Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

روايه فهد الليل- الجزء الاول - حدث غير متوقع

 

حــدث غـير مـتوقـع

     أرسل رضوان باشا فى طلبي فأسرعت أعدو فى إتجاه المكتب حيث يمثل لي هذا الرجل الطيب كل معاني الإنسانية الجميلة الرقيقة .. إستقبلني بود كعادته ثم طلب منى إستخراج بطاقة شخصية! تساءلت عن معنى بطاقة شخصية .. فأوضح لي فائدتها والتى تدل على شخصيتي وأن كل إنسان فى مصر بلغ السادسة عشر من عمره يجب عليه إستخراج تلك البطاقة وإنني أطلبها منك كي أشترك بك كفارس فى المسابقة لأنها من شروط الإشتراك ؛ تساءل: كم عمرك يا صابر؟

    صمت لفترة ثم أجبته بأن أبى أخبرني بأنني ولدت قبل قيام حرب فلسطين بعام ؛ ضحك الباشا قائلاً: لقد تعدى عمرك الستة عشر عاما ؛ بل إقترب عمرك من العشرين عاما ؛ فنحن الآن فى عام 1966 ، يجب عليك إستخراج تلك البطاقة ولهذا طلبت من الريس صديق أن يرافقك للمكتب المسئول.

    توجهت مع عم صديق إلى مركز بلبيس أحمل معي شهادة إتمام الدراسة الإبتدائية والإعدادية وشهادة الميلاد التي كنت أحتفظ بها كأوراق تطلب منى حين أداء الاختبارات بالسنوات الدراسية السابق دخولها ، من مكتب بريد بلبيس إشتريت إستمارة بطاقة ، أمام مركز الشرطة شاهدت عدداً من مصوري الفوتوغرافيا ، جلست أمام أحدهم ؛ حيث قام بأخذ لقطة علي حد قوله ؛ بعد نصف ساعة شاهدته يخرج الصور الخاصة بى من حوض صغير به ماء ، ثم وضعه ليجف على قطعة قماش ثم سلمها لي بعد أن حصل على مقابل تلك الصور من عم صديق ، كان عم صديق رجلا محبوبا من الجميع وله علاقات متعددة ولهذا قام الموظف المسئول بتسهيل كل الإجراءات دون تعقيد وأخبرني أن أعود لإستلام البطاقة بعد أسبوع ومعي الإيصال الذي سلمه لي ؛ ثم علق قائلاً:

ـ دا أنت عديت تمنتاشر سنه .. يعنى ح تروح تكشف فى النضارة " منطقة التجنيد " .. تطوع عم صديق وأخبره بأن هذا الشاب وحيد عائلته وأن والده توفاه الله منذ عدة أعوام .. إبتسم الرجل وأشار إلىّ قائلاً:

ـ براءة يا صابر

     تحركت الأحداث وسارت بى ولم يجد علىّ جديد سوي تسلمي للبطاقة الشخصية التي أسعدتني كثيرا ؛ حيث كنت أنظر إليها من حين لآخر ؛ مازالت مشغولا فى إستذكار دروسي وقد إقترب العام من نهايته وزحفت برودة شهر ديسمبر على الناس فإختبأ الكثير منهم وركزت خلال وقت الفراغ فى إستذكار دروسي ، أيضا مازلت أقوم بالتدريب مع الخيول على أسلوب المسابقة التى إقترب موعدها.

   بداية العام بدأت المسابقة بين الخيول المشتركة ، كانت تلك أول مسابقة أشترك بها ، كان الجميع من حولي يؤكدون على تفوقي ، سارت المسابقة على ما يرام ولكن الحصان جفل فجأة أمام أحد الموانع مما تسبب فى عدم حصولي على المركز الأول وبقيت بالمركز الثاني ورغم هذا شعر رضوان باشا بالسعادة.

   بداية شهر فبراير أقبل عم صديق ليخبرني بأن مندوبا من البوليس يطلب منى التوجه إلى نقطة بوليس أنشاص ، توتر الجميع وكل واحد تساءل عن السبب فى هذا الإستدعاء وكنت غير قادر على الإجابة ؛ إصطحبني عم صديق وتوجهنا سويا إلى نقطة البوليس وهناك أخبرنا الشاويش المسئول بأن المدعو صابر إبراهيم مطلوب منه التوجه للنضارة "منطقة التجنيد" للكشف عليه حيث أن القرعة "طلب التجنيد" قد حلت على مواليد هذا العام؟

     أخبره عمى صديق بأن الشاب المذكور لأداء الخدمة العسكرية توفي والده وأصبح الوحيد لأمه وثلاث شقيقات ؛ طلب منه الشاويش أن يقوم المدعو صابر بإخبار المسئولين فى النضارة بهذا الأمر ، طلب منى التوقيع بالعِلم ثم أشار إلى أحد الجنود الذى جذبني من ياقة الجلباب ودفعني لداخل حوش خلف النقطة حيث شاهدت بعض الشباب وعلمت أنهم من المطلوبين للتجنيد.

      ظللنا عدة أيام نجلس بعض الوقت ونقف وقتا آخر ، في بعض الأحيان كنا ننام جلوسا والبعض من أقارب الشباب المتواجدين  معنا أحضروا لهم طعاما وقبل أن يصل الطعام لأيدينا لابد أن يمر على حضرة الصول والشاويشية والجنود حتى تصل الفرخة لذويهم عظما والخضار المطبوخ يصل دون لحوم وهكذا ، ظللنا على هذا الحال ثلاثة أيام قابلنا خلالها مشاكل جمة ومصاعب هائلة بالإضافة إلى سوء المعاملة وتكليفنا بخدمة خيل النقطة وتطهير الزريبة وحمل أمتعة ونقل أتربة وتلميع أحذية كل من يعمل بالنقطة.

    وحل يوم دفع بنا فيه فجراً إلى محطة القطارات ؛ ركبنا قطاراً خالياً من الكراسي والنوافذ ورائحته كريهة وفضلات البشر فى كل مكان ، وصلنا محطة التل الكبير حيث موقع النضارة يبعد أربعة كيلومتر تقريباً ؛ واصلنا سيرنا على الأقدام تحت سطوة جنود الشرطة الذين ربطوا معاصم أيدينا معا بحبل طويل ؛ حيث سرنا هكذا كقطيع يتقدمنا جندي وخلفنا جندي آخر يمطروننا ببعض السباب السيئ وفى بعض الحالات نحصل على هبات من الشلاليت والضرب على القفا.

    تسلمنا أحد جنود الجيش ، أصابنا الفرح وقلنا الحمد لله ، الجيش أهون وأحسن حالا من رجال الشرطة وسوف نتخلص من سلوكهم السيئ المشين ، تبين لنا كذب تلك النظرية ؛ فمن شب على شيء شاب عليه ؛ فلقد إستبدلت العصا والشلاليت بالقايش "حزام عريض " وكان الضرب يتم دون تمييز وأنت وحظك فمن الممكن أن تفقد عينا وتفقأ ، كنا نهرول وننفذ التعليمات دون تردد وشعرنا بأننا ضعفاء وقد تكاثر علينا الجنود وهم أكثر انضباطا من جنود البوليس ولا يتطفلون على ما معنا من نقود أو سجائر.

     تم ترتيب كشوف الأسماء ؛ أقبل الأطباء للكشف الطبي ، كان الطبيب يسير متفقداً الطابور ولا يتجه إليه الشاب المطلوب الكشف عليه ؛ ومثال ذلك : لو أقبل طبيب الأسنان فيأمر المساعد له "جندي" بالتنبيه على كل من عليه الدور بضربه بالبوكس فى ظهره ليفتح فمه مثل تاجر الماشية الذى يقوم بفتح فم عنزة ينوى شرائها ، كل تنبيه أو أمر بالضرب وما عليك سوى الإستسلام ، لم يتبق سوى كشف الرمد ، أقبل جندي يحمل زجاجه وزميله معه يطلب فتح العين ويقوم بوضع بعض نقاط من قطرة بعين الشاب ، بعد قليل ينادى علينا فرداً فرداً لتوقيع كشف النظر ، كنا نسير ونحن لا نرى بوضوح فتأثير القطرة شديد ، يسأل مساعد الطبيب على الإشارات التي لا نستطيع توضيحها ونقولها خطأ وأسمع إجابة مساعد الطبيب بصوت عال: النظر قوى 6/6 وفى بعض الحالات 6/9 ..  إنتهى الكشف الطبي ؛ أقبل أحد الصولات وهو رجل كبير الحجم غليظ الرقبة متسائلاً إن كان يوجد شيء يمنع الشاب عن التجنيد ، أشرت إليه بما يعني بوجود مشكلة تمنع تجنيدي ، أشار إلىّ أن أقترب منه ؛ لخصت كلماتي بأننى العائل الوحيد لأسرتي وأبى توفى منذ عدة سنوات ولا يوجد إخوة ذكور لي .. كتب شيئا بالأوراق التى أمامه ثم قال يجب عليك أن تبلغ أسرتك بإعداد كشف عائلة وتقوم بتقديمه لمنطقة التجنيد.

   قادونا لقسم الإنتقاء والتوزيع .. هناك نودي على الأسماء وتبين لي أننى ُوزعت على قوات حرس الحدود وبالسؤال تبين لي أنهم علموا من أوراقي وشهادة الميلاد بأننى من أبناء مطروح وبالتالي أعلم كثيرا عن الصحراء ، لم أهتم بهذا فأنا ضيف عليهم حتى تقوم أسرتي بإعداد كشف العائلة والذى يثبت من هم أفراد الأسرة وفى خانة الوالد يكتب متوفى وترفق به شهادة الوفاة ، كل تلك الأوراق تحتاج إلي وقت ونفقات وسفر لمطروح ومن سوف يقوم بالسفر إلي هناك؟  ُدفعنا فى إتجاه محطة القطارات سيرا على الأقدام حوالي أربعة كيلومترات وكل مجموعة من المجندين يرافقهم عدد من جنود الأسلحة التى تم توزيعهم عليها والذين قدموا لإستقبال الجنود الجدد ، كانت المعاملة أحسن وأفضل ، ظللت برفقتهم حتى وصل بنا القطار للمحطة والتى لا أعلم أين تكون وما اسمها ، تبعت المندوب سائرا خلفه حتى وصل إلى المعسكر "القشلاق" الذى كان متطرفا بالصحراء، خلال سيرنا كانت العواصف الرملية الباردة تلهب وجوهنا ، توقف الصف ضابط قائلاً:

ـ ده مركز تأهيل جنود الحدود

   بتلك الكلمات البسيطة القاطعة علمنا أين نحن وماذا سيتم بهذا المركز ، لقد أوجز الرجل وأفاد ، سارت بنا الأمور كما يرغبون ، لم يكن عددنا كبيرا ، لقد كنا إثنين فقط تم تجنيدنا لحرس الحدود بينما كانت الأسلحة الأخرى يتجاوز عدد المجندين لها المئات ، توقفت قليلاً وهدأت كى ألتقط أنفاسي حيث كنت أشاهد جنود المركز الأقدم منا والذين سيتم توزيعهم على وحدات الحدود قد أنهوا تدريبهم ، كان باديا للعيان بأن جميع من بالمعسكر من أبناء أسوان ويميزهم بشرة سمراء وقوام ممشوق أيضا وندرة الحديث ؛ كما يتحلون بسرعة البديهة فى تنفيذ الأوامر بعكس من كانوا معنا من أبناء الفلاحين الذين كانوا أقل إستيعاباً وأبطأ حركة ، اليوم التالي شاهدت أعدادا جديدة من المجندين من أبناء أسوان وتعرفت على بعضهم.

    عدة أيام وطلبني القائد المباشر "نقيب شرف" ؛ رجل كبير السن قليل الحركة ، سألني أنت الوحيد لعائلتك؟ أجبته بالإيجاب ؛ قرر بأن أتوجه لوحدة عسكرية تابعة لقوات حرس الحدود وسوف ألحق عليهم لحين الإنتهاء من كشف العائلة ؛ بعد قليل تحدث الجندي المرافق لي مع الأمباشى وهما وقوف بجوار اللوري الذى سلمه خطاب ضمي للوحدة الجديدة قائلاً:

ـ صابر معاكم فترة بسيطة والجواب بيجول إنه يشتغل مع الجمال وبلاش الدوريات لأنه مش ح يكمل مدة تجنيده ، ده كشف عيلة ، صافحني الجندي المرافق قائلاً:

ـ مع السلامة يا صابر ؛ ثم غادر المكان 

    توجهنا إلى لورى نقل عتيق من لوارى الجيش البالية ؛ أشار إلىّ الأمباشى بالصعود إلى ظهر اللوري الذي كان يسير ببطيء وجميع السيارات من حولنا تتخطاه كما أن عادم الموتور يخرج من الخلف كثيفا وداكن اللون ، توقف بنا عدة مرات أمام وحدات عسكرية لطلب الوقود الذى نفذ ؛ ظللت ثلاثة أيام بليلتين فوق ظهر اللوري والصقيع يلهب جسدي لكن من حسن الحظ أنه كان يحمل بعض المهمات من أفرولات وبطاطين حيث كنت أختبئ بداخلها إتقاء البرودة.

    عبر اللوري كوبري الفردان عبر قناة السويس ؛ هذه هي المرة الأولي التي أشاهد فيها القناة ، لقد كان منظر القناة رائعا واتساعها كبيرا والمياه بها تشبه مياه مطروح ، بعد عدة ساعات من عبور القناة فى إتجاه العريش توقف بنا اللوري أمام معسكر بدائي به العديد من الجنود والجمال ، كان واضحا بأنهم رجال الحدود الذى تم إختيارهم من جنوب مصر وعلمت بعدها أنهم من أبناء أسوان والنوبة.       

     بعد أن توقف اللوري العجوز هبطت منه أحمل المخلة ؛ تلقفني أحد جنود الحدود بزيه المميز والمخالف بعض الشيء عن جنود الجيش المصري ، بإبتسامة طيبة رحب بى وطلب منى أن أتبعه ، تبعته وبعد عدة خطوات أمرني بالتوقف أمام خيمة وتركني ودخل إليها ، بعد قليل خرج

برفقته أحد ضباط الصف ، الذي كان يحمل درجة رقيب أول "باش شاويش" بكلمات قليلة وبلهجة غريبة على مسامعي قال كلمات بسيطة :

ـ جندي صابرا .. تنضم على فصيلة الخليج ترعى الجمال لحد ما ورجاتك تنتهي .. خده معاك يا عثمان.

    تبعت عثمان والمشابه للباش شاويش بل كل من كان بالمعسكر متشابهون بدرجة غريبة ولا تستطيع أن تفرق بين واحد وآخر إلا من الدرجة العسكرية أو حجم الجسد.

   إستضافني عثمان بخيمته تلك الليلة ؛ بعد أن جلست قليلا أشار إلىّ بأن أتبعه وتوجهنا معاً إلى المطبخ حيث الطعام وحصلت على الطعام مثله وطلب من الطباخ أن يزيد كمية الشاي لي لأني ضيفهم تلك الليلة ؛  نمت تلك الليلة ولم أشعر بما يدور حولي من فرط الإرهاق الذى واجهته أثناء قدومى من القاهرة إلى سيناء ، لقد تركت حماية الأهل وتبدل الحال وإنقلب كل شئ فجأة وأصبحت وحيداً مطارداً ومطلوب منى حماية نفسي وإطعامها؛ فى الصباح تناولت طعام الإفطار مع عدد كبير من جنود الوحدة ، كنت أختلس النظرات إليهم من حين لآخر ، شعرت بهدوء وسكينة لا حد لهما ، الناس عفويون وطيبي القلب وحياتهم هادئة سلسة ، بعد قليل أشار إلىّ الباش جاويش بأن أتبعه ؛ سرت خلفه حتى وصلنا إلى مبنى بدائي مكون من عدة غرف ، أشار إلىّ بأن أنتظر ثم عاد بعد قليل وأصدر إلىّ الأمر:

ـ جندي مجند صابرا .. معتادا مارش ، سرت بخطوة منتظمة كلها نشاط ومن الكلمات القليلة التى تحدث بها الباش شاويش علمت أننى متجه للقاء القائد ، صدر إلىّ الأمر:

ـ قف ، توقفت وشاهدت منتصف الحجرة ضابطا برتبة رائد قريب الشبه بمن كنت أجالسهم بالخارج ، رحب بى وأخبرني بأننى سوف ألحق على فصيلة الشاويش "إدريس" لفترة لحين البت فى أمر كشف العائلة ؛ يستغرق هذا شهرين بعدها تنتهي خدمتك إذا ثبت إنك العائل الوحيد للأسرة ، ثم وجه حديثه للباش شاويش:

ـ رقيب أول عبيد ؛ العسكري ده يتحرك النهاردة مع قافلة المساء المتجهة لموقع الخليج ، أشار إلىّ الرقيب أول عبيد أو الباش شاويش عبيد بأن أنصرف حيث أصدر إلىّ الأمر:

ـ عسكري صابرا .. للخلف دور .. معتادا مارش .. قف .. أشار إلى أمباشى فأقبل مسرعا وطلب منه أن يضمني إلى قافلة المساء المتجه إلى موقع الخليج.


 

رجال الجنوب الأشــداء

    تحركت إلي الجنوب برفقة القافلة ركوبا على ظهر أحد الجمال والتى لم أجرب ركوبها من قبل فى منطقتنا بمطروح إلا قليلاً نظراً لأن أسرتي لا تملك جملا  لإرتفاع ثمنه ؛ كما أنه يستخدم فى التجارة والنقل ونحن أبعد ما يكون عن تلك الأنشطة ، كانت الرحلة متعبة وشاقة وفى نفس الوقت كنت أنظر وأكتشف ما حولي من الطبيعة الكونية أو الطبيعة البشرية ، الإثنان لم أعهدهما من قبل ورغم إنني بدأت حياتي بالبادية بصحراء مطروح والصحراء الغربية إلا أن المنطقتين مختلفتين عن بعضهما البعض حيث تكثر هنا التضاريس من جبال وهضاب وصخور ورمال مسطحة ينتشر بداخلها الزلط بينما فى مطروح الرمال الناعمة وكأنك تسير بداخل ماء أصفر اللون وليس رمالا رقيقة يحركها الهواء كل يوم وكل ساعة لتتبدل لوحة الفن الإلهي العظيمة.

     بعد مسيرة ثلاثة أيام بثلاث ليال وصلنا إلى موقع فصيلة الخليج ، إستقبلنا الرجال هناك بالتهليل والترحيب وتبين لي فيما بعد أن تلك هى سماتهم اللقاء الدافئ الطيب وهذا يساعد الجمال على الشعور بالألفة للمكان والأشخاص الذين يلقونهم.

    أقبل قائدهم ويدعى الشاويش أو الرقيب إدريس ، لم يكن مخالفا عن الذى شاهدتهم بقيادة الفوج بشمال سيناء ، الجسد الممشوق ؛ فهو طويل القامة داكن البشرة يضع بعض خطوط طولية من الوشم عبارة عن تشريط بالموس فى مرحلة الطفولة وعلمت من أحدهم بأن كل قبيلة تقوم بتشريط مخالف للقبيلة الأخرى لكن تلك القبيلة تضع ثلاثة خطوط رأسية فى المسافة الخالية من الشعر بين الحاجب وشعر الرأس ؛ حيث كان مشهورا برقم "111" كل هذا علمته فيما بعد من زملائي بالحدود ، سلمه المرافق لي خطاب القائد ، قرأه على مهل وبترو بلغة لا أعلمها ، نظر إلىّ مصافحاً وأشار إلى باقى زملائه رافعا يديه الإثنتين لأعلى صائحا:

ـ رحبوا بزميلكم صابرا ، سمعت بعض التعليقات والتى لم أفهم منها أي شئ سوى بعض كلمات دينية مثل الله وقدوم طيب ودعاء بالتوفيق.

    اليوم التالي أقبل الشاويش إدريس وتأكد بأننى حصلت على راحتي وتناولت طعامي كما طلب منى أن أخبره عن أى مشاكل تواجهني ؛ ثم أخبرني بأننى سوف أعمل مع الجمال فى إطعامهم وشرابهم ونظافة أماكن معيشتهم ، كان الرجل يتحدث أثناء السير ونحن متجهين لمنطقة تجمع الجمال ، كنت أشاهد الجمال ما بين وقوف أو برك تتناول طعامها أو تخرج بعضه من معدتها ثم تعيد مضغه كما تخرج بعض رغاوى من بين أسنانها ، كان إدريس يوضح لي كل شئ بيسر وسهوله رغم أن الكثير مما يقوله أعلمه بحكم معيشتي فى مطروح ؛ حيث المنطقة تكثر بها الجمال بل وبعض جيراننا لديهم أكثر من جمل.

     هناك بمنطقة إيواء الجمال إلتقيت بثلاثة من الجنود الذين رحبوا بى ؛ تركني الشاويش إدريس مع الجنود بعد أن تحدث معهم بكلمات قليلة بلغة لم أفهمها ، سارت بنا الحياة ؛ حيث كنت أقضى كل وقتي مع الجمال ؛ فهى لا تتحدث وأنا لا أستطيع أن أفهم حديث الرجال الذين أعمل معهم سوى وقت الصلاة أو الدعاء أو حين يتحدث معي أحدهم ، مازال إنطباعي عنهم طيبا؛ حيث أنهم يتميزون بالنظافة وسرعة تلبية أوامر قائدهم الشاويش إدريس أو الاسم الشائع "إدريسا"

***

التدريب على العمل

      هذه هي الليلة الأولي لي بتلك المنطقة خلالها خلدت فى نومي بجوار أحد الجمال ؛ لم أشعر بأي شيء أثارني أو ضايقني ، صباح اليوم التالي طلبني الشاويش إدريس ، توجهت إليه وعلمت منه أنه قرر أن ينفذ برنامج تدريب الجنود الجدد على شخصي رغم عدم إقتناعه بهذا لأنه يعلم بأنها أسابيع قليلة وأحصل على شهادة الإعفاء النهائي من الخدمة العسكرية ؛ بعد خروج الدوريات المعتادة أقبل علىّ الشاويش إدريس بجوار الجمال أثناء تناولها الطعام وجلس مواجها لي يزودني بمعلومات عن سيناء ؛ كنت غير راغب فى سماع هذا ؛ فمازال الخيال وأحلام الشباب تهاجم خلوتي وأستعيد ذكرياتي مع ريهام سواء أثناء مرحلة الطفولة أو خلال الشهور الفائتة ؛ بدأ إدريس حديثه حيث قال:

ـ إسمع جندي صابرا .. ح أعرفك بشوية حاجات عن سينا يمكن تنفعك فى المستجبل ؛ مساحة سينا 61 ألف كيلو متر مربع وده حوالي 6 % من مساحة البلاد ، سينا تجع فى الركن الشمالي الشرجي من البلاد وتتجسم تلات تجسام ، من الجنوب للشمال حسب إرتفاعها وهيا: إجليم الجبال أو المثلث الجبلي الجنوبي أو ضهر سيناء ثم الإجليم الهضبي فى الوسط والبعض بيسميها هضبة التيه وبيجسمها ناس تانيه لهضبتين واحده فى الجنوب وهيا هضبة العجمة والتانية فى الشمال  اسمها هضبة التيه ، بعد كده بنلاجي السهول فى الشمال وهيا إما ساحلية بحذا البحر المتوسط أو داخلية فى إطار وادي العريش وتوابعه ويتخللها إجليم الجبجاب "القبقاب" فى الوسط.

***

   مضت علىّ الأيام طبيعية ، فى أحد تلك الأيام خلا المكان من جميع الرجال ولم يتبق سواي ؛ حيث قمت بعملي المعتاد من رعاية الجمال وإطعامها وأصبحت الصداقة بيننا متنامية حيث كنت أنادى على كل جمل باسمه فيستجيب لي ؛  فى أحد الأيام شاهدت الجمل "عرابي" الذى وقف بعيداً ممتنعاً عن تناول الطعام وأصبح ساكنا لا يتحرك ولا يستجيب لندائي ومناوشتي له كالمعتاد ، إقتربت منه بحذر حيث أن الجمال ُتصبح فى بعض الأحيان عدوانية وشرسة ، لم يتحرك ولم أعرف ما يضايقه.

   وقفت بجواره وشعرت بأنه فى حالة سيئة للغاية ، حيث تخرج من فمه أصوات تدل على الضيق وهى أصوات عالية مرتفعة كما يصاحب هذا رغوة كثيفة ازدادت حتى سقطت على الأرض بعد أن ملأت الفم ، هدهدت على رقبته وملست عليها بهدوء مناديا على اسمه:

ـ مالك يا عرابي؟ فيه حاجه تعباك؟

كان الرد الطبيعي حركة متزايدة أتبعها برفع قدمه الأمامية اليمنى قليلا ً؛ جلست أرضا أتفحص القدم فشاهدت قطعة صغيرة من سلك شائك قد التفت حول الساق أعلا الخف وإنغرس بعض بروز منها بالساق ، ملست على رأسه التى كانت مجاورة لرأسي وبهدوء حاولت إزالة السلك بين صيحاته المتكررة عالية الصوت ؛ الحمد لله إستطعت تخليص عرابي من السلك وشاهدت الدماء تندفع من مكان غرس السلك ؛ أسرعت وأحضرت قطعة قماش لينة من التى تستخدم فى نظافة السلاح وربطت به الجرح ، بهدوء برك الجمل وأحضرت له الماء فشرب الكثير وعرضت عليه الطعام فرفض ونام على جانبه الأيسر وساقه اليمنى منثنية قليلا جهة بطنه ؛ ظللت لفترة أملس على رأسه ورقبته ؛ بعد هذا بفترة ملست على الساق المصابة فشعرت بأن تلك الحركة أراحت عرابي ؛ حيث كان يفتح عينيه من حين لآخر وفى بعض الحالات يخرج صوتا خافتا كأنه يحدثني قائلاً: شكرا يا صابر وربنا ما يحطك فى ضيقة.

     جلست بجواره ورغم هذا كنت أراقب باقى الجمال وأتابعها وفى غفوة خلدت لنوم مفاجئ إستيقظت منها على أصوات وهمهمه ؛ فوجئت بأن باقى الجمال أقبلت تلقى نظرة على عرابي ؛ البعض همهم بأصوات غير معلومة والبعض يلعق رقبة عرابي الجمل المصاب ؛ بل أن أحد الجمال برك أرضا ولعق الساق المصابة قريبا من مكان الرباط الذى قمت به.

     قبل الغروب أقبل رجال الحدود ومجرد أن وصل الشاويش إدريس شاهدت عرابي يقف ويفرد رقبته على إمتدادها مخرجا صوتاً مميزاً إسترعى إنتباهه فأقبل مسرعا ً حيث رفع عرابي قدمه المصابه لأعلى كي يشاهدها إدريس ؛ جلس إدريس على ركبتيه وهدهد على المكان المصاب ؛ ثم نظر إلىّ متسائلاً عما حدث فأخبرته وأحضرت له قطعة السلك فشكرني وقال معلقاً: ليه مطهرتش مكان الجرح؟" ثم أسرع وأحضر صندوقا من الخشب وأخذ يقلب فيه حتى أخرج جسم بيضاوي يشبه ثمرة الدوم أو البطاطس الصغيرة؛ وضع بداخل تلك الثمرة مقدمة السونكي فشاهدت سائل مثل اللبن يخرج منها؛ فك وثاق الجمل ؛ خلال هذا كنت أقدم إليه يد المساعدة ، وضع بعض قطرات من هذا السائل على مكان الإصابة ، حدثني أثناء ذلك قائلا:ً ده اسمه "بيض الجمل" اللي يعالج ويطهر الجروح لأي حد ، جمل أو إنسان ، ودلوجتى الألم راح من رجل الجمل ، بالفعل شاهدت علامات الراحة على وجه عرابي حيث سار في إتجاه الطعام وتناوله بهدوء ؛ طلب منى إدريس أن أقوم بهذا العمل مع عرابي لمدة يومين آخرين.

     تلك الحادثة جعلتني أسأل إدريس كل يوم عن نوع جديد من الأعشاب وصفاتها وقدرتها على معالجة الأمراض رغم أنني أعلم بأنها أسابيع قليلة وأغادر هذا المكان عائدا ًإلى أنشاص حيث أسرتي وأحبائي والخيول الجميلة التى عشت معها وتعلمت منها والبعض تربي على يدى ، بل كانت تشم رائحتي فتقبل مسرعة حين تشاهدني أقترب من الإسطبل.

 

 

 

أول إجازة بعد التجنيد

     بعد ُمضي أسبوعين على إنضمامي لفصيلة سلاح حرس الحدود شعرت بتآلف بيني وبين تلك الحيوانات ؛ فقد شعرت الجمال بأننى الخادم المعين لراحتهم ، مضى على وجودي بسلاح الحدود خمسة أسابيع وسوف أمنح أجازة أربعة أيام وتعتبر الأجازة الأولى لي ، طلبت من الشاويش إدريس أن يزيد مدة الأجازة لأنني سوف أسافر مرسى مطروح لإعداد كشف العائلة ، صمت قليلاً وتحدث مع زملائه بنفس اللغة الغريبة التى لا أعلم عنها أى شئ ، كان الحديث طويلا والجميع يتحدثون فى وقت واحد وكل يوجه للآخر إشارات باليد ويقرب يده من رأسه كأن هذا الكلام لا يدخل العقل أو شئ من هذا ، بعد هذا النقاش الطويل توقف الحديث وإبتسم إدريس قائلاً:

ـ وافجت على منحك يومين يا صابرا ولا تعوج أو تتأخر لأن المعاد معاد، باكر حتركب الجمل مع دوريه العريش وتركب من هناك الجطر يوصلك على مصر وتخلص ورجك وتعود بسلامة الله ، تحدث باقى الزملاء بنفس الأسلوب السابق وأنا جالس لا أعلم ما يقولون.

     صباح اليوم التالي ركبت الجمل برفقة  دوريه الحدود التى تقطع سيناء من الجنوب إلى الشمال ، أيضاً  هناك دوريه أخرى قادمة من الشمال إلى الجنوب وتلك الدوريات تسير على مدقات ومسارات خاصة محددة لا أعرفها ؛ بل وأجهلها لعدم خبرتي بتلك الأماكن لكن من الواضح أنهم يفهمون عملهم ويتفانون فيه ولديهم صبر وصلابة لا مثيل لها.

    بعد ُمضي ثلاثة أيام وصلت إلى محطة العريش حيث قطار السكة الحديد كان القطار رابضا ينتظر الأمر بالتحرك صباح الغد ، جلست بصحبة الدورية قريبا من المحطة وأخرج الرجال من أحمال أحد الجمال الطعام والشراب وجلست أتناوله معهم وأنا أسمع ولا أفهم ، طلبت من أحدهم أن يعلمني ما يقولون ، نظر إلى زملائه وأشار إلىّ بما يعنى أنه مجنون وظل هذا الحوار أكثر من نصف ساعة حتى كدت أن أقول لهم لا أرغب أن أفهم شيئا فقد حدث لي هوس من كثرة الكلام وسرعته وتداخل أصواتهم مع بعضهم البعض.

   بعد هذا النقاش الطويل شعرت برغبة قوية للنوم ، خلدت لنوم هادئ حتى أيقظني أحدهم صباحا لينبهني بأن القطار سوف يتحرك بعد عشر دقائق ، أعاد قائد الدورية حديثه لي بأنه من الواجب علىّ العودة فى اليوم المحدد وأظل بجوار المحطة وسوف أجد دوريه تنتظرني وأعود معهم إلى المعسكر، صافحتهم وبدت البشاشة على الوجوه وكل واحد منهم يدعو لي بأن أوفق فى مهمتي وأنهى أوراقي وأعود لأسرتي.

      خلال الأربعين يوما الماضية منذ إنضمامي لوحدة حرس الحدود كنت أشعر بتعاون وتعاطف الجميع معي ؛ حيث إنني الأصغر عمرا نظرا لأنهم جميعا من أصحاب الأعمار الكبيرة عنى ، فلا يقل عمر أي واحد منهم عن ثلاثة وثلاثين عاما بينما يبلغ إدريس سبعة وثلاثين عاما ، جلست بالقطار وأنا أفكر فيم أنا مقبل عليه وكيف أستفيد من الوقت المسموح لي بأن أتوجه لـ أنشاص لزيارة أسرتي بعدها أتوجه إلى مطروح لإعداد الأوراق وأهمها بالطبع شهادة وفاة والدي.

     كنت فى حيرة ؛ فالسفر من أنشاص إلى مطروح يحتاج يومين والعودة يومين ومكتب الصحة يحتاج يومين وعودتي إلى العريش تحتاج يوما .. مجمل الأيام سبعة أيام بينما الأجازة ستة أيام ؛ وصلت لمنزل أسرتي أرتدي البدله العسكرية وحينما شاهدتني أمي أطلقت عدة زغاريد وقامت على  رقيي ؛ حيث أخبرتنى بأننى أصبحت وسيما وعليا القيمة وشبه أولاد الذوات؛ أقبلت شقيقاتي وكل واحدة منهن حصلت على بعض من حقها لحب الشقيق الوحيد، أمضيت نصف الليل أتحدث مع أسرتي وأوضح لهن ما أنا مقبل عليه ، صمتت أمي قليلاً وقالت لماذا لا تتوجه لمكتب الدكتور عبدالحميد السيوي بالقاهرة ؛ هو القادر على مساعدتك ؛ حيث يتقلد منصباً هاماً بوزارة الصحة ، كانت الفكرة جديدة ورائعة ولكن كيف لي بعنوان الدكتور عبدالحميد؟

     صباح اليوم التالي إلتقيت بعمى صديق رئيسي بالعمل وبعد حديث طيب عرضت عليه مشكلتي ورأى والدتي فأيدني فى هذا وأخبرته بعدم معرفة عنوان الدكتور عبدالحميد أو من أين أحصل على عنوان مكتبه ، صمت قليلاً ثم قال أنه يعتقد بأن العنوان لديه وقد تركته ابنته ريهام حينما حضرت منذ شهر وعلمت بأنك تؤدى الخدمة العسكرية.

     أنشرح صدري فقد يسر الله لي أمرى وحلت عقدة اللقاء بالدكتور عبدالحميد ؛ فقد تركت ريهام العنوان كي أخبرها عن حالي وأطمئنها على وضعي ، عاد عم صديق بعد قليل ومعه ورقة صغيرة مطوية ناولها لي قائلاً: هذا هو عنوان بيت الدكتور ورقم التليفون ، قدمت له الشكر الجزيل وأسرعت لمكتب العزبة وإلتقيت ببعض العاملين وبعد قليل هل علينا رضوان باشا الذي رحب بى ؛ طلبت منه بحياء بإمكانية الإتصال بالدكتور عبدالحميد فطلب من ناظر العزبة تلبية حاجتي.

    أسمع رنين التليفون ثم صوت نسائي يسأل عن المتصل ، كانت السيدة حرمه وعرفتها بنفسي فهتفت "حمد الله بالسلامة "وبعض عبارات مماثلة ، سألتها عن الدكتور وأخبرتني أنه بالعمل وقدمت لي رقم تليفون مكتبه ، إتصلت به وبعد أن إستوعب مَن أكون رحب بى وعرضت عليه مشكلتي ؛ طلب منى أن أقوم بإملائه اسـم والدي بالكامل وأسماء أشقائي ووالدتي وأعمارهن.

     طلب منى الدكتور عبدالحميد أن أقوم على زيارته بالمكتب غداً فى الصباح ، شكرته على هذا ، صباح اليوم التالي توجهت لوزارة الصحة وسألت عن مكتب المتابعة الذى يعمل به الدكتور ، هناك إستقبلني الدكتور أحسن إستقبال وشاهدت أوراق كشف العيلة أمامه ومختومة بختم النسر ، طلب منى أن أوقع عليها كصاحب المصلحة .. جلسنا نتحدث بعض الوقت ثم قال: اليوم تتناول الطعام مع أسرتي ظهراً ؛ سرت برفقته إلى شقته الفاخرة بحى الدقي تحملنا سيارة الوزارة ، إستقبلتني أسرته أحسن إستقبال وجلست معه بعض الوقت ثم أقبلت ريهام فرحة سعيدة وبعيداً عن عيون الآخرين ناولتني مظروفا طلبت منى عدم قراءته إلا بعد وصولي للوحدة التى أعمل بها حتى لا أنشغل بأي شئ آخر ، أضافت معلقة: بصراحة ح تلاقى الجواب فيه حاجات غريبة وح تقول ريهام بقت جريئة لكن الحقيقة المشاعر هيا اللى كتبت الجواب .. جوابي سـر وأنا موقعتش عليه.

     إنتهى يوم جميل وأثناء عودتي فى طريقي لأسرتي كنت أحمل كشف العائلة الذى لولا وجود الدكتور عبدالحميد الذى سخره الله لي ما كنت قد إنتهيت منه ؛ كما تمتعت بحديث ولقاء ريهام وطعام شهى لأقصى درجة ، أمضيت ليلتي فى حالة من السعادة ؛ من الواجب علىّ في الصباح الباكر أن أتوجه لمنطقة تجنيد التل الكبير وأتقدم بتلك المستندات ؛ بعدها أستقل القطار من التل الكبير مرورا بالإسماعيلية ونهايته مدينة العريش ؛ حيث سأصل فى موعدي تماما.

      أنهيت ما كنت قادما لإنجازه وسلمت كشف العائلة بالمكتب المختص بمنطقة تجنيد التل الكبير ، ركبت القطار حتى الإسماعيلية ومن هناك ركبت القطار المتجه للعريش ؛ أقترب القطار من محطة العريش للسكة الحديد وكنت خلال الساعات الطويلة أثناء السفر أشعر بوجود كنز معنوي بداخل سترة الافرول ؛ خطاب ريهام ، كنت أتساءل عما يحويه هذا الخطاب ولم أجد الرد المناسب حيث كنت أفكر بأنها تشد من أزرى وتدفع بى لمواصلة العلم حيث إبتسمت لي فى آخر لقاء معلقة بأنه لو تم دخولي الجامعة سوف أحصل منها على مكافأة سخية مما أشاع الضيق بصدري بأنها تتعامل معي معاملة الغنى للفقير.

     ضاقت رأسي الأفكار وبالأخص المثيرة للأرق ، فقد إلتقيت بعلاء بك هذا الشاب الذى أصبح يعاملنى بتواضع جم لا يتفق مع ما عاملنى به فى أول لقاء وذلك بعد عودتي من القاهرة وحين علم بأنني كنت فى ضيافة الدكتور عبدالحميد سألني والخجل يغلفه ؛ هل شاهدت ريهام فإنبريت أخبره بكل ما حدث بإستثناء الخطاب التى سلمته لي ، أعاد بعض أسئلة لم أنتبه إليها فى حينها ؛ أسئلة تدور عن أحوالها الصحية وهل كانت سعيدة وترتدي ملابس ُمبهجة وأنيقة وهل لاحظت فتنتها وجمالها وذكائها.

    كل تلك الأسئلة والإستفسارات لم أتفهم معنى لها ؛ أثناء أن هممت بوداعه شد على يدى قائلاً: في إجازتك القادمة سوف تسمع أخبارا تسرك عما سألتك عنه من معلومات ، بعد أن إفترقت عنه ظللت أتساءل: ماذا يقصد؟ قلت فى نفسي الأجازة القادمة تنتهي فترة التجنيد وأعود كي أستكمل دراسة السنة المتبقية بعدها ألتحق بالجامعة وأتمكن من مشاهدة ريهام ومشاهدة القاهرة الجميلة.

   بعد وصولي إلى محطة العريش حضرت دوريه الحدود كعادتها وإستقبلوني إستقبالاً طيباً وحدث بينهم حوار متداخل بالأصوات بنفس اللغة الغريبة عنى ؛ إبتسم لي أحدهم ليخبرني بأنهم يقولون لي إن صحتك طيبة!!

     وصلت إلى الموقع وقدمت تمام وصولي للشاويش إدريس الذى تحدث كثيراً مثل زملائه ثم ناولني الكارنيه العسكري والأقراص الفبر والتى تكتب عليها بيانات كل جندي أو ضابط وعلق على هذا قائلاً: علىّ أن أضع الكارنيه بكيس بلاستيك خشية البلل حيث كان مكتوبا بالحبر الشينى دون تغليف.

    لم أستطع فض الخطاب ؛ حيث بلغ بى الإرهاق مداه ، قلت الصباح رباح ، جاء الصباح وأمرني الشاويش إدريس بأن أخرج مع دوريه لمطاردة مهربي المخدرات على خليج السويس ، سبب لي هذا الضيق وتساءلت بداخلي: مالي ومال المطاردة؟ فأنا جندي مؤقت وسوف أترككم بعد شهر ونصف على أكثر تقدير كما أخبروني بالتل الكبير حتى تتم المراجعة وإبلاغ الإدارات المسئولة عن الإعفاء النهائي الذى سوف أحصل عليه ، فأنا الذكر الوحيد العائل لأمه وإخوته لأب توفى.

    اليوم التالي طلب إدريس من قائد دورية الغد أن يلحقني بها للتدريب حتى يحين موعد وصول شهادة الإعفاء من الخدمة العسكرية ، لم أستطع رد الأمر وخرجت مرغما وأثناء الطريق حدثني البعض عن معلومات وتوجيهات يجب إتباعها أثناء المطاردة أو فى حالة الاشتباك مع المهربين بإطلاق الرصاص ، اليوم التالي وصلنا لمنطقة المهربين المحددة ولم نعثر على أي أحد منهم ؛ إقتفينا الأثر ودخلنا فى دروب وممرات جبلية غاية فى الوعورة والصعوبة حتى شاهدناهم فى نهاية الممر وتبين لنا أنهم تخلصوا من البضاعة.

    أخذنا طريق العودة ومازال الطريق صعبا وقد أجهد هذا كل من الرجال والجمال بسبب الصخور والتواء الممرات حيث قال أحدهم إنه من الصعب التعرف على هذه الطرق بل يوجد العديد من الدروب لا يعلم عنها أحد سوى المهربين أنفسهم ، قطعنا مسافة عشرين كيلومترا بالتقريب فى أربع ساعات وهو زمن كبير بالمقارنة بالسير فى الرمال ، كانت هذه أول تجربة لي وأشاد الرجال بى حين وصولنا وأخبروا الشاويش إدريس بأننى قادر على معاونتهم بالدوريات ؛ ضحك إدريس وأخبرهم بأنه ضيف عليهم عدة أسابيع بعدها يعود لأهله.

  إستغرق وجودي بتلك الدورية ثلاثة أيام والآن مضت أربعة أيام منذ عودتي من الإجازة لم أستطع قراءة الخطاب ، صباح اليوم الخامس طلب منى الشاويش إدريس رعاية الجمال لأنهم جميعا سوف يغادرون الموقع وسيعودون قبل حلول الظلام ، غادر الرجال الموقع ووضعت العشب والعليق أمام الجمال وإنهمكت الجمال فى تناول طعامها بينما جلست مستندا بظهري على جانب أحد الجمال الذي ظل باركا وأصبح كالمسند والحائط ، فضضت الغلاف وشاهدت خطاب سيهام.

    كان الخطاب نصف صفحة ، قرأته على عجل ثم أعدت قراءته عدة مرات حتى أستوعب ما تخبرني به ، بدأت خطابها بأيام المرحلة الابتدائية ثم إنقطاع الوصل عدة سنوات حتى شاهدتني على شاطئ مطروح أقوم على تأجير الكراسي والشماسي للمصطافين وشعورها بسعادة غامرة وهى تشاهد تقدمي فى الدراسة حتى لم يتبق غير هذا العام وأحصل على الثانوية العامة وألتحق بالجامعة.

     كل ما قرأته ليس به جديد لكن السطرين الأخيرين كان بهما كل جديد وسعيد ؛ لقد إعترفت بحبها لي ولهذا تشجعت وكتبته بدلا من أن تقوله جهرا وهى تمنى نفسها بعد أن أنتهي من دراستي الجامعية أن يزيد إرتباط كل منا بالآخر وكل ما تخشاه هو علاء ابن رضوان باشا حيث قامت أسرته بزيارتهم عدة مرات وأنهم يلوحون برغبته بالتقدم إليها وهى لا تكرهه لكن قلبها شغل بصديق الطفولة وأنت تعرفه!!

    جلست قليلا أستوعب الخطاب ، لقد كان الخطاب جميلا حزينا فى نفس الوقت ، كان جمال الخطاب فى إمتداد صداقة الطفولة وتنامى الحب بيننا بل أنها تتذكر حادث الحصان الذي جمح بها وكاد أن يؤدى بحياتها لولا إنقاذي لها لكانت فى عداد الأموات ؛ لكن هذا المنافس القوى علاء بك هو ابن باشا وهو شاب وسيم وقد تخرج من الجامعة ويعمل محاميا بمكتب والده ، أين أنا منه؟ لكن حب ريهام كان أقوى من مميزات علاء.

    وضعت الخطاب مع الكارنيه العسكري مع أقراص الفبر بكيس صغير أعطاه لي الأمباشي عثمان الطيب ، جلست أفكر ولم يصل تفكيري لأي شئ مفيد ؛ أصبحت مشغول البال ومعلق بين السماء والأرض فلقد شجعت كلمات الحب قلبي وتأكد لي أنها شعرت بعاطفتي نحوها لكن ماذا أفعل أمام علاء بك وهو صاحب أفضال علىّ ويحبني كما أنه قدم لي الكثير من المساعدة.

***

       بعد عدة أيام حضر مندوب الفوج من منطقة بئر العبد على ساحل البحر الأبيض بعد أن قطع مسافة تزيد عن 300 كيلومتر حاملا ً التعليمات وبعض الأدوية الخفيفة ؛ كما أقبلت دورية الشمال يقودها العريف أبو بكر ومعه جنديان ، بعد أن تحدث مع الشاويش إدريس بعض الوقت حيث كنا نشاهدهما على بعد خمسين مترا ، شاهدت الحيرة والربكة على وجه إدريس الذي أقبل يسير ببطيء حتى وقف أمامنا وأظهر الظرف الأصفر الذي كان يحمله العريف أبو بكر ، تحدث إدريس قائلاً:

   أيها الرجال ، أخبركم بما وصلنا مع أبو بكر ، لقد تم رفع درجة الإستعداد للحالة القصوى وأعلنت الطوارئ بالجيش المصري منذ عدة أيام ، كل فرد فينا ينتبه إلى جمله وسلاحه والمعدات التى بحوزته ، الخدمات الليلية عليها أن تدقق النظر وترهف السمع لإحتمال تعرضنا لدورية معاديه من العدو على غرار ما حدث منذ عشر سنوات عام 1956 ، لقد كان نصفكم على الأقل يخدم معي هنا ، علينا الإنتباه واليقظة ، الله الموفق.

    بتلك الكلمات القليلة القاطعة تحدث قائدنا الشاويش إدريس ، لم أكن أعلم معنى الكثير مما قاله ، ما معنى رفع درجات الإستعداد وحالة الطوارئ ، إقتربت من أحد الجنود أستوضح منه معنى تلك الجمل ، أفادني بإحتمال نشوب حرب بين مصر وإسرائيل ، إرتعدت فرائصي وشعر الجندي بذلك وانتقل نفس الشعور إلى بعض الجنود المتواجدين قريبا منا ، طيب أحدهم من خاطرى وبأنني لن أحضر تلك الحرب إذا نشبت لأنك معاف وشهادة إعفائك من الخدمة العسكرية سوف تصل خلال أسبوعين على الأكثر كما أخبرنا العريف أبو بكر ، كما علق آخر بأن صابرا "جاهل فى العمر" ويخشي الحرب ، البعض ضحك من رد فعلى والبعض علل ما حدث لصغر السن.                                                            

     وصل لانش السواحل بخليج السويس كالعادة وتوجه إليه بعض رجال الفصيلة لإحضار المؤن من الدقيق والحبوب والسكر والشاي والسولار المستخدم لموقد طهي الطعام بالإضافة إلى الدريس والشعير المخصص كعلف للجمال والتى كانت تحتاج للعديد من الجمال لحملها ؛ كما علموا بتلك التطورات من زملائهم باللانش كما أضيفت إلى المؤن ذخائر للأسلحة وعدد من نظارات الميدان للمراقبة بالإضافة إلى كتالوج لكيفية التعرف على الطائرات المعادية والدبابات الإسرائيلية ونوعية القوات المحتمل القتال معها وبالأخص جنود الناحال أي القوات غير النظامية بالجيش الإسرائيلي ؛ كما أخبروا رجال الحدود بأن البندقية القناصة سوف ترسل لهم عن طريق قيادة الفوج مع مندوب.

      اليوم التالي جلسنا جميعا على هيئة نصف دائرة بناء على أوامر الشاويش إدريس ؛ جلس يخاطبنا بما وصل إليه من معلومات وكان الجزء الأكبر منها قد علمناه بالأمس بعد حضور مندوب رئاسة الفوج ؛ أضاف إدريس فى حديثه الواجبات الملقاة على عاتقنا من مراقبة الساحل الشرقي لخليج السويس بالإضافة إلى الواجب المنوط بنا من مهاجمة المهربين وتجار المخدرات بل أضاف واجبا ًآخر بأن نضع رجال البترول بالحقول المجاورة تحت حمايتنا لأن القوة المرافقة لهم من رجال الأمن غير كافية وقليلة العدد وغير مدربة ولا تحمل سلاحا آليا مثل سلاح رجال الحدود.

***

   نشطت الفصيلة للقيام بالمهام الملقاة على عاتقها سواء الروتينية المعتادة من دوريات ومراقبة أو من وضع الإستعداد لقتال العدو فى حالة نشوب الحرب ؛ هدأت نفسى وأحسست بأننى فى حالة من السعادة بما يجرى من حولي ؛ فهذه المـرة الأولى التى أشارك فيها بالإستعداد للحرب ؛ لم يكن يضايقني ويثير قلقي سوى إنتظار شهادة المعاملة أو شهادة الإعفاء من الخدمة العسكرية ، كنت أدعو الله بألا توافق إدارة التجنيد على إعفائي من الخدمة رغم شوقي الشديد لأمي وشقيقاتي ، أيضا لصديقتي العزيزة ريهام والتى أشعر بنبض الحب والشوق تجاهها.

      طلب منى إدريس أن أستمر بالعيش بجوار الجمال فى تلك الأحوال وأن أنتبه إليها رغم أنه وضع حراسة عليها لكن يجب الإحتراز والإنتباه ، حملت أغراضي ونمت على بعد أمتار قليلة من الجمال بعد أن توجهت إلى عرابي "الجمل" الذى سبق وأن عالجت جروحه فشاهدت الهدوء باديا عليه ، إقترب منى بشفاهه الغليظة يمسح على ظهري كأنه يقدم شكره على ما قمت به نحوه ، هدهدت على عنقه الطويل وحاولت تقبيل رأسه المرتفعة فلم أستطع فخفض من إرتفاعها ليساعدني على ذلك ، بعد أن قبلته رفع رأسه عاليا وأصدر صوتا لم يصدر منه من قبل فلاحظت أن باقى الجمال تنظر إلينا ثم أطلقت صيحات مماثلة فأقبل أحد الجنود مصافحا لي مادحا ُحسن التعامل مع تلك المخلوقات المباركة وهذا دفع بقطيع الجمال إلى توجيه الشكر لك معلقا " من النهاردة يا صابرا كل الجمال أصحابك وبجي لك مكانه عنديهم ، خلاص حبوك ووثجوا بيك ، والله أنت ٍولد طيب وابن حلال" غادر المكان وترك السعادة والرضا بنفسي ؛ فردت جسدي على البطانية وأنا مازلت أنظر إلى عرابي وأخوته بينما باقى الجمال مشغولة بطعامها وعرابي ينظر إليّ من حين لآخر.

    كانت دورية الجنوب متجهه إلى القيادة بالشمال قريبا من بحيرة البردويل بمنطقة رمانة ، رغبت بأن أنبههم إلى السؤال عن شهادة الإعفاء من التجنيد إن كانت قد وصلت ولكن لسانى توقف حينما نظر إلىّ أحد الجنود القريبين مني ووضع إصبعه على فمه بما يعني بألا أتحدث ؛ ثم أقبل علىّ يحدثني همساً بأنه من غير اللائق أن أثير هذا الموضوع الذي سوف يتم دون تتبعه نظراً لأن الحديث عنه ونحن ننتظر معركة سوف يجعلك وسط الفصيلة كأنك ضعيف تخشي الحرب وأنت تعلم يا بني أن الجهاد فرض عين أي أن كل من يستطيع أن يقاتل فلابد أن يقاتل دون شهادة إعفاء من التجنيد أو خلافه فليس الجهاد فرض كفاية بأن يقوم البعض بالقتال بالإنابة عن الآخرين ، لا تعود لمثل هذا الحديث.

     تركني متجها إلى جمله كي يعده نظراً لأنه من ضمن أفراد دورية الجنوب المتجهة للشمال ، فكرت فيما صبه فى أذني وشعرت بأن حديثه هام وجاد فى مثل تلك الأوقات ، كيف أهرول وأسرع لترك المكان والحرب على الأبواب ، همدت فكرتي نحو هذا الشأن لكن بعد قليل تذكرت أمي وشقيقتي الصغرى زينب وباقي شقيقاتي ثم هاجمتني ذكرى الحبيبة ريهام ، أصبحت فى حالة من التشتت ما بين الهدوء وإنتظار وصول ما يفيد بأنني معاف لأنني العائل الوحيد لأسرتي وبين أن أعود لعائلتي فى أقرب وقت قبل إندلاع المعارك ؛ جلست حزينا لا أقوى على التفكير ، أقبل علىّ "عرابي" وحك جانب رأسه بكتفي وأنا جالس فكدت أن أفقد إتزاني أثناء جلوسي، نظرت إلى عينيه فشاهدت حزنا وقد كستها سحابة قاتمة ، إعتقدت أن هذا سببه الجرح الذي بقدمه ؛ إقتربت من مكان الجرح وأزلت الرباط فشاهدت أن مكان الجرح على ما يرام وقد إلتأم نسبياً ؛ إذاً لماذا هذا الحزن أيها الصديق العزيز؟ تركته يمضغ العشب وتوجهت لفحص باقى الجمال وقد هالني مشاهدة وملاحظة نفس الحالة التى عليها عرابي ، الحزن والكآبة على الجميع ، أسرعت لأخبر الشاويش إدريس فصمت قليلاً وأشار بيده فوق الرمال بما يعني أن أجلس حيث كان يرقد بجانبه على الأرض.

    صابرا ، الجمل بيفهم وبيشعر أكتر من البني آدم ، الجمال عارفه إنه ح تحصل الحرب وح يموت ناس يامه ومنهم ناس معانا وعشان كده الجمال ظاهر عليها الحزن ، شوف صابرا ؛ رفع حالة الإستعداد بدأت من يوم 14 مايو الشهر الحالي وإحنا اليوم 29 فى الشهر يعنى عدى 15 يوم وطبعا لما الأوامر بتوصل لنا بتكون متأخرة لطول المسافة وأنت شايف حالنا لا تليفون ولا جهاز لاسلكي ، يعنى إحنا زى المسلمين الأوائل بناخد الأوامر من ورجه ترسل لنا ، الحرب جربت وده عرف الإسرائيليين إنهم يجوموا حرب كل شويه ، ربنا خلجهم كده وده وارد نص عليه فى كتاب الله القرآن الكريم، إطمن صابرا وقل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ، لو جامت حرب ح تشوف الرجالة اللي معانا بتحارب كيف الأسود ، إطمن إحنا منخافش من حد واصل صابرا ، روح دلوجتى على مكان نومتك ريح الجمال وعينك مفنجله وودانك مزنهره لأى مفاجئ وأنا جريب منك وحوالينا تمن رجاله بسلاحهم واخدين أماكن مراجبه وفتح نار.

     هكذا تركت محل راحة الشاويش إدريس وعدت إلى الجمال أهدهد على كل جمل بهدوء ؛ حيث كنت أتلوا بعض سور من القرآن الكريم وأنا أسير بينهم مما دفع بالبعض منهم إلى إصدار أصوات أعتقد أنها طيبة لأنها مشابهه لما أصدره عرابي منذ ساعة تقريبا مما دفع بالشاويش إدريس إلى الضحك بصوت عال مرددا ، والله عملك طيب يا صابرا ، ربنا ح يكرمك معانا.

     مضت عدة أيام كنا خلالها ننفذ تعليمات الشاويش إدريس بتجميع المؤن من المياه والحشائش للجمال كما عادت دورية الشمال بقيادة العريف أبو بكر وكانت آخر التعليمات التي حملتها ألا تعود أي دورية للشمال إلا بعد أن ترسل لنا القيادة بدورية المؤن والمعدات وبآخر التعليمات أما الواجب المكلفين به فيجب علينا تنفيذه وأن نسير على خطة العمل الخاصة بفوج الحدود من مقاومة التسلل إلى أرض الوطن أو التهريب وخاصة المخدرات يضاف إليها  مقاومة العدو فى محيط منطقة العمل.

***

     هذا يوم كئيب فى حياتي فلقد نهضت من نومي مذعورا على أصوات إنفجارات قريبة منا وأكد كل من حولي إنها آتيه من ناحية آبار شركات البترول وعللوا هذا بإحتمال حدوث خطأ فني أدى إلى هذه الإنفجارات المتتالية ، لم نظل على هذا الوضع كثيرا إذ شاهدنا بعض طائرات قريبة منا تقوم بإغارة على موقع لقوات المظلات القريبة منا والتى أقبلت منذ أسبوعين بعد رفع حالة الطوارئ ؛ أعلن إدريس أن الحرب قد بدأت وسوف نظل متمسكين بمواقعنا وعلى الأعداء أن يأتوا ليلقوا الهزيمة على أيدى رجالي  هلل الرجال وخرجت منهم الصيحات المشجعة وسرت على نهجهم ومضت الأيام بطيئة ولم نعد نشاهد إنفجارات أو أي شيء ينبئ عن قتال ، كما أن إحدى الدوريات التى أرسلت بالأمس أخبرت الشاويش إدريس بأن شاهدوا مواقع شركات البترول القريبة من موقعنا مغلقة ولا توجد به قوات حراسه من الشرطة أو أى من العاملين.

    تلك المعلومة أعطت إدريس إنطباعا بأن الحكومة أصدرت أوامر للجهات المدنية بمغادرة مواقع عملهم خشية على أرواحهم من الإصابة أثناء العمليات ولهذا كلف إثنين من رجال الفصيلة بالتوجه إلى قيادة الفوج قريبا من رمانة على ساحل البحر الأبيض كي ينقلوا تلك المعلومة إلى القيادة وأيضا إحضار مرتبات الفصيلة التى لم تصل وقد تعدى التاريخ نصف شهر يونيو ؛ أيضا معرفة آخر الأخبار وهل ستظل حالة الطوارئ سارية أو إنها قد إنتهت ، وهل ستعود الحياة إلى طبيعتها خاصة أن بعض رجال الفصيلة تعدى موعد حصولهم على الأجازة خمسة عشر يوما كما لم تصل دورية الشمال إلى الفصيلة وكانت آخر دورية قد وصلت يوم 28 مايو أي الشهر السابق.

      مازالت الفصيلة على حالها من النشاط ومراقبة المنطقة ومتابعة المهربين الذين تلاحظ قلة نشاطهم وقد أوكل الشاويش إدريس هذا لحالة الطوارئ والحرب المنتظره ، لكن ما آثار ضيق الشاويش إدريس هو آخر جمل عهدة وصل إلينا منذ ثلاثة أشهر وتبين أن هذا الجمل الشاب لم تتم له عملية الاخصاء وبالتالي فهو عنيف ويبحث عن أنثي يقوم على إخصابها وهذا غير متوفر فى الفصيلة حيث أن جميع الجمال ذكور تمت عملية الاخصاء لهم منذ فترة ، طلب منى إدريس أن أسهر على راحة الجمل الشاب وأن أطلق عليه اسما ينفرد به عن الآخرين ، فكرت بعض الوقت ولم أجد اسما يناسب عنفوانه وتمرده سوى "أمشـير " نسبة إلى شهر أمشير كثير العواصف الرملية والتى كانت تسبب لنا أبناء مطروح الضيق والتوتر.

    من حين لآخر كنت أهدهد على " أمشـير " وأقدم له الطعام وفى نفس الوقت كنت أخشي أن يهاجمني ويعضني بأسنانه القوية نظرا لحالته العصبية المتفردة دون باقى الجمال ، طلب منى الشاويش إدريس إضافة ُعشب ورقة مريم إلى طعام الجمل أمشير كي تهدأ حالته الجنسية ، بالبحث فى عبوات الحشائش التى يحتفظ بها لم أعثر على هذا النوع وأخبرني أحد جنود الحدود بأن هذا العشب غير متوافر لديهم نظرا لأن جميع الجمال تم خصيها وبالتالي فهم ليسوا فى إحتياج لهذا العشب وما علىّ سوى البحث عن عشب ورقة مريم بالوادي الأبيض القريب من موقع الفصيلة ولا يبعد عنا سوى خمسين كيلومتر تقريبا ، أوضح لي شكل وحجم العشب كما أوصاني بالحذر حين محاولة أخذ بعضا منه وعلىّ التأكد بعدم وجود أفاعي أو عقارب أو حشرات ضارة "بكدي" الحشائش.

      أخبرت الشاويش إدريس بهذا الأمر وركبت أحد الجمال الهادئه وهو جمل عجوز ولقبه "هادى" وكان اسما على مسمى ، وصلت إلى الوادي في اليوم التالي ورغم أن هذه هى المرة الأولى التى أتوجه إلى الوادي وأتحرك منفردا دون عون الآخرين الأكثر منى خبرة واشد منى قوة جسمانية إلا أن وصف زميلي جندي الحدود كان دقيقا ، تفحصت الحشائش حتى عثرت على النوع المطلوب ، بالعصا التى معي إختبرت أسفل "الكودية" وتأكدت بعدم وجودكائنات ضارة وبالتالي قطعت الكثير من الأوراق كي أقدمها لهذا الشاب الثائر " أمشــير " ، قفلت عائدا بصحبة الهادي ، لقد ضللت طريق العودة ولهذا لم أوجه الجمل وتركته يسير حتى وصل إلى موقع الفصيلة ، قبل الوصول لموقع الفصيلة غلبني النوم ولم أشعر إلا حين قام بعض زملائي بعملية التنخيخ "تبريك" الجمل فإنتبهت وسمعت تهليل الجميع لجرأتي والتوفيق بعودتي.

     طلب منى إدريس ألا أكثر من كمية أوراق مريم التى سيتناولها        " أمشـير " حتى لا تسبب له الضرر ؛ وما علىّ سوى وضع كمية من هذه الأوراق فى حجم كف يد الإنسان وأخلطها بالدريس وتتم تلك العملية مرة واحدة أسبوعيا ، نفذت تعليمات إدريس وبعد ُمضي يومين على تناول        " أمشـير " تلك الأوراق هدأت حالته وأصبحت لا أخشاه وأصبح وديعا مثل باقى الجمال.

مازال وضعنا كما هو ، التدريب والدوريات القريبة وتخزين الأطعمة وأعلاف الجمال ومياه الشرب ، اليقظة والحذر ، كانت الساعات والأيام تمضي ثقيلة ؛ فقد إنقطعت عنا خطوط الإتصال مع القيادة بالإضافة إلى ُسبل الإعاشة من الطعام وهذا هو مُنتصف شهر يونيو من عام 1967 ولم تصل المرتبات للقوة كما لم تصل أي معلومات عن كيفية نزول الأجازات التى توقفت بسببه حالة رفع درجات الإستعداد.

 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech