Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

روايه فهد الليل- الجزء الثاني - أمشـــير والعاصفة الممــطرة

 

 

    بعد أن مرق "أمشـير" كالسهم من خلال صخور الجبل الذى أوينا إليه منذ عدة أيام بسبب خطأ إرتكبته دون قصد مما ترتب عليه فقد حياة هادى أحسن جمال القطيع ، سكنت قليلا حزينا لكن بعد قليل غمرتني فرحة طاغية بأن أربعة من جنود العدو لاقوا مصرعهم تحت ضربات وشجاعة هادي.

 

       مرق الجمل بجوار العربتين المدرعتين كالسهم وخلال هذا كنت أخشي أن ينتبه أي أحد بداخلها والذى يصل عددهم إلى عشرة جنود كما أخبرنا الشاويش إدريس ولكن تبين لي أنهم عاكفون على الإختباء من الأمطار والبرودة الشديدة كما لاحظت أن العربتين المدرعتين إلتصقتا من الخلف كما توقع إدريس ، شعرت بالغبطة من ذكاء إدريس.

 

   خاطبت "أمشـير" طالبا منه أن يخفف من سرعته ولكن صوتي ضاع بين أصوات الرياح العاتية ، كنت أشعر بأن جلبابي سوف يتمزق من قطرات المطر القوية الشديدة ، بل فى بعض الحالات كنت أشعر بأن مسامير تخترق جسدي مما دفعني للتألم بصوت عال بل والنواح ورغم هذا ظللت متماسكا فى هذا الوضع الشائك على ظهر الجمل.

 

    لقد تذكرت حالي علي هذا الوضع مثل حالي وأنا أواصل التدريب على الإشتراك لدخول المسابقات بين الخيول والتى كان يعشقها رضوان باشا ، حيث كنت أجلس على مؤخرة الحصان وجسدي الخفيف يساعد الحصان على القفز عبر الموانع الموجودة بغرض التدريب ، ما أشبه اليوم بالبارحة ،  شعرت بأن مفاصل يداي تؤلماني بدرجة كبيرة فحاولت تقليل أثر شد الحبال المربوطة بها مع أرجل "أمشـير" الأمامية بأن أمسكت بالحبل بيدي كي أقلل من قوة الشد ونفذت هذا التصرف على مفصل القدمين ؛ تذكرت المثل القائل  ما باليد حيله وهنا قلت إذا ما للرجل حيلة.

 

      من حين لآخر كنت أسمع أصوات الجمل المرعبة التى تدل على أن شيئا ما ضايقه ، بل أنه فى بعض الحالات كان يلف رقبته للخلف ناحيتي ويخرج أصواتاً عالية وأنا بدوري أطمئنه بكلمات طيبة ، فقد شعرت بأن شيئا ما ضايقه ولهذا فهو يبثني آلامه وضيقه وإعتقدت أن السبب فى هذا عائد إلى خشيته من الأعداء بأن يتصرفوا معه مثل ما تصرفوا مع زميله هادى ، فقد كان جملا شابا يخشي على حياته.

 

     مازالت الأمطار تتساقط والصقيع يضرب جسدى وملابسي ومع تلك السرعة كادت خلالها أن تتجمد مفاصلي لولا سماعي صوت إنفجار قوى إعتقدت فى بادئ الأمر أنه برق من السماء ولكن ما جعلني أستبدل هذا الإعتقاد هو مشاهدتي لإنفجاريين متتاليين بفاصل عدة دقائق ويميزهما لونين أحمر وأصفر متداخل وأن الإنفجارات وقعت على الأرض وليس بالسماء.

 

     تساءلت: هل هذا ناتج من العملية التى كان ينوى إدريس القيام بها ضد من يحاصرون فصيلتنا بداخل الجبل منذ أربعة أيام؟ تمنيت هذا ومازال "أمشـير" يقطع المسافات دون هدف واضح وظاهر وبدا الإعياء يؤثر فيه وكاد أن يتعثر أثناء العدو وكدت أتمايل لأحد الأجناب وهذا ما كنت أخشاه لأن وضع مثل هذا سوف يؤدى بحياتي ، مازال الجمل يعدو وإعتقدت بأنه لن يتوقف حتى يلفظ أنفاسه ، أعتقد أنه قد مضي علينا منذ  مغادرة سلسلة الجبال التى كنا نختبئ بداخلها أكثر من ساعتين ، شعرت بتخدير بأجزاء جسدي ودخولي فى النوم ، بل شعرت بأن جسدي قد إرتفعت درجة حرارته وصاحب هذا رجفة ورعشة وقشعريرة تلاها حالة من الهذيان ، لم أعد أشعر بأي شيء من حولي سوي إنتباهي من حين لآخر على صوت الجمل المرعب وعدوه الذي مازال مستمرا.

 

    شعرت بأنني أصبحت فى عالم آخر ، فجأة تنبهت على صوت قوى وصوت الجمل يدخل الرعب في قلوب من حوله خاصة أن الأمطار توقفت وأصبح الصوت مسموعا واضحا ونظرت للأمام فشاهدت أمشير قد إصطدم بسياج من الحديد ومازال يقاوم ويدفع هذا السياج بأقدامه رغم أن إرتفاع هذا السياج يضاهى إرتفاع "أمشـير" اى ما يقارب المترين ، ظل على هذا الحال عدة دقائق حتى إستطاع هدم السياج وأسرع يعدو فشاهدت جملا يقف، أسرع "أمشيـر" جهة الجمل وحدث تقارب بين الإثنين ، قام "أمشـير" بشم بعض أجزاء جسد الجمل الآخر ؛ ثم وضع رقبته فوق رقبة هذا الجمل ومازال صوته مرتفعا ، إستطاع "أمشـير" أن يجعل الجمل الآخر يبرك أرضا بعدها دار "أمشـير" نصف دورة وبرك أرضا ووضع مؤخرته في مقابل مؤخرة الجمل الأول ، ثم قام الجمل الهائج بإبراز شقشقته ، ويسميها البدو هدّاره ، ويحك مؤخرة رأسه ( قذالة ) بكتفة ، تعجبت لهذا وتذكرت العربتين المدرعتين اللتين قامتا بهذا العمل منذ ساعات وإعتقدت بأن هذا نظام ُمتبع فى الصحراء لتفادى البرودة ، عدت لحالة القشعريرة ومازال الجمل يتحرك ويصدر أصوتا وأنا غائب عن الوعي كما قل إنتباهي.

 

     شعرت بأنني أحلم وأن خيالا يتحرك قريبا منى وبيد هذا الخيال بندقية بل ويمسك أيضاً بسكين كبير ، خشيت على حالي وأنا فى تلك الحالة بأن البعض أقبل لقتلى ولكن الخيال المتحرك قام بقطع الحبال التى تربط يداي وساقاي "بأمشـير" ثم ساعدني على النزول من فوق الجمل فسقطت أرضا فمد لي يد المساعدة مرة أخرى وإستطعت الوقوف مستندا على هذا الخيال الذي سار بى بعيداً عن مكان الجملين مسافة ورغم هذا مازالت أشاهد الجملين باركين أرضا بهذا الوضع.

 

   تركني هذا الشخص أو ذاك الخيال وأسرع نحو الجملين وفرد عليهما غطاء أحكم وثاقه ، ورغم حالتى كنت أشعر براحة بأن من قابلني فى منامي أو غيبوبتي يرحم الحيوان كما يرحم الإنسان ، أقبل الخيال الذي كان يلتحف بغطاء من أعلى الرأس حتى أخمص القدمين تجنبا للمطر والبرودة ، عاد وساعدني حتى دخلت مبنى أو خيمة وهناك وجدت فراشا طيباً فإستلقيت أرضا وبعد قليل عاد الخيال لكن فى صورة أخرى ، صورة سيدة جميلة وحادثتني بأن طلبت مني أن أقوم بإستبدال ملابسي المبتلة حتى لا أصاب بالمرض ثم ألقت إلىّ ببعض الملابس وغادرت المكان.

 

     جلست أستعيد الدقائق الماضية وهل ما حدث هى أضغاث أحلام أو أنها حقيقة واضحة ، تحسست الفراش الوثير من حولي والضوء الصادر من أحد الفوانيس ليتأكد لي أن ما أشاهده حقيقة واضحة وضوح الشمس ، نظرت للملابس وتحسست ملابسي المبتلة وتنبهت على إصابتي بالكحة ، نهضت رغم حالتى وإستبدلت ملابسي بالملابس التى أحضرتها السيدة وألقيت بالملابس المبتلة جانبا ودخلت فى الفراش الوثير فشعرت بالدفء ينتشر بأوصالي ؛ بعد هذا رحت فى سبات.

 

     كنت أسمع بعض الأصوات وأنا نائم ولكنني لم أنتبه ؛ حيث كنت أشعر بأنني فى حالة من الهلوسة ؛ فلقد شاهدت أمى وفى بعض الحالات أشاهد العريف أبوبكر كما كانت تهاجمني من حين لآخر رحلة الجمل الشاقة وصوته المخيف المرعب ، أخيرا سمعت من يحدثني ويهز جسدي ؛ تنبهت وشاهدت السيدة التى شاهدتها قبل ذلك ، قدمت لي مشروبا فتناولته وشعرت بطعم لاذع فسمعت صوتها وهي تخاطبني قائلة: هذا الدواء لعلاج نزلة البرد التى أصابتك أمس ، تحدثت فى بعض الأحاديث وأنا عنها غافل من حالة الهلوسة ، قدمت لي مشروبا دافئا ومذاقه جميل فتناولته ؛ ناولتها الكوب ثم رحت فى سبات مرة أخري.

 

     ظل هذا هو حالي حتى أقبل الظلام والذى كنت أميز الأضواء من باب الخيمة القريب من الفراش الذى أرقد فوقه ورغم تلك الحالة كنت أسمع من حين لآخر صوت الجمل سواء كان هذا حقيقة أو كابوسا مزعجاً لما حدث لي أثناء الرحلة القاسية ، أقبلت السيدة وجلست تحدثني ووضعت كف يدها على مقدمة الرأس وإبتسمت قائلة لي: لقد تماثلت للشفاء ، إقتربت منى متسائلة عن اسمي ، أخبرتها فرحبت بى ثم نهضت وعادت بعد قليل حاملة بعض الأطعمة لي ، كانت الأطعمة مخالفة لما إعتدت عليه سواء فى مطروح أو أنشاص أو مع رجال الحدود ، كان الطعام له مذاق خاص وجميل ومحبب ، أتيت على تلك الأطعمة التى كانت على هيئة سندوتشات من التى كنا نشتريها من كنتين مركز تدريب سلاح الحدود قبل التوزيع.

 

     تناولت الطعام وأعقبه كوباً من الشاى المحلى باللبن الحليب بعدها وضعت رأسي على المخدة وشعرت أنني شبه طائر فى السماء وأنه ليس لي وزن وأن أذني كبيرة وأسمع بداخلها طنين والبعض ينادى علىّ : أقبل يا صابر أين أنت؟ ولماذا لم تلحق برجال الفصيلة ، هل تركتنا لتعبث وحدك، ألن تحارب معنا يا صابر؟ بعدها شاهدت الجمل هادي أثناء هرولته جهة السيارة الجيب الإسرائيلي والجنود يمطرون صدره بالرصاصات القاتلة والدماء تندفع وكاد يتعثر ويسقط لكنه إستنهض الهمه راغبا بأن لا يترك الحياة إلا بعد أن يسجل اسمه مع الأبطال والشهداء ، هكذا سقط فوق السيارة وخلال هذا كنت أسمع الصرخات وأشاهد أذرع وأرجل الجنود القتلى أسفل الجمل ؛ لقد تحطمت السيارة وأصبحت لصيقة بالرمال من ثقل الجمل ، كادت الدموع تغادر عيناي ولكن النوم كان أسرع حيث رحت فى سبات للمرة الثالثة ، خلال تلك الفترة نلت قسطاً من النوم المريح العميق ولم تهاجمني الكوابيس والأحلام المزعجة.

 

     تنبه سمعي على صوت نسائي رقيق يطلب من صابر أن ينهض ويترك الكسل والخمول ، أعقب هذا بأن فتحت عيناي لتكتمل الصورة بمشاهدة تلك السيدة والتى تأكد لي أنها فاتنة وجميلة لأقصي درجة وتضع بسمة على شفتيها الرقيقتين تجعل أي إنسان حزين يقبل على الحياة ، جلست نصف جلسة علي حافة السرير فأقبلت السيدة وقدمت لي كوباً من الشاي الساخن المحلى باللبن ، أمسكت به وأنا أدقق النظر فى وجهها ، أخبرتني بأنها ُتعد طعام الإفطار وعلىّ النهوض واللحاق بها وتقديم يد المساعدة كي نفطر ثلاثتنا معاً ، كنت أدقق النظر بها أثناء مغادرة الحجرة ، لقــد تأكد لي بعد

 

 تمالكت احاسيسى بأن السـيدة رائعة الجمال ؛ طويلة القامة ، ليست نحيفة ، بيضاء وذات شعر كستنائي جميل طويل عقصته من الخلف ، ترتدي الملابس الإفرنجية ، أي بنطلونا وبلوزة وفوقها جاكتا جميلا وحذاءً متوسط الارتفاع.

 

       نهضت وسرت أتفحص المنزل المقام من المشمع تقويه دعائم من الحديد المجلفن ، كان المكان فسيحا نظيفاً رغم أنه شُيد بين الجبال والصخور ، شاهدت السيدة تضع الطعام على مائدة صغيرة نسبيا ترتفع عن الأرض بحوالي30 سنتيمتر ؛ أي مشابهه للطبلية التي كنا نتناول عليها الطعام بالقرية ، كما شاهدت طفلا صغيرا ًجميل الصورة يجلس أمام المائدة أرضا فوق وساده مرتفعه نسبيا ، حينما شاهدتني السيدة إبتسمت مرحبه بى:

 

ـ أهلا صابر ، منور المكان

 

ـ ربنا يخليكي ، مين القمر الجميل ده؟

 

ـ ده ابني هارون

 

ـ عاشت الأسامي يا هارون ؛ إنحنيت وقبلت وجنتيه وجلست قريبا منه.

 

   عادت السيدة وجلست بعد أن وضعت أطباق الطعام أمامنا وبدأت تناول ابنها الطعام بقطع صغيرة والصغير يمضغ على مهل ، أعتقد أن الطفل لم يكمل العامين ، يرتدي جلبابا صغيرا وطاقية صغيرة على رأسه ، أبيض اللون يكسو خديه حمرة خفيفة ، كان قريب الشبه بأمه ، هكذا إندفعت فى الحديث وتناولت الطعام الشهي ؛ حيث كنت أنظر من حين لآخر لهذا الطفل الصغير الجميل وأكرر : الحمد لله على نعمته على الناس بوجود أطفال صغار حين تنظر لأحدهم تشعر بالسعادة وراحة البال ويفارقك هاجس الصراع بين الناس على المال والمناصب.

 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech