Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

روايه فهد الليل- الجزء الاول - نشأة الفهد

 

نشــأة الفهـــد

      اسمي صابر أبو ركبة ، من أبناء مطروح ، بدأت حكايتي حين مضى من عمرى ستة عشر عاما ؛ حيث كنت أقيم مع أمي وثلاث شقيقات أصغر منى عمرا ، توفي والدي منذ عدة أعوام ولم يترك لنا ميراثا سوى السمعة الطيبة ، كنت المسئول عن العمل والإنفاق على أسرتي بالإضافة إلي المساعدة التي تقدم لي من أمي وشقيقاتي ، طوال العام كنت أقوم علي رعى الغنم وخلال فصل الصيف أعمل على شاطئ البحر لخدمة المصطافين القادمين لمطروح من أرجاء الجمهورية ؛ اكتفيت بالدراسة بالمرحلة الإبتدائية نظراً لعدم وجود مدرسة إعدادية قريبة من القرية التى نقيم بها.

       أقف الآن على رمال الشاطئ ومعي بعض الأغراض التى يحتاج إليها رواد الشاطئ من كراسي وشماسي البحر التى سلمها لي الشيخ عثمان السيوي صديق والدي والذي أقوم على تقديم يد المساعدة والمعاونة له طوال موسم الصيف من كل عام نظير مبلغ ضئيل يساعد أسرتي على التمسك بالحياة ، لقد فضلني على الكثيرين من الشباب كي يقدم لنا يد المساعدة نظراً لحالة الفقر المدقع التى تعيشها أسرتي حيث كان والدي إبراهيم أبو ركبه وتلك كنيته غير قادر على العمل ولا يستطيع السير بطريقة طبيعية ؛ حيث كان يركض بركبته اليسرى نظراً لإصابته بإحدى شظايا قنبلة من المعارك التي كانت دائرة في منطقة العلمين خلال الحرب العالمية الثانية ؛ كان والدي أثناءها يعمل لدي جنود الحلفاء بالسخرة تنفيذاً لتعليمات الحكومة المصرية وقد أثر هذا علي نشاطه فأصبح لا يتحمل مشقة الأعمال وبالتالى فقد أنعكس هذا علي عائلتي بالفقر حيث كنا نعيش علي شظف العيش والمعونة ، أقولها صريحة ؛ كنا نعيش علي إحسان البعض خاصة الدكتور عبد الحميد السيوي شقيق عم عثمان والذي تعلم في القاهرة ووالده شيخ قبيلة "أولاد علي" ميسورة الحال.

    كانت أمي سيدة قوية صابرة ؛ لم أسمعها في يوم من الأيام تشكو سوء الحال وندرة المال ؛ كانت شاكرة لربها باستمرار كما أنها أيقنت بأنه لا سبيل لمقاومة ما نسبح فيه من أمواج الفقر سوي العمل وُحسن التدبير والتدبر ؛ كلما شبت ونضجت إحدى شقيقاتي كانت تقوم علي تدريبها علي الصناعة اليدوية بالمنزل من أكلمة صوف ومفارش وأشغال الإبرة كي تشغل وقتها وتعود بعائد مادي ييسر أمور حياتنا وأصبح هذا العائد هو البلسم الواقي لشظف العيش والحياة.

***

     تنبهت من ذكرياتي على صوت خشن جاف يدعوني إليه ، أتجه إليه وأشاهده ناظراً إليّ بنظرة مريبة أدخلت الخوف إلي قلبي حيث كان يجلس مع أسرته وجميعهن من السيدات والفتيات التي تدل حالتهن علي ُحسن العيش والمستوي الإجتماعي الرفيع.

ـ حضرتك بتنده؟

ـ ايوه ، ماشي علي مهلك كده ليه يا ولد؟

ـ أبدا يا سعادة البيه بس الرمل هيا السبب

ـ أنت ح تصاحبنيّ؟ أنت مش عارف أنا مين؟

ـ لا والله

ـ طيب أعرفك أنا مين ؛ نهض الشاب الذي يكبرني عمراً ومقاماً وفتوة وشباباً وجسده الأقرب إلي البدانة وفي لمح البصر هوي علي وجهي بصفعة قوية لم أشعر إلا وصيحة مكبوتة خرجت مني وشاهدت نفسي ملقيّ علي الرمال والناس من حولنا تنظر إلىّ وقد أفزعتهم المفاجأة.

       أقبل البعض ناحيتي محاولين مساعدتي للنهوض حيث كنت ألملم جلبابي وأستتر حتي لا يفتضح أمري بما علىّ من أسمال أسفل جلبابي البالي بينما اتجه البعض إلي الشاب المعتدي محتجين معترضين على تصرفه مظهرون لومهم علي تصرفه بينما إنشغلت عنهم محاولا إصلاح حالي وتركتهم لكثرتهم وسمعت اللغط القائم بينهم وبين من صفعني دون ذنب أو جريرة ارتكبتها وخلال هذا شاهدتها ، فتاة جميلة في عمر الزهور المتفتحة فى بداية موسم الربيع ، انحنت عليّ تتفحص وجهي حيث هتفت:

ـ دم!! وشك فيه دم ؛ ثم نظرت إلي الفتي الذي صفعني صارخة في وجهه صائحة:

ـ حرام ؛ والله حرام يا علاء!!

    كادت أن تبكي وكدت أن الحق بها باكيا لشعورها المرهف الرقيق ، أتفحص معالمها محاولا تذكر هذا الوجه الأبيض الرقيق الذي يبدو كأنه قطعة من حرير مخملي صاف ، من تكون؟ أعتقد بأنني قد شاهدتها قبل ذلك؛ بمنديل أبيض رقيق ناعم أزالت به نقاط الدم المندفعة من أنفي وربتت علي كتفي وساعدتني علي النهوض ، وقفت بجوارها ؛ بعد ُمضي بعض الوقت أقبل رجل مهيب الطلعة تعلو وجهه كل طيبة المصريين وُخلقهم حيث شاهدني علي حالي ورأيت البعض راغباً في أن يتحدث معه ، شعرت بأهمية الرجل حيث كان الجميع يطلب وده ، اقترب مني ناظراً في وجهي ُمعلنا أسفه لما حدث صائحاً بصوت عال في وجه الشاب الذي أهانني دون ذنب اقترفته:

ـ أنا ربيتك علي كده؟ بئس ما فعلت ، أعاد الرجل حديثه إليّ ؛ ماتزعلشى يا ابني ، ابني علاء سريع الغضب ، سوف أقوم بتقليم أظافره ونزع أنيابه حتي لا يقترف مثل هذا الفعل الشنيع ؛ أسرع إلي مكان أسرته بينما ابنه علاء مازال واقفاً يتصبب عرقاً وخجلا مما لاقاه سواء من الناس أو من والده الذي حادثني منذ قليل ، عاد الرجل إليّ ببعض النقود ووضعها في يدي مقدما إعتذاره ولكني شكرته رافضاً نقوده ، أعاد رغبته في إعطائي النقود وأنا بدوري قدمت له شكري وتقديري.

      أعاد فتح حافظته وأخرج منها ورقة علمت فيما بعد أنها "كارت" ينبئ عن شخصيته ، لم أقرأ الكارت نظراً لما آلت إليه حالي وقد أصبحت في وضع سيئ من تجمع المصطافين وحزن الرجل المهيب البادى علي وجهه الطيبة ، أعاد قوله: سوف أقوم برد ما اقترفه ابني لك مضاعفا ، سوف أهذبه حين عودتي إلي منزلي وسوف أقدم لك أي خدمة وأي رغبة تكفيراً عما حدث من هذا الولد المنفلت ، قدمت شكري له وشعرت براحة النفس من الحالة الطيبة التي غمرت فؤادي ومشاعري؛ عاد الرجل نحو الشمسية وجلس أسفلها وتباعد الناس رويداً رويداً بينما ظلت الفتاة الجميلة بجواري ؛ بعد تردد سألتني:

ـ أنت بتشتغل هنا ولا بتصيف؟

 ابتسمت من سؤالها متحدثا عن حالي ، هل هذا منظر إنسان له من المال والوقت ليلهو علي رمال الشاطئ ويتمتع بمياه البحر ذات اللون الفيروزي الجميل؟ أجبتها:

ـ أنا شغال هنا

    أشرت إلي موضع الكراسي والشماسي ، أمسكت بيدي وسارت معي حتي موضع عملي ؛ جلست علي أحد الكراسي بينما جلست أنا أرضا ، أشارت إلىّ بالجلوس على كرسي مثلها ولكنى أخبرتها بإشارة من يدى بأن هذا أفضل ، أعادت نظراتها البريئة إلىّ متسائلة:

ـ أنا فاكره إني شفتك قبل كده؟ ابتسمت لها رغم ما بى من الآم نفسية.

ـ وأنا فاكر إني شفتك قبل كده؟ ضحكت وعادت برأسها للخلف بعد أن كانت تميل ناحيتى وهي تحادثني.

ـ طيب اسمك إيه؟

ـ صابر .

بدهشة!!

ـ أنا عارفه إنك إنسان طيب وصابر لكني أسألك عن إسمك ؛ أجيبها:

ـ صابر ، اسمي صابر

ـ صابر!! بدهشة ، تكونشي صابر أبو ركبة؟

ـ فعلا أنا صابر أبو ركبة ، وضعت يدها علي صدرها متسائلة:

ـ مش فاكرني؟ متردداً

ـ والله أنا فاكر إني شفتك فين مش عارف؟ تعيد ابتسامتها الجميلة:

ـ أنا ريهام ، ريهام بنت الدكتور عبدالحميد السيوي ؛ عقدت الدهشة لساني، هذه ريهام زميلتي أثناء المدرسة الابتدائي لسنوات قبل أن يغادرنا والدها عائداً إلي القاهرة ليتقلد منصبه كطبيب أسنان بوزارة الصحة ، تساءلت:

ـ وإنت ، أخبارك إيه يا صابر؟ لسه في المدرسة؟ أجبتها.

لقد تركت المدرسة منذ أربع سنوات بعد إنتهاء الدراسة الابتدائية ولم أكمل دراستي نظراً لعدم وجود مدرسة إعدادية بمطروح ، شاهدت الأسف على ملامحها :

ـ "خسارة" .. كنت أشطر واحد في الفصل ، ياه يا صابر ؛ خسارة إنك لم تكمل تعليمك.

تحدثني وهي لا تعلم عن حالنا شيئاً حيث كانت أسرتي تفكر ليلاً ماذا نطعم صباح الغد حتي قالت لنا أمي إننا مثل الطيور التي تأكل طعامها طقه بطقة ولا تخزن طعامها ولا تحمل هما للغد فحالنا هو حالهم وعلينا الصمود والصبر وإن الله لا ينسي عباده أبدا.

ـ علي فكرة يا صابر .. رضوان باشا والد علاء اللي عمل معاك المشكلة من شوية ، يعتبر جارنا في مطروح ، الفيـلا بتاعتهم جنب بيتنا القديم ، كمان جه زارنا ومعاه الست مراته أكتر من مره وبابا وماما قاموا بزيارتهم لأنه راجل طيب وميعجبوشي اللي حصل من ابنه علاء.

ـ الله يسامحه ، لكن أنت في سنه كام يا ست ريهام؟

بدهشة!! 

ـ إيه الكلمة دي؟ إحنا أصحاب وأهل ، قول لي ريهام ، مش عايزاك تحسسني إني غريبة؟ بتردد

ـ حاضر يا ريهام ، ابتسمت وظهرت أسنانها البيضاء وأضاء وجهها بنور الخالق وصفاء النفس البشرية الطيبة.

ـ أنا يا دوب لسه مخلصه أولي ثانوي ، كان نفسي تكمل تعليمك يا صابر.

ملحوظة : المرحلة الإعدادية فى تلك الفترة أربعة أعوام

ـ يا ريت ، لو عندك كتب أذاكر فيها يعني للعلم وليس للعلام علشان أفهم الدنيا ماشيه ازاى؟

ـ حاضر ؛ أنا كنت جايبه معايا كام كتاب من منهج السنة دي أتسلي فيهم ، ح أجبهم لك بكره.

ـ ربنا يخليك يا ست ريهام.

   نهضت راغبة في مغادرة المكان وإحتقن وجهها وتبدل لونه إلى الاحمرار وأعادت قولها.

ـ مش قلت لك قول ريهام بس ، لازم الكلمتين دول ، يا أخي دا إحنا أصحاب ويا ما كنت أمشي معاك وأنت بترعي الغنم في الصيف ، هو أنت لسه بتشتغل الشغلانة دية؟

ـ أيوه ، الناس في الصحرا حيشتغلوا إيه؟

ـ طيب أنا ح أمشى دلوقتى لأن الدنيا قربت تضلم .. مع السلامة يا صابر.

***

    أسمع صوت المؤذن الشيخ حسونة الراعي من منزلنا المتهالك يؤذن لصلاة العشاء ، توجهت لأداء الصلاة وبعد أن ُعدت إلي منزلي خرجت مع إحدي شقيقاتي لجمع بعض الأعشاب وبعد أن عدنا إتجهت شقيقتي الصغرى إلي جار لنا وعادت حاملة معها عوداً من الحطب المشتعل نارا من الفرن الذي لديهم ، إنهمكت أمي مع شقيقاتي في إعداد الطعام علي ضوء النيران المشتعلة ؛ بعد أن تم إعداده تجمعنا حول صينية العشاء التي أصابها التلف  لقدمها وإستخدامها في أغراض كثيرة وإنهمكنا في تناول طعامنا وكل منا يقدم شكره إلي الله قبل دفع لقمة فى فمه بأن يحفظ هذه النعمة علينا ويحفظها من الزوال وأن يمتعنا بالصحة فنحن أبعد قدرة عن زيارة طبيب.            

   كل مساء وقبل دخولي في النوم أستعيد ذكري شقيقتي الصغرى نوال ذات الأربعة أعوام والتى فقدناها العام الماضي ؛ حيث لم يستطع جسدها الهزيل تحمل برودة الطقس ليلاً وعدم تناول الطعام ليوم كامل ؛ حيث لم يعد بالدار أي كمية من الشـعير كي نطحنه على الرحايا كي تعد أمنا الخـبز ، كانت نوال رقيقة وجميلة جداً وتأتى إليّ كل مساء تلاعبني وتجلس بجواري كي أقص عليها بعض الحكايات والحواديت، كانت تعمل لمساعدة الأسرة وظلت قبل وفاتها تحمل الرمل والطَفله كي تعد أمي خليطاً يضاف له الماء كي يصبح عجينا تستطيع من خلاله غلق فتحة بجدار الدار سقطت وأصبحنا كأننا نحيا ونعيش بالعراء ، كنت أعدو خلفها لأرفع حمل الرمال التى تحمله في علبة من الصفيح متهالكة كانت تستخدم كوعاء للسمن الصناعي؛ كنت أشعر بأن نوال سوف تلقي ربها قريباً حيث كان جسدها نحيلاً لأقصي درجة ، لدرجة أنها لم تستطع أن تبتلع الخبز الجاف بأسنانها الصغيرة إلا بعد أن تقوم أمي بوضع قليل من الماء عليه حتى تتمكن من مضغه، رحمك الله يا نوال فلقد حصلت على الراحة والبعد عن شقاء الحياة التى نحياها كل يوم.

     إتجهت إلي مكان نومي المعتاد والذي يكمن خلف باب الدار؛ فلا يوجد في الدار سوي حجرة نوم واحدة تتستر بها شقيقاتي مع أمي بينما المرحاض البدائي قد وضعت عليه ستارة من قطعة قماش بالية نظراً لعدم وجود باب ،      كانت أمي تبتعد عن اللقاءات الإجتماعية نظراً لسوء حالتنا وتجنبا لأي مضايقات من حديث بعض النساء واللائي يخضن فيما نحن عليه من قلة المال وندرة الأملاك بكثرة الأسئلة والإستفسارات التي لا داعي لها ، خلدت إلي نوم هادئ ومازالت صورة ريهام تداعب جفوني.

ريـهام:

    غادرت الشاطئ بصحبة أسرتي وأثناء الطريق تذكرت الذي حدث لصديق الطفولة على يد جارنا علاء الذى أهانه وصفعه علي وجهه صفعة فأسالت الدماء من أنفه ،  نهضت صباح اليوم التالي أشد نشاطا ًوحيوية وجمعت كل ما حملته معى من كتب مدرسية وأتيت بها لأمضى وقتا ًمفيداً ًفي قراءتها ؛ إستبقت أسرتي إلى شاطئ البحر ، طلت عيوني صابراً أثناء قيامه بتوزيع شماسي وكراسي البلاج علي الشاطئ؛ حيث كان يعمل بهمه ونشاط ، جلست بعيداً عن ناظريه خلف تل من الرمال كي أتمكن من مشاهدته وفى نفس الوقت لا أشغله عن أداء عمله الذي يقتات منه.

   أشاهد صابراً وقد أنهي عمله؛ جلس يستريح وقد سبحت أنظاره في مياه البحر لعله يجد من أصدافها لؤلؤا لأفكاره فتنير له طريقه الذى ضل عنه بالأمس، ألقى بظهره للخلف واضعا يديه متشابكتين خلف رأسه ومازال يتابع مياه البحر محاولا محادثتها ولكنه لم يجد منها إلا نغمة واحدة ؛ صوت هدير الأمواج المتدافعة خلف بعضها البعض؛ أعتقد أنه يفكر فيما حدث من  تعدي علاء عليه بالأمس ، كنت أشعر ناحية علاء بالراحة حين قدومه لزيارتنا وتباسطه معي حاملاً معه بعض روايات حديثة لكبار الكتاب المصريين ؛ بل كنت أشعر بأنه راغب فى الحديث معي ، لكن بعد تصرفه هذا الذى نم عن تعالى مقيت يملأ صدره تفاخراً بحسبه ونسبه لهذا لن ألتقي به بعد اليوم ، لقد أهان صديق الطفولة هذا الشاب الطيب الفقير وأسرته المكافحة التي تكن لها أسرتي كل ذكريات طيبة. 

صـــابر:

   ُعدت بذاكرتي إلى الخلف قليلاً وأنا برفقة صديقتي الصغيرة ريهام أثناء ذهابنا إلي المدرسة في الصباح والعودة بعد إنتهاء الدراسة ثم مرافقتها لي أثناء العطلة الصيفية وأنا أقوم علي رعاية أغنام بعض أبناء القبيلة ، إبتسمت وأنا أتذكر تأثير الحرارة علي جسدها الرقيق وقد تفصد منه العرق مما دفعني لأن أجلسها أسفل ظلال إحدى أشجار السدر "النبق" تجنباً لأشعة الشمس الضارة على بشرتها.

    عادت صورتها إلىّ ثانية وكنت أشعر بأنها صورة لأحدى حوريات الجنان وقد غلبها النعاس فنظرت إليها وإلى رموشها الطويلة المرسومة بعناية ألاهية مع إنتشار بعض حبيبات العرق حول أنفها وعيونها ، عادت إلىّ فكره أن أبثها بعضا من كلمات أغنية جميلة ، إقتربت منها لأصف حالها في تلك اللحظة وشدوت لها بأغنية جفنه علم الغزل.

     ألمح ريهام ُمقبلة عليّ ببسمة وضاءة جعلتني أتوقف عن الغناء بل أسرع لملاقاتها مصافحاً مرحباً طارداً الخجل الذي كساني بالأمس ، لم تتحدث ولكن عيونها الباسمه وشفتيها التى تنبئ عن سعادتها بلقاء صديق الطفولة والذي أقحمت الذكرى عقولنا وفكرنا بالأمس ، بإبتسامتها التى لا أستطيع وصفها بدأت حديثها:

ـ صوتك حلو يا صابر ، لسه زي ما هو من أربع سنين ؛ يا تري لسه بتقلد الشيخ محمد رفعت في تلاوته للقرآن؟

   إبتسمت وداعبت بأصبع السبابة رمال الشاطئ أمامي ناظراً إلى تلك الرمال وقد غمرني شعور بالغبطة والخجل في آن واحد ، حركت رأسي بما يعني أنني مازلت أقوم علي هواية ترتيل القرآن  الكريم والغناء أحياناً.

     شجعتني ريهام بأن قدمت لي ُكتبها وبدأت أقرأ عنوان كل كتاب بسعادة غامرة ، وضعت الكتب علي إحدى الكراسي حتي لا تؤثر عليها رمال الشاطئ الرطبة ، نهضت واقفاً علي ركبتي متحدثاً:

ـ ريهام: نفسي أخد الإعدادية ولو عرفت أكمل تبجي معجزة من عند ربنا ، نظرت إلىّ وإخترقت بنظراتها عيوني ، شعرت بنسمة هواء منعشة وتنبهت لحديثها:

ـ أول ما أرجع مصر ح أبعت لك كل الكتب اللي إنت محتاج لها ؛ إيه رأيك؟ إستمر حديثنا حتي غادر الضياء سماء الشاطئ.

     اليوم التالي علمت بأن ريهام غادرت مع أسرتها مطروح متجهة للقاهرة لإستدعاء هام من وزارة الصحة لوالدها ، أصابني هذا بإحباط ولكني إستبدلت هذا الشعور بالعودة للماضي القريب وحديثها الرقيق وسعادتي بأن جلست بالقرب مني بعض الوقت.

      مضت عدة أيام بعد هذا وإذ برضوان باشا والد الشاب علاء الذي صفعني منذ أيام يرسل فى طلبي ويعرض علىّ وظيفة فى إسطبل الخيل الذى يمتلكه بمنطقة أنشاص بالشرقية عارضاً راتباً لم أكن أفكر فيه أو أتخيله مع منزل أقيم به مع أسرتي ، كان العرض مغريا مع ظروفنا الاقتصادية السيئة ؛ لم يمض على هذا العرض أسبوعا إلا وقد أرسل أحد العاملين مع رضوان باشا مرافقا لي ولأسرتي إلى منطقة أنشاص.

     كانت الفرحة والسعادة غامرة ، فمن صحراء جرداء إلى خضرة فى جميع الجهات وزراعات مترامية الأطراف وفرع لنهر النيل يجرى أمام العزبة يطلق عليه ترعة الإسماعيلية ، لن أطيل الحديث ؛ مضت بنا الأيام وأثبت فيها أنني إنسان كفء وأصبحت أهتم بعملي وزادت قوتي البدنية وإستطعت تدريب الخيل على فهم بعض ما أريده منها بالإشارة وتجاوبت معي وتفهمت أسرارها مثل ما سبق وتفهمت أسرار الماعز والأغنام.

    مضت علينا الأيام جميلة بعد أن فتح الله باب الرزق والرحمة على أسرتي وكأنما أراد أن نحصل على الخير الذي نستحقه بأثر رجعي فكانت السماء تمطر علينا رزقاً وُحبا وحنانا ؛ بل زادت العلاقات الإنسانية مع جميع أفراد العزبة من عمال الإسطبل الخاص بالخيول وصولا للباشا والسيدة الرحيمة زوجته ، بل تعد هذا ؛ حيث تقارب معي علاء ابن الباشا الذى صفعني دون وجه حق العام الماضي ، كنت أنهل من الكتب التى سلمتها لي ريهام العام الماضي لكن كانت هناك عقبة فى تعلم اللغة الإنجليزية التى كنت أجهلها تماما.

   أحد الأيام وأنا جالس أسفل شجرة توت ودرجة الحرارة تلهب الأجساد فاجأني علاء بك وتباسط معي فى الحديث ثم شاهد كتابا مقرراً على طلاب السنة الثانية الإعدادية ، تحاور معي فشرحت له كل شيء وما قامت به ريهام من معاونتي ، أسعده هذا وقرر مد يد المساعدة بشرح لقواعد اللغة الإنجليزية وأى من المواد التى أقوم بدراستها بل قرر بأن يقوم في العام القادم بمساعدتي بالحصول على شهادة الإعدادية منازل نظام ثلاث سنوات.

تكررت اللقاءات والمساعدة وزادت حينما أقبلت ريهام مع أسرتها تلبية لدعوة الباشا لهم لزيارة العزبة ، أصبحنا نحن الثلاثة نجتمع كثيراً بل كانت ريهام وعلاء يرتبان الزيارات بغرض تقديم المساعدة لي ، مضي العام وأوفي علاء بك بوعده وقدم لي الأوراق المطلوبة لأداء الإمتحان نظام منازل وقام بسداد تكلفة كل النفقات ، الحمد لله دخلت الإمتحان وشعرت أنني قمت بتأديته على أحسن وجه ، بالفعل جاءت النتيجة مؤيدة لهذا وحصلت على شهادة إتمام الدراسة الإعدادية ولهذا فكرت بدخول إمتحان السنة الأولى الثانوي ثم تعقبها باقي السنوات نظام منازل ، سارت بنا الحياة سيرا طبيعيا ونحن نرفل فى النعيم مقارنة بجفاف حلق الصحراء الذى ضن علينا من أن ننهل من نعيم الخالق.

     خلال السنوات الثلاث التي مضت علينا بعزبة الباشا ُكنت مكلفاً بالعمل فى إسطبل الخيل مع عم صِديق ؛ حيث كنت أقوم على رعاية الخيول وتنظيفها وتقديم الطعام لها ، كنت أشعر بسعادة لهذا ، فتلك هى المرة الأولى التى أقترب من فرس وهذا نادر بالصحراء الغربية إلا لدى الأغنياء ، كنت أدندن للخيول ببعض أغان من روائع سيد درويش ومحمد عبدالوهاب بل أغنية ليلى مراد إتمخطري يا خيل وإرقصي ويّا عرايس الليل.

      شعرت بتجاوب بيني وبين الخيل ولهذا تجرأت وركبت إحداها ذات مرة ؛ تكرر هذا عدة مرات وعلمت أن الخيل تصبح فى حالة مزاجية طيبة حينما تقدم لها قطعة من السكر بالإضافة إلى الأغاني والتى كان يميزني صوت طيب أشاد به الكثيرون من الأقارب والأصدقاء حيث كنت أشعر بأن الخيول تتجاوب معي بهز جسدها والبعض يدق بأقدامه عدة دقات غير منتظمة كأنهم يسيرون على الإيقاع الموسيقي.

     علم الباشا بأنني أقوم بركوب الخيل وكاد أن يتسبب هذا التصرف بطردنا من العزبة ولكن الظروف جاءت لتساعدنا ؛ فبعد الضيق والتبرم الذي شعر به الباشا وصله خبر يفيد بمرض الفارس الذي كان ينفق عليه لدخول مسابقة الخيول العربية ، كان الباشا لا يقبل الهزيمة بأن يتخلي عن المشاركة في السباق حتى لو لم يفز الفارس التابع له ؛ لهذا لم يجد أمامه سواي بعد أن زين له ناظر العزبة هذا الإقتراح مؤيدا بأننى لا أفهم فى السباق لكن هذا أفضل من الإعتذار عن المسابقة التى إعتاد الباشا الإشتراك بها لسنوات عدة.

      مازلت أنهل من الكتب وعلاء بك كل أسبوع حين الحضور للعزبة يظل معي يعينني على مذاكرة اللغة الإنجليزية وفى أحد الأيام أثني على إجتهادي بأنني أصبحت أفضل من طلبة المدارس فى مستوي التحصيل ، كما أثنت ريهام على المستوي الذي وصلت إليه ؛ حيث كانت تمد لي يد العون فى توضيح بعض المواد العلمية سواء الرياضيات أو الكيمياء أو الفيزياء ، أنهيت السنة الأولى بنجاح ثم السنة الثانية ثانوي أيضاً ولم يعد أمامي سوى سنة واحدة وألحق ريهام بالجامعة بعد أن تخرج علاء بك هذا العام وأصبح مساعدا لوالده المحامي بمكتب المحاماة بمصر.

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech