؤيتها ، وان الطيار اشار اليه بأن اللاسلكي لا يعمل ايضاَ، كذلك واضح أثر تطاير الشظايا علي مقدمه الطائره .

كان وضع حرج تابعه الجميع سواء في الجو او علي الارض فبينما طار محمد قريبا لهذا الطيار فأن باقي التشكيل اتخذ طريقه كلَ الي قواعده سريعا ، فقد اقترب غروب الشمس وسيكون من المستحيل الهبوط الليلي ، ويستأذن محمد – أحمد بأن يظل مع الطائرة المصابه لمعاونتها علي الهبوط ، ويوافق أحمد بسرعه مذكرا محمد بأن ضوء النهار قد قارب علي الزوال .

وعلي الفور يرتفع محمد قليلا واضعه نفسه كبوصله  للطيار الاخر الذي فهم ماذا يريد محمد منه ،

وبلغ القلق مداه بالجميع حتي احمد الذي كان قد هبط بالفعل خلف تشكيله ،وظل في طائرته وسط الاشجار يستمع الي بلاغات محمد في قلق .

أقتربت الطائرتان من ممر قاعده المنصورة  وتم الاذن لهما بالهبوط ، ليتخذ محمد جانب الطائرة المصابه  أعلي قليلا حتي يتسني للطيار رؤيته بوضوح وتقليده ، وانزل محمد عجلات الهبوط ليقوم الاخر بذلك ، وتبدأ السرعه بالتباطئ تمهيدا للهبوط .

لم يكن موقفا سهلا علي محمد بكل تأكيد ، فمن المفروض انه ينظر امامه لكي يقوم بهبوط سليم ومناسب ، لكنه وجد انه مجبر علي الرؤيه الي جانبه معظم الوقت لكي يتأكد من تنفيذ زميله لتعليماته سواء بالاشارة او بتقليده والا فأنه سيهبط خارج الممر تماما ، انه اشبه بمحاوله رجل اعمي ادخال مفتاح في ثقب باب من المرة الاولي لانه ليس هناك مجال لمحاوله اخري او للخطأ

وعلي اول الممر تصطف عربات الاطفاء والاسعاف تحسبا لهذا الهبوط الاضطراري ، ويتابع قائد المطار من اعلي برج المراقبه ظهور الطائرتين من بعيد ، مازالت الميج المصابه غير مستقرة رغم انزال العجلات وتقليل السرعه ، فطيار الميح عينيه مع محمد وطائرته لتنفيذ الهبوط وقد تقاربت الطائرتان من بعض بدرجه دعت ضابط برج انشاص أن يحذر محمد عده مرات ،ويحبس الجميع انفاسه في ترقب ،

وتتعدي الطائرتان أول الممر ومازالت تقتربان  من الارض ببطء حتي لامست الميج المصابه الأرض فتنفس الجميع الصعداء ، ويشير محمد لزميله  بأنه هبوطه سليما ، فيرد الاخر سعيدا بتحيه عسكريه لمحمد والذي بدورة زاد من سرعه طائرته ورفع العجلات وارتفع عائدا لمطارة ، بينما كل من يتابع الموقف يحمد الله علي سلامه هذا الطيار، وفور تنفس احمد الصعداء أنتفض من طائرته فقد بدأ الليل يرخي ستارة ولن يستطع محمد الهبوط بدون ان يري الممر .

فأمر احمد الرجال بسرعه اشعال النار في عدد من الصناديق الخشبيه من مخلفات قطع غيار الطائرات وتحديد الممر لمحمد لكي يراه من السماء .

وعلي أطراف كفر نور ، جلس العمده ومعه عدد من الرجال يفترشون الارض حوله يتحدثون في امور الكفر واحوال الناس فيه ، التفت العمده الي رجل يجلس بجوارة متسائلا (( الولاد كلهم رجعوا ؟؟))

يرد الرجل (( لا يا عمده – فيه واحد لسه مرجعش ))

فينظر العمده تجاه غابه الاشجار (( ربنا يرجعه بالسلامه ويحميهم ))

في هذه اللحظه تمرق طائرة محمد فوق الرؤس مصحوبه بدوي يصم الاذان ،فيبتسم العمده سعيدا بأكتمال عقد الطيارين  ويحمد الله ، الا ان احد الرجال الجالسين علي الارض تساءل (( وده هينزل ازاي يا عمده والدنيا بقت ضلمه؟؟، هوا ينفع ينزل في الضلمه يا عمده ؟؟؟!!!! ))

ها هو موقف صعب اخر يتعرض له محمد في نفس الوقت الذي بدأ فيه الدوران حول المطار لكنه لا يستطيع تبيان حدود الممر من جراء الظلام كذلك ليس من المقبول ان يقوم بالاتصال بقائده علي الارض ليرشده للهبوط كي لا يلتقط العدو الاشارة ، فكان هبوطا اعمي بكل معاني الكلمه ،

وفور دورانه لمح اربع مشاعل علي الارض ، لم يستطع الرجال اشعال صناديق اكثر في ذلك الوقت الضيق لعدم وجود شئ يسهل اشعاله ، فيمر محمد بطائرته فوق تلك المشاعل بدون ان يهبط فهو يريد ان يحدد ما تمثله تلك المشاعل هل بدايه الممر ام ماذا ، ومره اخري لم يستطع ان يحدد شئ ،

 فيبدأ في الدوران مرة اخري متابعا عداد الوقود الذي وصل للصفر تقريبا ، وعلي الارض كان الجميع يعرف ما يعانيه محمد ويعرفون سوء الوضع وقله حيلتهم الا ان الحل جاء من كفر نور  فبينما احمد يتحرك بين جنوده غاضبا باحثا عن اي شئ يصلح لاشعال النار فيه فاذا بحشد من رجال كفر نور يتقدمهم العمده يهرولون علي المطار حاملين المشاعل في مشهد عظيم الجم الالسنه وسط دهشه عمر وطارق وبقيه افراد المطار ، لم يفكر احمد في شئ الا انه اسرع تجاههم وبدأ في  وضع الرجال علي جانبي الممر الصغير في سرعه وساعده بقيه الطيارين والفنيين .

ووسط قلق بالغ من محمد يتوقف محرك طائرته اثناء الدوران الاخير ، وعبثا حاول ان يدير المحرك مرة اخري لكن من الواضح ان الوقود قد انتهي تماما، ويلحظ محمد الممر فجأه مضاء امامه بالمشاعل ، فقرر ان يأخذ المجازفه ويهبط مهما كانت النتائج .

ومع تلاشي سرعه الطائرة يضع محمد طائرته وسط صفي المشاعل ويهبط تدريجيا حتي يلامس الارض ببطء وعينيه تستغرب في دهشه ، فمن هؤلاء ومن اين اتوا؟؟ 

وفور هبوطه توقفت الطائرة في منتصف الممر ، يهبط محمد وسط الاهالي الفرحه بسلامته

ومازال محمد مستغربا من حضورهم يلتفت يمينا ويسارا ، وفورا يبدأ الفنيين في دفع الطائرة داخل الاشجار ويعاونهم الرجال بسرعه ،فأحتضن أحمد عمده القريه فرحا بمشاركتهم الجليله لانقاذ محمد ، ويرد الرجل بتواضع (( رجاله الكفر بيعدوا كل طيارة طالعه ونازله عشان نتطمن عليكم اول بأول ، ولما شفنا محمد بيه نازل بالليل قولنا لازم ننور له الطريق ، دا أقل واجب منا ليكم ، المهم انكم تدوا الكلاب علقه في كل مرة )) فتبسم احمد ورافق العمده حتي مشارف القريه وودعه

وبعد ساعه كان الرجال يقدمون تقريرهم المكتوب لاحمد ، و يجتمع الطيارين لمناقشه احداث اليوم الحافله وتقييم الاداء، ورغم ارتفاع معنويات الطيارين وفرحتهم الا ان محمد وطارق كانوا غاضبين اشد الغضب

(( ازاي قائد تشكيل الميج 17 يرجع من غير ما يضرب الهدف ، ده كان خايف ولا ايه ؟ انا مكنتش مصدق انه راجع ومعاه قنابل وصواريخ !!!)) قال محمد في عنف

عمر (( ما انت شفت المدفعيه المضادة الاسرائيلي كانت عامله ازاي ، ده مكنش فيه مكان يقدروا يعدوا منه خالص ))

أحمد مستكملا (( ثم التعليمات جت لقائد التشكيل بالانسحاب ، وده امر ولازم يتنفذ ))

سكت محمد كاتما غيظه من عدم تنفيذ المهمه علي الوجه الاكمل ، الا ان الجميع اثنوا علي اداء محمد مع الطيار المصاب وبراعته في توجيهه وبراعته ايضا في الهبوظ في الظلام .

في اليوم التالي وصل خطاب شكر للسرب من سرب المقاتلات القاذفه بمطار المنصورة لمساعدتهم في عوده الطائرة المصابه ومعاونتهم في القذف

ثم مر يومين هادئين وتلي ذلك أمر عمليات لحمايه تشكيل ميج 17 سيقصف نفس الهدف المعادي الا وهو بطاريه صواريخ هوك علي المحور الشمالي جنوب منطقه رمانه .

في ذلك اليوم أستقر أحمد رغما عنه طبقا لتعليمات القياده علي خروج عدد اخر من الطيارين بدلا ممن نفذوة المهمه السابقه لاعطاء الفرصه لاكبر عدد من الطيارين في اكتساب خبرة العمليات اللازمه

فأقلع عمر كقائد لتشكيل يضم جمال وخالد وشريف ، كانت المهمه هي حمايه ثمان طائرات قاذفه ميج 17 في اداء مهمتها ، وظل احمد رغما عنه علي الارض مع طارق ومحمد ووليد مستعدين للمسانده

، وتم اختيار اول ضوء لتنفيذ المهمه في الثالث من أبريل عام 1969 ، لكن المهمه تأجلت عده مرات بسبب الضباب الكثيف، حتي وصل موعد الاقلاع الي العاشرة صباحا ،

وبينما اهالي كفر نور في الحقول يعملون ويزرعون والاطفال يتابعون تحركات الطائرات، مرقت اربع طائرات علي التوالي فوق الرؤوس محلقه في السماء ، وسط تحيات الاطفال ودعاء الكبار

أستمع احمد ورفاقه علي الارض الي اشارات برج المراقبه للتوجيه تجاه الهدف بعد الالتقاء مع تشكيل القاذفات .

عبرت الطائرات القناه علي ارتفاع منخفض تجاه الشمال الشرقي حيث تم اختيار نقطه يمكن الاختراق منها الي بطاريه الصواريخ بدون التعرض للمدفعيات الكثيفه .

وفور عبور القناه افاد موجه مطار ابو صوير بأقلاع طائرات معاديه ، وعلي الفور تم تبليغ احمد بالاستعداد ، فتحركت طائرات التعزيز لاول الممر .

قائد تشكيل القاذفات أعطي اوامرة لطياريه بالاستمرار تجاه الهدف بينما صدر الامر لعمر من ضابط توجيه ابوصوير بالالتفاف ومقابله طائرات العدو ،فأنفعل احمد بشده  فيجب ان يظل عمر قرب القناه والا يتورط في العمق ، لكن عمر نفذ التعليمات وبعد ثوان جاءت تعليمات اخري من مطار ابو صوير لتشكيل عمر بالانسحاب بعد ان قام تشكيل القاذفات بتدمير الهدف وتنفيذ المهمه وإن كان قد خسر طائرتين بفعل المضادات المعاديه

 

صورة نادره من ارشيف اللواء محمد عكاشه وفيها 8 صواريخ (نقط بيضاء)

تنطلق الي مركز قياده بطاريه الهوك

 

في غمرة توتر احمد ورفاقه علي الارض من بلاغات مطار ابو صوير باقتراب طائرات العدو من تشكيل عمر بمسافه 30 كيلو ثم 25 أصدر عمر امرة بالالقاء خزانات الوقود الاحتياطيه لاكتساب سرعه اكبر وبعد ثانيه سمع احمد صوت جمال يصرخ في فزع  (( الخزان موقعش – الخزان موقعش ))

دلاله علي خطأ فني ادي لعدم سقوط الخزان الاضافي مما يعني تباطئ سرعته عن زملاءه ولحاق العدو به ، افاد مطار ابو صوير بأن طائرات العدو أربع  طائرات وانها علي مسافه عشرين كيلو ،

 في نفس اللحظه صدر الامر لاحمد بالاقلاع ، واثناء اقلاع التعزيز سمع احمد صوت جمال يصيح

(( انا انصبت – انا...)) ......  ثم سكت الصوت فبدأ عمر بالنداء علي جمال بدون رد ، وبعد ثوان أصيبت طائرة شريف وهي ضمن التشكيل بجوار عمر وأشتعلت فيها النيران جراء اصابتها بصاروخ ،ثم انفجرت الطائرة بدون ان يستطيع شريف ان يقفز ، وسادت الدهشه ملامح عمر وخالد.

أسرع تشكيل أحمد منقضا بأكبر سرعه ممكنه تجاه تشكيل عمر العائد بسرعه ، سمع أحمد صوت عمر يسأل عن مدي الطائرات الاسرائيليه فتلعثم ضابط توجيه  بمطار ابو صوير ثم قال 8 كيلو !!!

 بينما تشكيل احمد ما زال علي مسافه 30 كيلو، قدر عمر الموقف وهو مذعور من عدم تنبيه ضابط التوجيه  لهم بتقلص المسافه لتلك الدرجه الخطيرة ، وأمر خالد بدوران حاد للخروج من مدي الصواريخ المعاديه ، وفور بدءه عمل الدوران أنفجر صاروخ أخر قرب طائرة عمر ، فأصابت شظايا الانفجار الذيل اصابه بالغه جعلت تحكم عمر في الطائرة صعبا جدا وبدأت الطائرة تهوي به، وبصوت هادئ فاتر

 قال عمر (( انا إنصبت – مش قادر اتحكم في الطيارة بسهوله ))

رد احمد فورا (( سيطر علي الطيارة يا عمر – انت قرب القنال – حاول تعدي ونط بعد كده )) 

عمر (( انا شايف القناه بس الطيارة بتفقد ارتفاع بسرعه ومش قادر اوازنها كويس، النار ولعت في الذيل ))  

تدخل محمد (( اصمد يا وحش – احنا قربنا نوصل ))

 

طائرة عمر تحترق وهو يحاول السيطرة عليها

 

بدأ احمد النداء علي خالد الذي لم يرد عليه فزاد احمد من سرعه طائرته للقصوي وطلب توجيهه لاعتراض طائرات العدو ، فبدأ ضابط التوجيه  يوجهه للاعتراض ، في ذلك الوقت طلب طارق الانفصال لمتابعه عمر الا ان احمد رفض مبلغا اياه بحتميه تأخير طائرات العدو ،افاد ضابط التوجيه  بأنحراف طائرات العدو تجاه الجنوب ، مما يعني ابتعادها عن عمر قليلا ، في تلك اللحظه كانت طائرات تشكيل احمد تعبر القناه تجاه الشرق وعمر يٌُبلغ بانه علي وشك عبور القناه تجاه الغرب وانه سيقفز فور عبورة القناه.

طلب احمد الافاده من مطار ابو صوير بوضع طائرات العدو ، فأفاد بانها مازالت تتجه جنوبا

(( دول عايزين يسحبونا وراهم ))  قال طارق بعد فترة صمت وصدق محمد واحمد علي كلامه

فأمر أحمد التشكيل بالدوران والعوده تجاه الغرب للاطمئنا علي عمر (( اخبارك ايه دلوقت يا عمر ؟؟؟))

 سأل طارق  ولم يات اجابه فواصل تكرار السؤال وبدون ان يأتيه رد(( حدد مكان الميج المصابه ؟؟))

أحمد سائلا ضابط توجيه ابو صوير ، فقام الضابط بتحديد أخر مكان لها  واتجه له احمد وزملائه ،

(( عمود دخان تجاه اليسار )) صاح وليد والذي كان صامتا معظم الوقت، وعلي الفور اتجه الجميع تجاه عمود الدخان الاسود الناتج من تحطم طائرة عمر ، وقرب حافه القناه كانت الطائره تشتعل وسط الاشجار .

(( مش باين اذا كان عمر نط ولا لأ)) قال محمد ، ورد وليد (( بأذن الله يكون بخير )) بينما أحمد وطارق في  قمه الوجوم والاحباط ، فقد خسر أحمد ثلاث طيارين حتي الان ويريد ان يطمئن علي عمر ،

وبعد دورتين حول الحطام المشتعل  تأتي الاوامر بالعوده للمطار سريعا .

وطوال الطريق نادي احمد علي خالد اكثر من مرة بدون رد ، فأيقن انه أصيب وسقط هو الاخر .

عادت الطائرات ونزل الطيارين صامتين ،وفوجئ أحمد بطائرة من طائرات السرب تقبع وسط الاشجار ، فجري ومعه وليد مستطلعين الامر، ليفاجئوا بخالد مشتبك مع احد الفنيين يريد ان يفتك به في غضب ، فتدخل احمد بحده فاضا الاشتباك ، كان خالد مشتبك مع احد فنيي طائره جمال محملا اياه مسئوليه استشهاد جمال بسبب عدم دقه عمله واهماله ، فتدخل أحمد ونزع خالد من الاشتباك وانزوي به صائحا

 (( خلاص اللي مات مات واللي انت بتعمله ده مش يرجع جمال او شريف او عمر ، أمسك نفسك يا حضرة الضابط شويه احنا في حرب يعني ممكن كلنا نموت مش جمال بس ، ومفيش قوة في الدنيا تقدر ترجعهم ))

ثم دفعه من كتفه في حده (( أتفضل علي طيارتك ، عايزها تكون جاهزة في عشر دقايق ، أحنا مش بنلعب احنا في حرب ))كانت هذه هي المرة الاولي لكل من في المطار التي يرون فيها احمد بمثل هذا الانفعال والحده والعنف مع طياريه  وبينما سار وليد بجوارة وهو يدمع  في صمت  ، يحضر رئيس الفنيين ويسأل احمد كعادته عن بقيه الطائرات ، ويرد احمد في الم وحزم بصوت عال (( محدش راجع تاني )) ليصاب جميع الفنيين بصدمه قويه يتلوها صمت رهيب ،يستكمل بعدها أحمد موجها حديثه لرئيس الفنيين (( خلي رجالتك يشوفوا شغلهم احسن من كده )) فيصمت الرجل في وجوم ، و يدخل احمد غرفته ويغلق الباب علي نفسه صامتا حزينا اشد الحزن ومفكرا في الخطأ الذي حدث ليستشهد ثلاثه من طياريه دفعه واحده ، لكنه في نفس الوقت حانقا من تركه لزملائه يقلعون من غيرة ، فلو كان معهم لاختلف الوضع مؤكدا ،او لاستشهد هو بدل ايا منهم ...

وفي الغرفه الاخري طوفان من الحزن ملئ طارق ومحمد في صمت بينما لم يستطع وليد ان يتمالك نفسه ، وحاول محمد مواساته وتشجيعه بكلمات كان محمد مدركا كذبها وهي تخرج من فمه ، فلا امل في عودتهم قريبا لو كانوا احياء ، ولا النصر قريب لنأخذ بتارهم ، هي مجرد كلمات خرجت من فم محمد للمواساه فقط

وفي المساء وصلت اشارتين للمطار ، الاولي بوقف اي طلعات لحين الانتهاء من التحقيق ، والثانيه هي نجاه عمر حيث ان سقط فوق وحده مشاه مصريه ، وانه نقل للعلاج بمستشفي المعادي .

كانت الاشارة الاولي متوقعه اما الثانيه فقد ساهمت في رفع الحزن قليلا عن احمد وطارق وبقيه الطيارين ،

وعلي الفور يقرر احمد ان يتوجه لمستشفي المعادي ، وقبل ان يركب احمد سيارته  شاهد عمده القريه مقبلا تجاهه لكن اعصابه لم تكن لتتحمل حديث مع العمده في ذلك التوقيت  فأمر السائق بالانطلاق ومعه طياريه الذين اصروا علي زياره زميلهم ، وبعد ساعتين  كان ما تبقي من طياري السرب يقفون اما سرير عمر والذي تجمع حوله زوجته ووالديه ، كانت قدمه موضوعه في جبيرة ومعلقه في اسلاك

ودار حوارا جامدا حادا يخلو من المشاعر ولاحظه الجميع

أحمد  (( حمد الله علي السلامه))  عمر بفتور (( مين أستشهد؟ ))

أحمد مغيرا الموضوع (( الدكتور قال ايه ؟؟))

 عمر بإحباط (( كسر مضاعف في الرجل الشمال وحبه كدمات، بس قولولي مين أستشهد  ))

طارق (( طيب – الحمد لله)) 

محمد (( ايه اللي حصل لك ؟؟))

عمر بنفاذ صبر (( بعد ما عديت القناه كان التحكم في الطيارة صعب وفقدت ارتفاع جامد ، والظاهر اني نطيت بالكرسي متأخر لاني حسيت بيه هيفرتك رجليا ))

 محمد (( الكرسي الروسي ده زي الداهيه ))

عمر (( الحمد لله – أهم حاجه أخف بسرعه عشان اعرف اطير تاني معاكم ))

ثم تلي ذلك فترة صمت تخللها عبارات الحمد والشكر لله من والدته وزوجته لنجاته ، ثم يسأل مرة اخري بحده وهو ينظر الي عيني احمد (( مين مرجعش تاني؟؟؟))

نظر طارق لاحمد الذي رد بثبات (( جمال وشريف))ساد الوجوم اجواء الغرفه وتوتر الجو حتي قطع محمد الصمت قائلا (( انا طالع اشرب سيجارة برة )) وتبعه احمد وطارق تاركين عمر مع اهله ، وبعد ثوان يخرج الاهل وناديه ايضا ، فقد طلب عمر ان يكون بمفرده قليلا .

إحساس قاس لقائد يعود سليما ويفقد عدد من طياريه في معركه خاطئه بكل المقاييس ،فمهمته حمايتهم بأقصي قدر ممكن ، فيا له من احساس بالمسئوليه  ، فاتجه أحمد نحو غرفه الطبيب وطلب منه تشخيص لحاله عمر بصفته قائده الميداني الا ان الطبيب لم يرد أن يعطي قول فصل في مسأله عوده عمر للطيران من عدمه ، فدرجه التئام العظام وعودتها لطبيعتها هي التي تحدد ذلك

ونظرا لأن عمر سيجري له عمليه معقده لتسريع عمليه التئام العظام فأن الامر سيأخذ ما لا يقل عن عام حتي يعود مرة اخري للطيران لو نجحت العمليه تماما حتي يستطيع العظم تحمل الضغوط الكبيرة .

خرج احمد من غرفه الطبيب مهموما ، فكيف سيبلغ عمر بهذا الخبر ؟ وشاركه طارق في التساؤل ، بينما صرح وليد بأن مستقبل عمر في الجو  قد انتهي فعليا بهذه الطريقه واتفق الجميع علي عدم ابلاغ عمر بذلك وان يتركوا المهمه للطبيب .

وفي اليوم التالي صباحا حضر الدمنهوري والعقيد فريد ومعهم عدد من كبار ضباط القوات الجويه لمعرفه ما جري بالتحديد ، وتم تشديد الامن لمنع اقتراب اي من اهالي القريه .

وبدأ أحمد في سرد الوقائع معتمدا علي التقرير الذي كتبه خالد وتقرير طارق ومحمد ووليد ايضا 

 

وبدأ احمد بعدها في شرح رأيه (( من الواضح أن أول خطأ حدث نتيجه دفع التشكيل لاعتراض طائرات العدو في عمق سيناء بعيدا عن القناه باربعين كيلو تقريبا خلافا لتعليمات الاشتباك الصادرة ، ثاني خطأ برضه هو التباطئ من الموجه الارضي في اعلان مدي الطائرات المعاديه ، فطائرة الملازم شريف أنفجرت بتأثير صاروخ سباروا مضروب من مسافه 10:8 كيلو في حين ان اخر بلاغ من الموجهه ان العدو علي مسافه 25 كيلو وبين البلاغين لم يقم بتيلغ التشكيل بأي جديد،و المحصله ان سوء التوجيه وضع التشكيل في عمق العدو وبعيدا عن طائرات التعزيز ورجع تاني وتباطأ في اعلان مدي طائرات العدو لنناور بعيدا عن الصواريخ وده معناه ان الموجهه الارضي وضعنا في اسوأ موقف في المعركه ، فالطائرات تطاردنا فوق ارضها وفي مدي صواريخها ونحن بعيدين عنها ))

أكد خالد الذي حضر المعركه تلك المعلومات وصرح بان جهاز اللاسلكي الخاص بطائرته قد تعطل من جراء شظايا الصاروخ الذي اصاب طائرة عمر، وانه وجد نفسه لا يسمع أي اشارة وانه حاول الاتصال علي عدد من الترددات بدون فائده وانه لم  يري اي طائرة مصريه  بالقرب منه ، ففضل الانسحاب بطائرته والعوده للمطار سريعا مستخدما البوصله فقط

وبدأت الاسئله تنهمر من الضباط علي احمد ورفاقه عن كل تفصيله خلال المعركه وصرح اكبرهم رتبه بأن القياده قد شعرت بالذعر من خبر إسقاط ثلاث طائرات من السرب 77 والذي يعتبر طياريه من احسن طياري المقاتلين في القوات الجويه ، فعاد احمد وأكد علي سوء التوجيه الجوي لهم ، وانهم لم يشتركوا في اشتباك بل تم الضرب عليهم من مسافه بعيده ، في ظروف أسؤأ ما تكون ، وتساءل طارق عن سوء مستوي الموجهيين الارضيين في مختلف القواعد

فاجاب العقيد فريد (( انت عارف انهم ضباط صف او ضباط شرف وخبرتهم برضه مش كبيرة ))

فكتم محمد غيظه وهو يقول (( طب يافندم ،مادام انتوا عارفين ان معندهمش خبرة ، ليه سايبنهم؟ دول بيبقوا عنينا واحنا طايرين ،ويا إما يقودونا لوضع هجومي جيد او يودونا في داهيه زي ما حصل مع عمر))

و طوال هذه النقاشات كان الدمنهوري صامتا يراقب فقط بعينيه الاحاديث     

وانتهي التحقيق الرسمي وظل الرجال مجتمعين ، وتساءل الدمنهوري عن عمر ، فرد احمد بأنه خارج حسابات السرب في الوقت الحالي ، ثم تساءل محمد عن فترة دورة الموجهه الارضي لطيار مقاتل

فنظر اليه احمد وقد فهم عما يدور في خلده  (( شهر بالكتير، لو دورة مكثفه  )) رد العقيد فريد

فتابع طارق والذي ادرك ما يدور في عقل زملائه

(( طب يا فندم – ليه ميبقاش عمر عنينا علي الارض ، لغايه ما الدكتور يقرر عودته للطيران ممكن يكون الموجهه الارضي بتاعنا ،بدل ما يقعد علي مكتب ونخسر خبرته ))

نظر ضباط القوات الجويه للعقيد فريد في صمت والذي بدورة لمعت عيناه لكنه تساءل

(( وعمر هيفديكم في أيه ؟؟؟))

أجاب أحمد (( عمر طيار ممتاز ودارس تكتيك عال والاهم من كده اشترك في معارك جويه كتير ، يعني هوا ممكن يترجم لنا اللي هوا شايفه علي الرادار ويحطنا في احسن موقف ، والاهم من كله ده ان فيه رابط عقلي معانا ، يعني هوا عارف كل واحد فينا بيفكر ازاي وعايز ايه – انا شايف ان ده احسن مكان لعمر ولنا بعد اللي حصل ))

رد العقيد فريد (( القياده درست بالفعل الموضوع ده ، بس احنا كنا محتاجين طيارين اكتر من حاجتنا لموجهيين وفي حاله عمر مفيش مانع انه يبقي الموجهه بتاعكم في ابو صوير )) ،

فتدخل الدمنهوري (( عمر هيخرج بعد اسبوع تقريبا ، وممكن نعمل له دورة مكثفه وانا همده بكتب كتير عن التكتيكات الجويه للموجهه الارضي ))

تبسم احمد علي استحياء قائلا (( انا بليل هازورة واطرح عليه الموضوع ))

فقاطعه العقيد فريد (( بس متوعدوش بحاجه لغايه لما القياده توافق رسمي، وانا بعد بكرة هخلص التحقيق وأرد عليكم))

وفي مستشفي المعادي أجتمع احمد بعمر وابلغه بالمتستجدات ، وارتفعت معنويات عمر بذلك بعد ان كان مهموما من كلام الدكتور الذي وضع له حد زمني يقارب العام للعوده للطيران ، وأنهي أحمد حوارة قائلا

(( وجودك معانا مهم جدا ، وامام الرادار هتقدر تفيدنا اكتر وأكتر، لغايه ما ترجع لطيارتك  ))

في تلك الفترة حاول احمد ومحمد وطارق مع وليد وخالد كل المحاولات الممكنه لاخراجهم من حاله الحزن التي تملكتهم ، وكان احمد منتظر عوده العمل في المطار بأسرع وقت ،للزج بوليد وطارق في الحرب مرة اخي لكي يفيقا مما هم فيه ، وساهم في زياده حزنهم توافد اهالي القريه لتقديم العزاء ،

وبعد يومين صدر تقرير رسمي من قياده القوات الجويه بنتائج التحقيق أعلن فيه عدم مسئوليه اي من طياري السرب عن الخسائر التي تعرض لها ،وان ما حدث فهو نتيجه حتميه للتوجيه السئ ،  وبناء عليه يعود السرب للعمليات مرة اخري

وبعد فترة يخرج عمر من المستشفي ويعود لمنزله وسط رعايه فائقه من ناديه ، وخلال الايام التاليه يلتهم عمر كما كبيرا من الكتب عن وظيفه الموجهه ودورة في المعركه الجويه وخصائص الموجه الجيد وخلال قراءاته كانت ناديه تدون له الملاحظات والفقرات المهمه وتساعده وتناقشه في كل فقرة كأنها من ستقوم بتوجيه الطائرات وليس هو  ، فقد كانت تعلم مدي رغبته في العوده السريعه للحرب ، ورغبته في التفوق علي الارض مثلما كان طيارا ممتازا في السماء

وفي منتصف ابريل 69 تحدث معركه جويه بالقطاع الجنوبي ويتم انذار السرب 77 ليكون جاهز للتدخل في حاله تدخل معادي أخر .

ويتابع احمد صوت الطيارين المصريين في معركه مع اثني عشر طائرة ميراج أسرائيلي قرب السويس ويظهر صوت الطيار سمير عزيز ميخائيل سعيدا بأصابه طائرة ميراج ، بينما صوت الرائد سامح مرعي  قائد التشكيل يبلغ قيادته مفتخرا بعوده جميع الطائرات المصريه سالمه الي مطاراتها بعد انتهاء المعركه ، فكما حدثهم الدمنهوري من قبل ان السيطرة علي سماء القناه اصبح مساله كرامه وهدف حيوي للقوات الجويه المصريه ، فكان أحمد ورفاقه يتابعون أصغر اشتباك جوي علي الجبهه لاسلكيا لانهم يعلمون تبعات ذلك الاشتباك علي بقيه انحاء الجبهه لاحقا

 

الرائد سامح مرعي داخل كابينه طائرته الميج 21  في حاله

الاستعداد الاولي قبل أيام من استشهاده

 

فقد تعود الطيارين علي رد فعل انتقامي للعدو لاي نجاح مصري ولو صغير وعاده ما يصب الرد الانتقامي ضد المدنيين في قراهم او مدنهم مخترقين الاعراف والاوصول الدوليه

في تلك الاونه وصل عمر علي عكاز خشبي الي قاعده ابو صوير ليستلم عمله كموجهه جوي ، وبدأت الاشارات تنساب بينه وبين سربه لتنظيم التعاون بينهم وتم الاتفاق علي اشارات كوديه يفهموها فقط .

ويحل مايو 1969 ليعود محمد الي السماء منفردا في عمليه قنص حر علي المحور الشمالي ويتابع عمر بعينيه علي شاشه الرادار طائرة محمد تخترق القناه وتتعمق في سيناء ، كانت تعليمات القياده بأن يحاول ان يستطلع لواء مدرع علي الطريق الشمالي وبالفعل ينجح محمد في مهمته ليعود طارق مرة اخري لعمل استطلاع اخر علي محور اخر ، وينشط السرب في عمليات الاستطلاع علي ارتفاع منخفض لدراسه اوضاع العدو ،

ونظرا لان الطائرات غير مجهزة بكاميرا فكان الاعتماد علي الذاكرة والملاحظه وهو اسلوب ليس كفء تماما لكنه كان اقل خطرا .

وفي يونيو 69 يعين اللواء بغدادي قائدا للقوات الجويه ومعه اللواء حسني مبارك رئيسا للاركان ، وبدأ شكل العمل يختلف مع تلك القياده الجديده ، فتم عمل إعاده تقييم لكل الطيارين وعمل اجتماعات دوريه بين القاده والطيارين وبدأت عجله جديده من التدريبات في الدوران ،وتم تعيين الكثير من الطيارين المصابين او من تخطوا سن الطيران كموجهين، وكان التدريب يشمل الاشتباكات الجويه بين طيارين حديثي التخرج مع طيارين قدامي ولهم جولات مع الاسرائيليين لرفع المستوي القتالي 

اما السرب 77 فكان يقلع بطائرات اخري من مطار انشاص تفاديا للكشف الراداري من العدو لتنفيذ تلك التدريبات ، وكان الطيارين الشباب يتنافسون في معرفه او تخمين قدامي الطيارين من أفراد السرب 77 لشهرته الواسعه ، وكان محظورا علي الرجال التصريح برقم سربهم حتي لزملائهم الطيارين ، فظهرت حاله من التشويق لحديثي التخرج في كل تدريب مع طيار قديم .

في تلك الفترة ظهر تكتيك جديد للقوات الاسرائيليه يكمن في محاولات جر مقاتلاتنا داخل عمق سيناء للاشتباك في ظروف قاتله لطائرتنا ، وقد وقعت عده طائرات في هذا الكمين مما حدا بقياده القوات الجويه بأصدار تعليمات بعدم الانصياع وراء الكمين المعادي.

ثم تغير التكتيك الاسرائيلي بتكتيك اخر ، وكان قاتلا لطيارينا خاصه في القطاع الجنوبي للجبهه حيث يقوم العدو بمتابعه عمل الدوريه الجويه المصريه ثم الاقلاع المعادي والاعتراض قرب نفاذ وقود طائرتنا مما يؤدي الي تدمير الطائرات إما لنفاذ الوقود او لان الظروف الاشتباك في غير صالحه ، واستحدث الاسرائيليين اسلوب اخر ، واوقع عدد اخر من الاصابات في طائراتنا ، فقد كانت طائراتهم تطير تحت مستوي استكشاف الرادارات المصريه ، وتظل لفترة تحوم في منطقه خاليه ، وهي ترصد الدوريات المصريه ثم تهاجمها في مكان وزمان مثالي بالنسبه لها وفي غير صالح طائراتنا التي كانت تفاجئ بطائرات العدو تشتبك معها بدون انذار .

في تلك الفترات ُعقدت مؤتمرات بين الطيارين وقياداتهم المختلفه بهدف شرح الطيارين لخبراتهم المكتسبه في القتال مع العدو ونقل تلك الخبرة الي باقي الطيارين وكان عمر يحضر تلك المؤتمرات بطلب من احمد لكي يحافظ علي خبرته النظريه .

ومرت عده أشهر نزل فيها طارق ووليد وخالد اجازة عده مرات ، بينما ظل أحمد ومحمد في المطار بعد ان تفرغا بصورة كامله للقتال وقاما بأكبر عدد من الطلعات في السرب .

وكانت الاشتباكات البريه لا تهدأ يوما بعد ان تحول مصطلح الاستنزاف الذي اطلقه الرئيس عبد الناصر الي فعل ، فتحولت الاشتباكات الي حرب الاستنزاف للطرفين ، فالمنتصر هو ما يكبد العدو اكبر قدر من الخسائر في الافراد والمعدات ويتحمل في نفس الوقت خسائرة ، وزادت شهره المجموعه 39 والصاعقه ومنظمه سيناء عربيه داخل اروقه القوات المسلحه بفضل ملاحم البطوله التي تقوم بها يوميا تقريبا ، اما علي نطاق قوات الدفاع الجوي فقد تم نشر عدد كبير من الصواريخ سام 2 ترافقها اعداد كبيرة من المدفعيه المضاده للطائرات ، وبجوار المطار 77 رابطت وحده صواريخ سام 2 ، وكان ذلك مبعثا للراحه بين طياري السرب من وجود دفاع جوي قريب منهم

 

 

وفي سبتمبر 1969 وبناء علي تعليمات الرئيس عبد الناصر بالقيام بمجهود جوي يخفف الضغط قليلا عن القوات البريه ، فقد أنطلقت اكثر من مائه طائرة مقاتله وقادفه في هجوك مفاجئ علي تجمعات العدو شرق القناه بطول خط القناه ، وبينما السرب 77 في الجو يقوم بمظله لحمايه القاذفات في طريق عودتها وصلت التبليغات تباعا من قاده التشكيل بأنهم في خط العوده بدون تدخل من العدو ، وكان عمر مع أحمد علي اللاسلكي ينسقان خطوط السير وللتأكيد علي عوده جميع طائراتنا، بعد تنفيذها هجوما ناجحا و مفاجئا بكل المقاييس 

وفي صباح السادس من اكتوبر 1969 يٌفاجأ احمد وجميع من بالمطار بأصوات قنابل قريبه من المطار فيهرع خارجا ليجد سماء المنطقه قد غرقت في الدخان الاسود المنبعث من موقع الصواريخ المقارب لهم

فقد تم دك الموقع تماما بدون تحذير عن اقتراب طائرات العدو .

 

 

أسرع احمد الي اللاسلكي سائلا عمر الذي رد((فيه تشويش جامد علي الرادارات واحنا مش شايفين حاجه ))

 فرد احمد (( انا طالع اعمل مظله – خليك معايا )) وأسرع احمد طالبا من رفاقه الاقلاع معه ، وفور الاقلاع يتبين لهم فداحه القصف المعادي الذي دمر  موقع الصواريخ بالكامل ، ومرارا يطلب احمد من عمر بتوجيهه لاقرب طائرات معاديه ، وعمر يقسم له بانه لا يري اي اهداف معاديه علي الشاشه ، ليعود بعد قليل الطيارين الي مطارهم في ظل خيبه امل وحزن

في تلك الليله جاءت الاشارة بأن العدو قام بقصف وحدات الدفاع الجوي بطول الجبهه بقوه 200 طائرة وانه استطاع بنجاح ان يقصف عدد كبير من تلك الاهداف مستخدما اجهزة شوشره عاليه التأثير

وبعد عده ايام  يحضر العقيد فريد منفردا تلك المرة ويجتمع مع الرجال ومعهم عمر وسبب الزياره

(( الفانتومF4  هتوصل اسرائيل في اي لحظه ، المخابرات رصدت اقلاع الطيارات من امريكا – الدفعه الاولي حوالي 48 طيارة  هتوصل علي فترات خلال الاسبوع ده )) قال العقيد فريد وأستطرد

(( نظرا للمميزات الفانتوم فمتوقع تغير كبير في التكتيك الاسرائيلي ، من المتوقع انه يبقي اكثر شراسه خصوصا ضد الدفاع الجوي ))

طارق (( حضرتك مقلتش برضه – ازاي الفانتوم تطير من امريكا لاسرائيل ؟؟))

العقيد فريد (( مدي الفانتوم 3700 كيلومتر بدون خزانات اضافيه وتقدرعلي التزود بالوقود في الجو ))

بهت جميع الطيارين من المدي الكبير جدا للفانتوم مقارنه بمدي 1800 كيلومتر لطائرتهم بخزانات اضافيه .

فعلق محمد محبطا(( ده معناه ان العمق عندنا بقي مفتوح لهم تماما ؟؟))

العقيد فريد (( مش دي المشكله بس– لكن حموله الطيارة 7.5 طن من القنابل ، يعني خمس اضعاف حموله الميج 21 وكمان فيها اجهزة الكترونيه متقدمه جدا اما السرعه فهي 2.3 ماخ وهي دي المشكله الكبيرة))

طارق (( يا نهار أسود – ودي هنلحقها ازاي ؟؟؟ دا احنا 2.1 ماخ بالعافيه))

مرت هذه الليله علي الرجال بصعوبه بالغه ، فالعدو قد حصل علي طائرة تفوق بكثير ما لدينا ، ولا نملك

من الطائرات ما يمكنها ان تتصدي لهذ الطائرة ، وطالت النقاشات بين الرجال وعمر في كيفيه التصدي لهذا الشبح المخيف المسمي فانتوم ، ووعدهم عمر قبل مغادرته بأمدادهم بما يتوصل له من كتيبات او معلومات عن الفانتوم .

في اليوم التالي 10 أكتوبر 1969 صدرت الاوامر لطائرتين من السرب بعمل مظله فوق القنطرة غرب ، لحمايه تشكيل مهاجم ، وأقلع أحمد ومعه وليد لعمل المظله وظل باقي السرب مستعد

وفي الموعد المحدد عبرت طائرتين اليوشن 28وهي طائرات قاذفه عتيقه ومعها طائرتين ميج 21 من سرب مطار المنصوره لمهاجمه موقع معادي وسط اندهاش أحمد من استخدام طائرات بطيئه  في الهجوم، وهي من الطائرات القليله  التي خرجت سالمه من النكسه .

 

طائرة قاذفه من طراز اليوشن 28

 

 ،وبعد دقائق عادت الطائرات الاربع سالمه،  لتأتي اشارة من عمر بالبقاء في منطقه المظله وتغيير الطائرات  أستغرب احمد من هذا الامر لكنه نفذه ، وعلي الفور أقلع طارق وخالد قبل ان يهبط احمد ووليد بثوان وتابع احمد علي اللاسلكي ما يحدث في الجو بينما الفنيين يعيدون ملئ الطائرات بالوقود

وسمع طارق تعليمات جديده ، فقد مرت طائرتين ميج 17 ترافقهم طائرتين ميج 21 من مطار المنصورة لضرب نفس الهدف

فأدرك أحمد مغزي هذا التكتيك في قصف نفس الهدف مرتين بعد فترة زمنيه لتحقيق اعلي قدر من الاصابات في صفوف العدو ، وتمني ان ينجح هذا التكتيك مع العدو .

بعد عده ايام حضر عمر ليلا الي المطار يرافقه الدمنهوري وبصحبتهم عدد من الكتب السوفيتيه التي تغطي قصور المعلومات لدي الطيارين عن الفانتوم الاسرائيليه ، فعكف الطيارين في الايام التاليه في قراءه تلك الكتب ودراسه الخواص الفنيه لتلك الطائرة المخيفه

 

فوجد أحمد معلومه مثيرة للاهتمام جدا ، الا وهي ان الفانتوم وهي في كامل حمولتها تبلغ سرعتها 900 كيلو متر فقط اي اقل من ماخ واحد ، مما يجعل للميج 21 افضليه كبيرة عليها ، لكن كان ذلك يستوجب ان تعترضها طائراتنا قبل أن تنفذ مهمتها الهجوميه.

وبعد عده أيام صدرت اوامر مفاجئه باقلاع السرب لاعتراض طائرات تقوم بقصف محيط مطار ابوصوير، فأقلع التشكيل واتخذ الاتجاه الذي حدده عمر ، كما أقلعت طائرات ابو صوير ، لكن كان الهجوم قد أنتهي وانسحبت طائرات العدو التي أتضح فيما بعد انها فانتوم بعد ان قامت بمهاجمه مواقع صواريخ سام حول المطار ودمرتهم تماما .

عاد احمد للمطار وهو حانق جدا لان الفانتوم قد ظهرت في الصورة الان وانه لم يتمكن من الاشتباك معها ، ودار حوار سريع مع عمر للاستفسار عن التحذير المتأخر والذي جعل الفانتوم تفلت من الاعتراض ، فصرح عمر بأن الطائرات المهاجمه كانت علي ارتفاع منخفض جدا جعل رصدها صعب جدا بالاضافه لاستخدام وسائل شوشرة متقدمه جدا .

(( ودي هنحاربها ازاي اذا كنا مش قادرين نشوفها ونطلع لها ؟؟)) قال طارق

ورد محمد (( أكيد لها حل )) وأستكمل في تحدي (( لازم نشوف لها حل ))

 

في اليوم التالي 23أكتوبر صدرت الاوامر للسرب بالاقلاع لاعتراض طائرات معاديه تقترب من الشمال وعزز السرب ثلاث طائرات من مطار ابو صوير ليصبح العدد ثمان طائرات مصريه في تشكيلين ، وقام عمر بتوجيه الطائرات لاعتراض العدو ابعد ما يكون عن مطاراته واقرب ما يكون لقواتنا ، وقرب القنطرة أشار عمر الي بدء تشكيل العدو في الانسحاب للشرق ، فواصل احمد وتشكيله المطارده لثوان ثم أستدار عائدا الي مطارة بينما عاد التشكيل الاخر ، في تلك اللحظات القليله من الهدوء في الجو ، أستطاع احمد أن يرصد احد تحصينات خط بارليف ، ولاحظ  أحمد كبر حجم النقطه الحصينه وقربها من نقطه اخري ومن حولهم عدد من الجنود يلعبون الكرة  فأحس احمد بغيظ كبير ، واصدر أمرة بمهاجمه تلك النقطه وملعب الكرة خاصه ، بكل ما يملكون من أسلحه ، وبكل سعاده بدأ الطيارين في الدوران لمهاجمه الحصن ، والذي لاحظ الجنود فيه ما يحدث فبدؤا في الركض لداخل الحصن .

أطلقت الطائرات ما معها من صواريخ جو جو وطلقات المدافع ضد الحصن بدون نتيجه واضحه ، وعند العوده كانت المشاعر مختلطه بين الرجال ما بين احباط وسعاده

((مكنش ممكن بأي حال من الاحوال اسيبهم يلعبوا كورة واحنا طالع دينا في الحرب وعساكرنا قاعدين في الخنادق الناحيه التانيه  )) قال احمد بلهجه غاضبه بعد عودتهم  

ورد وليد (( بس صواريخنا معملتش حاجه في الحصن خالص ،أكننا  بنضربهم بعلب صفيح ))

محمد بحنق (( الكلاب دول عاملين تحصينات ولا تأثر فيها قنابلنا التقيله ))

طارق ضاحكا (( كفايه اننا رعبناهم ، شفتوا جريوا ازاي من الخوف وزمانهم لغايه دلوقت مستخبيين ))

بعد يومين وتحديدا يوم 26 اكتوبر عام 1969 أقلع أحمد ووليد وخالد مرة اخري لحمايه تشكيل من الميج 17 يهاجم موقع لصواريخ هوك المضاده للطائرات مرة اخري فقد تخصص احد الاسراب المقاتله القاذفه في مطار المنصورة بمهمه ضرب بطاريات الهوك علي المحور الشمالي كلما تم اصلاحها لتدميرها مرة اخري ، وذاع صيت تشكيل الرائد محمد عكاشه في تخصصه لضرب الهوك من ارتفاع منخفض جدا ، وكان يكفي ان يعرف طياروا السرب 77 بأن عكاشه لديه مهمه ، لكي يعرفوا هدفه وتكتيكه الناجح جدا.

 

في نفس الوقت ظل احمد يحلق بتشكيله قرب الاسماعيليه ، ويبلغ عمر بأقتراب تشكيل معادي من اتجاه العريش لمهاجمه الطائرات المصريه القاذفه ، وعلي الفور يأمر احمد طياريه بالقاء خزانات الوقود الاضافيه والتي خلت من الوقود ، وزياده السرعه والاتجاه في اتجاه بورسعيد شمالا .

تبدأ القاذفات في الانسحاب جنوبا بعد تنفيذ الهجوم ، الا ان الطائرات الاسرائيليه تقترب منها بسرعه كبيرة ، ويبدأ أحمد في الدخول لمقابله الطائرات الاسرائيليه فوق بورفؤاد والتي أتضح انها طائرتي سكاي هوك ، وعلي الفور يصدر احمد اوامرة لطيارية بالتفرق والاشتباك مع العدو ، ويلمح أحمد طائرة سكاي هوك تطبق بشده علي قاذفه ميج 17 مصريه بينما تتجه الاخيرة غربا منسحبه ،في نفس اللحظه التي اطبق فيها احمد مطلقا دفعات من مدفعه بتركيز شديد ليصيب الطائرة الاسرائيليه ،أطلقت السكاي هوك صاروخا أصاب الطائرة المصريه في جناحها في توقيت متزامن

  

 

ولم يكتف احمد بذلك بل واصل تسديد طلقاته للطائرة المعاديه التي تقلصت سرعتها بشكل كبير جدا ويقفز منها الطيار الاسرائيلي علي بعد امتار قليله من احمد تاركا طائرته تهوي ،

بينما أستطاعت بقيه القاذفات الانسحاب ، ومازال خالد ووليد يناوران الطائرة المعاديه الاخري التي بدأت تنسحب ساحبه مقاتلاتنا خلفها ، ولولا موقف الوقود المتعثر ما أمر أحمد طياريه بالعوده للمطار .

ووسط مشاعر الراحه التي ملئته ، يتابع احمد الطيار المصري الذي قفز بدورة قبل لحظات من انفجار طائرته في الجو وهبط داخل بورفؤاد ، فتنفس احمد الصعداء ، واتجه عائدا الي مطارة .

ووسط هذه الحاله من الشد العصبي والطلعات المستمرة ، يأتي الأمر لاحمد بأجازة اجباريه لمده 48 ساعه ، وتعلل احمد بعده حجج واهيه طمعا في ان يظل في موقعه لا يغادرة ، وبعد عده محادثات ومناقشات ، اقتنع احمد بالاجازة لمده 24 ساعه فقط علي ان يقوم طارق بقياده السرب بالإنابه ،فوصل احمد منزله مساء الثالث من نوفمبر 1969 وفي صباح اليوم التالي وبينما احمد ينتهي من صلاه الصبح ، سمع دويا هائلا أصم الاذان وتبعه تكسر بعض نوافذ المنازل ، وتعاليت اصوات الصراخ من المنازل المجاورة من جراء هذا الصوت ، وأستيظت عائله احمد في فزع  الا انه كان متماسكا وطلب منهم الهدوء والبقاء في المنزل .

ووسط صراخ السيدات اللاتي نزلن في الشوارع بملابس النوم وعويل الاطفال خوفا وهلعا ، قام أحمد بلبس ملابسه العسكريه واتجه فورا الي المطار وسط دهشه والده ووالدته .

وظهرا في المطار فوجئ الجميع بأحمد يدخل عليه قاطعا اجازته القصيرة متسائلا عما حدث في القاهرة

((  دي طيارة فانتوم اخترقت حاجز الصوت فوق القاهرة )) صرح ايهاب

وتساءل أحمد (( وازاي عدت من الدفاع الجوي ))

رد ايهاب (( اللي عرفته من عمر ان الفانتوم اخترقت من خليج السويس حتي حلوان بعيد عن نطاق الرادار بتاعنا ، ومن هناك طارت زيرو فيت فوق النيل حتي القاهرة ))

خالد مندهش (( إبن الكلب، كل اللفه دي عشان يخترق حاجز الصوت فوق القاهرة !!!))

محمد ((ده اسرائيل بتلعب حرب نفسيه قذرة علينا – دول بيقولوا للريس جمال احنا ممكن نوصل فوق بيتك في اي وقت )) سكت الجميع مفكرين في تحليل محمد

وأضاف طارق (( وبرضه بيقولوا لنا ان دفاعنا الجوي ملوش لزمه ))في نفس الوقت وصلت اشارة من القياده تفيد بأسقاط طائرة مصريه بواسطه الفانتوم ، فأشتعل أحمد غضبا وطاف يصيح في المكتب

(( هما مش لاقيين حد يلمهم ؟؟ ))

فرد طارق(( الفانتوم بتعلن عن وجودها بقوة – أحنا لازم نشوف لها حل )) وطوال الايام التاليه عكف الجميع علي اعاده قراءة المواصفات الفنيه للطائرة مرة اخري ، لكن مع منتصف شهر نوفمبر بدأ الموقف يشتعل مرة اخري في الجو ، فقد بدأت اسرائيل غارات مكثفه ضد وحدات الصواريخ المصريه ، وكان الطيران المصري في السماء يقاتل بشراسه محاولا وقف الهجمات

وفي العشرين من نوفمبر ، أقلع احمد ومحمد وخالد في مظله فوق منطقه العمليات ، وبعد لحظات جاءت اشارة من عمر ، بوجود هدف معادي شرق بورسعيد ، فزاد أحمد من سرعه طائرته وأنطلق تجاه الشمال علي ارتفاع منخفض ، وعلي الفور تم رصد طائرتين ميراج اسرائيلي تتجهان نحو بورسعيد ، فقام عمر بتوجيه احمد بحيث يكونان خلف طائرات العدو ، حيث لم ترصدهم رادارات الميراج نظرا للارتفاع المنخفض ، ثم دار احمد ووضع تشكيله خلف طائرات العدو التي سرعان ما اكتشفت وجود طائراتنا خلفها ،فأنفصل التشكيل المعادي بسرعه ، وكما تدرب الرجال  فقد أنفصل احمد خلف احد الطائرات بينما خالد ومن خلفه محمد وراء الاخري ،وسرعان ما نشبت معركه جويه في سماء بورسعيد تابعها الاهالي والصيادين من علي الارض ، أمسك احمد بذيل الطائرة الاسرائيليه ، وظل الطيار الاسرائيلي يناور ويناور بكل ما أستطاع في مناورات رأسيه وافقيه حيث أستطاع أحمد في النهايه ان يضع الميراج داخل دائرة التصويب لديه ، وبسبب قرب المسافه فقد قرر ان يضرب بالمدفع ، واطلق دفعه مركزة  أصابت جناح الطائرة

 

أستمر أحمد في المطارده الا ان صوت عمر جاءة بوجود طائرتين اخريين في المنطقه وتعذر اكتشافهم مبكرا ، فترك احمد الطائرة المصابه وحذر بقيه طياريه ، في نفس الوقت اُعطِي الامر لطارق بالاقلاع لتعزيزه ، كان خالد ممسكا بذيل الطائرة الاخري واطلق عليها صاروخين لكنهما ضلا طريقهما ، في نفس اللحظه التي بدأت فيها الميراج الانسحاب ظهرت طائرتي فانتوم في السماء خلف طائرة احمد ، فقرر محمد ان يسرع لنجده أحمد ، تاركا خالد يطارد الميراج التي تحاول الهرب .

أسرع محمد بكل سرعه للحاق بأحمد الذي يحاول الافلات من الطائرتين ، وفور سماع محمد لصوت احمد بأنهم فانتوم ، أحس بنشوة غريبه  فها هي الفرصه تتاح له لاسقاط ذلك الشبح المخيف

ترك خالد المطارده بعد ان وجد ان فارق السرعه يتزايد لصالح الميراج الاسرائيليه فأستدار عائدا لنجده أحمد ، في نفس التوقيت كان طارق ووليد قد اتخذا اتجاه المعركه ،قام احمد بعده مناورات لتفادي صاروخ اطلقته الفانتوم لكنه في نفس الوقت كان يحتاج لدعم من محمد والذي وصل بدورة الي المعركه وأطلق صاروخا علي الفانتوم الثانيه في وضع تصويب مثالي والتي بصورة مفاجئه ناورت بعيدا عن الصاروخ مطلقه مشاعل ملتهبه أنفجر الصاروخ في احداها وسط ذهول من محمد ، لكنه أستكمل الاشتباك معها في غيظ بعد ان نجح علي الاقل في ابعادها عن احمد وإن ترك الطائرة الاولي تناور محاوله اصطياد طائرة احمد، ودخل خالد الي المعركه متأخرا ومازال طارق ووليد في الطريق

 

طائرة فانتوم في اشتباك جوي وهي تطلق المشاعل الحراريه

 

 

طائرة احمد الميج 21 تشتعل فيها النيران قبل لحظات من قفزة منها

 

، وفي لحظه سمع الجميع صوت احمد يقول (( انا انصبت – هنط من الطيارة)) ثم انقطع الاتصال به ، فعاد الجميع الي تركيزهم ، وزاد تصميم محمد علي اصابه الطائرة المعاديه

في ذلك الوقت أتخذت الطائرات المعاديه اتجاه الشرق مستخدمه سرعتها الكبيرة في التخلص من الاشتباك ، فأطلق محمد اربعه صواريخ ضلوا الطريق جميعهم ، ليعود ويحلق فوق منطقه سقوط طائرة احمد فوق بورسعيد ،ويتنفس الصعداء عند رؤيته للمظله تتهادي ببطء نحو الارض ، ويعطي محمد احداثيات هبوط احمد لعمر،

في نفس الوقت يتم عوده الطائرات الي المطار سريعا وفي المساء يصل احمد وسط سعاده الجميع بنجاته ، الا ان محمد كان غاضبا كعادته (( ازاي ممكن نوقع الفانتوم ؟؟ صواريخ ومش نافع ولا حتي المدفع ، أنا مقدرتش اخذ وضع الضرب بالمدفع خالص ))

 أحمد منهكا (( وليه الصواريخ مش نافعه ؟؟))

محمد (( من لحظه ما ضربت الصاروخ ، لقيت فيه حاجات كده زي المشاعل بتطلع من الفانتوم في الوقت اللي الطيارة ناورت فيه ،كأن الطيار عرف اني ضربت صاروخ ، وفي الاخر الصاروخ انفجر في واحده من المشاعل دي بعيد عن الطيارة  ))

 أحمد مفكرا (( ياولاد الجنيه !!! دول عرفوا ان كل صواريخنا حراريه عشان كده الصاروخ بيروح للمشاعل دي ، لانه مش شايف غيرها ....... بس ازاي الطيار عرف ؟؟؟؟))

وبعد فتره من المداولات يصل عمر للاطمئنان علي احمد وللتباحث في أول معركه مع الفانتوم وجها لوجه

كان الاحباط هو السمه العامه رغم اصابه طائره للعدو ومنعه من تحقيق هدفه الا ان الفشل في مواجهه الفانتوم زاد رعب الطيارين منها وتأكد لهم أنها لا تقهر ، وانعكس ذلك بالسلب علي بقيه الطيارين في مختلف المطارات ، حيث أصبح السرب 77 وغموضه وجراءته في القتال أصبح يمثل الروح الجديده التي تمسك بها الطيارون الجدد ورغم تكبد السرب لخسائر إلا ان سمعته كان عاليه ، وفشل طياري السر 77  في اسقاط الفانتوم كان صدمه لباقي الطيارين ناهيك عن إسقاط طائرة قائد السرب 77

وكان احمد يعلم قيمه السرب المعنويه لباقي الاسراب الاخري لذلك كان كان متحمسا ومتحديا اكثر واكثر في اسقاط طائرة فانتوم ، ذلك الشبح الذي ارسلته امريكا لمنطقتنا لكي يرتع فيها كيفما شاء

وفي اليوم التالي أستلم احمد طائرة جديده من مطار غرب القاهرة وطار بها مباشرة الي مطارة وكان كل ما يشغل باله هو الرد علي اختراق حاجز الصوت فوق القاهرة وفشله في اسقاط فانتوم ، وتشاء الاقدار ان يتم استدعاء احمد لمقابله رئيس اركان القوات الجويه والذي يسلمه أمر عمليات بعمليه فائقه الاهميه والسريه ،  وفي المساء عاد احمد يحمل مظروفا يحمل خرائط وقلبا ملئ بالحماس  فأستدعي عمر من أبوصوير ورئيس الفنيين ثم جمع الطيارين جميعهم في غرفه العمليات

قائلا (( احنا لازم نرد علي اللي حصل فوق القاهرة ، وعشان كده القياده كلفتنا بعمليه مهمه وسريه ، عمليه نقول بيها لليهود اننا موجودين ، لكن مش هننفذ الا لما نكون جاهزين تماما))

تشوق الجميع لمعرفه هذه المهمه  والتي صرح أحمد بأن طارق سيصحبه فيها ، وأستمر شرح احمد لخطته وقتا ،ساد العبوس وقتها وجه محمد لعدم اختيارة لتنفيذ تلك المهمه الجريئه ، ثم أنطلق الرجال ينفذون التعليمات التي اصدرها احمد ، وبعد يومين صباحا خرج احمد وطارق الي طائراتهم يتأكدون من جاهزيتها، لم تكن الطائرات مسلحه بصواريخ ولا حتي طلقات مدافع ، فقد تم أستبدال وزن الاسلحه بخزاني وقود أضافيين علي الاجنحه لتحمل كل طائرة 3 خزانات وقود بها كميه وقود محسوبه بدقه متناهيه ، ويستعد الاثنان في الوقت الذي اتخذ محمد وبقيه الطيارين وضع الاستعداد للطوارئ .

أستعد احمد وطارق جيدا وتأكدا من مسدسيهما جيدا ، واطمئنا علي وجود ذخيرة كافيه وساعدهم بقيه الطيارين في التجهيز وسط تعجب الفنيين من الاهتمام الشديد بهذه الطلعه ، ثم انزوي احمد بطارق لدقائق ، ثم ركب كل منهم طائرته .

وأقلعت الطائرتين تحملان كميه كبيرة من الوقود وبدون اسلحه نهائيا في مهمه انتحاريه ،

 اما الهدف فكان اختراق حاجز الصوت مرتين فوق تل ابيب – عاصمه العدو .

أقلع احمد وطارق وانطلقا علي ارتفاع منخفض جدا تجاه الشمال ومن فوق بورسعيد أستكملت الطائرتين طريقهما تجاه الشمال الشرقي ، وفوق امواج البحر بقليل طار الاثنان بسرعه كبيرة ، بينما عمر يحدق في شاشه الرادار منتظرا اقلاع اي طائرة معاديه لابلاغ احمد ، والذي لم يعلمه احد ان قاده القوات الجويه كانوا يتابعون شاشات الرادار لمتابعه رد فعل العدو في غرفه العمليات ، فهي عمليه مهمه جدا وحساسه وتتطلب طيارين علي درجه عاليه جدا من المهاره والجرأه أو بالادق الفدائيه  ، ورغم ان احمد وطارق لا يظهران علي الرادار لارتفاعهم المنخفض ،فقد كانت الاعين مسلطه علي القواعد الجويه الاسرائيليه .

مر احمد وطارق علي مسافه من شواطئ غزة ، واستمرا في طريقهما وكل منهم ممسك بعصا التحكم بكلتا يديه نظرا لصعوبه التحكم في الطائرة علي الارتفاع المنخفض والسرعه العاليه .

لمح عمر علي الرادار طائرتين معاديتين تطيران فوق شمال سيناء قرب المكان المفترض لاحمد وطارق في نفس الوقت فحبس انفاسه ، لكن الطائرتين كانتا في دوريه عاديه ووضح ذلك جليا لعمر  

فلم يعرهم اهتمام وتابع متابعه بقيه القواعد المعاديه وهو يدخن سيجارته بعصبيه بالغه ،بينما محمد ووليد وجمال يجلسون بجوار اللاسلكي في شده القلق علي زملائهم ، وحيث ان التعليمات كانت بصمت لاسلكي تام ، فلم يكن لاحد ان يعرف مكانهم ، الا احمد الذي ظل متابعا موقعه بواسطه خريطه وضعها علي فخذه  ليتابع الموقف بالبوصله وعداد السرعه .

ومر وقت والاثنان يطيران حتي ظهرت تل ابيب علي الافق ، وبعد اشارات متفق عليها  أبطأ طارق قليلا من سرعته واتخذ مكانه خلف احمد بمسافه متوسطه تصل الي كيلو مترين  ، ثم أتخذا مسارا عموديا علي الشاطئ وانطلقا بأقصي سرعه فوق المدينه بعد ان القيا خزاني الوقود الاضافيين بعد ان فرغا تماما

في تلك اللحظه كان سكان تل ابيب يعيشون حياتهم العاديه في نشوة وسعاده في ظل احساس لا نهائي بالامن والامن بفضل جيش الدفاع وذراعه الطويله ( الطيران ) وبفضل نشوة انتصارهم في يونيو67 ، الا ان صوت انفجارين متتاليين هزا المدينه هزا وجعلا زجاج المباني يتساقط من فرط قوة الانفجار ،فعم الذعر انحاء المدينه وهرب السكان الي الملاجئ ، ولاول مرة تطير طائرات معاديه فوق تل ابيب منذ عام 1948 ،

واتجهت الطائرات عائده تجاه البحر مرة اخري علي نفس الارتفاع المنخفض ، كانت سعاده احمد وطارق لا توصف بعد ان استطاعا النفاذ الي عاصمه العدو وترويع سكانها ردا علي ما قامت به الفانتوم فوق القاهرة

في تلك اللحظات القلقه كان عمر يتابع الطائرات الاسرائيليه في سيناء والتي لم يظهر علي حركتها اي تغير يذكر او استنفار ، ووصلت اشارة لاسلكيه برصد نشاط جوي مفاجئ في شمال اسرائيل والجولان المحتل، فتبسم عمر وكتم انفعاله حتي علي من حوله وأستمر يدخن في تركيز شديد.

كانت خطه احمد هي الاستمرار علي اقل ارتفاع ممكن لاطول فترة ممكنه قبل الارتفاع وتقليل استهلاك الوقود والذي كان استهلاكه عاليا جدا في ذلك الوقت خاصه بعد التخلص من خزان الوقود الاضافي الاخير وبدء استهلاك وقود الطائرة نفسها ،وقدر احمد موقعه مرة اخري طبقا للسرعه والخريطه وساعه يده فوجد انه لابد وان يكون موازيا لبحيرة البردويل في شمال سيناء ، وطبقا للسرعه الحاليه فلديه حوالي 4 دقائق ويكون فوق المناطق المصريه ، فأرتفع قليلا وسرعان ما رصده عمر علي الرادار ،فأعطي الاذن لمحمد بالاقلاع لحمايه تشكيل احمد وهو عائد، وبعد دقيقيتن كان محمد ومعه وليد وخالد قد اقلعا في اتجاه الشمال للتقابل مع تشكيل احمد .

في هذا الوقت كانت البلاغات ترد لغرفه عمليات القوات الجويه ومنها الي غرفه عمليات ابوصوير من الاردن وسوريا بنشاط جوي مكثف فوق شمال ووسط اسرائيل مما يعني ان الاسرائيليين يبحثون عن شئ ،

فضحك عمر من سوء تقدير الاسرائيليين الذين ظنوا انها طائرات سوريه .

وبعد دقائق هبط احمد وطارق وخزان وقودهما يكاد يكون صفرا ، لدرجه ان محرك طائرة احمد توقف قبل ان يدخل بطائرته وسط الاشجار ، فقد أمضي الطيارين وقتا قبل تنفيذ المهمه يدرسون السرعات والارتفاعات التي سيطيرون بها لكي يكفي الوقود المتاح، وبالفعل نجحوا في حسابه بدقه 

وسرعان ما بدأت التهاني تنهال علي احمد وطارق علي ذلك النصر المعنوي المهم الذين حققوة ، وكان شعور احمد بالثقه عاليا ويكاد يكون نفس شعورة قبل النكسه بالضبط ، فظهرت ملامح وجهه سعيده لاول مرة منذ فترة كبيرة وعاد البريق الي عينيه بعد طول غياب

ومازاد فرحتهم هو تحميل اسرائيل لسوريا مسئوليه الاختراق مما يعني ان اسرائيل لم تتوقع هذا الفعل من جانب مصر وانها تحس بالامان التام ، وفي المقابل وطبقا للمخطط فلم تنشر مصر اي خبر يتعلق بهذه الواقعه وكأن الواقعه لا تعنينا فعلا وإن علم بها الطيارين في مختلف الاسراب ، فزادت شعبيه السرب 77 الي السماء  وارتفعت معنوياتهم بعد ان اعلنوا لانفسهم انهم قادرين علي ترويع العدو مثلما يروع اهلنا في مدنهم ، فقد كانت حرب نفسيه بشعه ، تحمل الجيش والشعب تبعاتها بكل جلد وتصميم .

وبعد شلال الفرح سأل محمد –أحمد عن السبب في عدم اختيارة لهذه المهمه ،

فرد احمد مبتسما (( انا فكرت فيك ، بس مكنتش ضامن رد فعلك لما تلاقي نفسك  فوق تل ابيب ))

فتبسم محمد متفها وجهه نظر قائده ،وانصرف صامتا .

ومر يومين هادئين علي الجبهه وذلك في اواخر نوفمبر 69 ، سمحت بأعاده ترتيب الاوراق وحضور عدد من المحاضرات النظريه للطيارين .

ومع قرب نهايه نوفمبر 69 أنطلق الطيران الاسرائيلي مرة اخري يهاجم بكل ضراوة مواقع الدفاع الجوي ومنشأته الخرسانيه التي مازالت في طور البناء ،

فدخلت الفانتوم والسكاي هوك والميراج الي الجبهه المصريه بكل قوة تقذف مئات الاطنان من المتفجرات علي كل موقع للدفاع الجوي من قناه السويس حتي القاهرة، وكان الطيارون في السماء، يحاولون بشتي الطرق منع القاذفات الاسرائيليه ونشبت معارك جويه كثيرة وتساقطت الطائرات من الجانبين ، وكان طياري السرب 77 في السماء يتصدون للعدو ببساله وأستطاع وليد وخالد أسقاط طائرة لكل منهم ، وكان اعتماد القياده علي السرب دافعا لاجاده اكثر وتصميم أكثر

لكل الشئ الذي أرق الجميع هو عدم التمكن من المساس بالفانتوم او اصابتها طوال شهرين من العمليات ، فقد اصبحت كابوس يؤرق كل الطيارين، لدرجه ان الطيارين أصبحوا يعتقدون فعلا انها لا تقهر ،وزادت الخسائر في الطائرات والطيارين المصريين ، لكن ظل السرب 77 محتفظا بعدده ، وزاد ضغط العمليات علي السرب نتيجه الاعتماد الكبير عليه ، وفي الاول من ديسمبر أقلع أحمد ومعه محمد ووليد لاعتراض تشكيل طائرات يقترب من الاسماعيليه علي ارتفاع متوسط ، قدر عمر عدد الطائرات المهاجمه بأربع طائرات ، ثم زادهم عمر الي سته طائرات عندما وضحت صورتهم علي الرادار مما أستدعي أقلاع طارق وخالد للتعزيز ، وفور اقتراب طائرات العدو من خط القناه ، اعلن عمر انسحاب ثلاث طائرات للعدو في اتجاه الشرق ، فأمر احمد – محمد بمطارده تلك الطائرات والتي أتضح فيما بعد انها فانتوم ،

 فعندما أقترب محمد من خلفها وعلي مسافه 5 كيلومترات منها ، القت الفانتوم بقنابلها بالصحراء فوق سيناء وزادت من سرعتها منسحبه ، فعاد محمد حزينا من هروب ذلك الصيد الثمين مرة اخري،

 في ذلك الوقت كان احمد ووليد مشتبكين مع ثلاث طائرات ميراج فوق القناه ووصل طارق وخالد لسماء المعركه ودارت معركه قصيرة أصيبت فيها طائرة خالد واضطر للقفز منها فوق القناه ، في نفس اللحظه وصل محمد لسماء المعركه ولمح علي الفور مظله خالد ، لكن ما شد انتباهه هو دوران طائرة ميراج للانقضاض علي خالد الذي يتهادي في السماء نازلا للارض بمظلته ، احس محمد بمدي قذارة ذلك الطيار ، فأسرع منقضا عليه  مطلقا صاروخا ، أنفجر بعيدا لكنه شتت تركيز الطيار الاسرائيلي لوهله جعلته يبتعد أمتار قليله عن مظله خالد منقذا الاخير من موت محقق ، ويستمر محمد في مطارده الميراج ويقلص المسافه معها ويلجأ للمدفع كحل أمثل بدلا من الصواريخ ، ويطلق عده دفعات ثم يتعطل مدفعه عن العمل وعبثا حاول الضرب ، فطلب من زملائه التدخل لان الميراج في وضع مناسب جدا للضرب ، لكن الثلاثه كانوا في دائرة المعركه مع طائرتين ميراج ، ولم يستطع اي منهم الخروج منها ،

 اعلن عمر ان ثلاث طائرت تعزيز قد اقلعت من ابو صوير وأمامها دقيقتين للوصول ، فتمتم أحمد بأن المعركه ستنتهي في اقل من ثلاثين ثانيه ، أما محمد فواصل ملاحقته للميراج مصورا للطيار المعادي انه مازال في الاشتباك ، وفورا رصدت الرادارات الاسرائيليه وصول طائرات تعزيز مصريه فأبلغت طياريها بالانسحاب بعد ان أسقطوا لنا طائرة وبدون خسائر لهم .

عاد السرب 77 سريعا لمطارة وبدأ محمد سريعا مع الفنيين في اصلاح مدفع طائرته وقبل حلول الليل كان المدفع قد أصلح وعاد خالد للمطار ، وطبقا للتعليمات المشدده بأستعواض اي طائرة بأقصي سرعه لان المرحله لا تحتمل أي نقص في عدد الطائرات المدافعه ، فقد انطلق خالد ليلا تجاه مطار غرب القاهرة ليقلع مع اول ضوء عائدا بطائرة جديده ، وكما هو معروف في ذلك الوقت ان عدد الطائرات كان يزيد عن عدد الطيارين بالاضافه لوجود اولويه قصوي لطائرات السرب 77 ، فكان استعواض الخسائر في الطائرات يسيرا

وبعد عده أيام يعاود السرب أقلاعه مرة اخري لاعتراض تشكيل معادي فوق بورسعيد ، وتنطلق الطائرات بتوجيه عمر لقطع خط تقدم تلك الطائرات ، وكما حدث في المرة السابقه  فقد انسحب جزء من الطائرات ، لكن احمد شدد علي تماسك التشكيل ، وتم اعتراض التشكيل المعادي فوق سماء مدينه بورسعيد ، وأتضح انهم ثلاث طائرات سكاي هوك ، والتي انفصلت عن التشكيل محاوله ضرب طائراتنا

فتدخل وليد خلف احد الطائرات ومن خلفه احمد لحمايته ، بينما خالد وطارق خلف الطائرة الثانيه ، وانفرد محمد بطائرة ثالثه ، في البدايه أستطاعت الطائرة الاولي الافلات من متابعه وليد لها فتتبعها احمد ، اما الطائرة الثانيه فقد انطلقت بزاويه شبه رأسيه تجاه السماء ، ثم بنفس الزاويه تجاه الارض ، وبمهارة تامه أنقض طارق مسددا صاروخين متتاليين نحوها أصابها احدهم ثم تابع بالرشاشات حتي انفجرت الطائرة الي أشلاء وبدون ان يستطيع الطيار ان يقفز منها ، ونظرا لقرب مسافه الاشتباك فلم يستطع طارق ان يغير اتجاهه ، ليدخل بطائرته وسط كرة النار المتبقيه من انفجار الطائرة المعاديه لتصاب طائرته فورا بأضرار كبيرة ، وينسحب من المعركه تجاه الجنوب وهو يحاول السيطرة علي طائرته ، وبينما عمر يتابع علي شاشات الرادار ما يحدث فقد رصد أقلاع طائرات معاديه لتعزيز تلك الطائرات ، فأقلعت اربع طائرات من مطار الصالحيه  لاعتراضها ، بينما قرر أحمد الانسحاب من المعركه بعد تعمقه في سيناء خلف الطائرة المعاديه التي افلتت من اربع صواريخ اطلقها احمد ، وفي تلك الفترة كان محمد مازال مطاردا للطائرة الثالثه وعندما علم من احمد بقرب وصول طائرات معاديه أستكمل مطاردته لها مصرحا بأن الطيار الاسرائيلي جيد جدا وانه لن يتركه يعود حيا ، فًًقدر احمد الموقف مع عمر سريعا واعطي محمد ثلاثين ثانيه اخري ثم ينسحب ، كانت هذه الفسحه من الوقت كافيه جدا لمحمد لكي يطلق عده دفعات علي الطائرة الاسرائيليه ليصيبها فقط ، ومع انقضاء المهله أصدر احمد أمرة لمحمد بالعوده ، وبنظرة حسرة تابع محمد انسحاب الطائرة الاسرائيليه وهي تجر ورائها ذيلا من الدخان الاسود ، وانتهت المعركه بينما طارق يستميت في التحكم في طائرته ، وعند أقتراب أحمد منه معاينه حجم الاضرار أمرة باختيار منطقه مناسبه والقفز ، وكان طارق مثله مثل اي طيار ، يحس بأن طائرته لا يجب ان تفارقه الا بالموت وأنها جزء لا يتجزأ منه  ، لكن الوضع لا يتحمل مشاعر وعاطفه هكذا قال احمد ونفذ طارق ، فقفز بمظلته غرب الاسماعيليه .

وفي اليوم التالي حضر الدمنهوري ليشد من أزر الرجال ويبلغهم تحيه القياده لهم وخاصه الرئيس عبد الناصر ، فقام عمر من مكانه فاغرا فاه (( الريس جمال بيحيينا !!؟؟!!))

 

 فتبسم الدمنهوري قائلا (( طبعا – الريس متابع كل صغيرة وكبيرة في الجيش وعارف شغلكم والدور اللي بتقوموا بيه انتوا واخوانكم في الجيش والبحريه والدفاع الجوي ، والريس مقدر جدا التضحيات اللي بتحصل كل يوم ))

فنظر الطيارين لبعضهم البعض وقد علت المعنويات وظهرت الابتسامات علي الوجوه سعيده بدعم رئيس الجمهوريه ، وأستطرد الدمنهوري (( انا جاي لكم عشان معايا خبر بمليون جنيه )) فوقف الجميع علي اطراف اصابعهم بينما صاح محمد بحماس  (( هنعدي القناه ؟؟؟؟))

الا ان الدمنهوري هز رأسه نافيا وقال بفخر (( من شويه وقعنا اول فانتوم في أشتباك جوي )) قام الجميع من اماكنهم فرحين مصفقين وقد تعالي التكبير ، وأستكمل الدمنهوري(( البيان هيتذاع الساعه 7 ابقوا اسمعوة )) فتساءل محمد(( مين اللي مجبتوش ولاده ده اللي وقعها ))

رد الدمنهوري سعيدا(( الملازم اول احمد عاطف))

فهتف وليد وخالد في وقت واحد (( احمد عاطف دفعتنا – ده  ممتاز بجد ))

اعقب ذلك حديث حماسي طويل بين الرجال وبين الدمنهوري عن كل صغيرة وكبيرة في ظروف الاشتباك وقال الدمنهوري ما يعرفه فقط فهو ليس بطيار ليرد علي اسئله الطيارين الفنيه وفي النهايه وبعينين تشعان بريقا قال احمد ودخان سيجارته يتصاعد من حوله (( يعني الفانتوم ممكن تقع اهي ، اما احنا خايفين منها ليه؟. )) ثم نظر لرجاله قائلا في حماس (( من بكرة ... هنخش ورا الفانتوم في كل اشتباك وهتكون هدفنا الاول، واذا كان احمد عاطف وقعها يبقي اي حد فينا يقدر يوقعها برضه ))

وانفض الاجتماع الحماسي قبل التاسعه مساءا بقليل وخلد الطيارين للنوم بينما احمد مستيقظ  يفكر في صديق عمرة مدحت المليجي وعن شعورة لو كان متواجد الان ليري ضراوة القتال الجوي ، وطافت ذكرياتهم معا وقتا طويلا حتي نام أحمد من فرط التعب

وفي فجر اليوم التالي أستيقظ الرجال أشد حماسه وقوه واضعين الفانتوم نصب اعينهم ، ليس لشئ الا لكسر عقده بدأت تنمو في نفوسهم بأن الفانتوم غير قابله للتدمير ، ويجب القضاء علي تلك العقده بأي شكل، في ذلك الصباح هبط طارق بطائرته الجديده وبدأ الفنيين في فحصها واعاده تجهيزها للاقلاع

واجتمع احمد بطياريه مفكرا بصوت عال بأنهم يجب ان يقوموا بعمل كمين للطائرات المعاديه وخاصه الفانتوم قائلا (( لما احنا بنخش في اشتباك ، هما علي طول بيطلعوا طيارات تعزيز ، فا احنا بننسحب علي طول وده صح لان ظروف الاشتباك دايما مش في صالحنا ، طب ازاي نحط نفسنا في ظروف أشتباك احسن ؟؟)) فأطرق الجميع يفكرون بينما الفنيين يجهزون الطائرات للاقلاع

ظل الطيارين يتناقشون في اساليب القتال مع العدو ، واضعين في اعتبارهم تفوق اجهزة الرصد والرادارات الاسرائيليه، مما يجعلهم دائما في وضع أفضل ، فالطائرات الاسرائيليه تقلع فور اقلاع اي طائرة مصريه أي انها تكتشف جميع التحركات الجويه المصريه فور وقوعها ، في حين ان الرادارات المصريه لا تكتشف الطائرات الاسرائيليه الا لمدي معين .

وبعد فترة أنذر عمر السرب بوجود طائرتين تقتربان من بورسعيد ، فأقلع احمد وطارق  لاعتراضها ، وتبعهما محمد بعد فترة للتعزيز ، وقرب القنطرة أفاد عمر باختفاء طائرات العدو من شاشات الرادار

مما أربك أحمد فقسم التشكيل في ثلاث اتجاهات لاستطلاع المنطقه ، وبعد دقائق أفاد عمر بظهور الطائرتين شرقا فوق بورفؤاد فتوجه احمد للاشتباك وتجمع التشكيل مرة اخري .

كانت الطائرات المصريه قد أستهلكت جزء من الوقود نتيجه البحث عنهما ، وعند اقتراب تشكيل احمد ، تم رصد الطائرتين واتضح انهما فانتوم ، فتعالي الحماس بين الطيارين لظهور الفانتوم .

أنطلقت الفانتوم بموازاه القناه الي الجنوب بسرعه عاليه ، فأمر أحمد باقلاع وليد وخالد واعتراض الطائرتين ، في ذلك الوقت نبه عمر التشكيل  لوضع الوقود ، كان تشكيل احمد يطبق علي الفانتوم من الخلف بينما خالد ووليد يقطعان الطريق عليها ، لكن احمد أحس بالقلق البالغ ، فهو علي وشك العوده لاعاده الملئ بينما خالد ووليد بمفردهما ، وفجأه ظهرت من العدم طائرتين ميراج خلف تشكيل احمد ، ففزع عمر وهو يري تلك الطائرتين خلف احمد ونبهه لذلك بينما أقلعت طائرتين لتعزيز احمد من ابو صوير وطائرتين من قاعده المنصورة،

لكن المعركه ستنتهي قبل ان تصل اي من طائرات التعزيز تلك ، فناور احمد وهو يطلب التوجيه من عمر

وانفصل التشكيل في سماء المعركه بينما أنسحبت الفانتوم شرقا ، كان الموقف جد عصيب فأقترح عمر منفذا للمأزق الصعب ذلك وهو ان ينسحب احمد تجاه ابو صوير تاركا الدفاع الجوي يتكفل بمطارديه ،

فأعطي احمد الامر لطارق ومحمد بالاتجاه لابو صوير علي ارتفاع منخفض وبأقصي سرعه بدون الالتحام في التشكيل بينما يطارد خالد ووليد مطارديه ، كانت فكرة جيده لكن وضع الوقود كان حرجا ، كان انسحاب احمد في ذلك التوقيت له نتيجه سلبيه علي طياريه الذين تعودوا علي الاشتباك الدائم ، لكن كان له نتيجه ايجابيه اخري ، فقد اقتربت طائرات التعزيز من تشكيل احمد بأسرع مما توقع وخالد ووليد يطبقان من الخلف بينما هو وتشكيله يناوران الصواريخ الاسرائيليه المنطلقه خلفهم بكثرة ، وسرعان ما ادركت الطائرات الاسرائيليه الكمين المصري فأنسحبت سريعا ، ليتنفس احمد الصعداء  ويحمد الله

وليلا جلس الرجال يتناقشون في الكمين الاسرائيلي لهم ، وأن مشكله الرادارات المصريه التي لا ترصد الطائرات التي علي ارتفاع منخفض اصبحت تؤرقهم كثيرا ، ففكر الجميع في حل لهذه المشكله ، فتحدث محمد (( دي مشكله عندهم زي عندنا ، الرادارت بتاعتهم مبترصدش طيارتنا برضه يعني احنا ممكن برضه نعمل لهم كمين )) فتساءل وليد عما اذا كان لديه فكرة فأستكمل محمد شارحا علي الخريطه

(( احنا دايما بنعترض الطيارات في مناطق محدده ، وهو بيكونوا جاهزين لنا ، طب ما نطلع علي ارتفاع واطي جدا ونعترضهم داخل ارضهم من وراهم قبل ما يضربوا اهدافهم ، وبكده الفانتوم هتكون ثقيله وبطيئه ومش هتكون مستعده )) طالت المناقشات الي ان وصل الجميع الي تصور معين وبدأوا يعدوا له العده .

في اليوم التالي وصلت اشارة تحمل تحذيرا من الوقوع في كمائن الطائرات للعدو ، وليلا حضر العقيد فريد وشرح للرجال تكتيك القوات الاسرائيليه في استدراج طائرتنا لمدي ابعد من مدي الوقود واعتراضها بطائرات لا تظهر علي الرادار ، وعندما أبلغه احمد بأنهم شارفوا علي الوقوع في مثل الكمين لكنهم نجوا منه قال لهم العقيد فريد بأن عددا من طيارينا أستشهدوا بسبب هذا الاسلوب .

وتحاور الجميع في تغير تكتيك العدو خاصه بعد وصول الفانتوم ، فأخبرهم الرجل بان القياده تنظر للسرب ومتوقعه منه نتائج جيده طوال الوقت .

بعد مغادرة العقيد فريد المطار ، عكف احمد في مكتبه يدرس اسلوب العدو وتكتيكاته وكان همه الاساسي عمل كمين لطائرة فانتوم .

في تلك الاثناء كانت الغارات الاسرائيليه علي مواقع الدفاع الجوي مستمرة ، وكانت الطائرات الاسرائيليه تستغل تكتيك يكشف عجز الدفاعات المصريه ، فقد كانت تهجم علي ارتفاع منخفض جدا يعجز عن رصدها الدفاع الجوي المصري ، ثم ترتفع بمجرد اقترابها من الهدف لتقصفه وتنسحب عائده مستغله سرعتها العاليه ، متفاديه اي مطارده لطائرات مصريه


 رسم يوضح تكتيك الهجوم الجوي علي مواقع صواريخ سام

 

وطوال نوفمبر وديسمبر 1969 نجحت الطائرات الاسرائيليه في تدمير 36 موقع لصواريخ سام 2 و سام 3 بطول الجبهه وحتي القاهره وأنتكس الدفاع الجوي المصري بصورة رهيبه وظهر عجز القوات الجويه علي منع الطيران الاسرائيلي وبل وعن حمايه سماء مصر

وفي أخر ديسمبر ووسط القتال المشتعل في كل ارجاء الجبهه يخرج السرب مرة اخري في دوريه قتال فوق الاسماعيليه ، ويرصد عمر اقتراب طائرتي قرب دوريه السرب ، فيقرر أحمد أطلاق طائرات تعزيزه من المطار 77 وسط بوادر بمعركه جويه وشيكه الا ان الطائرات الاسرائيليه ترصد الطائرات المصريه

وتغير مسارها ، ويعود احمد غاضبا من عدم تمكنه من عمل كمين للطائرات الاسرائيليه ، وفي اليوم التالي ومازال الغضب يتملكه تصدر اوامر للسرب بحمايه تشكيل من الميج 17 قادم من مطار قويسنا سيقوم بضربه لموقع رادار اسرائيلي في العمق مقابل للاسماعيليه ، فيضع احمد خطته بأن يكون وليد وخالد في الطلعه الاولي ، بينما يكون هو ومحمد وطارق مستعدين للتعزيز ، وكان ذلك غير مألوف حيث كان احمد مقرر سلفا بأن يكون في كل طلعه جويه والا يترك طياريه بمفردهم بدون ان يكون معهم ، لكن كان هناك مايدور في عقله لم يعلمه احد ، وعليه فقط اعطي الاوامر السالفه الذكر .

وفور تنفيذ القاذفات قصف الهدف ،أقلع خالد ووليد لحمايتها شرق الاسماعيليه ، وكانت تعليمات احمد هي الاقلاع بباقي الطائرات فورا وعلي ارتفاع منخفض جدا والاندفاع داخل سيناء من مناطق غير مرصوده من العدو بين تحصيناته الدفاعيه ، كل ذلك تم بالتنسيق مع عمر وفي ظل سيطرة من قيادات القوات الجويه ، وطبقا للمتوقع فقد اقلعت طائرتين من مطار رافديم (المليز سابقا) ومن سرعتها أيقن عمر انها فانتوم ، فقام بتحذير خالد ووليد بصوت مرتبك تحسبا لرصد اشارته ، لكنه في الحقيقه كان يكلم احمد والذي طار مع محمد وطارق علي ارتفاع منخفض جدا بمهارة متجهين شرقا ، وعند بدء الفانتوم الاقتراب من خط القناه لتلحق بالقاذفات الميج وتشتبك مع خالد ووليد ، قام تشكيل أحمد بالدوران علي ارتفاع منخفض جدا واتخذ لنفسه موقع خلف الفانتوم ، وكانت الاشارات من عمر الي وليد في الحقيقه مرسله لاحمد ، حيث عمل وليد علي تردد مفتوح للاستماع فقط ، وهكذا أمكن لاحمد وضع الفانتوم داخل كمين ، علي الفور أطلق الثلاثه صواريخهم تجاه الطائرتين ، والتين بدأتا في أطلاق المشاعل المضلله للصواريخ ونجحتا في ذلك ، فتزايد التحدي لدي الطيارين الخمسه وتحول القتال الي المدافع ، ومع انفصال تشكيل الفانتوم وفي ظل تفوق عددي مصري ، رصد عمر اقلاع اربع طائرات من نفس القاعده الاسرائيليه ،الا ان تعليمات احمد كانت صارمه بالاستمرار في الاشتباك مهما كانت الظروف ، فقد كان شوقه لاسقاط فانتوم كبيرا جدا، وفي نفس الوقت أقلعت ثمان طائرات مصريه من ابو صوير كانت جاهزة لهذا الموقف ، أمسك محمد ومعه خالد بذيل طائرة ، بينما يحاول طارق وخالد الامساك بذيل الاخري ،أما أحمد فقد كان يحلق عاليا معطيا تعليماته لطياريه كصانع العاب

كان محمد مصمم أشد التصميم علي أسقاط الفانتوم خاصه ان الطيار لم يستخدم كل امكانيات طائرته في المناورة ، فتم الضرب عليه بالصواريخ من مسافه قريبه ، فأصاب الصاروخ جناح الطائرة ، ثم تحول محمد للمدفع وهو يضرب ويصيح بكل كراهيه (( موت – موت يا ابن الكلب )) حتي أشتعل محرك الفانتوم ،

فقام محمد بالدوران حتي تأكد إسقاط الطائرة ، فتهلل عمر طربا للنسر الاصلع ونجاحه ،ورصد محمد مظله لاحد طياري تلك الطائرة ، فتوجه للمظله مطلقا نيران مدفعه  في غضب 

 شاهد احمد ما يحدث ولفت انتباهه  صوت خالد ينهر محمد عما ينتوي فعله مع الطيار الاسرائيلي ، فتدخل أحمد أمرا محمد بالكف عن مطارده الطيار ، أما طارق فقد اطبق علي الفانتوم الاخري وأطلق عده دفعات من مدفعه أصابت الطائره في ذيلها ، وصاح طارق سعيدا (( اصابت الفانتوم ))

ففرح أحمد وأمر طارق بالعوده بعد ان تأكد من انسحاب الطائرة الاخري ...

عاد أحمد الي مكتبه بالمطار وأتصل بالقياده سعيدا ،وهو يبلغ ان السرب 77 أسقط طائرة فانتوم واصاب أخري .

كان الجميع في قمه السعاده وهم يقصون علي بعضهم البعض ما تم في الجو بينما اختلي أحمد بمحمد في حوار هادئ بجوار احد الطائرات (( مينفعش يا محمد نعمل معاهم نفس اللي هما بيعملوة معانا ))

بدء محمد في الزمجرة معترضا ، فأكمل احمد (( احنا محترمين وبنحترم القوانين ودينا بيقول لنا منقتلش واحد اعزل )) فحاول محمد ان يعترض مرة اخري الا ان أحمد انهي الموضوع بكل هدوء وأدب

(( لو سمحت يا محمد ، الموضوع ده ميتكررش  وتشيله من دماغك خالص لو عايز تفضل معانا ))

أستمرت الغارات الاسرائيليه علي مواقع الصواريخ المصريه مع بدايه عام 1970

وفي يناير قلت الغارات قليلا ، فقد تم تدمير كافه منصات الصواريخ بالجبهه تماما

وكان الرجال في قمه النشاط والحيويه ورغم مرور عام كامل من القتال المستميت دفاعا وهجوما لاثبات الذات ، فقد وصل افراد السرب الي مستوي من الخبرة مع العدو جعلت القياده تطلب منهم التوجه لعمل محاضرات للطيارين حديثي التخرج او تبادل الخبرات مع بقيه الطيارين .

 

 

6 صور نادره تمثل مراحل اصابه طائرة ميج 21 مصري في قتال جوي

 

صورة من طائرة اسرائيليه لصاروخ سام 2 منطلق خلف طائرة اخري

 

طائره ميج 17 مصريه علي اقصي

يسار الصورة ، تطارد طائرة ميستير اسرائيلي

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech