Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

روايه فهد الليل- الجزء الثاني - من هي

 

 

من هــــي؟

 

   الحمد لله ؛ قلتها بعد أن إنتهيت من تناول طعامي ، ثم قمت بمد يد المساعدة للسيدة فى رفع الأطباق وتنظيف المكان ؛ بعد قليل تركتني ورافقت ابنها ثم عادت بعد أن قامت بغسل يديه وفمه من بقايا الطعام .

 

 نظرت إليها متسائلاً:

 

ـ اسمك إيه؟

 

ـ رحيل

 

ـ عاشت الأسامي يا ست رحيل

 

ـ جوزك فين؟

 

ـ راح مأمورية قريبة من تل أبيب

 

ـ ينهار!! تل أبيب ، جوزك راح عند أولاد الرفضي؟

 

ـ صابر ؛ إسمعنى وافهم كلامي ، أنا يهودية وجوزي كمان ، إحنا يهود مصريين وهاجرنا إلى إسرائيل من عشر سنين ، ومش عيزاك تشتم اليهود لأن ده ح يزعلني ، فاهم؟  مش بتتكلم ليه؟ زعلت؟

 

ـ مش زعلت ، مكنتش فاهم الحكاية كده ، على كل حال إنتى مصرية وإلا مش ينفع برضه؟ شاهدت البسمة على وجهها وأجابتني

 

ـ طبعا ينفع ، هو ده الأكيد فى الحكاية ، أنا يهودية مصرية ، كده أحسن وبلاش إسرائيلية خصوصا فى حالة الحرب اللي إحنا عايشينها دلوقتى ، لكن مقلتليش ، إنت بتشتغل إيه؟ تذكرت حديث الشاويش إدريس عن موضوع العمل وأننا نعمل بشركة بترول أو منجم الفحم حتى لا نلفت الأنظار إلينا بأننا جنود مصريون وتسبب لنا الكثير من المشاكل ، تنبهت لإعادة السؤال فأجبتها:

 

ـ أنا كنت شغال عامل فى شركة بترول على خليج السويس وبعد الحرب مش لاقي شغلانه ومش عارف أرجع بلدي

 

ـ بلدك!! بلدك اسمها إيه

 

ـ مرسي مطروح ؛ بصوت مرتفع

 

ـ ياه على مرسي مطروح الجميلة ، رحتها سنة 1952، بلد جميلة والميه بتاعتها تجنن ، طيب يا صابر ممكن تشتغل معايا؟

 

ـ الشغلانه إيه؟

 

ـ تعرف تشيل شوله وصناديق؟ الحكاية... إن أنا وجوزي بنشتغل مع قوات الإحتلال الإسرائيلي؛ إحنا مسئولين عن توزيع المعونة اللى قررتها الحكومة الإسرائيلية للشعب الفقير بسيناء ، عشان كده عندنا مخزن كبير مليان

 

معونات ، يعنى شولة دقيق ، وشولة سكر وصناديق شاي وصناديق بن وصناديق سجاير وبعض الأدوية الصغيرة دا غير عبوات السمن والزيت واللبن البودرة ، إيه رأيك تعمل معانا وكل يوم بيجيلنا حوالي من عشرين إلى خمسة وعشرين عيلة يحصلوا على نصيبهم وبدل ما الواحد منهم يدخل المخزن ويشيل حاجته تقوم إنت بالعملية دية وتحمل الجمال والحمير اللى جايين بيها ، َفكر يا صابر ، وأكلك ونومك هنا ، ولو عجبك الشغل ح ناولك كل شهر عشرين جنيه مش بياخدهم اللى تخرج من الجامعة بمصر.

 

   ساد الصمت بيننا ، قطع هذا الصمت مغادرتها للمكان متوجهة للمطبخ لإعداد الشاي كما قامت بوضع ابنها هارون على المرجيحة كي يتسلي ولا يظل سائراً خلفها ، خلال إنشغالها كنت أفكر فى هذا العرض وهل من الواجب علىّ أن أظل مقيما بهذا المكان أو من الواجب أن أتركه وأتوجه لموقع الفصيلة بجنوب سيناء على خليج السويس ، بعد قليل أقبلت وقدمت لي كوباً من الشاي ، شكرتها وإنشغلت فى شرب الشاي وإختلاس النظرات إليها ؛ بعد أن شربت الشاي طلبت منها مشاهدة المخزن كي أقرر هل يمكنني حمل الأثقال والسير بها خلال الصخور ، رافقتني إلى المكان التى أعدته ؛ المكان عبارة عن خيمة صناعية مضادة لمياه الأمطار مثل التى تقيم بها ، شاهدت كميات كبيرة من أجولة الدقيق الأبيض المشابه لأجولة الدقيق التى كنت أشاهدها بالمدرسة وأنا طفل ويقولون عنها المعونة الأمريكية وتلك الأجولة ذات أوزان مختلفة ؛ خمسون وخمسة وسبعين ومائة كيلو جرام ؛ فعلا كانت تحمل شعار اليدين المتصافحتين والتى تــدل على التعاون بين الأمريكان وباقي الشعوب ، أيضاً هناك قسم لأجولة الســكر ؛ العبوة زنة  

 

عشر كيلوجرامات ، شاهدت صناديق الشاي والبن ، قسم الزيوت والسمن وعبوات اللبن البودرة ومسحوق الكاكاو ، كان المنظر يسر العين خاصة أجولة الدقيق التى كان رجال فصيلة الحدود يقاسون الكثير فى سبيل الحصول على بعض الطحين كما يطلقون عليه بسيناء ؛ نظراً لعدم وفرتها بالفصيلة منذ بدأ الحرب ولهذا كان رجال المخدرات يحضرون لنا بعض الدقيق والتى لم تكن كافية، بينما هى متوفرة هنا ومن مختلف الأوزان.

 

       أخبرت رحيل بموافقتي على العمل معها ، فأسعدها هذا ؛ وأشارت إلىّ بما يعنى إلحق بى ، سرت قريبا منها فأشارت إلى مكان بجوار الأجولة وأخبرتني بأن هذا مكان نومك بعد ذلك ، المكان عبارة عن فرشة صغيرة على باب خيمة المخزن أي أنني سوف أنام مع أجولة الدقيق والسكر ، أثناء حديثنا سمعنا من ينادى ، لقد أقبل بعض البدو للحصول على المعونة الشهرية والتى قررتها لجنة الإحتلال بسيناء ، توجهت إليهم رحيل وتبعتها ، شاهدتها وهي تتأكد من البطاقة المسلمه لهم من لجنة الإحتلال وقامت بمراجعتها فى الدفتر المعد والمحفوظ لديها وهو المرجع لها وتأكد لها أن تلك الأسرة تستحق الكميات المحددة بالبطاقة ، طلبت منى  إحضار جوال دقيق وشكارة سكر وعبوتين من الشاي وعبوة سجائر وعبوة سمن متوسطة الحجم ومثلها لزيت الطعام وعبوتين لبن بودرة زنة نصف كيلو جرام ، حملت تلك الأغراض ووضعتها فوق الجمل الذى حضر مع الأسرة التى غادرت المكان.

 

     أثناء عودتي للمخزن شاهدت "أمشـير" يقف بجوار الناقة التى أقبل نحوها بغرض تلقيحها يوم العاصفة الممطرة ، كان الجملان يأكلان العشب بهدوء وحينما شاهدني "أمشـير" أقبل نحوي يهز زيله القصير ثم وضع رأسه بجوار رأسي كأنه يقدم إعتذاره عما حدث ، نظرت إليه وهدهدت على رقبته مهنئا بحصوله على عروس وتكوين أسرة ، حدثته بصوت واضح ؛ لقد كدت أن أدفع حياتي مهرا لتلك العروس.

 

     مضي على وجودي بهذا المكان أسبوع ، لم يكن العمل شاقا كما توقعت؛ حيث كنت أقضي وقت فراغي فى تلاوة القرآن الكريم ، أحد الأيام وأنا أتلو ما تيسر من القرآن الكريم فاجأني النوم وظللت جالسا نائما فى حالة مزاجية عالية ، لا أعلم السبب فى حالة النوم المفاجئ ؛ هل لأن أشعة الشمس كانت ُمسلطة علىّ بمكان جلوسي بجوار الخيمة فدفعت بالحرارة التى خدرت جسدي بينما الجميع يشعر بالبرودة التى تكاد تيبس العظام والعضلات ، شعرت بشيء يدفعني فى وجهي وشعرت بشعيرات جافة على عيني وأنفي فتنبهت فشاهدت أمشير يداعبني أثناء نومي ، نهضت مهدهدا على رقبته فحرك رأسه مسرعاً بأنه يرغب بشيء ما وهذا ما تعلمته خلال الشهور الماضية ، إقتربت منه أحادثه:

 

ـ عايز إيه يا طفص؟ حبيبتك جنبك والأكل والميه متوفره ومش لك شغله ولامشغله غير إنك تحب فى الناقة وملكش منافس وأنا كل يوم بأهدهد عليك، إيه ناقصك؟

 

    بالطبع لم يجب ولكنه مازال يحرك رأسه ، تجاهلته ولهذا إقترب مني ودفعني بفمه فتدحرجت عدة خطوات على جانبي ، تركني ومضي ، ُعدت إلى جلستي السابقة أفكر فيما يريده هذا الجمل المخبول الذي لا يعجبه العجب ولا الصيام فى رجب ، أسعدتني كلمة الصيام ونحن الآن فى شهر شعبان وكلها أيام قليلة ويقبل الشهر الكريم وأصوم رمضان لأول مرة بعيداً عن أسرتي.

 

    إنشرح صدري بتلك المناسبة الإيمانية ، فتساءلت هل من الممكن أن أستمع لأغاني رمضان مثلما كنت أسمعها فى أنشاص؟ عادت إلىّ الذاكرة وقمت بالغناء : رمضان جانا أهلا رمضان .. قولوا معانا .. أهلا رمضان .. رمضان جانا .. أهلا رمضان ؛ كنت أشاهد "أمشـير" ينظر إلىّ ورأسه مقتربة من الأرض وهذا يدل على حالة مزاجية غير مريحة ، آه .. تذكرت وإستبدلت أغنية رمضان بسورة القدر :

 

إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) .. إلي آخر السورة؛

 

   أثناء التلاوة كنت أشعر بالسكينة تغمر جسدي ، شاهدت "أمشـير" يسير بهدوء رافعا رأسه للأمام وأطلق بعض صيحات وظل سائرا حتى توقف أمامي وبرك أرضا ورأسه لا تبعد عن وجهي بأكثر من طول المسطرة أي مسافة قدم ، مازالت أتلو و"أمشـير" ينظر إلىّ ثم وضع مقدمة فمه بالصخور ولم أدقق عيناي حينما شاهدت قطرات دامعة تنزل من عينيه ، صمت وتوقفت عن التلاوة فنظر إلىّ نظرة ذات معنى ؛ نظرة كأنه إنسان يعتب عليك أن حرمته من شيء يتمناه ، قبلت رأسه واستكملت التلاوة ومازلت أراقبه وأتساءل : هل هذا الحيوان المشاكس يتفهم القرآن؟

 

      أنهيت التلاوة وشعرت بأن شيئا كبيرا بداخل جسـدي كما أن روحي

 

أصبحت مثل البخار أو الدخان ؛ بل توقعت أن تصعد روحي للسماء مما شاهدته وتأثرت به ؛ إقتربت من "أمـشير" ووضعت رأسي على رقبته ، فإلتفت إلىّ برأسه وبشفتيه الكبيرتين ليداعب شعر رأسي ، نهضت واقفاً وأصبحت رأسي فى نفس إرتفاع رأس "أمـشير" ، قبلته عدة قبلات وساعدته كي ينهض ، كان الجمل فى حالة من التخدير عالية ، نظر إلىّ وكأنه يطلب منى ألا أقطع عليه تلك اللحظات الجميلة.

 

   تركته لحاله وجلست أمامه وأنا مازلت أفكر وأتساءل: هل الحيوانات تتفهم القرآن؟ تذكرت كلمات العريف أبو بكر حيث قال: أن الشيخ حسان أخبرهم أثناء الدراسة بالكتاب بقريتهم القريبة من كوم أمبو بأن الحيوانات تسبح بحمد الله وتخشع لسماع القرآن.

 

       قررت التأكد من حديث الشيخ حسان ، بعد أن نهض "أمشـير" إتجه إلى إناء المياه يعب منه كعادة الجمال ، بدأت فى التلاوة مرة أخري ، كدت أنهض ُمسرعاً ؛ فقد شاهدت " أمشـير" ُمقبلاً نحوى بخطواته الطويلة ، خشيت منه وشعرت بالخوف فقد واجهت هذا ليلة العاصفة الممطرة ، توقف الجمل أمامي وهبط برأسه أرضا ووضع رأسه بين ساقيّ ، مازلت أتلو سورة الليل:

 

(بسم الله الرحمن الرحيم)

 

وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) إلي آخر السورة.

 

برك "أمشـير" للمرة الثانية ، كنت راغباً بالتأكد من دموع الجمل ، لقد

 

ظهرت الدموع للمرة الثانية ، فى تلك المرة لم أتساءل أو أفكر بل إندفعت دموعي لتلحق بدموع الجمل الذى تأثر بالقرآن وبأنه يعبد الله مثل بني البشر، مازلت أقوم بتلاوتي القريبة لتلاوة الشيخ محمد رفعت رغم دموعي التى مازالت تسيل كلما شاهدت دموع "أمشـير" .        

 

   بعد أن إنتهيت من التلاوة تركت أمشير وسرت بعيداً ؛ خلال هذا كنت أسمع صوت السيدة رحيل تنادىّ علىّ دون أن أجيب ، لقد تملكني شيء غامض لم أقابله خلال حياتي السابقة رغم أننى عشت بصحراء مطروح والكثيرون من الجيران لديهم جمالا لكن هذا الجمل لم أشاهد مثله بإستثناء الجمل "هادي" الوديع الذي ضحي بحياته حينما شاهد الجندي الإسرائيلي يصفعني ويضربني بقدميه ، لقد كان قريب الشبه بأمشـير حين سماع التلاوة.

 

    لقد أثر هذا الحادث على حالتى النفسية بطريقة لم أعهدها من قبل وأصبحت إنساناً حساساً إلى أبعد درجة وأصبحت مشاعري متوهجة مما دفعني لكثرة التلاوة سواء محاكاة للشيخ محمد رفعت أو التلاوة ترتيلا بصوتي الذى أعجب به الكثيرون ممن سمعه ، مازلت أتساءل: لماذا لم يحدث لي مثل هذا الحدث بمطروح أو أنشاص؟ لم أتوصل لنتيجة ؛ أخيرا عثرت على إجابة السؤال ، التفرغ لعبادة الله وسماع التلاوة ، والله يقول في كتابه الكريم:

 

وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ "سورة الأعراف"

 

عــودة موشــيه

 

    مضى على وجودي بهذا المكان أكثر من ثلاثة أسابيع ، شعرت خلالها بالراحة البدنية والنفسية من ُحسن معاملة رحيل لي وملاطفة طفلها هارون الجميل ومداعبة الكلب ليفي ، أيضا مداعبة أمشير لزوجته الناقة التى لم أتخير لها اسما حتى الآن وإكتفيت بأنها زوجة أمشير.

 

      خلال تلك الفترة إقتربت من السماء كثيرا بمشاعري وأحاسيسي والفضل بعد الله سبحانه وتعالي يعود إلى أمشير بما يقوم به من تصرفات حين تلاوتي للقرآن ، فمازال يقترب منى ؛ بل في بعض الأوقات تصطحبه السيدة حرمه وكأنهما متجهان لأداء واجب العزاء وقررا سماع بعض آيات من الذكر الحكيم ، مازالت تصرفات أمشير مؤثرة ، فالجمل يستمع للتلاوة وأعتقد أنه يتفهم معانيها أكثر منى أو أنه أقرب إلى الله وما المانع من هذا والقرآن يتحدث عن كائنات كثيرة تعبد الله وأيضا هناك ناقة صالح التى ذكرت فى القرآن.

 

***

 

    السيدة رحيل سيدة جميلة جداً ؛ فقد جمعت خصال الجمال المصري والأجنبي ، بالإضافة إلي كل ما تحدثت عنه من مواصفات جمالية فهي تتمتع بصوت رقيق بلهجة مصرية راقية واضحة ، لها جاذبية بنات مصر وسماحة الوجه ، تعتد بنظافتها الشخصية وتهتم بملابسها رغم وجودها بالصحراء، تمتلك راديو صغير الحجم تستمع من خلاله لنشرة الأخبار باللغة العبرية كما أخبرتني ؛ أيضا تستمع لبعض أغاني لعبد الحليم حافظ وشادية وليلى مراد التى تربطها بها صلة قربي كما أخبرتني بذلك ، حين التعامل معها تأكد لي أنها تتميز بالكرم ؛ أي لديها عطاء بعكس ما كنا نعلمه عن اليهود بمصر قبل مغادرتهم ، من حين لآخر كانت تجلس معي وتستمع إلىّ وإلى أحاديثي بلهجة أبناء الريف فتشعر بسعادة وغبطة وتسألني عن بعض طباع الفلاحين سواء فى حياتهم أو عادات الزواج والعلاقات الإنسانية العائلية التى كانت تفتقدها بإسرائيل.

 

    أعتقد أن السيدة رحيل تكبرني بخمسة أعوام ؛ في بداية العلاقة كنت ألقبها بالخالة رحيل وهذا الاسم أصابها بالضيق فطلبت منى بأن أدعوها مدام رحيل أو أم هارون ، كانت رحيل تهتم بنظافة ابنها هارون والعناية بخيمتها الكبيرة التى كانت تحتوى على قسمين أي حجرتين ومكان للطبخ ودورة مياه لم أشاهدها إلا بعد عدة أسابيع ولهذا تبين لي رغم أن السيدة تحيا بالصحراء إلا أنها تحيا حياة عصرية ورغم هذا كانت تشعر بحنين إلى مصر وشعبها ؛ فلم تنس أيام طفولتها ولعبها ولهوها بحارة اليهود القريبة من مسجد الحسين والموسكي، أيضاً كانت تقص عليّ معلومات عن تلك الأماكن التى لم أكن أعلم عنها شيئا سوى الاسم فقط، فلم يتيسر لي زيارتها من قبل.

 

     بات واضحا أن رحيل تشعر بالضيق من تأخر زوجها رغم أنها لم تكن تخشي الحياة بمفردها فلديها أحد كلاب الحرب القادرة على الدفاع عنها وعن ابنها ؛ أيضا تمتلك سلاحا عبارة عن بندقية سريعة الطلقات كما أنها تؤدى خدمة لأبناء سيناء ومن غير المعقول أن يهاجمها من يتلقون المساعدة منها ، ورغم هذا كانت تبثني من حين لآخر مخاوفها وخشيتها على زوجها ؛ فقد تأخر موعد عودته.

 

     فى أحد الأيام تحدثت معي بحديث واضح صريح عبرت فيه عن شعورها بالراحة من ناحيتي ومشاعرها الطيبة نحوى حيث لم يكن لها شقيق ولهذا فهى تشعر بأنني شقيقها الأصغر ، شكرتها على ثقتها نحوى وأخبرتها بأن هذا هو نفس شعوري ؛ فلدي ثلاث شقيقات حرمت منهن وحرمن منى ولهذا فأرى أنك العوض عنهن ، زاد هذا من ترابطنا أكثر فأكثر ، كانت رحيل تقضي فترات طويلة جالسة معي تحت أشعة الشمس وفى بعض الأحيان تستضيفني بخيمتها ؛ حيث كان الصغير ينام هادئ البال على ساقيها سعيداً بحنان أمه ، وحين ألاحظ  رغبتها بالنوم كنت أغادر الخيمة عائداً إلى مكان إقامتي بمخزن المساعدات الغذائية.

 

      تلك الليلة شعرت برغبة قوية فى النوم مبكراً ؛ فلقد ظللت طوال النهار أقوم على تفريغ لورى نقل محمل بأربعين شيكارة دقيق تزن الواحدة منها 75 كيلوجرام وهذا وزن ليس لي مقدره على تحمله لكن الله أعانني حيث كان السائق وزميله يجالسان رحيل يتحدثون بحديث غريب اللغة على سمعي ، كدت خلال تلك الفترة أسقط إعياءاًً من كثرة العمل ، هكذا إنتهيت من تفريغ الحمولة وتلقيت ثناء من رحيل بعد مغادرة الجنديان ؛ حيث نظرت إلىّ نظرة عميقة تدل على الود والشكر لما قمت به من مجهود.

 

     لم تمانع رحيل فى حصولي على قسط من النوم مبكراً رغم شعوري إنها إعتادت على مجالستي مثل كل يوم ؛ حيث تدور بيننا أحاديث متبادلة والتى تتطرق للحياة فى مصر وأسئلة معادة عن بعض أماكن بالقاهرة وهل ما زالت النساء يرتدين الملاءة اللف، ثم مديحها وثنائها على رقة وجمال ممثلات مصر كفاتن حمامة ولبني عبد العزيز وكريمان وغيرهن ؛ بعد أن استغرقت فى نوم عميق نهضت مذعورا على صوت رحيل صارخة تنادي علىّ وتستنجد بأي إنسان ؛ أسرعت إليها مندفعا رغم وجود بعض الصخور والحصى بالممر الواصل بين مخزن الغذاء ومكان نوم رحيل ، لم أجدها فى خيمتها وسمعت صوتها خارج الحصن الذي شيده جنود الجيش الإسرائيلي بوضع بوابة حديدية عليه لمنع الحيوانات المفترسة من الضباع والذئاب من مهاجمتها ليلاً.

 

    أسرعت للخارج فشاهدت رحيل تجلس أرضا على ركبتيها كما شاهدت رجلا ممدا أرضا ووضعت رأسه على فخذها ؛ مازالت تتلوي حزنا وبكاء مؤلماً ، أسرعت إليها متسائلاً: ماذا حدث وما حكاية هذا الشخص؟  حينما شاهدتني أمسكت بتلابيبي طالبة منى حمل الرجل إلى خيمتها ومازالت تنادي، موشيه ... موشيه ، الآن علمت من هذا الرجل ؛ إنه موشيه زوجها الغائب ، حملته بصعوبة حيث كان الرجل أقرب إلى البدانة ، وضعته على السرير وشاهدت على الضوء المنبعث من الفانوس آثار إصابات وضربات فى الوجه وعلى الأيدي وكدمات ، تذكرت ما حدث لي سابقا على يد أحد الجنود والذى أنقذني منه الجمل هادي المخلص.

 

     أقف فى حجرة النوم ورحيل تجلس على حافة الفراش تداعب شعر رأس الرجل ؛ حيث كان ينام ويئن بصوت واضح ، تهدهد على كتفيه وعلى وجهه بعيداً عن الكدمات التى لحقت به وتتساءل: عمن قام بهذا العمل ، تعيد ذكر بعض الأسماء حتى إذا ذكرت اسم "جاستون عدس" صرخ الرجل مشيراً بأحد أصابعه بأنه هو وردد خلفها المجرم ، المجرم .. يكمل حديثه: بعد أن فرغت من مهمتي بتل أبيب إقتفي أثري ؛ حتى إذا بلغت حدود العدو المصري بسيناء ألقى القبض عليّ موجها لي بعض التهم .. أشاهد الرجل "يتألم أثناء الحديث" يكمل حديثه: حتى إذا إقتربنا من منطقتنا تلك أخذني بعيدا عن جنوده وقال لي أريد أن أرسل معك بهدية لزوجتك الجميلة ؛ ظل يضربني بيديه ورجليه ثم أكمل عليّ بقطعة من الخشب كانت معه بالسيارة الجيب ، هكذا وجدت نفسي أصرخ ورحت فى سبات حتى إذا وصلنا إلى هنا قذف بى من السيارة وأطلق علىّ ظهري ثلاث رصاصات أصابت أماكن مختلفة ولكنها لم تصب القلب ، أنا أشعر بأن نهايتي إقترب موعدها.

 

    مازالت رحيل تبكى متوعدة هذا القاتل النجس ، يردد زوجها "رحيل" تنبهي لنفسك ، جاستون راغب بك ، جاستون راغب بك ، صرخ الرجل آه .. آه .. آه .. آه .. صمت ولم أعد أسمع أي أصوات حتى صوت الزفير والشهيق توقف لثلاثتنا ، لم يقطع هذا الصوت سوي صراخ رحيل باكية حيث وضعت رأسها على صدر الزوج الذى فارق الحياة وظلت تعدد وتولول بكلمات غير مفهومة.

 

     تركت الحجرة ووقفت بالخارج من شدة الحزن ؛ سواء على الزوج أو رحيل ، بعد قليل سكنت رحيل ونهضت وغادرت الحجرة وغابت قليلاً ثم عادت مرفوعة الرأس وتبين لي أنها هندمت من ملابسها وصففت شعر رأسها وغسلت الدموع وما يصاحبها من مظاهر على الوجه ، نظرت إلىّ متحدثة بكلمات قليلة مقتضبة:

 

ـ صابر ؛ رأيت ماذا حدث لزوجي وماذا ينتظرني من وجه البومة جاستون الملحد ، لقد تعاهدنا على الأخوة فلتكن هكذا وتقف بجوار أختك وطفلها بعد أن ترملت وتيتم هارون ، ألقت برأسها على صدري باكية بحزن شديد ، هدأت من روعها وطيبت من خاطرها وتعهدت لها مرة ثانية بأنني سوف أقف بجوارها وأحميك أنت وصغيرك ، الآن قفي وإنهضي وفكري فى الخطوة القادمة.

 

    جلست قليلاً وإستندت بظهرها على دولاب صغير مرددة: سوف نواريه الثري ، سوف نواريه الثري .. فى الصباح سوف أعد العدة لإجراءات الدفن والصلاة على روحة طبقا للتعاليم اليهودية ، عليك الإنتظار بجواره حتى الصباح ؛ فمن المحتمل أن تعود إليه الحياة!! ثم هربت من أمامي باكية وإتجهت للحجرة الأخرى كي تحصل على قسط من النوم وتقوم على حماية صغيرها.

 

    هكذا وجدت نفسي بجوار جثمان موشيه ، كنت مرتابا ومتخوفا بأن أظل بجوار إنسان توفي ولاقي ربه كما أن من توفي عدو ويهودي ونحن لا نثق بهم وما سمعته من الشاويش إدريس وباقي رجال الحدود ينبئ عن هذا، لم أستطع أن أغالب النوم ورحت فى سبات ، إستيقظت فجأة ونسيت أنني غفوت بجوار جثة وفتحت عيناي فشاهدت هذا المنظر فحدث لي ذعر وخرجت مني بعض الصيحات فأقبلت رحيل مسرعة كي تطمئن وتعلم ما حدث ، قدمت لها إعتذاري عما حدث وصياحي الذي أزعجها من نومها ، جلست قريبة منى بينما كنت راغباً فى ترك المكان ؛ كان السبب الرئيسي الذى أزعجني وأخافني هو منظر موشيه ، فحين إستيقظت شاهدت وجها مخيفا إلى أقصي درجة ، الوجه أزرق والعينان منتفختان ورائحة كريهة تفوح منه لم أشتم مثلها من قبل ، لقد شاهدت الكثير من الموتى بمطروح وهم فقراء وذلك حين كنت أعمل صبي حانوتي لكنى لم أشاهد هذا المنظر أو أشتم تلك الرائحة.

 

     تفهمت رحيل ما أثار ضيقي ، طلبت منى الهدوء ؛ موضحة أن ما تراه هو نوع من عبادة الله بأن يقوم من توفي بالتذلل لله ويضع المساحيق الداكنة على وجهه ، شاهدت الحيرة وعدم الإقتناع لما تقول على وجهي ، أعادت حديثها ؛ الذي يتوفي بسبب الحماية والدفاع عن اليهودية وتعاليمها تعود إليه الحياة فى الجانب الآخر من الدنيا ولا نشعر نحن البشر بهم ويقومون بالعبادة والتذلل والاستكانة للرب.

 

    إكتفيت بما أوضحت وفسرت ورغم هذا لم أقتنع بكلمة واحدة ؛ فأنا أعلم علم اليقين أنه موشيه لم يؤمن برسالة سيدنا محمد ، فى الصباح طلبت منى رحيل حمل كوريك الحفر والسير خلفها بعد أن وضعت صغيرها فى المرجيحة ولم تدع له الفرصة لمشاهدة أبيه وما حدث له ، بالخارج تخيرت رحيل مكانا وسط الرمال وطلبت منى عمل حفرة عميقة ، ظللت أقوم بالحفر حتى إنتصفت الشمس بالسماء ، الحفرة لا يقل عمقها عن متر ونصف بطول مترين وعرض متر.

 

     طلبت منى حمل زوجها وإحضاره لداخل الحفرة ، كنت متخوفا من هذا، توجهت إليه فلاحظت أنها قامت بإستبدال ملابسه بملابس أخري وعطرته ببعض عطرها ورغم هذا مازالت الرائحة النتنة تضرب بالمكان ، حملت الرجل إلى الحفرة المعدة ، كنت أشعر بأن بعض قطع من جسده تتساقط وأنا سائر كأنني كنت أحمل تمثالا من الطين ، وضعت الرجل بالقرب من الحفرة وجلست ألتقط أنفاسي فإذ برحيل تطلب منى جمع ما سقط من جسده ، سبب لي هذا ضيقا شديدا وكدت أفر هربا فلم أتعرض لمثل هذا الموقف من قبل.

 

     إستجبت لما طلبت ليس خوفا أو حبا فى أخوة حديثة ولكني فكرت فيمن سوف يقدم لها يد المساعدة؟ لا أدري ، قمت بجمع قطع اللحم المتساقطة من المتوفى ؛ صرخت حينما شاهدت الديدان بداخل تلك القطع ، أنا أعلم أن تلك الديدان لا تأتي للميت إلا بعد مرور أربع وعشرين ساعة ، ألقيت بتلك القطع بالحفرة ودفعت بيدي بالجسد فسقط مرة واحدة مما أغضب رحيل ؛ ظللت أنظف يدى بالرمال فترة طويلة ، أشرت إليها بأن ألقي عليه بالرمال ، وافقت وبعد أن إمتلأت نصف الحفرة بالرمال طلبت منى أن أضع الصخور فوق تلك الرمال حتى لا تأتي الذئاب وتتناول لحمه ، نظرت إليها راغبا بأن أخبرها بأن الذئاب تعاف هذا الجسد ولكنى صمت مراعاة لمشاعرها ، أصابتني الدهشة ، وتساءلت: كيف تنتشر الديدان بتلك السرعة بجسد موشيه، لقد إطلعت علي الكثير من عادات الديانات الأخرى ولم أعلم مثل ما شاهدت.    

 

     جلست السيدة بجوار الحفرة تقرأ بعض تراتيل وتعاويذ وكلمات ليس لها معنى لأنني لم أتفهم منها أي كلمة بعد سماعي لها ، طلبت منى مساعدتها للنهوض ، نهضت وسارت شبه مترنحة وإستندت بجسدها على جانبي الأيمن وظللت معها حتى باب حجرتها فتركتها مسرعا مغادرا المكان متوجها للمياه أقوم على غسل وطهارة يداي ، رغم هذا لم أشعر بالراحة ولهذا تحللت من ملابسي وإستحممت بمياه باردة وتوضأت وقمت بأداء صلاة الظهر.

 

     هذا الحادث أظهر لي بجلاء بأن من يؤمن بالله تصبح نهايته طيبة ولا يحدث له مثل ما حدث لموشيه زوج رحيل ، تساءلت: وماذا سوف يحدث له بعد أن يأتي الملكين للمقبرة لحسابه؟ كانت الإجابة فوق قدرة الإنسان العادي وأعتقد أن بعض العلماء يعلمون ولكنى لا أعلم وما شاهدته لهو أكبر بيان وحقيقة.

 

     فى المساء رغبت بمجالسة رحيل والأخذ بيدها وتضميد جرحها النفسي؛ إلتحفت بالعباءة ووضعت الشال على كتفي وسرت متجها لخيمتها بعد أن مررت على أصدقائي من أكلة العشب حيث قدمت لهم التحية وشعرت بعدم ود من ناحيتهم حيث كان التجاهل هو حالهم وقد أدهشني هذا التصرف ، مازلت سائرا لخيمة رحيل ولا أدري لماذا إتجهت إلى الباب الحديدي الذى يفضي للخارج ؛ حيث شاهدت ضوءا خافتا ، خشيت قدوم المجرم جاستون الذي تحدث عنه موشيه زوج رحيل.

 

     فتحت الباب بالمزلاج الداخلي ووقفت أتفقد المكان فشاهدت إضاءة أو لهبا صاعدا من الأرض ، أسرعت جهة النار فشاهدت النار تنبعث من الحفرة التى قمت بحفرها ظهر اليوم ووضعت بداخلها جثمان موشيه ، أسرعت بالعودة مناديا على رحيل التى أقبلت مسرعة يحرسها كلبها متسائلة ما الذي دفعني للصياح بصوت مرتفع ، أخذت بيدها وخرجنا خارج الباب الحديدي ومجرد أن شاهدت النار حتى صرخت وأسرعت جهة القبر تحاول إطفاء النار بقذفها بالرمال.

 

     شعرت بضيق من أن يقوم جاستون بهذا العمل بعد أن مات الرجل ، أشاهد رحيل تحاول إطفاء النار ورغم هذا فشلت كل محاولتها فأشارت لي بالمساعدة، أسرعت إليها محاولا إطفاء النار دون جدوى ، تساءلت هل هي نيران أم ضوء؟ نظرت إليّ مستفسرة راغبة بالإجابة على هذا السؤال ، وضعت بعض أعواد من العشب المنتشر بالمكان جهة هذا الضوء فإحترقت فى الحال ، تذكرت رواية لأحد الصحابة الأجلاء بأن رجلا من قريش أغضب أمه ومات وهي ناقمة عليه وبعد أن تم دفنه خرجت النيران من الحفرة التي دفن بها ، حينما علم رسول الله صلي الله عليه وسلم طلب إحضار الأم وأخبرها بما حدث ، بكت ودعت ربها بأن يغفر له ، خمدت النار بعدها مباشرة.

 

    أسرعت للداخل بإحضار عبوة ماء كي نطفئ هذا الحريق وحينما شاهدتني رحيل أشارت إليّ بألا أفعل ، وضربت يديها بعضهما ببعض وهي تردد "ما فيش فايدة ، جسده أتحرق خلاص ، مات كافر ، الرب مش راضي عنه" ، نهضت مغادرة المكان والبكاء والعويل هو حالها ، حاولت اللحاق بها ولكنها منعتني بطريقة سيئة للغاية صارخة بى بأن وشي شؤم عليها وعلى أسرتها.

 

    توجهت للمخزن وجلست صامتا متسائلا ً: ليه وشي شؤم؟ دا أنا حالي يصعب على الكافر ، تنبهت لكلمة الكافر ، لقد مات موشيه كافرا والدليل ما شاهدته على وجهه وقت أن تنبهت من نومي حين كنت أقوم علي حراسة جثمانه بعد وفاته ثم الجيفة التى لحقت بجسده أثناء دفنه والآن الحريق والنار التى تتصاعد من مدفنه ، إسترجعت الكثير مما كنت أسمعه من شيخ المسجد بمطروح عن القبر الذي يصبح روضة طيبة على جسد المتوفى المسلم العابد صاحب العمل الطيب ، والقبر المهلك الذي تخرج منه النار على الميت وما يشاهده من العذاب بعد دفنه.

 

   أيقنت بأن ما شاهدته هو نوع من العذاب الذي يلقاه الآن موشيه لأنه كافر، طلبت من الله المغفرة والعفو وأن يجعل خواتيم أيامنا طيبة ويغفر لنا كل ذنوبنا ، ثم نهضت وتوضأت بمياه أقرب منها للثلج وقمت بالصلاة عدد من الركعات شكرا لله لأن أنار لنا الطريق وأمنا به وبرسالة سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم.     

 

 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech