Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

روايه فهد الليل- الجزء الثاني

 

 

كتبها على لسان أبطالها

أســامة على الصــــادق

.....

الطبعة الأولى .. مارس 2012

الناشر: الكاتب

.....

تصميم الغلاف: ريهام سـهيل

.......

حقوق الطبع محفوظة للكاتب

موبايل: 01227970032

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

الدوريات تجوب سيناء

 

    الآن ظهرت الحقيقة واضحة جلية بأن الجيش المصري ُهزم أمام الجيش الإسرائيلي وإنسحبت قواتنا أمام الأعداء ؛ لقد مضى على هذا العمل أكثر من خمسين يوما ؛ ولم نعلم به إلا مصادفة من تاجر المخدرات وعصابته ، لقد كتب الله علينا البقاء بسيناء لمقاومة العدو ، لقد قالها الشاويش إدريس : إلى أين أتجه ولماذا أنسحب؟ هل من المنطق أن أترك أرضي للعدو وأهرب وألجأ إلى منزلي وزوجتي أحتمي بهم ، ومن الذى سوف يقوم بالحرب؟ بل لم يكتف بهذا ؛ لقد ألهم الله الجمل بأن يظهر لنا القرار المناسب الذى تقبله جميع الجنود ولولا هذا لحدث تضارب بينهم وكل واحد منهم قرر أمراً مخالفاً للآخرين.

 

     جلست هامداً بعد أن شعرت بأن مستقبل حياتي أصبح ُمظلماً ، فليس لي جيش كي أخدم به وحتى الآن لم تصل شهادة إنهاء الخدمة العسكرية وأصبحت شبه أسير بسيناء ، لقد تركت أمي وشقيقاتي كما ضاع مستقبلي الدراسي ، وضاع أيضا حبي لصديقتي ريهام ، كل شيء ضاع ولم تعد هناك آمال أو صفحات بيضاء فى مستقبل حياتي وعلىّ أن أتقبل قرار البقاء مع زملائي بالحدود وأن أتبع حياتهم وسيرتهم وألا أشذ عن قراراتهم.

 

    بعد أن إنتهي إدريس وبعض معاونيه من رسم اللوحة التى تمثل سيناء وطبيعتها جلس أمامنا يوضح طبيعة كل منطقة سواء قرأ عنها أو خدم بها ، فالرجل جاب سيناء عدة مرات وله فيها سبعة عشر عاما حفظ خلالها كل دروبها ومسالكها وأماكن المياه والمناطق الهامة والتضاريس الوعرة.

 

   كان الرجل فاهما حاذقا فى شرحه المسهب الواضح ، بعد أن إنتهي من شرحه قسم رجاله إلى مجموعات ، كل مجموعة فردان وطلب من كل مجموعة التوجه لمنطقة محددة يظلان بها لمدة أسبوع يعودان بعدها إلى المقر بتلك المنطقة بهضبة النسور حاملين معهم ملاحظاتهم عن العدو والمتمثلة فى عدد القوات والتسليح ، وطبيعة ما يقومون به ، ونقاط الضعف التى تمكننا من التعامل معهم بأقل الخسائر والحصول على نتائج هامة   ومن أجل هذا ُقسمت القوة إلى ثمان مجموعات ولم يتبق سواى وبعض الجمال الزائدة عن الحاجة كما تركوا الجمل المشاغب " أمشير " خشية أن يتسبب لهم فى مشاكل أثناء السير أو حين مشاهدة قوات العدو ، تحركوا بعد أن تبادلنا الوداع مع تحذيرات محددة لي من الشاويش إدريس باليقظة والحذر وحماية المهمات ومخابئ الأسلحة والذخيرة الزائدة عن الحاجة ؛ بالإضافة إلي رعاية الجمال وتقييدها وعدم تركها حرة حتى لا تترك الموقع باحثة عن أماكن إعاشة أخري أو البحث عن الجنود الذين تصادقوا معهم. 

 

     فى جنح الظلام غادر الرجال الموقع يرتدون ملابس بدوية وأخفوا أسلحتهم بأغطية قماش باليه كي لا يرتاب بهم أحد حين اللقاء رغم أن تعليمات إدريس الإبتعاد عن البشر بقدر الإمكان وعدم فتح النار على أحد إلا تحت الظروف القهرية حتى لا نكشف أنفسنا كما أمرهم بترك الكارنيه العسكرى بالمخلة لحين العودة حتى إذا إلتقوا مصادفة بأفراد من العدو لا يعلمون شخصيتهم وإذا حدث فتكون أقوالهم بأنهم عمال بمناجم الفحم أو الفوسفات أو البترول وهم راغبون بالعودة إلى أقاربهم بوسط سيناء. 

 

   أصبحت بمفردي مع عشرة جمال بالإضافة لهذا الجمل المتهور "أمشير " الذى زاد توتره حينما شعر بأن الكثير من الجمال غادر المنطقة خاصة الجمل المدعو هادي حيث كان أمشير يشعر بحب نحو هذا الجمل لكبر عمره ومن المحتمل أنه شعر بأن هذا الجمل هو أبوه!!

 

     ظللت طيلة الليل يقظا ومعي بندقية ومستعد لإستخدامها حين الشعور بالخطر قادم على الجمال رغم إنني لم يسبق لي إستخدامها من قبل ، كانت ليلة طويلة جدا والسكون يلف المكان ولم أشاهد أي ضوء فى الأفق أو السماء حيث كانت ليلة صامتة سوداء بكل المعايير وتعتبر رحلة احضار العشب المهدئ الأولى فى حياتي وأن أظل خلالها بعيدا عن الناس.

 

    ظللت على حالي باليقظة ليلاً والنوم نهارا مع الإستمرار في رعاية الجمال التى لم تجد سواي ولهذا شعرت بقربها منى أكثر عن الأيام السابقة ، كنت فى بعض الأوقات أشدو ببعض الألحان لأغانى بعض المطربين والمطربات المشهورين ، أيضا كنت أشعر بالراحة والأمان حين تلاوة القرآن حيث كنت أجيد التلاوة مقلداً صوت الشيخ محمد رفعت إلى حد بعيد وسبق وأن أخبرني بهذا من سمع تلاوتي ، لاحظت أثناء التلاوة أن الجمال تمتنع عن طحن الطعام والبعض منها يقترب منى ويبرك مجاورا لي لدرجة أن إدريس أقبل وباقي الرجال ولم تهتم بهم الجمال وظلوا قريبا منى يستمعون للتلاوة ، كنت أثناء ذلك أحاول أن أستفسر منهم هل أنتم جمال أي حيوانات؟ أو ملائكة فى صورة جمال لما تقومون به وأنكم تفهمون وتعبرون، أيضا حين أداء الصلاة كنت أشاهد الجمال تنظر إلىّ كأنها راغبة فى محادثتي.

 

    كل تلك التصرفات أشعرتني بأنني أجالس بشرا علي مستوي عال من الرقي والقرب من الله ، حتى الجمل المتهور " أمشـير " لم يتصرف معي تصرفاً طائشاً ؛ حيث كان إدريس يخشي حدوث توتر منه أثناء غياب الفصيلة عن الموقع ، أسعد هذا إدريس والرجال بعد أن عادوا وعلموا بأنه لم يحدث أي شيء غير عادى لي أو للجمال المتبقية وظل الوضع على حاله مما دفع بإدريس إلى أن يقدم لي الشكر والثناء على ما قمت به.

 

      تكررت الدوريات وكانت ذا فائدة عظيمة حيث شعرنا بأن سيناء شبه فارغة من جنود الأعداء بإستثناء أماكن محددة وبعض المحاور الواضحة التي يستخدمونها وينشرون حراستهم حولها وعلمنا بأنهم أنشأوا وحدات صغيرة لتوزيع المعونة الغذائية على أبناء سيناء وعادة ما تشمل تلك المعونة الدقيق والسكر والشاي والبن والسجائر وبعض الأدوية الصغيرة سيرا على نهج الحكومة المصرية قبل الإحتلال ؛ كما وصلت معلومات تفيد بأنهم يقومون بتوزيع بعض الهبات من النقود الإسرائيلية "الليرة" فى ذلك الوقت لدعم البدو وإجتذابهم نحوهم وتدعيم الحب معهم، وبأنهم أحسن حالا الآن عن ذي قبل إبان الحكم المصري.

 

     أحد الأيام حضر مندوب عن الشيخ "حمـــدان" زعيم عصابة المخدرات وقدم هدية بسيطة للشاويش إدريس عبارة عن راديو ترانزستور وبعض بطاريات إضافية ، شكره إدريس على هذا ؛ حيث كنا نجتمع حوله لسماع قرآن المساء الصادر من الإذاعة المصرية بتوقيت الثامنة مساء يعقبها نشرة الأخبار ، شعرنا أننا نحيا ونعيش مع أبناء الوطن ، أصبحت المعلومات والأخبار تصل إلينا أولا بأول وأفادنا هذا وبالأخص حينما سمعنا عن المعركة البحرية بين مصر وإسرائيل وفيها قامت البحرية المصرية بإغراق مركب كبير يقال عنها المدمرة ايلات وعلمنا بعد ذلك ما معنى مدمرة.

 

     تلك الأخبار دفعت بدماء الحمية الوطنية إلى أجسادنا الهزيلة ورفعت من هامتنا وشعر كل فرد بيننا بأننا إتخذنا القرار المناسب وبالتالي طغى هذا على كل شك أو ريبة فى صحة ما إتخذه إدريس من قرار بالبقاء بسيناء ومقاومة العدو ، لم تمض عدة أيام علي عودة دوريات البحث عن المعلومات إلا وقام إدريس بتحويل كل تلك المعلومات إلى خطة لمهاجمة العدو ، كانت الخطة سهلة وميسرة وتصب بالهجوم على الحراسات النائية البعيدة عن كثافة القوات المعادية ، أيضاً تتلخص بالهجوم المباغت بعد منتصف الليل وفى هذا التوقيت يهاجم النوم الحراسات ؛ أما طريق العودة فقد وضع به كمين مكون من فردين يقومان بستر القوة المهاجمة وإحداث خسائر بالعدو ؛ كما حدد أماكن الإختباء قبل شروق اليوم التالي بساعتين مستغلين الظلام وعلينا البقاء بالكهوف يومين أو ثلاثة حتى تنتهي مهمة البحث والمتابعة كما أن سير الجمال فوق الصخور فى إتجاه الكهوف سوف يمحى كل أثر متبقي من خف الجمل.

 

    مضت أربعة أيام منذ غادر رجال العملية الفدائية ؛ ها هم قد عادوا ثانية ولم يصبهم أى ضرر وقد إستقبلناهم بفرحة عارمة ، جلس إدريس يعدد مكاسب تلك العملية والتى أسفرت عن قتل جندي وإصابة ثلاثة والإستيلاء على رشاش إسـرائيلي من ماركة "عوزي" وهو رشاش قصير لكنه مباغت فى العمليات العسكرية بداخل الجبال ولم يكن به ذخيرة ولهذا أضيفت للخطة التالية الحصول على ذخيرة لهذا الرشاش ؛ تلك العملية شجعت الرجال على الإندفاع لمهاجمة قوات العدو ولهذا أطلق إدريس على تلك العمليات اسـم   " فهد اللـيل "

 

***

 

أول عملية قمت بها:

 

    منتصف شهر ديسمبر من عام 1967 ؛ وقد مضي على هزيمة الجيش المصرى ستة أشهر وبضعة أيام ، مازال الشاويش إدريس يجوب سيناء بحثا عن المعلومات وخلال تلك الفترة إستطاع مع رجال الفصيلة الحصول على الكثير من المعلومات التى تفيد الجيش المصري ولكنه لم يستطع الوصول إلى الطريقة المثلي كي تصل تلك المعلومات إلى القيادات ، أمرنا إدريس بأن نتجه إلى منتصف سيناء قريبا من المحور الأوسط الذى تكثر به حركة الإسرائيليين للحصول على البيانات حيث إننا لم نقم بتغطية تلك المنطقة وكان التركيز بالمنطقة الجنوبية التى يقل بها نشاط العدو.

 

    تم التحرك بالفصيلة بالكامل مع بقاء العريف أبو بكر بمؤخرة الفصيلة للحماية وبرفقته الجمال الزائدة عن الحاجة والأسلحة والأدوات الإدارية بالفصيلة ، طلب إدريس أن نحمل معنا طعام ثلاثة أيام على أن يكون الطعام جافا مثل الجبن وقطع من العجوة وبعض عبوات الماء الشخصية لزوم الشرب كما أُعد جمل يحمل بعض عبوات ماء بلاستيك عبوة 20 لتر من المستخدمة كعبوات زيت موتور لسيارات الجيش والتى عثرنا على الكثير منها.

 

     إقترح الأمباشى أحمد الطيب أن نسلك الطريق التى كانت تستخدمه القوة ذهاباً وعودة من وإلى قيادة الفوج بالسهل الساحلي القريب من بحيرة البردويل بجوار منطقة رمانة ، وافق الجميع على ذلك ، بالفعل تحركنا حيث كان رجال الفصيلة يشدون من أزرى وبتشجيعي على الإشتراك معهم فى الدوريات ، بعد مسيرة يوم ومن خلال العواصف الرملية الشديدة التى ألهبت وجوهنا إقتربنا من المحور الأوسط وكان الوقت قد قارب من المغرب والظلام بدا يسرع بإتجاهنا.

 

    لمح البعض منا كومة تغطيها مهمات أو ملابس فأسرع الجميع نحوها وتبين إنها لهيكل عظمى لإحدى جمال الدورية التى كانت قادمة من القيادة إلينا ، كما عثر أحد رجالنا على الشنطة الجلد التى يحتفظ بداخلها مندوب الدورية على الأوامر والمعلومات والأوراق ، طلب منا إدريس أن نبحث عن الرجل الذى كان يركب الجمل ، لم تمض عدة دقائق إلا وعثر أحدنا على الهيكل العظمى لصاحب الجمل ، تعرفت عليه القوة وكان للجندي عثمان آدم وهو أحد أبطال فوج الحدود فى مطاردة الهاربين والمخالفين للقانون.

 

     قام الرجال بدفن الجثمان بعد أن تفحصوا ملابس الشهيد والتى تدل على أنه حصل على دفعة رشاش من مدفع إسرائيلي نظرا لتمزق الافرول بثقوب من آثار الطلقات التى أطلقت عليه ، اليوم التالي نهض الرجال والحزن كامن بالصدور ، تفحص إدريس الأوراق وكانت أول ورقة وقعت عيناه عليها هى شهادة إعفائي من الخدمة العسكرية ، ُبهت القوم وكنت أول هؤلاء؛ فلقد أصبحت حر طليق ، توقف بى الزمن فترة ثم ُعدت كي أستدرك الوضع الذى أصبحت عليه الآن ؛ كيف أصبحت حرا طليقا وسيناء محتلة بجنود العدو الذين ينتشرون فى كل مكان ، تمنيت بألا أكون قد شاهدت وعلمت بوصول شهادة الإعفاء ؛ فقد تأقلمت مع الرجال ورتبت نفسي على العيش معهم حتى النهاية حين يتم الإنتصار على العدو.

 

    بكلمات قليلة تحدث إدريس موضحاً بأنه من الواجب علينا الأخذ بثأر الشهيد وألا تضيع دماءه هباء ، ولهذا قرر بأن يتجه جميع أفراد الفصيلة إلى منطقة جبل الحلال ونصب كمين لدورية الشئون الإدارية والتى سبق وأن رصدنا تحركها عدة مرات الشهر السابق ولهذا طلب منى الإختباء قريبا من الصخور الواضحة القريبة منا والتي تقع بأول جبل المغارة ؛ أشار إلىّ بأن تلك الصخور القريبة يمكنني أن أختبئ خلالها وترك معي الجمل "هادى" حتى لا تحدث مشاكل من أحد الجمال الأخرى بينما سلك الرجال الطريق الواصل بين جبل الحلال وبئر روضة سالم.

 

     هكذا غادر الرجال المكان فرادى بين كل فرد وآخر ربع ساعة تقريبا حتى لا يلفتوا أنظار الأعداء لو كانت هناك مراقبة دون أن ننتبه إليها ، مضت أكثر من ساعتين وأصبحت بمفردي بتلك المنطقة التى تكثر بها قوات الأعداء ، برك الجمل بين الصخور بينما تحركت قريبا منه ثم توجهت إلى هيكل الجمل الذى كان يحمل الشهيد الجندي عثمان آدم ، حركت الهيكل العظمى قليلا فشاهدت أثراً لقطعة من القماش الميرى "الـُبل" وهو قماش متين مثل المشمع ، جذبت قطعة القماش وتبين أنها تحتوي علي شيء ما لأنها صعبة ولا تتحرك ، أزلت الرمال من حولها ثم جذبتها فتحركت معي بسهولة ، فضضت قطعة القماش وتبين أنها لبندقية جميلة ذا حجم أكبر من البنادق الآلية التى يحملها الجنود ؛ بل إنها مزودة بجهاز به قطعة من الزجاج وفيما بعد علمت أنها تلسكوب ، تذكرت أن تلك البندقية طلبها الشاويش إدريس من قيادة الفوج منذ عدة أسابيع ، ولهذا فقد أرسلت إليه ولم تستخدم من قبل كما لم يستخدمها الشهيد عثمان آدم حينما واجهه الأعداء وأعتقد أن الأعداء قد إستولوا علي سلاحه الشخصي فلم يكن متواجدا مع الجثمان ؛ أيضا لم يفطنوا لوجود البندقية القناصة التي كانت مخبأة علي ظهر الجمل بين الأغراض الشخصية له ، كانت البندقية سليمة ولم يطلها الصدأ حيث يحيط بها قماش منغمس فى زيت خاص يمنع الصدأ.

 

    قمت على نظافة البندقية بسعادة وقلدت زملائي جنود الحدود حينما كنت أشاهدهم يقومون بمثل هذا العمل اليومي ، كانت البندقية محشوة بالطلقات ، أسعدني أن أختبر التلسكوب وأنظر بداخله ، كنت في غمرة النشوة والتي تسعد أي شاب صغير مثلي بأن يعثر على سلاح بتلك الطريقة ، رددت بداخلي : لقد أصبحت أمتلك سلاحا أعتقد أنه أفضل من أسلحة زملائي الجنود حيث كنت أستمع لبعض تعليقاتهم بأنهم يرغبون بقطعة من بندقية قناصة مزودة بتلسكوب ولكن قيادة الفوج أهملت هذا الطلب الذي تكرر مرات عديدة ، أخيرا وافقت علي تزويد الفصيلة بالبندقية لكن من حملها قتل أثناء قدومه للفصيلة وبالتالي حرمت الفصيلة من مزاياها لأنها لم تتسلمها.

 

     أثناء تفحصي أجزاء البندقية شاهدت حيوانا يعدو مسرعا قريبا منى وتبين لي بأنها غزالة من النوع الفريد المنقط ، لم أهتم بتعليمات الشاويش إدريس ولم أتذكرها إذا قمت بالتصويب على هذا الحيوان وضغطت على الزناد فخرجت الرصاصة تشق عنان السماء وشاهدت نفسي مقلوبا على ظهرى من رد فعل البندقية الشديد ؛ شعرت بكدمة قوية بجفن عيني اليمنى من تلسكوب البندقية ، تنبهت إلى الخطأ الشديد الذى إقترفته ولهذا أسرعت وخبأت البندقية بالغلاف الذى كانت مغلفة به قبل ذلك وقمت بالحفر بالرمال قريبا من موقع  " َبرك الجمل " وعدت ثانية وأنا أتلفت عن يمينى وعن يسارى ، لم تمض دقائق إذ شاهدت غبارا ناتجا من سيارة وبدا واضحا أنها سيارة جيب للأعداء قادمة فى إتجاهي ، أدركني الخوف والتوتر فإختبأت بين الصخور وتبين لي فيما بعد أنهم إكتشفوا موقعي وأين إختبئ حيث أنهم مزودون بنظارة ميدان تقرب وتوضح لهم الرؤية على مسافة عدة كيلومترات، هكذا توقفت السيارة الجيب وهبط منها أحد الجنود متقدما فى إتجاهي شاهراً سلاحه بينما ظل الثلاثة الآخرون بالسيارة.

 

     توقف الجندي على مسافة لا تبعد عن مخبئي بأكثر من خمسين مترا وصاح مناديا بصوت مرتفع:

 

ـ تعالى هنا يا مصري يا ابن الكلب ، لم أتحرك سواء خشية منه أو لسوء حديثه والسباب الذى لم أكن أتوقعه ، إقترب قليلا حتى وصل إليّ وقبض عليّ بشدة ودفعني أمامه وظل يضربني بأقدامه " بالشلوت " بينما كنت أسمع أصوات ضحكات باقى الجنود ، مازال الجندي يضربني بقسوة كنت خلالها أسقط أرضا سواء بضربي بالشلوت أو على مؤخرة الرقبة.

 

     كان إتجاه دفعي للسير فى إتجاه السيارة ؛ الآن علمت نهايتي المحتومة، سواء بالقتل أو بالأسر لكن الشيء الذى لم أكن أتوقعه وأعتقد أيضا بأن الجنود لم يتوقعوا حدوثه هو مشاهدة "هادى" الجمل الذي نهض ُمسرعا وأقبل فى إتجاهي ولم ينظر ناحيتي حيث كان مركزاً نظره أثناء عدوه ناحية الجندي الذي مازال واقفاُ مشغولا بإيذائي وفى لحظات هجم الجمل على الجندي الإسرائيلي وقبض علي ذراعه  بأسنانه القوية ورفعه لأعلى ثم هوا به أرضا بين صرخات الجندي ، كان واضحا حالة الهياج والضيق التي لبست الجمل والتي سبق وأن أوضحها لي زملائي جنود الحدود بعدم الإقتراب من الجمال حين تتوتر أو يصيبها الضيق لأنها تصبح عنيفة وتهلك الأشخاص الذين أمامهم خاصة حينما يشعر الجمل بالخطر وبأن صديقا له قد أصابه الأذى، صمت الجنود الآخرون من هول المفاجأة ؛ بعد أن سقط الجندي أرضا داس الجمل عليه بقوة مستخدما الخف وسمعت صرخة الموت صادره من الجندي وتحطمت عظامه وخمد جسده بينما تنبه أحد الجنود وفتح النار على هادي الذي أسرع فى إتجاه السيارة العسكرية.

 

     لم يستطع الجنود مغادرة السيارة من هول المفاجأة بينما كنت أشاهد الدماء تندفع من مقدمة وصدر الجمل والذي كاد أن يسقط أرضا ولكن في لمح البصر قفز فوق السيارة الجيب وسمعت صرخات الجنود وقد أصبحت السيارة أسفل الجمل بعد أن تحطمت وبعد أن تحطمت عظام الثلاثة الآخرين وبركت السيارة أرضا بعد أن حطم ثقل الجمل العجلات والوصلات وأصبحت لا ترتفع عن الأرض ، جلست أنظر لما حدث حولي حيث كان المشهد مثيرا مرعبا وأنا على هذا الحال شاهدت بعض الجمال قادمة مسرعة نحوى ثم تلاها جمال أخري ، لقد أقبل رجال الفصيلة بعد أن إنتهوا من وضع بعض المفرقعات قريبا من ممر الدورية المعتاد وأثناء عودتهم سمعوا صوت الطلق الناري ثم شاهدوا السيارة مندفعة فى إتجاهي وعلموا ما سوف يحدث لي ولكنهم لم يتوقعوا بطولة هادي الذي فقد حياته للدفاع عنى.

 

      أصدر إدريس أوامره بالإختباء بداخل الثنايا القريبة من جبل المغارة نظرا لأن اليهود سوف يقبلون مسرعين للإنتقام مما حدث لزملائهم ؛ لقد سمعوا كل ما دار وحدث على جهاز اللاسلكي المتواجد بالعربة الجيب ، حاول بعض الرجال مع إدريس أن يمهلهم لبعض الوقت كي يعدوا حفرة لدفن عرابي ولكنه كان حازما مؤجلا هذا إلى أن تهدأ الأمور ، تحرك الرجال كسالي ورغم حالتى المتردية مما حدث لي علي يد الجندي الإسرائيلي إلا أنني شاهدت الجمال تتحرك بصعوبة ولم ترفع عيونها عن زميلهم هادي كأنهم يودعون شخصا عزيزا عليهم ، كان المنظر مؤثرا للغاية وكنت فى حالة من الضيق والخجل لما حدث وأنبت نفسي لما تسببت فيه من مشاكل لرجال الفصيلة ورغم هذا لم يوجه لي أحد كلمة توبيخ أو تقريع.

 

     وصلنا إلى الميول الجنوبية لجبل المغارة وهي عبارة عن سلسلة من الصخور الممتدة والمنتشرة حول جسد الجبل الضخم ، كان إدريس غاية فى الذكاء حيث تخير الموقع الذى سوف نعتكف به ليكون غير صالح لتحرك السيارات أو الدبابات ، بل وتكثر به الثنايا التي تساعد علي إختباء الأفراد والجمال ؛ وعلمت بعد هذا بأن هذا المكان يحتوي علي ثلاثة عيون ماء صغيرة ولكنها كافية ؛ وتلك المنطقة تساعد الرجال على مقاومة قوات المشاة والكوماندز الإسرائيلي إذا حاولت الإقتراب منا ؛ كل تلك المعلومات علمتها من حديث إدريس مع الرجال ورغم الخطأ الذي إرتكبته إلا أنهم حملوني ووضعوني بمكان تنتشر به الرمال وليس به ندوب صخرية ؛ كما قام على رعايتي الجندي طلحة الذى إستخدم بعض سوائل الأعشاب "بيض الجمل" لعلاج الإصابات التي ألمت بى ؛ قام إدريس بتوزيع المهام على الرجال كما قام كل رجل منهم بإخفاء الجمل الخاص به تحت إشراف إدريس كما أسرع الرجال بتوفير المياه قبل حلول الظلام.

 

       إستيقظت صباح اليوم التالي أنظر حولي وأتأمل فى تلك الطبيعة الخلابة التى تحيط بى ، عبارة عن صخور من مختلف الألوان والأشكال تحيط بالكهوف التى قامت الطبيعة ببنائها وأعتقد أن الله أعد تلك الكهوف كي يقيم بها الإنسان في بداية الكون بديلا عن المساكن كي تقيهم البرد والأمطار شتاءً ؛ أيضا تحميهم من حرارة ولهيب الشمس صيفاً ، تنبهت على صوت طائر يغرد بين الصخور ، أدخل صوته وشكله الجميل السعادة والفرحة إلى قلبي بعد ما نلته من أذي على يد الجندي الإسرائيلي بالأمس ، كان الطائر يغرد ويتحرك فى إتجاهات معينة ، بعد فترة زمنية ظهر من خلال الصخور حيوان ذهبي اللون وشكله رائع إلى أقصي درجة وإستطعت أن أميز نوعه حيث أن هذا الحيوان يقارب فى الشبه حيوان أبو الحصين "الثعلب" الموجود بمنطقة أنشاص ويهاجم الطيور ويسرقها يقتات بها ، حينما سألت أحد الجنود أكد لي أن هذا هو الثعلب الجبلي بمنطقة سيناء وكما تراه بلونه الذهبي الجميل كما أنه يحاول دائما أن يقترب من الناس كي يحصل على طعامه وطعام أبنائه.

 

 أصبح منظر الطائر ذا اللون الأحمر والأخضر مع الثعلب صغير الحجم ذى اللون الذهبي هو شاغلي الأول والأخير ؛ فأنا لست مكلفا بعمل ، بل وشبه مريض ولهذا طلب منى إدريس أن أركن للراحة ، شعرت بأن الطائر يرفرف كثيرا ويتجه ناحية الثعلب وإعتقدت أن الثعلب سوف يهاجمه ويصبح وليمته القادمة، لكن تبين لي أن هناك حديثا يدور بين الاثنين ؛ الطائر والثعلب ؛ حيث يصدر الطائر أصواتاً يتبعها الثعلب بحركات وتصرفات غير طبيعية ثم يطير الطائر إلى أن يصل إلى أقصي إرتفاع ثم يعود ويتحاور مع الثعلب ، ظل هذا الحوار قائما بينهما وأنا أمنى نفسي لو كنت أعلم لغة الطير لكنت إشتركت معهما فى هذا الحوار.

 

 بعد قليل شاهدت الثعلب قادما قريبا منى وبدأ يتحرك ويقفز ويقف على قدميه الخلفيتين وبقدميه الأماميتين يقربهما من أنفه ثم يقفز ويعلوا بمؤخرته لأعلى مما آثار الجمال القريبة منى ودفع هذا بأحد الجمال ليحدث صوتا غير عادي ثم تبعته بعض الجمال التى أخرجت من فمها "القلة" بلونها البمبي ؛ إزداد صوت إحتجاج الجمال مما دفع الرجال بأن تسرع وتسألني عن السبب فى هذا وماذا حدث للجمال وأثارها بتلك الطريقة، شرحت لهم ما شاهدته من الطائر ثم الثعلب ثم إقتراب الثعلب من الجمال والحركات التى قام بها.

 

       صمت الرجال لفترة ثم تحدث إدريس بصوته الهادئ وبلهجته النوبية التى لم أعلم عنها أي شيء ؛ بأن شيئا غير طبيعي سوف يحدث ، إقترب منى أحد الجنود وأخبرني بأن إدريس يعتقد بأن طائرات قادمة فى إتجاهنا لقذفنا ، وما قام به الطائر الذي كان يقوم بالمراقبة وأخبر الثعلب الذي أفاده بأن ما تشاهده سوف يقضي علينا ولهذا أسرع الثعلب ليخبر الجمال ؛ نظرت إليه بدهشة متسائلاً : إنني أرغب فى معرفة ما يدور بعقل وفكر هذا الطائر وتلك الحيوانات لكن الجندي ترك المكان ُمسرعاً ، أثناء هذا شاهت الثعلب يضع أحد الثعالب الصغيرة فى فمه ويقفز به من مكان إعاشته القريب منا ويغادر مخبأة ثم عاد بعد فترة فنقل صغيراً آخر حتى إنتهي من حمل صغاره وعددهم أربعة ، نظر أحد الرجال إليّ قائلاً : تلك المنطقة سوف تشهد معركة دامية ونيران وإنفجارات ، إن تحرك الثعلب يعنى هذا وضيق الجمال يؤكد ذلك.  

 

أثناء إنشغالنا فى تلك الإجراءات أقبلت ثلاث طائرات هليكوبتر وحلقت فوق رؤوسنا ودارت دورة ثم سمعنا صوتها عاليا مما يدل علي إنها سوف تعود ثانية ، أشار إدريس للجميع بالإختباء بداخل الكهوف وعدم إستخدام السلاح ضد الطائرات ومن المحتمل إنها تحاول إشغالنا عن هجوم مباغت لرجال المشاة أو الكوماندز.

 

       أثبت إدريس أنه يجيد قراءة أفكار العدو مثلما أجاد إستنتاجات أفكار الطائر والثعلب ؛ حيث ظهرت أشباح لجنود إسرائيليين ، لم أكن أتوقع دقة رجال الحدود فى الرمي بتلك الطريقة الرائعة حيث كانت الطلقات تندفع فرادي لكنني إستطعت مشاهدة عدد من الإصابات مما دفع بالطائرات إلى قذف المنطقة بالصواريخ شديدة الإنفجار كي تساعد الجنود على الإرتداد والهرب حاملين القتلى والجرحى ، لقد خسر الإسرائيليون بعض رجالهم فى تلك المعركة الصغيرة التى لم تتجاوز الدقائق.

 

 شاهدت فرحة النصر على الوجوه السمراء العفية ، تلك الوجوه الطيبة المخلصة للوطن ، أقبل البعض نحوي يخبرونني بإنتصارهم على العدو وأن المعركة بدأت ولم تنتهِ بعد معلقين: نحن نعلم عن الإسرائيليين الكثير من طول مدة الخدمة بسيناء ، نحن نعلم عنهم كل شيء ونعد أنفسنا منذ زمن طويل لمعركة معهم وقد أقبلت ونحن على أتم إستعداد لها ، كرر أحدهم قوله ، سوف نلحق بالجمل هادي ؛ هذا الجمل الرائع الذي ظل معنا لمدة تزيد عن عشر سنوات قدم خلالها الكثير من الخدمات للوطن وقطع خلال تلك الفترة آلاف الكيلومترات بحثا عن الخارجين عن القانون وفى نهاية حياته أنهي حياة أربعة من رجال العدو.

 

    كنت أشاهد إدريس جالساً هادئا كعادته وهذا يدل إما على الرضا أو أنه مشغول البال يفكر فى الخطوة التالية ، تساءل عن عدد إصابات العدو وتبين أن هناك ثلاثة قتلى وسبعة جرحي ، حرك إدريس رأسه دليلاً على الثقة ثم وجه حديثه لزملائه قائلاً: أيها الرجال الشجعان ، رجال الحدود المصريون  سوف تبدأ المعركة مع العدو وهناك إحتمال كبير أن يقوم بقصفنا بالنابالم أو القنابل شديدة الإنفجار ، علينا الإختباء بعمق بداخل الكهوف مع الإحتياط حتى لا تصيبنا القنابل الحارقة والتى ليس لها علاج ، سوف يتبع هذا حصار طويل لموقعنا حتى نخرج رافعين الأيدي علامة الاستسلام والهزيمة، ولو كانت الظروف مواتية وخدمنا الحظ وتلبدت السماء بالغيوم وأمطرت بشدة فسوف يساعدنا هذا على ترك الموقع دون أن يلحقنا الأذى كما أن العدو لن يستطيع إقتفاء أثر الجمال ، طلب إدريس من الجميع أن يتوجهوا لله بالدعاء أن يثبت قلوبنا على المعركة الفاصلة مع العدو وأن يمنحنا الخير بالمطر الشديد الذي يملأ السماء رعداً وبرقا.

 

     خلال الليل وفى الظلام الدامس كنت أشاهد بريق عيون الرجال المتيقظة كما لم أسمع ضحكات أو أي أحاديث تدور بينهم ، كان الرجال فى حالة من الإنضباط الشديد وإحترام القوانين والتعليمات التى أمر بها الشاويش إدريس ، كنت أشعر بالسعادة بأننى أرافق هؤلاء الرجال كما إزداد فخري بأبناء وطني الذين يعملون بكل دقة وفى ظروف صعبة دون عون إداري أو قيادة للإشراف والمساعدة والتوجيه ، لقد أيقنت أن ما سبق وسمعته فى "ُكتاب القرية الذى يملكه " الشيخ حسن مستكة عن سير الصحابة الأجلاء لرسولنا الكريم وأحسست بأن هؤلاء الرجال يقتدون بهم  فما الذي كان سيفعله الصحابة سوي الجهاد بالنفس والبدن دون إنتظار عائد مادي أو أدبي ، هؤلاء يقومون بهذا دون جلبة أو ضوضاء وكان من الممكن أن يعملوا إلى العودة لغرب القناة تنفيذاً لأمر الإنسحاب أو يظلون بسيناء قابعين دون عمل أو يقومون بمساعدة المهربين ويحيون حياة رغدة طيبة مقارنة بما يقومون به الآن.

 

    اليوم التالي لم يجد جديد والهدوء ينشر ستارة مريحة على النفس لكن التوتر كنت أشاهده فى عيون إدريس أثناء مروره على الرجال وحين الإقتراب منا ، توقف لحظة ثم رفع صوته عاليا : إستعدوا يا رجال ، لقد أقبلت طائرات العدو القاذفة التى سوف تشعل المكان حريقا ضخما ، أنهى الرجل تعليماته وأسرع بالإختباء بداخل الكهوف مع باقى الرجال ؛ إزداد صوت الطائرات وضوحا وأصبحت الأصوات مرعبة ولكن الأكثر رعباً وخوفاً هو صوت إندفاع اللهب من صهاريج النابالم من الطائرة فى إتجاه المنطقة التى نقيم بها ، ثم إنفجارها وإنتشار الحرائق المهلكة بكل مكان ، كنت أشاهد النابالم أثناء إنفجار العبوات كأن مياها حارقة تتناثر فى كل مكان واللهب الحارق يتصاعد ويمتد لمسافات أبعد عن المكان التى سقطت به العبوة ولهذا تأكد لي أن إدريس كان واعيا وفاهما لطبيعة العدو ولتلك الأسلحة الفتاكة ، ظلت النيران مشتعلة بعض الوقت وبدأت تخمد رويدا رويداً حتى إنطفأت ومضت ساعة من الزمن ثم شاهدنا تقدم أفراد العدو قادمين فى إتجاهنا.

 

    كان واضحاً لجنود الأعداء بأنه قد لحقت بنا إصابات شديدة ومن المحتمل أنها قضت علينا ولهذا لم يحتاطوا لنا كما حدث فى السابق حيث كان تقدمهم سريعا والسلاح ليس فى وضع الضرب ، إقترب منا رجال العدو حتى قاربوا فتحات الكهوف ومازالت أثار النابالم واضحة على الصخور بلونها الأسود المتفحم ، لم أشعر إلا والرصاصات تخرج من بنادق رجال الحدود وفى المقابل كنت أسمع أصوات صرخات وأنين المهاجمين ، حاول البعض منهم الفرار دون جدوى خاصة أن رجال الحدود ضايقهم قذفنا بالنابالم ولهذا كان العناد والإستبسال هو سيد الموقف.

 

      إختبأ الرجال بين الصخور وبعد عدة دقائق سمعنا صوت إنفجارات قنابل بصوت مكتوم ثم شاهدنا أدخنة سوداء قاتمة تتصاعد بحيث لم نستطع أن نشاهد ما يدور حولنا ، صاح إدريس بعدم تحرك الرجال حتى إذا شاهدت غريبا قادما عليك فإقتله فى الحال لأنه من الأعداء ، بدأت الأدخنة فى الزوال تدريجيا وبعد ُمضي نصف ساعة عاد صفاء الرؤية للمنطقة وتبين لنا أنه خلال تلك الفترة إستطاع العدو الإنسحاب بعد أن حمل قتلاه وجرحاه.

 

      خرج المراقبون من رجال الحدود لأماكنهم وإجتمع إدريس بالرجال وجلست معهم بعد أن تحسنت حالتى الصحية ، أخبرنا الرجل بأنه من المحتمل أن تهطل علينا الأمطار مساء غد ؛ حيث يشاهد آثار غيوم ويشم رائحة المطر القادمة من إتجاه الشمال ، خاطب الرجال قائلاً: أيها الرجال إذا حدث المطر فستكون تلك فرصتنا للهرب ؛ وقد أبلغني المراقبين بأن العدو يحتفظ بعربتين مدرعتين خارج المنفذ الوحيد الذى يمكن أن نغادر منه تلك المنطقة برفقة جمالنا ولا يمكن أن نفرط بترك الجمال ؛ فالجمل بالنسبة لنا مثل الدبابة والطائرة والمدفع والسفينة بالنسبة للمقاتل ، أعيد حديثي : إذا هطل المطر فيجب عليكم الإستعداد للهرب تباعا بعد أن أشير إليكم وإذا حدث وغادر أول فرد فينا الممر الواصل بين الكهف والصحراء دون أن يطلق أحد عليه النار فهذا معناه أن الطريق أصبح آمناً ولهذا سوف نسلك طريقنا المعروف الذي تسلكه دورية الشمال القادمة إلينا متجهين إلى موقعنا بالجنوب أما عن حالي فسأقوم ومعي إثنان بوضع ألغام من التى نحتفظ بها معنا منذ تحركنا من الجنوب أسفل جنازير العربات المدرعة من الأمام والخلف والجنود لن يلحظونا لأنهم سوف يختبئون بداخل سياراتهم إتقاء العواصف والمياه الشديدة ، تلك هي فرصتنا الوحيدة للنجاة من هذا الحصار؛ أما بخصوص صابرا فيوضع على أحد الجمال القوية ويقوم الرجال بربطه جيداً بالحبال حتى لا يسقط من فوق الجمل أثناء الهرب بتلك السرعة الشديدة ولن يستطيع أحد إنقاذه وحين الوصول لموقعنا بالجنوب نفك وثاقة ، ثم عاد وتساءل: هل تفهم الرجال المهمة؟ أجاب الرجال بلغتهم الغريبة على أذني بما يفيد بأنهم تفهموا ووعوا كل تعليماته ، أشار إلىّ إدريس بأن أظل على ظهر الجمل الذي يعلم طريق عودته حيث ستتبع جميع الجمال الجمل الأول فى طريق العودة.

 

   قبل غروب اليوم التالي بات واضحا بأن المطر علي وشك السقوط ولهذا أمسك بى أحد الجنود وسار معي فى إتجاه أحد الجمال الباركة والذى كان يتناول بعض الأعشاب المتواجدة بتلك المنطقة ، سمعت صوت إدريس عاليا يطالب الجنود بالسرعة والإستعداد لتنفيذ خطته لأن الرياح الباردة قادمة مسرعة من إتجاه الشمال محملة بالأمطار ؛ ضحك حيث كان يدعو الله بأن تكون تلك الرياح رعدية حتى يستطيع الرجال كسر الحصار الذى فرضه جنود العدو على الفصيلة ، جلست فوق ظهر الجمل كما طلب منى الجندي ، كان الركوب مخالفاً حيث جلست على مؤخرة الصنم وأقبل جندي آخر وشاهدته يمسك ببعض الحبال وقام بربط الحبل حول المعصمين ومن الناحية الأخرى بأقدام الجمل الأمامية بمنطقة المفصل بين الساق وبطن الجمل ؛ حدث هذا أيضا لساقيّ حيث ربطت الحبال حول المفصل بالكعبين ثم ربطت بأقدام الجمل الخلفية ، أقبل إدريس وصرخ فى الجنديين متسائلاً لماذا إخترتم هذا الجمل ، إنه جمل شارد ، سمعت جنديا آخر يدعو الله أن يكمل أمشير الرحلة مع صابر على خير ، إنتفضت حين سماعي لهذا الاسـم ، فأنا أعلم من هو أمشير المتمرد العنيف ، طلب منهم إدريس وضع اللجام حول فمه حتى لا يصيب صابر ، قاوم الجمل وأقبل إدريس وآخرون ونجحوا فى مهمتهم وفى تلك اللحظة هطلت الأمطار مصحوبة برعد يصم الآذان وبرق يخطف الأبصار وسمعت إدريس يصرخ فيمن حوله متسائلاً من وضـع هذا العشب أمام أمشير إنه ُعشب " أبو خوسبا " رددت بصوت عـــال   " أبوخوسبا " لكن الوقت والموقف إنقلبا سريعا إذ نهض الجمل ُمسرعا دون إنتظار باقى الجمال وأصبحت الرؤيا ضعيفة من شدة الأمطار وشعرت بأن أمشير يسابق الريح من خلال الصخور التى أشاهدها من حولي وصوت إدريس يكرر: لقد تعوذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأيهمين ، وهما السيل الجارف والجمل الهائج ، قال الشاعر:

 

رغى عقب التمتمة والهديري *** من خوف مصقول ٍ يقص العتاري

 

       حينما ظهرت الصحراء شاهدت أضواء العربات المدرعة للعدو بضوء خافت من تأثير شدة الأمطار ، كان الريح هو أمشير وأمشير سابق للرياح العاتية والأمطار تهبط من حولي ومن شدتها شعرت بأن حبيبات المطر سوف تخترق ظهري ؛ لكن كلمة "أبو خوسبا " كانت الشغل الشاغل لي ، إنها تعنى العشب المهيج جنسيا لدى الجمال وهذا الجمل لم يتم خصيه بعد وهو جمل شاب راغب فى البحث عن أنثي وقد فعل العشب فعله وسوف تزيد من هياجه ووضح لي أن مفعول العشب بدأ يؤثر فيه بعد مغادرة ركب الفصيلة وباقي الجمال وتلك السرعة الهائلة التى يجري بها وخلال ذلك كنت أسمع صوت هديره عاليا رغم أصوات الرعد المصاحبة للمطر وأيضا صوت سقوط المياه على الأرض والصخور القريبة.

 

     أيقنت بأن حياتي قد قاربت على الإنتهاء ؛ سواء من عضة هذا الجمل وما سبق ورأيته منذ عدة أيام من الجمل هادي الذى كان اسما على مسمي ورغم هذا قضي على أربعة من الأعداء ومازال منظر رفعه لجسد الجندي الإسرائيلي لأعلى وسقوطه أرضا يخيفني ، أيضا توترت وتخوفت من هذا الجمل أمشير ؛ وإذا أنقذني الله من جنونه فسوف أموت من شدة البرد التى بدأت تلسع ظهري وأجنابي.

 

 



 

ما لم يكن فى الحسبان

 

الجندي رباح:

 

    تجمع الزملاء وبادرني أحدهم متسائلاً: ما الموقف الآن يا رباح؟ لم أجبه ولكني وقفت مع رجال الفصيلة بجوار الشاويش إدريس الذى كاد أن يبكي لما حدث لزميلنا الجندي صابر ونحن رجال الحدود نعلم مقدار غضبة الجمل وتهوره وبالذات نوعية أمشير الذى لم يتم خصية بالإضافة إلى تناوله كمية كبيرة من حشائش "أبو خسبا" المقوية جنسيا ؛ فلم نهتم بما يتناوله أمشير مثل باقى الجمال لأن أى جمل يتناول مثل تلك الحشائش لا يتأثر بها لأن جميع الجمال تم خصيها بقيادة الفوج قبل أن تأتي للفصيلة وهذا عرف دارج بالسلاح ولكن الجمل أمشير تناساه المسئولون عن القيام بتلك العملية ولم يكن أمامنا من مفر إلا بالتعامل معه بحذر وهذا ما قام به صابر خير قيام ؛ بل كان من الواجب علينا إطلاق النار عليه وحينما أرسلنا بهذا الأمر لقيادة الفوج رفضوا الفكرة رغم  إكتشاف حالة التوتر التى صاحبته.

 

أشاهد الشاويش إدريس يتحاور مع باقى جنود الفصيلة ثم سمعت صوته ينادي علىّ: رباح ، نعم إنى مقبل ، أفندم شاويش إدريس ، أيها الرجال ؛ جنود فصيلة الحدود ، اليوم ومنذ نصف ساعة تقريبا فقدنا الجندي المستجد صابر الذى هرب به الجمل العنيف أمشير وما هي إلا ساعة زمن ويتهور أمشير على صابر بأن يلوى عنقه الطويل ويقبض على جسده ويمزقه ؛ فالجمل فى أشد حالة هياج وقد علمت من الجندي رباح أن الجمل أمشير تناول ما يزيد عن خمسين كيلو جرام من حشائش "أبو خسبا" وجميعنا يعلم مدى تأثيرها على الحيوانات التى تتناوله وكيف أن ذكور الأغنام والماعز حين تناول هذا العشب تظل فى حالة هياج جنسي عدة أيام ولا تهدأ وتسكن إلا بعد أن تفرغ طاقتها بإناثها ؛ لكن الوضع هنا مخالف ، فلا توجد نوق "جمع ناقة أى أنثي الجمل" من حولنا ؛ لهذا فسوف يدفع هذا بأمشير إلى أن ينهى حياة صابر وهذا الشاب الصغير لا يعلم عن أحوال الجمال أي شيء.

 

الآن نستعد لتنفيذ خطة تدمير دورية العدو الرابضة أمام الجبل لأسرنا أو القضاء علينا قبل أن تسكن الأمطار ، يتحرك معي كلٌ من العريف عثمان والجنديان حمزة وجعفر حاملين الألغام لنقوم بتلغيم العربتين المدرعتين اللتين تحاصران مكاننا منذ أربعة أيام ، باقى الجنود يستقلون الجمال فى إتجاه موقعنا بالجنوب وأيضا الجندي رباح سيتولى السيطرة على الجمال الخمسة التى سوف نركبها لنلحق بكم ، هيا يا رجال تحركوا.

 

    من ذكرت أسمائهم يقتفون أثري ، قف هنا يا رباح ومعك الجمال وباقي المجموعة من حولي ، أسرعوا نحو السيارتين اللتين إلتصقتا ظهر كل واحدة بالأخرى والجنود بداخلها يجلسون فى حماية واقي المطر مستخدمين  المشمع السميك ، عثمان تحرك نحو السيارة بالجانب الأيمن ثم ُقم بالحفر أسفل الجنزير من الخلف وأنت يا جعفر تحرك نحو سيارة اليسار ثم إحفر أسفل الجنزير الخلفي ، بعد الحفر كل واحد يضع بداخل الحفرة اللغم ويتركه ومياه الأمطار كفيلة بتغطيته بالرمال التى تتحرك من أعلى التبة فى إتجاه السيارتين ، أنا والعريف عثمان سوف نلغم السيارتين من الأمام فإذا تحركتا للأمام أو الخلف تنفجران على الفور.

 

 هكذا إنشغل الأربعة بالحفر بينما ظللت قريبا منهم أمسك بلجام الجمال الخمسة بينما أسرع رجال باقى الفصيلة هربا قريبا من السيارتين المدرعتين واللتان كنا نسمع بعض ضحكات وأحاديث الجنود بداخلها بينما الطقس من حولنا بالغ السوء، سواء من الصقيع أو من الأمطار الشديدة.

 

    إنتهى الرجال الأربعة من أعمال الحفر وبث الألغام المضادة للدبابات تحت إشراف الشاويش إدريس وأشاهدهم بصعوبة رغم رداءة الطقس ؛ أسرع الرجال نحوى وكل واحد منهم تعرف علي جمله فشد الحبل لأسفل فنزل الجمل برقبته حتى أصبحت لا ترتفع عن الأرض إلا بمقدار متر فقفز كل فارس على ظهر الجمل بأن وضع قدمه على رقبة الجمل وأمسك بصنمه وقفز فوقه وأسرع به كالريح العاتية حتى إذا هممت باللحاق بهم لم أشاهدهم لكن الجمال تعلم الطريق وتشم رائحة بعضها البعض.

 

مازلنا نسرع الخطى وفجأة توقفت الأمطار بعد أن هدأت الرياح ، شاهدت إدريس يقف بين الرجال حتى إقتربت منهم ولكنه لم يكمل سيره إذا كان ينتظر حدثا هاما وقد وجه نظره جهة الجبل ، شاهدنا إضاءة كشافات السيارتين ، وبعد قليل سمعنا إنفجاراً يصم الآذان ، وبعده بدقائق كان الإنفجار الثانى حيث كانت الألغام فى المقدمة والمؤخرة مختفية أسفل الرمال التى حركتها الأمطار القوية ، هكذا تم تدمير عربتين مدرعتين إسرائيليتين  وبالتالي سوف تقوم قيادة الجيش الإسرائيلي ولن تهدأ حتى تعلم من قام بهذا العمل ، شاهدت البسمة على وجه إدريس وباقي الزملاء ثم سمعنا الضحكات وتحرك الركب وسمعت صوت إدريس متحدثاً: لقد أخذنا بثأر الجمل هادى وشريكه وحبيبه الراحل صابر.

 

     بعد مسيرة أربع ساعات إختبأنا جميعاً بأحد تجاويف الجبال الصغيرة المنتشرة بمنطقة بئر الجفجـافة بالمحور الأوسط ، لقد قطعنا حوالي ستين كيلومترا حتى الآن ؛ أسرع بعض الرجال بالبحث عن ُعشب جاف وإستطاعوا تجميع البعض منه وأيضاً ُعشب أخضر لإطعام الجمال ، كان تجويف الجبل منثنيا على هيئة قوس حتى نضمن عدم خروج ضوء بعد إشعال النار وقد كان وشاهدت النيران المشتعلة التى أدخلت الدفء والراحة إلى أجسادنا المبتلة التى أصبحت مثل قطع من الحديد اللين.

 

     أخرج أحد الرجال من جراب الجمل أدوات الشاي من عبوة السكر والماء والشاي والأكواب ووضع كل شئ على النار حتى خرجت رائحة الشاي الجميلة المنعشة وتبادلنا تناول الشاي فردا بعد الآخر حيث لم نكن نحمل أكوابا تكفي الجميع ، هدأت النفوس وتسلل الدفء إلى أجسادنا ومازالت الجمال باركة أمامنا تمضغ طعامها بهدوء ولم يكن يعكر صفو تلك الجلسة سوي شعورنا بأننا جميعا شاركنا فى نهاية حياة أصغر رجال الفصيلة أي الجندي صابر بإهمال إختيار الجمل الذي ركبه أو لعدم مراقبة هذا الجمل العنيف الذي كان من الواجب تركه فى مؤخرة الفصيلة مع باقى الجمال والمعدات مع الجنديين النوبتجية الذين تركناهما بموقعنا القديم.

 

    كل تلك الأحداث كان إدريس يذكرها من حين لآخر مما دفع بأحدنا وهو الجندي بلال لأن يخرج صوته العذب بالغناء وكان هذا دأب بلال حين القنوط والضيق تنفرج أساريره ويخرج صوته بنغمات طيبة تعيد الهدوء والسكينة إلى صدورنا فيهدأ الرجال إستعدادا ليوم آخر.

 

عصر اليوم التالي خرج أحدنا إلى مقدمة الكهف يستطلع الأمر ، ظل جالسا لفترة ثم عاد وأخبرنا بأنه سمع أزيز محركات بعض الطائرات الهليكوبتر تفتش المنطقة ومن المحتمل أنها تبحث عن أي دليل بالرمال يرشدها لمن قام بتلك العملية ، أضحك هذا إدريس حيث علق قائلاً: لو الجن الأحمر أراد معرفة من قام فلن يعثر على أي أثر لأن المياه أزالت كل أثر لأقدام الجمال وأصبحت الرمال ناعمة ولا يوجد عليها أي أثر لإنسان أو حيوان منذ الأمس.

 

 حينما حل الغروب تحركنا فرادا نتبع بعضنا البعض بفاصل أكثر من عشر دقائق وقد طلب منا إدريس أن نتجمع فى منطقة هضبة "التيه" بعد أن نعبر وادي غرندل فنسلك الطريق إلى جبل "يلـق" ثم بئر المالح فالكنتلا ونستغل أحد روافد وادي العريش حتى نصل نخل ومنها إلى معسكرنا الدائم، هكذا تحركنا بحرص حتى إذا تواجدت أكمنة إسرائيلية لا نقع بها جميعا ويكفي الشخص الأول وعلى الباقي الإختباء لفترة ثم العودة لمكان الكهف الذي أوينا بداخله بالليلة السابقة ، قبيل الفجر وصلنا إلى هضبة "التيه" وكانت سعادتنا كبيرة فلقد عبرنا منطقة وسط سيناء التى تنتشر بها القوات الإسرائيلية بكثافة ، أصبح الطريق إلى وادي "فيران " الذي يؤدى إلى مكان تمركز الفصيلة مفتوحا ، شاهدنا أحد عيون الماء فأسرعنا بالجمال فشربت وعبت كما شرب الرجال وكل واحد قام بملأ العبوة التى يحتفظ بها بالماء.

 

 مضت ثلاثة أيام واليوم الرابع هبطنا إلى منطقتنا وشعرنا لحظتها بأننا وصلنا إلى دارنا أو منزلنا الفسيح الذي نقيم به منذ أعوام تعدت العشر سنوات منذ نهاية حرب عام 1956 ، إستقبلنا رجال المؤخرة بالفرحة والسعادة وجلسنا نتجاذب أطراف الحديث ثم فجأة تساءل أحد رجال المؤخرة عن الجندي صابر؟ صمت الجميع وكان للصمت معنى ومغزى بعدها علق إدريس بكلمات قليلة ثم إستنهض الرجال داعيا الجميع للصلاة وأن نقيم صلاة الغائب على روح هذا الشاب الصغير الذى جاءت ورقة إعفائه من الخدمة العسكرية ولم تصل ليده حيث كانت الحرب أسرع قدوما من وصول ورقته وأخيرا هاهو قد أصبح فى رحاب الله بعد أن جاءت نهايته بأسنان أحد الجمال العنيفة التى أمدتنا بها القيادة ، وتساءل لو أن كل من يقوم بعمله بإتقان لما وصل إلينا هذا الجمل ولما قابلنا هذا السلوك العنيف ولما راح ضحيته أحد الشباب.

 

 صباح اليوم التالي إقترب منى أحد جنود المؤخرة وأخبرني بأنه سمع أمس الأول بعض أصوات لبشر خلف تلك الصخور النارية وخشيت أن أترك المكان وأتجه إلي مصدر الصوت بمفردي للبحث عن من يكونون وفكرت بأنه من المحتمل أن بعض جنود العدو ينتظرون بالخلف ، لذا فقد إنتظرت إلى أن حضرت الفصيلة لأبلغ الشاويش إدريس ومن أجل هذا فقد أبلغتك يا رباح وعليك إعلام رقيب الفصيلة بهذا الموضوع.

 

غادرت المكان وتوجهت لمكان الشاويش إدريس الذى كان منهمكا على نظافة بندقيته كما أن باقى الجنود يحذون حذوه ، إقتربت منه وأسررت بما سبق وأن أخبرني به جندي المؤخرة ، توقف إدريس عن العمل وتحرك معي وأشار إلى ثلاثة جنود آخرين وإتجهنا مع جندي المؤخرة الذي سمع تلك الأصوات إلى الجهة التى قال أنه سمع الأصوات صادرة منها حاملين معنا أسلحتنا ، ظللنا جميعا ننتظر حوالي الساعتين دون نتيجة وبدا الملل والسأم يتسلل إلي نفوسنا وقرر إدريس العودة ولكن أحد الرجال وضع أذنه علي الأرض ثم نهض وأسرع عائدا وأشار لباقي الزملاء فحضرنا إليه وأخبرنا بأنه سمع أصوات لبعض الأفراد يتحدثون العربية.

 

عاد إدريس وكل فرد منا أعد سلاحه وتوجهنا كمجموعة جهة المنطقة التى صدر منها الصوت وتسللنا المرتفعات وبدا أن الإنهاك أصابنا من شدة ووعورة المرتفع ثم هبطنا المرتفع من الجهة الأخرى ولم نعد نشاهد زملاءنا بموقع الفصيلة لبعد المسافة وإلى إرتفاع قمة الهضبة الصخرية التى تسلقناها، جلسنا بعض الوقت لنحصل على الراحة فنادي علىّ إدريس قائلاً: رباح ...أقبل علىّ ؛ نهضت وإتجهت إليه ؛ فقال لي : أترى هذا الظلام الذي يظلل تلك الصخور ، إتجه إليه وهناك سوف تجد مدخلا لأن هذا الظلام يعنى أن تلك المنطقة مفتوحة وبالتالي لم تنعكس الأشعة بالخارج عليها ، إذهب وإستمع وبعد ساعة أقبل وأخبرني بما سمعت.

 

أسرعت بتنفيذ أوامر الشاويش إدريس ، جلست قريبا من فتحة الكهف ، لم تمض عدة دقائق إلا وسمعت أصوات رجال تتحدث العربية بلهجة أبناء القاهرة ، عدت ُمسرعا وأخبرت إدريس الذي تحرك بالرجال وطلب منهم عدم إطلاق النار خشية سماع الأعداء لصوت طلقات الرصاص وتحدث كارثة مثل التى حدثت عندما أطلق المرحوم صابر النار ، تسللنا بهدوء إلى داخل الكهف ، بعد عشرين مترا تقريبا أخذ الكهف شكل منحنى لأحد الأجناب ، حينما تعدينا هذا المنحنى شاهدنا ثلاثة رجال يجلسون ويتحدثون بأحاديث غير متجانسة ، أي كلمة من هنا وكلمة من هناك ، بهدوء فاجأهم إدريس طالبا منهم عدم المقاومة ورفع الأيادي ، نفذ الرجال الثلاثة أمر إدريس لكن المفاجأة أنهم بكوا بكاءً شديداً جعلنا فى دهشة من أمرنا.

 

     نهضوا معنا وكانت حالتهم مزرية إلى أقصي درجة سواء من الشحوب البادي على الوجوه أو القذارة وطول اللحية الذي يميزهم عن أي شخص آخر بالإضافة إلى طول شعر الرأس ، سرنا بهم ونحن نرفق لحالهم من عدم المقدرة على السير مثل حالنا ، وصلنا لموقع الفصيلة بعد أن هبط الليل، إستقبلنا الرجال بفرحة وهنا طلب إدريس إعداد طعام للرجال وتزويدهم بمياه الشرب وتوفير أغطية تقيهم برودة الشتاء.

 

     مضت أيام ثلاثة على الرجال قبل أن يصبحوا قادرين على الحديث معنا ؛ لقد كانوا فى حالة من الذهول وعدم المقدرة على التركيز رغم فرحتهم بلقائنا وعلمهم بأننا فصيلة من سلاح الحدود المصري ، اليوم الرابع تحدث الرجال وعلمنا ما حدث لهم ، أنهم من العاملين بأحد حقول البترول بمنطقة أبوزنيمة ، وحينما إندلعت الحرب أقبلت قوة إسرائيلية وقتلت البعض منهم وأسرت الباقين وكان الرجال الثلاثة يقومون بربط ماسورة طرد مياه ساخنة بأخرى بالخليج ولم يشاهدهم الإسرائيليون ، بعد أن غادر الأعداء المنطقة أسرعوا وهربوا يبحثون عن ملجأ يقيهم شراسة العدو وظلوا طوال تلك الشهور هائمين بالمنطقة ؛ يوما ينالون مياه شرب وأياما أخري تجود الأرض عليهم بنقطة مياه صالحة كما أنهم أكلوا من حشائش الأرض وإصطادوا بعض الفئران لطعامهم وفى شهري سبتمبر وأكتوبر إعتمدوا فى غذائهم علي البلح من بعض أشجار النخيل المنتشرة بالمنطقة ، إستخدموا الكهف للمعيشة ولنومهم خشية الحيوانات المفترسة والأفاعي ، ومع طول المدة بدأ يهاجمهم شعور بأنهم هالكون لا محالة ولن ينقذهم أحد بتلك المنطقة المهجورة ، لقد مضي عليهم شهور ستة منذ إندلاع الحرب.

 

     صباح اليوم الرابع لعثورنا على هؤلاء الرجال الثلاثة أشاهدهم مقبلين علىّ وعلى الشاويش إدريس ؛ بعد أن جلسوا تحدثوا معنا : صباح الخير يا شاويش إدريس ، رحبنا بهم وتحدثنا معهم بحديث بسيط فقد أقبل أحد الجنود يحمل الطعام لهم وقد سبقناهم بتناوله نظراً لأننا ننهض مبكراً ؛ عرفنى أحدهم بنفسه ، عزيز ميخائيل ، مهندس ميكانيكا ، طول عمري وأنا باشتغل فى البترول لحد ما وصل سنى 52 سنه وبقالي هنا تمن سنين ، صمت لفترة ثم تبعه الثانى ليعرفنا بنفسه: جلال حمدي فني موتور ، كما تحدث الثالث وأسهب فى الحديث قائلا: هلال حسني  مشرف ميكانيكا والذراع اليمني للباش مهندس عزيز ، رحبت بهم وبسعادتي بأن الله أنقذهم وسوف ينالون العون والرعاية من رجال الحدود.

 

 

 


 

 

    بعد أن مرق "أمشـير" كالسهم من خلال صخور الجبل الذى أوينا إليه منذ عدة أيام بسبب خطأ إرتكبته دون قصد مما ترتب عليه فقد حياة هادى أحسن جمال القطيع ، سكنت قليلا حزينا لكن بعد قليل غمرتني فرحة طاغية بأن أربعة من جنود العدو لاقوا مصرعهم تحت ضربات وشجاعة هادي.

 

       مرق الجمل بجوار العربتين المدرعتين كالسهم وخلال هذا كنت أخشي أن ينتبه أي أحد بداخلها والذى يصل عددهم إلى عشرة جنود كما أخبرنا الشاويش إدريس ولكن تبين لي أنهم عاكفون على الإختباء من الأمطار والبرودة الشديدة كما لاحظت أن العربتين المدرعتين إلتصقتا من الخلف كما توقع إدريس ، شعرت بالغبطة من ذكاء إدريس.

 

   خاطبت "أمشـير" طالبا منه أن يخفف من سرعته ولكن صوتي ضاع بين أصوات الرياح العاتية ، كنت أشعر بأن جلبابي سوف يتمزق من قطرات المطر القوية الشديدة ، بل فى بعض الحالات كنت أشعر بأن مسامير تخترق جسدي مما دفعني للتألم بصوت عال بل والنواح ورغم هذا ظللت متماسكا فى هذا الوضع الشائك على ظهر الجمل.

 

    لقد تذكرت حالي علي هذا الوضع مثل حالي وأنا أواصل التدريب على الإشتراك لدخول المسابقات بين الخيول والتى كان يعشقها رضوان باشا ، حيث كنت أجلس على مؤخرة الحصان وجسدي الخفيف يساعد الحصان على القفز عبر الموانع الموجودة بغرض التدريب ، ما أشبه اليوم بالبارحة ،  شعرت بأن مفاصل يداي تؤلماني بدرجة كبيرة فحاولت تقليل أثر شد الحبال المربوطة بها مع أرجل "أمشـير" الأمامية بأن أمسكت بالحبل بيدي كي أقلل من قوة الشد ونفذت هذا التصرف على مفصل القدمين ؛ تذكرت المثل القائل  ما باليد حيله وهنا قلت إذا ما للرجل حيلة.

 

      من حين لآخر كنت أسمع أصوات الجمل المرعبة التى تدل على أن شيئا ما ضايقه ، بل أنه فى بعض الحالات كان يلف رقبته للخلف ناحيتي ويخرج أصواتاً عالية وأنا بدوري أطمئنه بكلمات طيبة ، فقد شعرت بأن شيئا ما ضايقه ولهذا فهو يبثني آلامه وضيقه وإعتقدت أن السبب فى هذا عائد إلى خشيته من الأعداء بأن يتصرفوا معه مثل ما تصرفوا مع زميله هادى ، فقد كان جملا شابا يخشي على حياته.

 

     مازالت الأمطار تتساقط والصقيع يضرب جسدى وملابسي ومع تلك السرعة كادت خلالها أن تتجمد مفاصلي لولا سماعي صوت إنفجار قوى إعتقدت فى بادئ الأمر أنه برق من السماء ولكن ما جعلني أستبدل هذا الإعتقاد هو مشاهدتي لإنفجاريين متتاليين بفاصل عدة دقائق ويميزهما لونين أحمر وأصفر متداخل وأن الإنفجارات وقعت على الأرض وليس بالسماء.

 

     تساءلت: هل هذا ناتج من العملية التى كان ينوى إدريس القيام بها ضد من يحاصرون فصيلتنا بداخل الجبل منذ أربعة أيام؟ تمنيت هذا ومازال "أمشـير" يقطع المسافات دون هدف واضح وظاهر وبدا الإعياء يؤثر فيه وكاد أن يتعثر أثناء العدو وكدت أتمايل لأحد الأجناب وهذا ما كنت أخشاه لأن وضع مثل هذا سوف يؤدى بحياتي ، مازال الجمل يعدو وإعتقدت بأنه لن يتوقف حتى يلفظ أنفاسه ، أعتقد أنه قد مضي علينا منذ  مغادرة سلسلة الجبال التى كنا نختبئ بداخلها أكثر من ساعتين ، شعرت بتخدير بأجزاء جسدي ودخولي فى النوم ، بل شعرت بأن جسدي قد إرتفعت درجة حرارته وصاحب هذا رجفة ورعشة وقشعريرة تلاها حالة من الهذيان ، لم أعد أشعر بأي شيء من حولي سوي إنتباهي من حين لآخر على صوت الجمل المرعب وعدوه الذي مازال مستمرا.

 

    شعرت بأنني أصبحت فى عالم آخر ، فجأة تنبهت على صوت قوى وصوت الجمل يدخل الرعب في قلوب من حوله خاصة أن الأمطار توقفت وأصبح الصوت مسموعا واضحا ونظرت للأمام فشاهدت أمشير قد إصطدم بسياج من الحديد ومازال يقاوم ويدفع هذا السياج بأقدامه رغم أن إرتفاع هذا السياج يضاهى إرتفاع "أمشـير" اى ما يقارب المترين ، ظل على هذا الحال عدة دقائق حتى إستطاع هدم السياج وأسرع يعدو فشاهدت جملا يقف، أسرع "أمشيـر" جهة الجمل وحدث تقارب بين الإثنين ، قام "أمشـير" بشم بعض أجزاء جسد الجمل الآخر ؛ ثم وضع رقبته فوق رقبة هذا الجمل ومازال صوته مرتفعا ، إستطاع "أمشـير" أن يجعل الجمل الآخر يبرك أرضا بعدها دار "أمشـير" نصف دورة وبرك أرضا ووضع مؤخرته في مقابل مؤخرة الجمل الأول ، ثم قام الجمل الهائج بإبراز شقشقته ، ويسميها البدو هدّاره ، ويحك مؤخرة رأسه ( قذالة ) بكتفة ، تعجبت لهذا وتذكرت العربتين المدرعتين اللتين قامتا بهذا العمل منذ ساعات وإعتقدت بأن هذا نظام ُمتبع فى الصحراء لتفادى البرودة ، عدت لحالة القشعريرة ومازال الجمل يتحرك ويصدر أصوتا وأنا غائب عن الوعي كما قل إنتباهي.

 

     شعرت بأنني أحلم وأن خيالا يتحرك قريبا منى وبيد هذا الخيال بندقية بل ويمسك أيضاً بسكين كبير ، خشيت على حالي وأنا فى تلك الحالة بأن البعض أقبل لقتلى ولكن الخيال المتحرك قام بقطع الحبال التى تربط يداي وساقاي "بأمشـير" ثم ساعدني على النزول من فوق الجمل فسقطت أرضا فمد لي يد المساعدة مرة أخرى وإستطعت الوقوف مستندا على هذا الخيال الذي سار بى بعيداً عن مكان الجملين مسافة ورغم هذا مازالت أشاهد الجملين باركين أرضا بهذا الوضع.

 

   تركني هذا الشخص أو ذاك الخيال وأسرع نحو الجملين وفرد عليهما غطاء أحكم وثاقه ، ورغم حالتى كنت أشعر براحة بأن من قابلني فى منامي أو غيبوبتي يرحم الحيوان كما يرحم الإنسان ، أقبل الخيال الذي كان يلتحف بغطاء من أعلى الرأس حتى أخمص القدمين تجنبا للمطر والبرودة ، عاد وساعدني حتى دخلت مبنى أو خيمة وهناك وجدت فراشا طيباً فإستلقيت أرضا وبعد قليل عاد الخيال لكن فى صورة أخرى ، صورة سيدة جميلة وحادثتني بأن طلبت مني أن أقوم بإستبدال ملابسي المبتلة حتى لا أصاب بالمرض ثم ألقت إلىّ ببعض الملابس وغادرت المكان.

 

     جلست أستعيد الدقائق الماضية وهل ما حدث هى أضغاث أحلام أو أنها حقيقة واضحة ، تحسست الفراش الوثير من حولي والضوء الصادر من أحد الفوانيس ليتأكد لي أن ما أشاهده حقيقة واضحة وضوح الشمس ، نظرت للملابس وتحسست ملابسي المبتلة وتنبهت على إصابتي بالكحة ، نهضت رغم حالتى وإستبدلت ملابسي بالملابس التى أحضرتها السيدة وألقيت بالملابس المبتلة جانبا ودخلت فى الفراش الوثير فشعرت بالدفء ينتشر بأوصالي ؛ بعد هذا رحت فى سبات.

 

     كنت أسمع بعض الأصوات وأنا نائم ولكنني لم أنتبه ؛ حيث كنت أشعر بأنني فى حالة من الهلوسة ؛ فلقد شاهدت أمى وفى بعض الحالات أشاهد العريف أبوبكر كما كانت تهاجمني من حين لآخر رحلة الجمل الشاقة وصوته المخيف المرعب ، أخيرا سمعت من يحدثني ويهز جسدي ؛ تنبهت وشاهدت السيدة التى شاهدتها قبل ذلك ، قدمت لي مشروبا فتناولته وشعرت بطعم لاذع فسمعت صوتها وهي تخاطبني قائلة: هذا الدواء لعلاج نزلة البرد التى أصابتك أمس ، تحدثت فى بعض الأحاديث وأنا عنها غافل من حالة الهلوسة ، قدمت لي مشروبا دافئا ومذاقه جميل فتناولته ؛ ناولتها الكوب ثم رحت فى سبات مرة أخري.

 

     ظل هذا هو حالي حتى أقبل الظلام والذى كنت أميز الأضواء من باب الخيمة القريب من الفراش الذى أرقد فوقه ورغم تلك الحالة كنت أسمع من حين لآخر صوت الجمل سواء كان هذا حقيقة أو كابوسا مزعجاً لما حدث لي أثناء الرحلة القاسية ، أقبلت السيدة وجلست تحدثني ووضعت كف يدها على مقدمة الرأس وإبتسمت قائلة لي: لقد تماثلت للشفاء ، إقتربت منى متسائلة عن اسمي ، أخبرتها فرحبت بى ثم نهضت وعادت بعد قليل حاملة بعض الأطعمة لي ، كانت الأطعمة مخالفة لما إعتدت عليه سواء فى مطروح أو أنشاص أو مع رجال الحدود ، كان الطعام له مذاق خاص وجميل ومحبب ، أتيت على تلك الأطعمة التى كانت على هيئة سندوتشات من التى كنا نشتريها من كنتين مركز تدريب سلاح الحدود قبل التوزيع.

 

     تناولت الطعام وأعقبه كوباً من الشاى المحلى باللبن الحليب بعدها وضعت رأسي على المخدة وشعرت أنني شبه طائر فى السماء وأنه ليس لي وزن وأن أذني كبيرة وأسمع بداخلها طنين والبعض ينادى علىّ : أقبل يا صابر أين أنت؟ ولماذا لم تلحق برجال الفصيلة ، هل تركتنا لتعبث وحدك، ألن تحارب معنا يا صابر؟ بعدها شاهدت الجمل هادي أثناء هرولته جهة السيارة الجيب الإسرائيلي والجنود يمطرون صدره بالرصاصات القاتلة والدماء تندفع وكاد يتعثر ويسقط لكنه إستنهض الهمه راغبا بأن لا يترك الحياة إلا بعد أن يسجل اسمه مع الأبطال والشهداء ، هكذا سقط فوق السيارة وخلال هذا كنت أسمع الصرخات وأشاهد أذرع وأرجل الجنود القتلى أسفل الجمل ؛ لقد تحطمت السيارة وأصبحت لصيقة بالرمال من ثقل الجمل ، كادت الدموع تغادر عيناي ولكن النوم كان أسرع حيث رحت فى سبات للمرة الثالثة ، خلال تلك الفترة نلت قسطاً من النوم المريح العميق ولم تهاجمني الكوابيس والأحلام المزعجة.

 

     تنبه سمعي على صوت نسائي رقيق يطلب من صابر أن ينهض ويترك الكسل والخمول ، أعقب هذا بأن فتحت عيناي لتكتمل الصورة بمشاهدة تلك السيدة والتى تأكد لي أنها فاتنة وجميلة لأقصي درجة وتضع بسمة على شفتيها الرقيقتين تجعل أي إنسان حزين يقبل على الحياة ، جلست نصف جلسة علي حافة السرير فأقبلت السيدة وقدمت لي كوباً من الشاي الساخن المحلى باللبن ، أمسكت به وأنا أدقق النظر فى وجهها ، أخبرتني بأنها ُتعد طعام الإفطار وعلىّ النهوض واللحاق بها وتقديم يد المساعدة كي نفطر ثلاثتنا معاً ، كنت أدقق النظر بها أثناء مغادرة الحجرة ، لقــد تأكد لي بعد

 

 تمالكت احاسيسى بأن السـيدة رائعة الجمال ؛ طويلة القامة ، ليست نحيفة ، بيضاء وذات شعر كستنائي جميل طويل عقصته من الخلف ، ترتدي الملابس الإفرنجية ، أي بنطلونا وبلوزة وفوقها جاكتا جميلا وحذاءً متوسط الارتفاع.

 

       نهضت وسرت أتفحص المنزل المقام من المشمع تقويه دعائم من الحديد المجلفن ، كان المكان فسيحا نظيفاً رغم أنه شُيد بين الجبال والصخور ، شاهدت السيدة تضع الطعام على مائدة صغيرة نسبيا ترتفع عن الأرض بحوالي30 سنتيمتر ؛ أي مشابهه للطبلية التي كنا نتناول عليها الطعام بالقرية ، كما شاهدت طفلا صغيرا ًجميل الصورة يجلس أمام المائدة أرضا فوق وساده مرتفعه نسبيا ، حينما شاهدتني السيدة إبتسمت مرحبه بى:

 

ـ أهلا صابر ، منور المكان

 

ـ ربنا يخليكي ، مين القمر الجميل ده؟

 

ـ ده ابني هارون

 

ـ عاشت الأسامي يا هارون ؛ إنحنيت وقبلت وجنتيه وجلست قريبا منه.

 

   عادت السيدة وجلست بعد أن وضعت أطباق الطعام أمامنا وبدأت تناول ابنها الطعام بقطع صغيرة والصغير يمضغ على مهل ، أعتقد أن الطفل لم يكمل العامين ، يرتدي جلبابا صغيرا وطاقية صغيرة على رأسه ، أبيض اللون يكسو خديه حمرة خفيفة ، كان قريب الشبه بأمه ، هكذا إندفعت فى الحديث وتناولت الطعام الشهي ؛ حيث كنت أنظر من حين لآخر لهذا الطفل الصغير الجميل وأكرر : الحمد لله على نعمته على الناس بوجود أطفال صغار حين تنظر لأحدهم تشعر بالسعادة وراحة البال ويفارقك هاجس الصراع بين الناس على المال والمناصب.

 


 

 

من هــــي؟

 

   الحمد لله ؛ قلتها بعد أن إنتهيت من تناول طعامي ، ثم قمت بمد يد المساعدة للسيدة فى رفع الأطباق وتنظيف المكان ؛ بعد قليل تركتني ورافقت ابنها ثم عادت بعد أن قامت بغسل يديه وفمه من بقايا الطعام .

 

 نظرت إليها متسائلاً:

 

ـ اسمك إيه؟

 

ـ رحيل

 

ـ عاشت الأسامي يا ست رحيل

 

ـ جوزك فين؟

 

ـ راح مأمورية قريبة من تل أبيب

 

ـ ينهار!! تل أبيب ، جوزك راح عند أولاد الرفضي؟

 

ـ صابر ؛ إسمعنى وافهم كلامي ، أنا يهودية وجوزي كمان ، إحنا يهود مصريين وهاجرنا إلى إسرائيل من عشر سنين ، ومش عيزاك تشتم اليهود لأن ده ح يزعلني ، فاهم؟  مش بتتكلم ليه؟ زعلت؟

 

ـ مش زعلت ، مكنتش فاهم الحكاية كده ، على كل حال إنتى مصرية وإلا مش ينفع برضه؟ شاهدت البسمة على وجهها وأجابتني

 

ـ طبعا ينفع ، هو ده الأكيد فى الحكاية ، أنا يهودية مصرية ، كده أحسن وبلاش إسرائيلية خصوصا فى حالة الحرب اللي إحنا عايشينها دلوقتى ، لكن مقلتليش ، إنت بتشتغل إيه؟ تذكرت حديث الشاويش إدريس عن موضوع العمل وأننا نعمل بشركة بترول أو منجم الفحم حتى لا نلفت الأنظار إلينا بأننا جنود مصريون وتسبب لنا الكثير من المشاكل ، تنبهت لإعادة السؤال فأجبتها:

 

ـ أنا كنت شغال عامل فى شركة بترول على خليج السويس وبعد الحرب مش لاقي شغلانه ومش عارف أرجع بلدي

 

ـ بلدك!! بلدك اسمها إيه

 

ـ مرسي مطروح ؛ بصوت مرتفع

 

ـ ياه على مرسي مطروح الجميلة ، رحتها سنة 1952، بلد جميلة والميه بتاعتها تجنن ، طيب يا صابر ممكن تشتغل معايا؟

 

ـ الشغلانه إيه؟

 

ـ تعرف تشيل شوله وصناديق؟ الحكاية... إن أنا وجوزي بنشتغل مع قوات الإحتلال الإسرائيلي؛ إحنا مسئولين عن توزيع المعونة اللى قررتها الحكومة الإسرائيلية للشعب الفقير بسيناء ، عشان كده عندنا مخزن كبير مليان

 

معونات ، يعنى شولة دقيق ، وشولة سكر وصناديق شاي وصناديق بن وصناديق سجاير وبعض الأدوية الصغيرة دا غير عبوات السمن والزيت واللبن البودرة ، إيه رأيك تعمل معانا وكل يوم بيجيلنا حوالي من عشرين إلى خمسة وعشرين عيلة يحصلوا على نصيبهم وبدل ما الواحد منهم يدخل المخزن ويشيل حاجته تقوم إنت بالعملية دية وتحمل الجمال والحمير اللى جايين بيها ، َفكر يا صابر ، وأكلك ونومك هنا ، ولو عجبك الشغل ح ناولك كل شهر عشرين جنيه مش بياخدهم اللى تخرج من الجامعة بمصر.

 

   ساد الصمت بيننا ، قطع هذا الصمت مغادرتها للمكان متوجهة للمطبخ لإعداد الشاي كما قامت بوضع ابنها هارون على المرجيحة كي يتسلي ولا يظل سائراً خلفها ، خلال إنشغالها كنت أفكر فى هذا العرض وهل من الواجب علىّ أن أظل مقيما بهذا المكان أو من الواجب أن أتركه وأتوجه لموقع الفصيلة بجنوب سيناء على خليج السويس ، بعد قليل أقبلت وقدمت لي كوباً من الشاي ، شكرتها وإنشغلت فى شرب الشاي وإختلاس النظرات إليها ؛ بعد أن شربت الشاي طلبت منها مشاهدة المخزن كي أقرر هل يمكنني حمل الأثقال والسير بها خلال الصخور ، رافقتني إلى المكان التى أعدته ؛ المكان عبارة عن خيمة صناعية مضادة لمياه الأمطار مثل التى تقيم بها ، شاهدت كميات كبيرة من أجولة الدقيق الأبيض المشابه لأجولة الدقيق التى كنت أشاهدها بالمدرسة وأنا طفل ويقولون عنها المعونة الأمريكية وتلك الأجولة ذات أوزان مختلفة ؛ خمسون وخمسة وسبعين ومائة كيلو جرام ؛ فعلا كانت تحمل شعار اليدين المتصافحتين والتى تــدل على التعاون بين الأمريكان وباقي الشعوب ، أيضاً هناك قسم لأجولة الســكر ؛ العبوة زنة  

 

عشر كيلوجرامات ، شاهدت صناديق الشاي والبن ، قسم الزيوت والسمن وعبوات اللبن البودرة ومسحوق الكاكاو ، كان المنظر يسر العين خاصة أجولة الدقيق التى كان رجال فصيلة الحدود يقاسون الكثير فى سبيل الحصول على بعض الطحين كما يطلقون عليه بسيناء ؛ نظراً لعدم وفرتها بالفصيلة منذ بدأ الحرب ولهذا كان رجال المخدرات يحضرون لنا بعض الدقيق والتى لم تكن كافية، بينما هى متوفرة هنا ومن مختلف الأوزان.

 

       أخبرت رحيل بموافقتي على العمل معها ، فأسعدها هذا ؛ وأشارت إلىّ بما يعنى إلحق بى ، سرت قريبا منها فأشارت إلى مكان بجوار الأجولة وأخبرتني بأن هذا مكان نومك بعد ذلك ، المكان عبارة عن فرشة صغيرة على باب خيمة المخزن أي أنني سوف أنام مع أجولة الدقيق والسكر ، أثناء حديثنا سمعنا من ينادى ، لقد أقبل بعض البدو للحصول على المعونة الشهرية والتى قررتها لجنة الإحتلال بسيناء ، توجهت إليهم رحيل وتبعتها ، شاهدتها وهي تتأكد من البطاقة المسلمه لهم من لجنة الإحتلال وقامت بمراجعتها فى الدفتر المعد والمحفوظ لديها وهو المرجع لها وتأكد لها أن تلك الأسرة تستحق الكميات المحددة بالبطاقة ، طلبت منى  إحضار جوال دقيق وشكارة سكر وعبوتين من الشاي وعبوة سجائر وعبوة سمن متوسطة الحجم ومثلها لزيت الطعام وعبوتين لبن بودرة زنة نصف كيلو جرام ، حملت تلك الأغراض ووضعتها فوق الجمل الذى حضر مع الأسرة التى غادرت المكان.

 

     أثناء عودتي للمخزن شاهدت "أمشـير" يقف بجوار الناقة التى أقبل نحوها بغرض تلقيحها يوم العاصفة الممطرة ، كان الجملان يأكلان العشب بهدوء وحينما شاهدني "أمشـير" أقبل نحوي يهز زيله القصير ثم وضع رأسه بجوار رأسي كأنه يقدم إعتذاره عما حدث ، نظرت إليه وهدهدت على رقبته مهنئا بحصوله على عروس وتكوين أسرة ، حدثته بصوت واضح ؛ لقد كدت أن أدفع حياتي مهرا لتلك العروس.

 

     مضي على وجودي بهذا المكان أسبوع ، لم يكن العمل شاقا كما توقعت؛ حيث كنت أقضي وقت فراغي فى تلاوة القرآن الكريم ، أحد الأيام وأنا أتلو ما تيسر من القرآن الكريم فاجأني النوم وظللت جالسا نائما فى حالة مزاجية عالية ، لا أعلم السبب فى حالة النوم المفاجئ ؛ هل لأن أشعة الشمس كانت ُمسلطة علىّ بمكان جلوسي بجوار الخيمة فدفعت بالحرارة التى خدرت جسدي بينما الجميع يشعر بالبرودة التى تكاد تيبس العظام والعضلات ، شعرت بشيء يدفعني فى وجهي وشعرت بشعيرات جافة على عيني وأنفي فتنبهت فشاهدت أمشير يداعبني أثناء نومي ، نهضت مهدهدا على رقبته فحرك رأسه مسرعاً بأنه يرغب بشيء ما وهذا ما تعلمته خلال الشهور الماضية ، إقتربت منه أحادثه:

 

ـ عايز إيه يا طفص؟ حبيبتك جنبك والأكل والميه متوفره ومش لك شغله ولامشغله غير إنك تحب فى الناقة وملكش منافس وأنا كل يوم بأهدهد عليك، إيه ناقصك؟

 

    بالطبع لم يجب ولكنه مازال يحرك رأسه ، تجاهلته ولهذا إقترب مني ودفعني بفمه فتدحرجت عدة خطوات على جانبي ، تركني ومضي ، ُعدت إلى جلستي السابقة أفكر فيما يريده هذا الجمل المخبول الذي لا يعجبه العجب ولا الصيام فى رجب ، أسعدتني كلمة الصيام ونحن الآن فى شهر شعبان وكلها أيام قليلة ويقبل الشهر الكريم وأصوم رمضان لأول مرة بعيداً عن أسرتي.

 

    إنشرح صدري بتلك المناسبة الإيمانية ، فتساءلت هل من الممكن أن أستمع لأغاني رمضان مثلما كنت أسمعها فى أنشاص؟ عادت إلىّ الذاكرة وقمت بالغناء : رمضان جانا أهلا رمضان .. قولوا معانا .. أهلا رمضان .. رمضان جانا .. أهلا رمضان ؛ كنت أشاهد "أمشـير" ينظر إلىّ ورأسه مقتربة من الأرض وهذا يدل على حالة مزاجية غير مريحة ، آه .. تذكرت وإستبدلت أغنية رمضان بسورة القدر :

 

إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) .. إلي آخر السورة؛

 

   أثناء التلاوة كنت أشعر بالسكينة تغمر جسدي ، شاهدت "أمشـير" يسير بهدوء رافعا رأسه للأمام وأطلق بعض صيحات وظل سائرا حتى توقف أمامي وبرك أرضا ورأسه لا تبعد عن وجهي بأكثر من طول المسطرة أي مسافة قدم ، مازالت أتلو و"أمشـير" ينظر إلىّ ثم وضع مقدمة فمه بالصخور ولم أدقق عيناي حينما شاهدت قطرات دامعة تنزل من عينيه ، صمت وتوقفت عن التلاوة فنظر إلىّ نظرة ذات معنى ؛ نظرة كأنه إنسان يعتب عليك أن حرمته من شيء يتمناه ، قبلت رأسه واستكملت التلاوة ومازلت أراقبه وأتساءل : هل هذا الحيوان المشاكس يتفهم القرآن؟

 

      أنهيت التلاوة وشعرت بأن شيئا كبيرا بداخل جسـدي كما أن روحي

 

أصبحت مثل البخار أو الدخان ؛ بل توقعت أن تصعد روحي للسماء مما شاهدته وتأثرت به ؛ إقتربت من "أمـشير" ووضعت رأسي على رقبته ، فإلتفت إلىّ برأسه وبشفتيه الكبيرتين ليداعب شعر رأسي ، نهضت واقفاً وأصبحت رأسي فى نفس إرتفاع رأس "أمـشير" ، قبلته عدة قبلات وساعدته كي ينهض ، كان الجمل فى حالة من التخدير عالية ، نظر إلىّ وكأنه يطلب منى ألا أقطع عليه تلك اللحظات الجميلة.

 

   تركته لحاله وجلست أمامه وأنا مازلت أفكر وأتساءل: هل الحيوانات تتفهم القرآن؟ تذكرت كلمات العريف أبو بكر حيث قال: أن الشيخ حسان أخبرهم أثناء الدراسة بالكتاب بقريتهم القريبة من كوم أمبو بأن الحيوانات تسبح بحمد الله وتخشع لسماع القرآن.

 

       قررت التأكد من حديث الشيخ حسان ، بعد أن نهض "أمشـير" إتجه إلى إناء المياه يعب منه كعادة الجمال ، بدأت فى التلاوة مرة أخري ، كدت أنهض ُمسرعاً ؛ فقد شاهدت " أمشـير" ُمقبلاً نحوى بخطواته الطويلة ، خشيت منه وشعرت بالخوف فقد واجهت هذا ليلة العاصفة الممطرة ، توقف الجمل أمامي وهبط برأسه أرضا ووضع رأسه بين ساقيّ ، مازلت أتلو سورة الليل:

 

(بسم الله الرحمن الرحيم)

 

وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) إلي آخر السورة.

 

برك "أمشـير" للمرة الثانية ، كنت راغباً بالتأكد من دموع الجمل ، لقد

 

ظهرت الدموع للمرة الثانية ، فى تلك المرة لم أتساءل أو أفكر بل إندفعت دموعي لتلحق بدموع الجمل الذى تأثر بالقرآن وبأنه يعبد الله مثل بني البشر، مازلت أقوم بتلاوتي القريبة لتلاوة الشيخ محمد رفعت رغم دموعي التى مازالت تسيل كلما شاهدت دموع "أمشـير" .        

 

   بعد أن إنتهيت من التلاوة تركت أمشير وسرت بعيداً ؛ خلال هذا كنت أسمع صوت السيدة رحيل تنادىّ علىّ دون أن أجيب ، لقد تملكني شيء غامض لم أقابله خلال حياتي السابقة رغم أننى عشت بصحراء مطروح والكثيرون من الجيران لديهم جمالا لكن هذا الجمل لم أشاهد مثله بإستثناء الجمل "هادي" الوديع الذي ضحي بحياته حينما شاهد الجندي الإسرائيلي يصفعني ويضربني بقدميه ، لقد كان قريب الشبه بأمشـير حين سماع التلاوة.

 

    لقد أثر هذا الحادث على حالتى النفسية بطريقة لم أعهدها من قبل وأصبحت إنساناً حساساً إلى أبعد درجة وأصبحت مشاعري متوهجة مما دفعني لكثرة التلاوة سواء محاكاة للشيخ محمد رفعت أو التلاوة ترتيلا بصوتي الذى أعجب به الكثيرون ممن سمعه ، مازلت أتساءل: لماذا لم يحدث لي مثل هذا الحدث بمطروح أو أنشاص؟ لم أتوصل لنتيجة ؛ أخيرا عثرت على إجابة السؤال ، التفرغ لعبادة الله وسماع التلاوة ، والله يقول في كتابه الكريم:

 

وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ "سورة الأعراف"

 

عــودة موشــيه

 

    مضى على وجودي بهذا المكان أكثر من ثلاثة أسابيع ، شعرت خلالها بالراحة البدنية والنفسية من ُحسن معاملة رحيل لي وملاطفة طفلها هارون الجميل ومداعبة الكلب ليفي ، أيضا مداعبة أمشير لزوجته الناقة التى لم أتخير لها اسما حتى الآن وإكتفيت بأنها زوجة أمشير.

 

      خلال تلك الفترة إقتربت من السماء كثيرا بمشاعري وأحاسيسي والفضل بعد الله سبحانه وتعالي يعود إلى أمشير بما يقوم به من تصرفات حين تلاوتي للقرآن ، فمازال يقترب منى ؛ بل في بعض الأوقات تصطحبه السيدة حرمه وكأنهما متجهان لأداء واجب العزاء وقررا سماع بعض آيات من الذكر الحكيم ، مازالت تصرفات أمشير مؤثرة ، فالجمل يستمع للتلاوة وأعتقد أنه يتفهم معانيها أكثر منى أو أنه أقرب إلى الله وما المانع من هذا والقرآن يتحدث عن كائنات كثيرة تعبد الله وأيضا هناك ناقة صالح التى ذكرت فى القرآن.

 

***

 

    السيدة رحيل سيدة جميلة جداً ؛ فقد جمعت خصال الجمال المصري والأجنبي ، بالإضافة إلي كل ما تحدثت عنه من مواصفات جمالية فهي تتمتع بصوت رقيق بلهجة مصرية راقية واضحة ، لها جاذبية بنات مصر وسماحة الوجه ، تعتد بنظافتها الشخصية وتهتم بملابسها رغم وجودها بالصحراء، تمتلك راديو صغير الحجم تستمع من خلاله لنشرة الأخبار باللغة العبرية كما أخبرتني ؛ أيضا تستمع لبعض أغاني لعبد الحليم حافظ وشادية وليلى مراد التى تربطها بها صلة قربي كما أخبرتني بذلك ، حين التعامل معها تأكد لي أنها تتميز بالكرم ؛ أي لديها عطاء بعكس ما كنا نعلمه عن اليهود بمصر قبل مغادرتهم ، من حين لآخر كانت تجلس معي وتستمع إلىّ وإلى أحاديثي بلهجة أبناء الريف فتشعر بسعادة وغبطة وتسألني عن بعض طباع الفلاحين سواء فى حياتهم أو عادات الزواج والعلاقات الإنسانية العائلية التى كانت تفتقدها بإسرائيل.

 

    أعتقد أن السيدة رحيل تكبرني بخمسة أعوام ؛ في بداية العلاقة كنت ألقبها بالخالة رحيل وهذا الاسم أصابها بالضيق فطلبت منى بأن أدعوها مدام رحيل أو أم هارون ، كانت رحيل تهتم بنظافة ابنها هارون والعناية بخيمتها الكبيرة التى كانت تحتوى على قسمين أي حجرتين ومكان للطبخ ودورة مياه لم أشاهدها إلا بعد عدة أسابيع ولهذا تبين لي رغم أن السيدة تحيا بالصحراء إلا أنها تحيا حياة عصرية ورغم هذا كانت تشعر بحنين إلى مصر وشعبها ؛ فلم تنس أيام طفولتها ولعبها ولهوها بحارة اليهود القريبة من مسجد الحسين والموسكي، أيضاً كانت تقص عليّ معلومات عن تلك الأماكن التى لم أكن أعلم عنها شيئا سوى الاسم فقط، فلم يتيسر لي زيارتها من قبل.

 

     بات واضحا أن رحيل تشعر بالضيق من تأخر زوجها رغم أنها لم تكن تخشي الحياة بمفردها فلديها أحد كلاب الحرب القادرة على الدفاع عنها وعن ابنها ؛ أيضا تمتلك سلاحا عبارة عن بندقية سريعة الطلقات كما أنها تؤدى خدمة لأبناء سيناء ومن غير المعقول أن يهاجمها من يتلقون المساعدة منها ، ورغم هذا كانت تبثني من حين لآخر مخاوفها وخشيتها على زوجها ؛ فقد تأخر موعد عودته.

 

     فى أحد الأيام تحدثت معي بحديث واضح صريح عبرت فيه عن شعورها بالراحة من ناحيتي ومشاعرها الطيبة نحوى حيث لم يكن لها شقيق ولهذا فهى تشعر بأنني شقيقها الأصغر ، شكرتها على ثقتها نحوى وأخبرتها بأن هذا هو نفس شعوري ؛ فلدي ثلاث شقيقات حرمت منهن وحرمن منى ولهذا فأرى أنك العوض عنهن ، زاد هذا من ترابطنا أكثر فأكثر ، كانت رحيل تقضي فترات طويلة جالسة معي تحت أشعة الشمس وفى بعض الأحيان تستضيفني بخيمتها ؛ حيث كان الصغير ينام هادئ البال على ساقيها سعيداً بحنان أمه ، وحين ألاحظ  رغبتها بالنوم كنت أغادر الخيمة عائداً إلى مكان إقامتي بمخزن المساعدات الغذائية.

 

      تلك الليلة شعرت برغبة قوية فى النوم مبكراً ؛ فلقد ظللت طوال النهار أقوم على تفريغ لورى نقل محمل بأربعين شيكارة دقيق تزن الواحدة منها 75 كيلوجرام وهذا وزن ليس لي مقدره على تحمله لكن الله أعانني حيث كان السائق وزميله يجالسان رحيل يتحدثون بحديث غريب اللغة على سمعي ، كدت خلال تلك الفترة أسقط إعياءاًً من كثرة العمل ، هكذا إنتهيت من تفريغ الحمولة وتلقيت ثناء من رحيل بعد مغادرة الجنديان ؛ حيث نظرت إلىّ نظرة عميقة تدل على الود والشكر لما قمت به من مجهود.

 

     لم تمانع رحيل فى حصولي على قسط من النوم مبكراً رغم شعوري إنها إعتادت على مجالستي مثل كل يوم ؛ حيث تدور بيننا أحاديث متبادلة والتى تتطرق للحياة فى مصر وأسئلة معادة عن بعض أماكن بالقاهرة وهل ما زالت النساء يرتدين الملاءة اللف، ثم مديحها وثنائها على رقة وجمال ممثلات مصر كفاتن حمامة ولبني عبد العزيز وكريمان وغيرهن ؛ بعد أن استغرقت فى نوم عميق نهضت مذعورا على صوت رحيل صارخة تنادي علىّ وتستنجد بأي إنسان ؛ أسرعت إليها مندفعا رغم وجود بعض الصخور والحصى بالممر الواصل بين مخزن الغذاء ومكان نوم رحيل ، لم أجدها فى خيمتها وسمعت صوتها خارج الحصن الذي شيده جنود الجيش الإسرائيلي بوضع بوابة حديدية عليه لمنع الحيوانات المفترسة من الضباع والذئاب من مهاجمتها ليلاً.

 

    أسرعت للخارج فشاهدت رحيل تجلس أرضا على ركبتيها كما شاهدت رجلا ممدا أرضا ووضعت رأسه على فخذها ؛ مازالت تتلوي حزنا وبكاء مؤلماً ، أسرعت إليها متسائلاً: ماذا حدث وما حكاية هذا الشخص؟  حينما شاهدتني أمسكت بتلابيبي طالبة منى حمل الرجل إلى خيمتها ومازالت تنادي، موشيه ... موشيه ، الآن علمت من هذا الرجل ؛ إنه موشيه زوجها الغائب ، حملته بصعوبة حيث كان الرجل أقرب إلى البدانة ، وضعته على السرير وشاهدت على الضوء المنبعث من الفانوس آثار إصابات وضربات فى الوجه وعلى الأيدي وكدمات ، تذكرت ما حدث لي سابقا على يد أحد الجنود والذى أنقذني منه الجمل هادي المخلص.

 

     أقف فى حجرة النوم ورحيل تجلس على حافة الفراش تداعب شعر رأس الرجل ؛ حيث كان ينام ويئن بصوت واضح ، تهدهد على كتفيه وعلى وجهه بعيداً عن الكدمات التى لحقت به وتتساءل: عمن قام بهذا العمل ، تعيد ذكر بعض الأسماء حتى إذا ذكرت اسم "جاستون عدس" صرخ الرجل مشيراً بأحد أصابعه بأنه هو وردد خلفها المجرم ، المجرم .. يكمل حديثه: بعد أن فرغت من مهمتي بتل أبيب إقتفي أثري ؛ حتى إذا بلغت حدود العدو المصري بسيناء ألقى القبض عليّ موجها لي بعض التهم .. أشاهد الرجل "يتألم أثناء الحديث" يكمل حديثه: حتى إذا إقتربنا من منطقتنا تلك أخذني بعيدا عن جنوده وقال لي أريد أن أرسل معك بهدية لزوجتك الجميلة ؛ ظل يضربني بيديه ورجليه ثم أكمل عليّ بقطعة من الخشب كانت معه بالسيارة الجيب ، هكذا وجدت نفسي أصرخ ورحت فى سبات حتى إذا وصلنا إلى هنا قذف بى من السيارة وأطلق علىّ ظهري ثلاث رصاصات أصابت أماكن مختلفة ولكنها لم تصب القلب ، أنا أشعر بأن نهايتي إقترب موعدها.

 

    مازالت رحيل تبكى متوعدة هذا القاتل النجس ، يردد زوجها "رحيل" تنبهي لنفسك ، جاستون راغب بك ، جاستون راغب بك ، صرخ الرجل آه .. آه .. آه .. آه .. صمت ولم أعد أسمع أي أصوات حتى صوت الزفير والشهيق توقف لثلاثتنا ، لم يقطع هذا الصوت سوي صراخ رحيل باكية حيث وضعت رأسها على صدر الزوج الذى فارق الحياة وظلت تعدد وتولول بكلمات غير مفهومة.

 

     تركت الحجرة ووقفت بالخارج من شدة الحزن ؛ سواء على الزوج أو رحيل ، بعد قليل سكنت رحيل ونهضت وغادرت الحجرة وغابت قليلاً ثم عادت مرفوعة الرأس وتبين لي أنها هندمت من ملابسها وصففت شعر رأسها وغسلت الدموع وما يصاحبها من مظاهر على الوجه ، نظرت إلىّ متحدثة بكلمات قليلة مقتضبة:

 

ـ صابر ؛ رأيت ماذا حدث لزوجي وماذا ينتظرني من وجه البومة جاستون الملحد ، لقد تعاهدنا على الأخوة فلتكن هكذا وتقف بجوار أختك وطفلها بعد أن ترملت وتيتم هارون ، ألقت برأسها على صدري باكية بحزن شديد ، هدأت من روعها وطيبت من خاطرها وتعهدت لها مرة ثانية بأنني سوف أقف بجوارها وأحميك أنت وصغيرك ، الآن قفي وإنهضي وفكري فى الخطوة القادمة.

 

    جلست قليلاً وإستندت بظهرها على دولاب صغير مرددة: سوف نواريه الثري ، سوف نواريه الثري .. فى الصباح سوف أعد العدة لإجراءات الدفن والصلاة على روحة طبقا للتعاليم اليهودية ، عليك الإنتظار بجواره حتى الصباح ؛ فمن المحتمل أن تعود إليه الحياة!! ثم هربت من أمامي باكية وإتجهت للحجرة الأخرى كي تحصل على قسط من النوم وتقوم على حماية صغيرها.

 

    هكذا وجدت نفسي بجوار جثمان موشيه ، كنت مرتابا ومتخوفا بأن أظل بجوار إنسان توفي ولاقي ربه كما أن من توفي عدو ويهودي ونحن لا نثق بهم وما سمعته من الشاويش إدريس وباقي رجال الحدود ينبئ عن هذا، لم أستطع أن أغالب النوم ورحت فى سبات ، إستيقظت فجأة ونسيت أنني غفوت بجوار جثة وفتحت عيناي فشاهدت هذا المنظر فحدث لي ذعر وخرجت مني بعض الصيحات فأقبلت رحيل مسرعة كي تطمئن وتعلم ما حدث ، قدمت لها إعتذاري عما حدث وصياحي الذي أزعجها من نومها ، جلست قريبة منى بينما كنت راغباً فى ترك المكان ؛ كان السبب الرئيسي الذى أزعجني وأخافني هو منظر موشيه ، فحين إستيقظت شاهدت وجها مخيفا إلى أقصي درجة ، الوجه أزرق والعينان منتفختان ورائحة كريهة تفوح منه لم أشتم مثلها من قبل ، لقد شاهدت الكثير من الموتى بمطروح وهم فقراء وذلك حين كنت أعمل صبي حانوتي لكنى لم أشاهد هذا المنظر أو أشتم تلك الرائحة.

 

     تفهمت رحيل ما أثار ضيقي ، طلبت منى الهدوء ؛ موضحة أن ما تراه هو نوع من عبادة الله بأن يقوم من توفي بالتذلل لله ويضع المساحيق الداكنة على وجهه ، شاهدت الحيرة وعدم الإقتناع لما تقول على وجهي ، أعادت حديثها ؛ الذي يتوفي بسبب الحماية والدفاع عن اليهودية وتعاليمها تعود إليه الحياة فى الجانب الآخر من الدنيا ولا نشعر نحن البشر بهم ويقومون بالعبادة والتذلل والاستكانة للرب.

 

    إكتفيت بما أوضحت وفسرت ورغم هذا لم أقتنع بكلمة واحدة ؛ فأنا أعلم علم اليقين أنه موشيه لم يؤمن برسالة سيدنا محمد ، فى الصباح طلبت منى رحيل حمل كوريك الحفر والسير خلفها بعد أن وضعت صغيرها فى المرجيحة ولم تدع له الفرصة لمشاهدة أبيه وما حدث له ، بالخارج تخيرت رحيل مكانا وسط الرمال وطلبت منى عمل حفرة عميقة ، ظللت أقوم بالحفر حتى إنتصفت الشمس بالسماء ، الحفرة لا يقل عمقها عن متر ونصف بطول مترين وعرض متر.

 

     طلبت منى حمل زوجها وإحضاره لداخل الحفرة ، كنت متخوفا من هذا، توجهت إليه فلاحظت أنها قامت بإستبدال ملابسه بملابس أخري وعطرته ببعض عطرها ورغم هذا مازالت الرائحة النتنة تضرب بالمكان ، حملت الرجل إلى الحفرة المعدة ، كنت أشعر بأن بعض قطع من جسده تتساقط وأنا سائر كأنني كنت أحمل تمثالا من الطين ، وضعت الرجل بالقرب من الحفرة وجلست ألتقط أنفاسي فإذ برحيل تطلب منى جمع ما سقط من جسده ، سبب لي هذا ضيقا شديدا وكدت أفر هربا فلم أتعرض لمثل هذا الموقف من قبل.

 

     إستجبت لما طلبت ليس خوفا أو حبا فى أخوة حديثة ولكني فكرت فيمن سوف يقدم لها يد المساعدة؟ لا أدري ، قمت بجمع قطع اللحم المتساقطة من المتوفى ؛ صرخت حينما شاهدت الديدان بداخل تلك القطع ، أنا أعلم أن تلك الديدان لا تأتي للميت إلا بعد مرور أربع وعشرين ساعة ، ألقيت بتلك القطع بالحفرة ودفعت بيدي بالجسد فسقط مرة واحدة مما أغضب رحيل ؛ ظللت أنظف يدى بالرمال فترة طويلة ، أشرت إليها بأن ألقي عليه بالرمال ، وافقت وبعد أن إمتلأت نصف الحفرة بالرمال طلبت منى أن أضع الصخور فوق تلك الرمال حتى لا تأتي الذئاب وتتناول لحمه ، نظرت إليها راغبا بأن أخبرها بأن الذئاب تعاف هذا الجسد ولكنى صمت مراعاة لمشاعرها ، أصابتني الدهشة ، وتساءلت: كيف تنتشر الديدان بتلك السرعة بجسد موشيه، لقد إطلعت علي الكثير من عادات الديانات الأخرى ولم أعلم مثل ما شاهدت.    

 

     جلست السيدة بجوار الحفرة تقرأ بعض تراتيل وتعاويذ وكلمات ليس لها معنى لأنني لم أتفهم منها أي كلمة بعد سماعي لها ، طلبت منى مساعدتها للنهوض ، نهضت وسارت شبه مترنحة وإستندت بجسدها على جانبي الأيمن وظللت معها حتى باب حجرتها فتركتها مسرعا مغادرا المكان متوجها للمياه أقوم على غسل وطهارة يداي ، رغم هذا لم أشعر بالراحة ولهذا تحللت من ملابسي وإستحممت بمياه باردة وتوضأت وقمت بأداء صلاة الظهر.

 

     هذا الحادث أظهر لي بجلاء بأن من يؤمن بالله تصبح نهايته طيبة ولا يحدث له مثل ما حدث لموشيه زوج رحيل ، تساءلت: وماذا سوف يحدث له بعد أن يأتي الملكين للمقبرة لحسابه؟ كانت الإجابة فوق قدرة الإنسان العادي وأعتقد أن بعض العلماء يعلمون ولكنى لا أعلم وما شاهدته لهو أكبر بيان وحقيقة.

 

     فى المساء رغبت بمجالسة رحيل والأخذ بيدها وتضميد جرحها النفسي؛ إلتحفت بالعباءة ووضعت الشال على كتفي وسرت متجها لخيمتها بعد أن مررت على أصدقائي من أكلة العشب حيث قدمت لهم التحية وشعرت بعدم ود من ناحيتهم حيث كان التجاهل هو حالهم وقد أدهشني هذا التصرف ، مازلت سائرا لخيمة رحيل ولا أدري لماذا إتجهت إلى الباب الحديدي الذى يفضي للخارج ؛ حيث شاهدت ضوءا خافتا ، خشيت قدوم المجرم جاستون الذي تحدث عنه موشيه زوج رحيل.

 

     فتحت الباب بالمزلاج الداخلي ووقفت أتفقد المكان فشاهدت إضاءة أو لهبا صاعدا من الأرض ، أسرعت جهة النار فشاهدت النار تنبعث من الحفرة التى قمت بحفرها ظهر اليوم ووضعت بداخلها جثمان موشيه ، أسرعت بالعودة مناديا على رحيل التى أقبلت مسرعة يحرسها كلبها متسائلة ما الذي دفعني للصياح بصوت مرتفع ، أخذت بيدها وخرجنا خارج الباب الحديدي ومجرد أن شاهدت النار حتى صرخت وأسرعت جهة القبر تحاول إطفاء النار بقذفها بالرمال.

 

     شعرت بضيق من أن يقوم جاستون بهذا العمل بعد أن مات الرجل ، أشاهد رحيل تحاول إطفاء النار ورغم هذا فشلت كل محاولتها فأشارت لي بالمساعدة، أسرعت إليها محاولا إطفاء النار دون جدوى ، تساءلت هل هي نيران أم ضوء؟ نظرت إليّ مستفسرة راغبة بالإجابة على هذا السؤال ، وضعت بعض أعواد من العشب المنتشر بالمكان جهة هذا الضوء فإحترقت فى الحال ، تذكرت رواية لأحد الصحابة الأجلاء بأن رجلا من قريش أغضب أمه ومات وهي ناقمة عليه وبعد أن تم دفنه خرجت النيران من الحفرة التي دفن بها ، حينما علم رسول الله صلي الله عليه وسلم طلب إحضار الأم وأخبرها بما حدث ، بكت ودعت ربها بأن يغفر له ، خمدت النار بعدها مباشرة.

 

    أسرعت للداخل بإحضار عبوة ماء كي نطفئ هذا الحريق وحينما شاهدتني رحيل أشارت إليّ بألا أفعل ، وضربت يديها بعضهما ببعض وهي تردد "ما فيش فايدة ، جسده أتحرق خلاص ، مات كافر ، الرب مش راضي عنه" ، نهضت مغادرة المكان والبكاء والعويل هو حالها ، حاولت اللحاق بها ولكنها منعتني بطريقة سيئة للغاية صارخة بى بأن وشي شؤم عليها وعلى أسرتها.

 

    توجهت للمخزن وجلست صامتا متسائلا ً: ليه وشي شؤم؟ دا أنا حالي يصعب على الكافر ، تنبهت لكلمة الكافر ، لقد مات موشيه كافرا والدليل ما شاهدته على وجهه وقت أن تنبهت من نومي حين كنت أقوم علي حراسة جثمانه بعد وفاته ثم الجيفة التى لحقت بجسده أثناء دفنه والآن الحريق والنار التى تتصاعد من مدفنه ، إسترجعت الكثير مما كنت أسمعه من شيخ المسجد بمطروح عن القبر الذي يصبح روضة طيبة على جسد المتوفى المسلم العابد صاحب العمل الطيب ، والقبر المهلك الذي تخرج منه النار على الميت وما يشاهده من العذاب بعد دفنه.

 

   أيقنت بأن ما شاهدته هو نوع من العذاب الذي يلقاه الآن موشيه لأنه كافر، طلبت من الله المغفرة والعفو وأن يجعل خواتيم أيامنا طيبة ويغفر لنا كل ذنوبنا ، ثم نهضت وتوضأت بمياه أقرب منها للثلج وقمت بالصلاة عدد من الركعات شكرا لله لأن أنار لنا الطريق وأمنا به وبرسالة سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم.     

 

 


 

 

 تحول الغزالة إلى نـمر

 

     ساد الصمت بالمكان ، كما ودعت رحيل الضحكات والإبتسامات الرقيقة التى كانت تخرج من بين شفاهها الجميلة ، تركت المرح وبعض أغاني شادية وليلى مراد وحاكت نساء الصعيد حين الحزن وذلك بوضع رابطة سوداء حول رأسها ، كانت تجلس ساهمة لفترات طويلة وأهملت طفلها والحياة ، بل لم تهتم بالبدو حين القدوم للحصول على المؤن الشهرية؛ حيث كانت تشير إليّ لأراجع المقررات وأقوم على صرفها.

 

   لم أستطع التفاهم معها أو الإقتراب منها ، فما شاهدته من آثار التعذيب على جسد الزوج أثناء دفنه أثار مخاوفي ؛ بل وجزعت نفسي عن الطعام التى تعده وأصبحت كارها المكان ، أيضا النيران التى كانت تتصاعد من قبره كل يوم أخافتني ؛ كل تلك المظاهر أثبتت أن الرجل كفر بربه وهو غير راض عنه وأن تلك السيدة مثل زوجها وأنها لا تعاملني كأخ كما قالت ؛ حيث أسمعتني كلمات سيئة بالأمس ؛ شعرت رحيل بأنني بعيد عنها ولهذا حاولت قدر طاقتها الإقتراب منى ، جلست بجواري ليلاً جلسة طويلة وخلالها أخبرتني بالمزيد من المعلومات التى كنت أجهلها تماما.

 

     صابر ؛ أول حاجه ماتزعلشى من الكلمتين اللى قلتهم لك أمبارح ، أعذرني لما أشوف الحالة اللى مات عليها موشيه وبعدها اللي حصل له بالقبر ، كمان جاستون المجرم رغب بى أكثر من مرة حيث كنت أرفض رغباته ؛ صرحت بهذا لموشيه فطلب منى أن أضع ليمونة فى فمي وأتقبله! نظرت إليها بدهشة فلم تهتم وإستطردت فى حديثها: صابر أنا أقوم على خدمة بلدي وعقيدتي ، ألا تعلم أن الشباب اليهودي يموت منهم الكثير بنيران المجرمين القتلة سواء المصريين والسوريين أو الإرهابيين الفلسطينيين ، هل الحياة أهم أو العفة والشرف؟ الرجال يقومون بالتضحية ؛ أيضا النساء يقمن بالتضحية سواء بالعمل بجيش الدفاع أو بتقديم بعض المتع الجنسية لمن يقدم بيانات ومعلومات تفيد الوطن أو للجنود الذين يحاربون ، ومن أجل هذا فأنا أقوم على تسلية بعض القادة بالجبهة الجنوبية المصرية وإمتاعهم بالرقص الخليع الذي يخلب عقول الرجال ، جاستون أحدهم ولم أرغب به ليس للعفة كما سبق وأخبرتك لكن لسبب آخر ؛ رائحته سيئة ولا يداوم على النظافة وتلك بعض العيوب المنتشرة بالشعب اليهودي.

 

    ألا تعلم إنني وموشيه حينما تزوجنا أرسلوا بنا إلي معسكر قريب من الحدود المصرية ؛ حيث شاهدت المعسكر قد إمتلأ باليهود المصريين والمصريات اللذين كنت أعرفهم أو اللذين لم أشاهدهم قبل هذا ، كان المعسكر مقسما إلي أقسام مختلفة ، كل قسم مخصص لعمل معين ، كان من نصيبي ونصيب موشيه أن ننضم للمعسكر الذي سوف يقوم بمد أبناء سيناء بالمعونة وإستقطابهم فى حالة نشوب حرب بين مصر وإسرائيل وإحتلال سيناء!!

 

أتساءل: هل كان الإسرائيليون يعلمون بأنه سوف تحدث حرب بين البلدين وتنتصر خلالها إسرائيل وتحتلون سيناء؟

 

نعم صابر .. هذا مخطط لدي القيادة .. المخطط يتم بغرض تحقيقه وليس بغرض الإعتماد علي الحظ .. بالضبط مثلما تنوي الذهاب للسوق لشراء بعض الفواكه ، فتقوم بارتداء ملابسك والتوجه للسوق وتتخير البائع ونوع الفاكهة للتأكد من جودتها ثم تقوم بشرائها والعودة بها .. هذا ما يتم هنا .. كل شيء مرتب وتم حسابه والقيادة تعلم علم اليقين بحتمية تحقيقه .. فالشعوب الحرة بأمريكا وأوربا تقدم يد المساعدة لإسرائيل دون حدود حتي لو أدي الأمر لدخول الحرب مباشرة بجانب إسرائيل .. أي أن النصر قائم لا محال ، أيضا سوف تلاحظ أن العدد الأكبر من ضباط وجنود جيش الدفاع بسيناء يتحدثون العربية بطلاقة والسبب في هذا أنهم من يهود مصر والمغرب وتونس واليمن ولبنان وسوريا ، ومن أجل هذا وضعتهم القيادة بالوحدات العسكرية التي سوف تقاتل المصريين ، سوف تلاحظ هذا بنفسك.

 

     بداخل المعسكر تم الزواج ، كان هذا نهاية عام 1963 ولم نكمل ثلاث سنوات منذ هجرتنا من مصر ، كان المسئولون يقومون بتدريبنا علي الرماية وأنواع الأسلحة التي تملكها مصر وأسلوب التعامل مع المصريين بالتهديد و"الشخط" والضرب والقتل والتعالي عليهم ، أيضا علمنا كل شيء عن الصحراء والبدو وأسلوب حياتهم والجمال وما يخصها سواء بالحياة ونوعية الأعلاف والحشائش التي تتناولها أو أسلوب الحياة من حمل وولادة وإنجاب ورعاية الصغار ، بداخل المعسكر لم يتركوا لنا سؤالا يخطر علي بالنا بالمستقبل إلا وكانوا مستعدين له بالمعلومات والصور ، بل كان هناك تحذير من تعامل الرجال اليهود مع نساء البدو لسببين هامين: الأول هو مخالفة تعاليم الدين اليهودي بأن تنجب امرأة كافرة من أحد رجال اليهود المؤمنين الذين فضلهم الله علي باقي شعوب العالم والشيء الآخر كثرة الأمراض المنتشرة بينهن ، ومن أجل هذا قررت القيادة إمداد معسكرات الرجال ببعض نساء اليهود المؤمنات للترفيه عنهم وإشباعهم جنسيا!!!

 

   صمتت رحيل لفترة ثم نهضت وتوجهت للمطبخ لإعداد عشاء ممتع كما قالت ، أعقبتها بضحكة تدل على عدم الإهتمام بما حدث لزوجها ، شاهدت الحيرة والريبة فى وجهي ، أسرعت نحوى وإقتربت منى وقبلت قمة رأسي وهى تردد:

 

ـ صابر ، ح تشوف رحيل ح تعمل إيه ، لأجل الإخوة اللى بينا ماتسيبنيش أو تهاجمني بكلام شديد ، سيبنى على  راحتي أعمل اللى أنا عايزاه، لكن النهاية هيا المهمة ، مش ح سيب تارى ، مش فى مصر بيقولوا كده ، أنا زيهم ، أنا مصرية وعندي التار ، يا أنا يا جاستون الكلب ؛ سمعنا صوت نفير سيارة وإضاءة واضحة من خلال الباب الحديد ، طلبت منى الذهاب لمشاهدة من القادم ، تركتها وإتجهت للباب ؛ من خلال الأعواد الحديدية سمعت صوتا حاداً يطلب منى فتح الباب ، كان أحد ضباط جيش الدفاع الاسرائيلى وبناء على تعليمات رحيل السابقة يجب علىّ تنفيذ تعليماتهم بسرعة وإلا سوف يطلقون علىّ النار.

 

      تهادت السيارة إلى الداخل وهبط منها الضابط الذى نظر إلىّ متسائلاً:

 

ـ فين ستك يا ولد؟

 

ـ الله يرحمها ، دى ماتت وشبعت مووت

 

ـ أنت ح هتزر معايا ، تذكرت حادث مطروح وابن الباشا فخشيت الأذية ، تساءلت:

 

ـ تجصد مين يا ساعة البيه؟

 

ـ فكرتني بمصر وأيام مصر الحلوة ، كان كل الهلافيت والعبيد اللى زيك يقولوا ليا كده ، روح إنده علي ستك رحيل.

 

ـ حاضر يا بيه ، دجايج وتيجي تجابل حضرتك

 

ـ أسرع الرجل بالدخول لحجرة الإستقبال ، غادرت المكان ُمسرعاً ودلفت من الباب الخلفي أخبر السيدة رحيل .

 

 حينما وقعت عيناي عليها شاهدتها فاتنة رائعة الجمال فى ثوب حرير كاشف للجسد أكثر مما يخفي ، نظرت إلىّ باسمة ثم أمسكت بشفتاي وضغطهما على بعض ، وبكلمات قليلة قالت: دقيقة وأكون عنده يا صابر ، تحركت من أمامي تتهادي وهي تتغني بأغنية .. "نعم يا حبيبي نعم ، أنا بين شفايفك نغم"

 

      أسرعت إلى مخزن الدقيق ؛ جلست بالظلام لا أعي ما يحدث بجواري، تنامي إلى سمعي أصوات ضحكات عالية مرتفعة تلهب المشاعر والأحاسيس ، إقتربت من مكان جلوسهما أتلصص بتأثير الشباب وحب المعرفة ، شاهدت أشياء ومناظر لم أشاهدها بحياتي قبل هذا ، وكانت النتيجة أن الإثنين تخلصا من ملابسهما وإلتصقا معا وخفضا من ضوء الفانوس ، لحظتها عذرت "أمشـير" ولهفته على الناقة المجاورة لي ، رغبت بإطلاق اسم رحيل عليها ولكنى شعرت بأن هذا يعتبر ظلما لتلك الناقة التى تتبع منهج الحياة التى خلقت عليه ، ساورني هاجس بترك هذا المكان النجس والتوجه لرجال الفصيلة ، إسترجعت أفكاري ؛ فأنا لن أستبدل أخلاق الناس أو عقيدتهم ، فلتكن رحيل غانية وأظل أنا عابد لله أتلو القرآن ، نهضت لقراءة القرآن فتنبهت على صوت وداع ساخن أعقبه سماع موتور السيارة التي غادرت المكان وأغلقت رحيل البوابة ، سمعت صوتها ينادي عليّ فلم أجب ، صمتت ثم أغلقت الأنوار وخلدت فى نومها.

 

      لم أستطع النوم بعمق تلك الليلة ، لقد تحطمت معاني ومبادئ كثيرة  كنت أعتقد أن رحيل تتمتع بها ، لكن تبين لي أن كل شيء قابل للبيع والعطاء وبالأخص الشرف والعفة ، فموشيه لم يمض على وفاته أيام بينما رحيل تلقي بنفسها بين أحضان رجل آخر ، ومن هذا الرجل؟ بئس الأخلاق.

 

      لم أغادر المخزن كعادتي كي أقوم على إطعام "أمشـير" والسيدة حرمه كالمعتاد أو التأكد بأن المكان لم يتسلل إليه أى من حيوانات الصحراء المفترسة أو البحث عن أي مشكلة ما كي أقوم على علاجها ، أو أقوم على حمل الماء إلي الخزان الموجود قريبا من خيمة رحيل كي تستحم وتغتسل ، ظللت جالساً ساهماً وشعرت بأن رأسي لم يعد بها أي أفكار ذات فائدة ؛ فقد تداخل كل شيء ولم تعد هناك مبادئ أو قيم ، شعرت بأن آذان الفجر قد حان ، تركت الوخم والدفء وتوجهت للبئر وبالعبوة التى معي حملت الماء وتوضأت وشعرت بأن عظامي سوف تتكسر من شدة البرودة ، عدت وقمت بأداء صلاة الفجر ثم الصبح وجلست قليلاً وشعرت بالراحة بعد أن تسلل الدفء إلى جسدي ، بعد قليل سمعت من يحاول فتح باب المخزن ؛ ثم ظهرت رحيل بإبتسامتها الرقيقة التى إعتدت عليها منذ أول لقاء تم بيننا ؛ ألقت علىّ بتحية الصباح ثم تقدمت ناحيتي وجلست مواجهة لي ، كانت تتحدث بأحاديث لا رابط بينها ، تفتح حديثا وتغلق آخر وكان من الواضح أن عيونها تهرب من نظراتي لها.

 

    فجأة تشجعت وقالت: أنا قلت لك إنى مش ح سيب تارى من جاستون ، إمبارح كان أول خيط للخطة ، إقتربت منه وأنت شفت وسمعت .. بس .. أدي كل الحكاية ، تفتكر إني سلمته نفسي بجد؟ مش ممكن يحصل أبدا وح تقول رحيل قالت ونفذت ، توقفت قليلاً ؛ رغبت بالحديث فأشرت لها بأن تصمت ؛ فعلت ثم ألقيت عليها بسؤال: هل الرجل الذى حضر بالأمس وإلتقيت به هو جاستون؟ أشارت لي بما يعني نعم وتلك كانت الكارثة.

 

    نهضت راغبا فى مغادرة المكان ، أسرعت تحول بيني وبين أن أتركها بمفردها ، ظلت تحاول إقناعي حتى شعرت بالذل يسيطر على صوتها وعواطفها ، ألحت باكية بأن ما تقوم به سوف يعرضها للخوف وتضطر للعودة ثانية للمستعمرات الإسرائيلية التى كرهت الحياة بها ، فما بالك الآن بعد أن فقدت زوجي ، لقد كان زوجي بجواري وأنا أريد أن أظل بجوار مقبرته حتى يعلم كيف أخذت بثأره ممن قتلوه وإنتقمت منهم.

 

    بصوت جاد وحازم: صابر ، الآن سوف نعمل معا ، هل تجيد إستخدام البندقية؟ أجبتها بكلمة لا ، إذاً إتبعني وسر خلفي لأقوم على تدريبك على كيفية إستخدام السلاح حتى تصبح رامياً ماهراً وتقدم لي يد المساعدة للأخذ بثأر زوجي.

 

     هكذا تحولت عربدة الأمس إلى تدريب جاد على أجزاء البندقية من فك أجزائها ونظافتها واسم كل جزء والتصويب الجاف دون ذخيرة ؛ ظللت ثلاثة أيام على هذا الوضع حتى جاء اليوم الرابع والذى كان رماية بالذخيرة الحية ، فى هذا اليوم إستهلكت كمية كبيرة من الذخيرة ، مازالت رحيل تقوم على تدريبي ومراقبتي أثناء الرماية ؛ مضي هذا اليوم وجاء اليوم التالي ثم الأسبوع التالي وظللت لمدة ثلاثة أسابيع أقوم بالرماية يوميا وفى بعض الأيام كانت تقوم علي تدريبي على الرماية الليلية وفى أوقات أخرى على الرماية لأهداف متحركة.

 

    مضي أكثر من شهر أخبرتنى بعدها بأننى أصبحت رام ماهر وتساءلت: ماذا تريد منى أيها الرامي الماهر؟ إقتربت منها وعرضت رغبتي بشراء جوالين دقيق وعبوتان من السكر وصندوق شاي وصندوق دخان لأصحابي العمال الذين يعيشون على هامش الحياة بجوار بعض القبائل العربية.

 

   وافقت على طلبي وتحملت ثمن نصف تلك الطلبات ، أخبرتها بأننى سوف أتغيب عنها أربعة أيام فطمأنتني على نفسها وأن تلك الأيام سوف تشهد زيارات يومية لبعض ضباط المنطقة الجنوبية ولهذا سوف تصبح فى أمان لحين عودتي ، هكذا حمل أمشير كل ما رغبت شراءه طالبا منه مرافقتي إلى فصيلة الشاويش إدريس ، فى بادئ الأمر تلكأ ، بعد هذا بدقائق غافلني وتحدث مع الناقة وحدثت همهمة وبعض إشارات وشعرت من تصرفات قام بها بأنه قبلها عدة قبلات وودعها وداعا ساخناً لا يقل عن لقاء رحيل وجاستون الشهر الماضي. 

 

 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech