Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

روايه فهد الليل- الجزء الرابع

 

كتبها على لسان أبطالها

أســامة على الصــــادق

.....

الطبعة الأولى .. مارس 2012

الناشر: الكاتب

.....

تصميم الغلاف: ريهام سـهيل

.......

حقوق الطبع محفوظة للكاتب

موبايل: 01227970032

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

رجال داخل الحصار

   

      بعد أن غادر صابر موقع الفصيلة سمعت صوت إدريس ينادي علىّ: رباح ؛ أسرعت إليه فشاهدته جالسا محملقاً بنظارة الميدان التى وصلت إلينا قبيل إندلاع الحرب ، بصوت واضح مرتفع قال:

ـ رباح ؛ إجمع كل الرجالة اللي خاليين من الخدمة وكمان ضيوفنا بتوع البترول ، أسرعت لتنفيذ تعليمات إدريس ، لم تمض عشرة دقائق إلا وكان الرجال قد أقبلوا وجلسوا مواجهين لإدريس الذي طلب من زميلنا جعفر إعداد بكرج "براد" الشاي.

     إيه يا رجالة ، بجالنا خمس تشهر بعيد عن أهالينا من يوم ما جامت الحرب لا حس ولا خبر ، لا هم عرفوا حاجه عنا ولا إحنا نعرف أيتها حاجه عنهم وكمان مانعرفش الحكومة بتسلمهم الراتب الشهري ولا لأ؟ بعد هذا صمت إدريس قليلاً ، تحدث العريف أبو بكر:

ـ إدريسا : إعتبرنا فى عداد الأموات أو الشهداء اللى بنسمع عنهم فى الراديو ، يعنى دول ح يجوموا يستفسروا عن أحوال ناسهم ، إتركها لله .. الجميع: الحمد لله

ـ كلامك زين يا أبو بكر ، دلوجتى يا رجاله عايزين نفكر نعمل حاجه تنفع البلد وتضر العدو ومش تحطنا فى موجف صعب زى اللى وجع فيه الجندي صابرا وإلا بلاش الجندي ما هو مش تبع الجيش ، الولد صابرا جام وعمل عملية واعره ومهمة وفيها جتل المجرم "جاستون" بتاع المخابرات الإسرائيلي وزى ما إنتوا شاعرين العدو عمال يدور على اللى جتله والولد صـابرا عمل زين إنه جاب الفرس حدانا لحد من العدو يعرفه ويخلصـوا

عليه، فكروا شويه فى حاجه نعملها عشان ننتجم من المجرمين الإسرائيليين.

ـ أبو بكر: عرفنا الولد صابرا إن الطحين حدانا جرب يشطب ، والله الولد ده جدع وجايم على مصلحتنا وبيحارب لوحده ، ربنا إمعاه ، وعشان كده خبرنا بأنه ح يسيب تموين الشهرين بالمنطجة اللى اليهود حبسونا فيها عند جبل الحلال من كام شهر والكلام ده ح يكون فى نص الشهر العربي عشان الجمر وهو خايف يجيب الحاجه لوحده تجوم الديابة ولا الضباع تجابله وتخلص عليه وعلى الجمال لكن إحنا عزوه وعندنا خبره فى الموضوعات اللى زى كده.

ـ إدريس: ربنا يوفجه ، عرفته ح يجيب جد إيه؟

ـ أبو بكر: هوه جال إنه ح يبعت شوالين طحين كبار وشيكارتين سكر وصندوجين شاي وصندوج بن وعبوتين سمن وتلات عبوات زيت وعبوتين لبن جاف.

ـ المهندس عزيز ميخائيل: سبق إنى كلمتك قبل كده يا شاويش إدريس بأن البريمة الموجودة بموقع البترول لو طلعناها من الحفرة وردمنا المكان ح تكون العملية دية مؤثرة لو الإسرائيليين حبوا يشغلوا البريمة عشان يطلعوا البترول ، طبعا فيه بير إسترشادي جنب البريمة لكن بتروله ضعيف وغير إقتصادي وطبعا مش ح يقربوا منه لأنه مش ينفع.

ـ إدريس: طيب البير الإسترشادي اللى بتجول عليه فيه بترول ، يعنى ممكن نجيب منه جاز ولا سولار؟

ـ عزيز: ده فيه بترول خام ، يعنى لا ينفع جاز ولا بنزين ولا سولار لكنه ممكن يشتعل ولونه أسمر وتقيل لأن عليه القطران لسه ومش تكرر.

ـ إدريس: إيه خطتك اللى أنت جلت عليها من كام يوم؟

 

ـ عزيز: نرفع البريمه من موقع البير ونردمه بالرمل وناخد البريمة ونرميها بالبحر والمسافة قريبة حوالي مائة متر ، وممكن الجمال تساعدنا بقوتها سواء لرفع البريمة أو لسحبها ورميها بالبحر ، كمان فيه معدات مهمة بالموقع وربنا يعمي اليهود عنها، وعايز نجيب أكبر كمية من المعدات عشان كده فكرت لو تبعت كام واحد معايا ونروح هناك ونستكشف المنطقة ونشوف أحوالها إيه.

ـ إدريس: موافج ، الطيب وجعفر وآدم ح يروحوا معاك وطبعا رجالتك معاك؟

ـ عزيز: أيوه ، بس ح نروح قبل الغروب عشان محدش يشوفنا

ـ إدريس: كلامك زين وطيب ، أنا موافج والرجاله اللى سمعوا اساميهم ح ينضموا للباش مهندس عزيز وتاخدوا جمال جويه ومرتاحه وسلاحكم معاكم، خلاص كل واحد يروح يرتب نفسه.

***

    بعزبة رضوان باشا بأنشاص أصبحت أسرة صابر تجتر أحزانها على هذا الشاب الذي فقد حياته دون معرفة مثواه الأخير كما لم تمنح الحكومة المصرية أسرته أي تعويض أو معاش وأصبحت الأسرة مكبلة بالعمل وبدأ البعض يتناسى تلك الأسرة وعكفت البنات مع أمهن على العمل بداخل العزبة خاصة بعد مرض زوجة الباشا التى كانت رحيمة بتلك الأسرة ؛ فلم تستطع أثناء مرضها متابعة أحوالهم كما قامت زوجة ابنها الأكبر بإختيار أحدى شقيقات صابر للعمل كخادمة لديها وتلي هذا إختيار الشقيقة التالية وأرسلت بها كخادمة لدي شقيقتها بالقاهرة ولم يتبق سوى الصـغيرة وأمها

التى حزنت على فقد ابنتيها ولم تعد تشاهدهما أو تسمع أي أخبار عنهما ولم

 

تعد قادرة على بث شكواها للسيدة الكبيرة التى لازمت الفراش حتى قابلت ربها فى بداية عام 1968 ثم تبعها رضوان باشا فمرض هو الآخر وسكن الفيلا يحيا تحت إشراف الطبيب بينما إنشغل علاء ابنه فى الإشراف على مكتب المحاماة الذي يمتلكه رضوان باشا الذي أقعده المرض عن متابعة نشاطه.

     حاولت ريهام أثناء زيارة العزبة تقديم يد العون للأسرة ولكن مجهودها كان قليلاً فى مواجهة شراسة زوجة شقيق علاء الأكبر ، والمساعدة التى قدمتها لا تخرج عن الكلمات الطيبة والمواساة ، غادرت منزل أسرة صابر حزينة لما آل إليه حالها ؛ فقد بات واضحا الحزن والفاقة التى تحيا بها الأسرة بعد فقد عائلها صابر ؛ أما عن عم صديق فقد أصبح فى حالة من الإنزواء لفظاظة عصام بك ابن الباشا الأكبر فى تعامله معه ومع باقي العاملين بالعزبة وطغي على الجميع حالة من الضيق والحزن والبعض هجر العمل بحثا عن عمل آخر بعيداً عن عزبة رضوان باشا من سوء المعاملة.

***

    ظل الإسرائيليون طوال شهر ديسمبر من عام 1967 يبحثون عن من قتل جاستون وألقوا القبض على العديد من أبناء سيناء كمشتبه بهم ثم أفرجوا عنهم بعد عدة أيام ، أثناء متابعتي لحالة الجمال أقبل إثنان من مكتب المخابرات العسكرية الإسرائيلية لسؤال رحيل عن الشخص التى تتشك فيه وقد يكون أقدم على هذا العمل ؛ وأثناء الحديث شاهدت أحدهما يشير ناحيتي، أهملت تلك النظرات وظللت مشغولاً بإطـعام الجمال وتســاءل

 

أحدهما: من المحتمل أن يكون هذا البدوي قد قدم يد المسـاعدة لأحـد المخربين.

   نفت رحيل ذلك مؤكدة بأن هذا الشاب يحترم جاستون لما كان يقدمه له من منحه ببعض العملات النقدية كمساعدة له نظرا لأنه فقير مما دفع بالإثنين للضحك لما يعلمانه من بخل جاستون ، فى اليوم التالي أقبل ثلاثة رجال آخرون وتحدثوا مع رحيل ثم أقبلوا ناحيتي وطلبوا منى إصطحابهما إلى ملجأ "زريبة" الجمال ؛ هناك تفحصوا روث الجمال وأعتقد بأن طبيبا بيطريا كان بصحبتهم ، بعدها أشار إلى الآخرين بأنه لا يوجد شئ غير عادي.

    هكذا إبتعد عنا الإسرائيليون ولكن رحيل التى تعلم طباعهم وعاداتهم حذرتني بأنه من الجائز أن يعودوا لمفاجأتنا بالتفتيش ومن أجل هذا يجب أن يظل شهاب بعيداً تلك الفترة لمدة لا تقل عن ستة أشهر ، أحزنني هذا الحديث ؛ حيث كنت فى شوق إلى شهاب ؛ لقد فهم وإستوعب الكثير مما أقوله رغم أننى كنت أجزل له العطاء بقطع من السكر والتى كانت تسعده.

     بداية العام الجديد 1968 ، كنت جالساً أمام الباب الخارجي للمستودع كي أكتسب بعضاً من أشعة الشمس التى أدخلت الدفء إلى جسدي الهزيل حيث أن مخزن الدقيق تشع البرودة من داخله لعدم دقة إحكامه حيث أن التصميم يسمح بفتحات تهوية تغطيها أسلاك دقيقة مانعة لتسلل الفئران أو الثعابين والسحالي ، شعرت بتخدير فى أوصالي وخبأت رأسي بداخل العباءة ورحت فى سبات ، تنبهت على صوت أنثوي يحادثني:

ـ صباحك خير ؛ أريد أخد حصة تموين هذا الشهر

ـ أهلا وسهلا ، معاكي بطاجة الصرف

 

ـ أيوه إمعاي بطاجتين ، واحدة لنا والتانية تبع أمي رشيدة "الخالة" لأنها بعافيه وعدمانه "مريضة".

    برك الجمل بالفتاة ، الفتاة لم تتعدي الثامنة عشرة ، يميزها جمال طبيعي أخاذ وبالأخص خدودها الحمراء من شدة البرد ، طلبت منها الجلوس بأحد ثنايا المدخل القريبة من الباب الحديدي تجنبا لشدة الرياح الباردة ، إقتربت منى وجلست ولاحظت أنها تخرج زفيرا من فمها بداخل كفيها المتشابكتين كي تشعر بالدفء.

   أسرعت إلى الداخل وأعددت كوبان من الشاى وخرجت وجلست قريبا منها وناولتها كوبا أمسكت به بكلتا يديها راغبة فى الدفء ونظرت إلىّ نظرة هادئة وشكرتني بكلمات رقيقة ، بعد أن شاهدت البطاقتين أخبرتها بأن تموين كل أسرة يحتاج إلى جمل ، جمل واحد لا يكفي ، أجابت بأن والدها ألقي القبض عليه منذ عشرة أيام من قبل سلطات الإحتلال ؛ كما أن خالتها لديها أطفال صغار وأكبرهم فى العاشرة من العمر ولهذا وقع علىّ الإختيار ؛ تحدثني:

ـ ربنا يخليك ، تصرف مستحقاتنا حتى أستطيع الوصول إلى الدار قبيل نزول ظلام الليل وما يفاجئنا من حيوانات وضواري وقطاع طرق.

    أخبرتها بأن كل أسرة سوف تصرف جوالين دقيق بالإضافة إلى شكارتين من السكر وصندوقين للشاي وآخر بن وأربعة علب مسلي وأربعة زجاجات زيت طعام وثلاث عبوات لبن جاف وعبوتين خام كاكاو وهذه حمولة جمل وبعد تلك الحمولة لا يستطيع أحد إعتلاء ظهره لأنها حمولة كبيرة ؛ لو أضفنا مستحقات الأسرة التالية بنفس الكميات فأين نضع تلك الحصص التى سوف تقومين بصرفها.

   هدأت وصمتت وأنا أيضا لم أتحدث محاولاً التفكير ولم يستطع تفكير كل

 

منا أن يصل إلى حل معقول لعلاج تلك الحالة الإنسانية ، فجأة سمعت أصوات تهف قريبا وشاهدت السيدة العجوز مقبلة فوق الجمل ؛ وقفت أمامي ونظرت إلىّ صامتة لفترة حتى أن الفتاة صاحبة المشكلة توقفت عن تناول الشاي راغبة فى معرفة ما ترغبه تلك العجوز التى تكلمت بكلمات قليلة واضحة معبرة مؤثرة.

ـ الحظ جه لحد عندك ، جوم وساعدها يا صابر ، وخلى شهاب فى مكانه مع أصحابك لأن اليهود لو شافوه ح يجتلوه ويجتلوك ، فاهم ، ساعد تراجي، إنتفضت الفتاة وتساءلت:

ـ إنتي تعرفي اسمي؟

ـ تراجي أبو إسماعيل ، عرفاكي لكن إنتى ماتعرفينيش ، لسه جاعد يا صابر؟ ، إدخل إصرف كل حاجه لها ومعاك جملين جوه وروح معاها وتعالي بكره بعد ما تكون جدمت خدمة للعيلتين الغلابا.

     تركتنا السيدة وأسرعت بالجمل تسابق الريح وإرتسمت الدهشة على وجه الفتاة وأنا أيضا ، أسرعت بالدخول إلى داخل المستودع وقمت بصرف مستحقات كل أسرة ، مستحقات أسرة الفتاة وضعتها فوق ظهر الجمل "أمشير" أما مستحقات خالة الفتاة فوضعتها فوق الجمل "البركة" ، شاهدتني الفتاة أغادر البوابة الحديدية بالجملين محملين بالحصص التموينية ، شاهدت فرحة وسعادة لم أشاهد مثلها من قبل ، أحضرت الدفتر ووقعت أمام أرقام البطاقتين كما أشرت بداخل البطاقة بأن الأسرتين صرفتا حصة الشهرين المتبع تنفيذها.

    أسرعت للداخل وحفظت الدفتر وأخبرت رحيل بأنني متوجه لخدمة إنسانية مع فتاة وحيدة بالجملين أمشير والبركة وسوف أعود قبيل الغروب أو

 

بالغد صباحا ، طلبت منى غلق البوابة الخارجية ، أسرعت بمغادرة المستودع وأغلقت بابه الحديدي الخارجي وطلبت من الفتاة أن تركب جملها التى حضرت به ، فى البداية تمنعت ولكني طلبت منها ركوبه حتى نغادر المكان ونصل لأسرتها فى الموعد ، كنت أسير على قدمي خلف الجمال المحملة بينما الفتاة تمتطي ظهر الجمل حيث كنت ألاحظ السعادة والفرحة على وجهها ، حينما سألتها عن المسافة أخبرتني بأنها تتعدي العشرين كيلومتر ولهذا واصلنا السير فوصلنا المنطقة التى تقيم بها أسرتها بعد صلاة العصر كما عرفت هذا من أفراد القبيلة.               

    كان إستقبال أسـرة الفتاة طيباً للغاية ؛ أسرعت الفتاة بالترحيب بى والثناء على ما قمت به وتجشمي عناء السير تلك المسافة مع هبوب العواصف الرملية الباردة ، قدموا لي الطعام والشراب ، رغبت بمغادرة الموقع ولكنهم طلبوا مني الإنتظار حتى الصباح تجنباً لحدوث أمطار مفاجئة قد تضر بى وبالجمال ، سهرت تلك الليلة مع الأسرتين المتجاورتين وتبين لي بأنه لا يوجد رجال أو شباب ؛ فالجميع إما فى المعتقل أو مكلفين بتقديم يد العون لجيش الإحتلال فى صورة أبنية وإنشاءات تقام ، كانت الفتاة التى أقبلت لصرف مستحقات الأسرتين والتى أخبرتني السيدة العجوز بأنها تدعي تراجى هي كبري شقيقاتها ولها خمسة من الأشقاء ما بين ذكور وإناث ، وهذا حال أسرة خالتها.

    سهرت مع الأسرتين حتى منتصف الليل وكانت السعادة واضحة من كمية الطحين المضاعفة التى قمت بصرفها حيث أنني قمت بصرف أجولة دقيق زنة 100 كيلو جرام بدلاً من أجولة زنة خمسين وهذا سوف يساعد الأسرتين أن تحييا دون خوف ، لقد وقعت فى هذا الخطأ دون إرادتي وأعتقد أنه نابع  من حالة الإستعجال التى لبستني.   

  

   نهضت صباح اليوم التالي وأنا فى حالة نفسية طيبة لما كنت أشعر به من تقديم يد المساعدة لهاتين العائلتين ، أيضا تذكرت السيدة العجوز التى أصبحت كقدري ومازلت أشحذ فكري عمن تكون وما هي حكايتها ومن أين تلك المعلومات التى تعرفها ومن أين تحصل عليها؟ تناولت طعام الإفطار مع الجميع وتبادلنا أطراف الحديث وعلموا إنني من أبناء مطروح والتى لم تكن لهم معرفة بها.

     تفرق الجميع ، الكبار لشئون الدار والأطفال للعب واللهو بينما ظلت تراجي تجالسني مرحبة بى، لا أعلم كيف هاجمني شعور طيب جميل، لقد لبست ثوبا رقيقا من السعادة يقطر عطراً جميلاً شجيا ، ذاب الوقت بيننا ولم أع إلا وتنامي إلى سمعي صوت آذان الظهر من راديو صغير لديهم ، نهضت مغادراً ، أرادت تراجي أن تستبقيني بعض الوقت ولكنى أقنعتها بأنني مكلف بعمل ، إبتسمت مرددة بأنه من الواجب عليّ ألا أكرر الخطأ الذي وقعت به أثناء عملي مثل ما قمت به معها ، أعقب هذا ضحكة هادئة ونظرت إلى الأرض خجلاً ، إقتربت منها وأسررت بأذنها بأن الإنسان يولد مرة واحدة ، شعرت بأنها فى غاية السعادة والنشوة رغم صمتها وخجلها الذي بات واضحا حتى أن أمها شاهدتنا فأقبلت باسمة مستفسرة منا ماذا يدور بينكما يجعل الضحكات والبسمات تشاهد بالعين ولا تسمع بالأذن؟ لم تحصل على أي إجابة ، قفزت فوق ظهر أمشير مودعاً ، أسرعت تراجي خلفي مرددة ، ما تعوج ، ما تعوج إحنا من غير رجاله!

    إكتشفت الآن بأن ورائي مهمة سامية وهى زيارة الأسرتين من حين لآخر ورعاية مصالحهما وتقديم يد المساعدة لهما ، كنت أركب الجمل ولسعات البرد وحبيبات الرمل تهاجمني ولكن السعادة هي حالي ، لقد تيبست

 

الأطراف لكن القلب كان دافئا يطرب من صوت الهـواء وصفيره ولسعات البرد المؤلمة ، سرحت فيما سمعت ورأيت من تراجي وشعرت بأن هناك حباً ولد بديلا لحب ريهام الذي ذبل أو قضي عليه بعد الحرب ، لقد فتح الله لي نافذة طيبة من حب البشر المتمثل فى تلك الفتاة الجميلة.

      تنبهت على صوت طائرة هليكوبتر تقترب مني ثم هبطت على مسافة مائتي متر تقريبا ، غادرها خمسة جنود مدججين بالسلاح ، أسرعوا مبتعدين عن الطائرة يحنون أجسادهم للأمام لما تقذف به من هواء يثير الرمال من حولهم ، أشاهدهم مقبلين نحوى ، آثار هذا حفيظتي وأصابني التوتر ، توقفت عن المسير ، الجنود أمامي مباشرة الآن أحدهم رفع السلاح ناحيتي والماسورة مصوبة نحو وجهي ؛ شعرت أننى ملاق الله فى الحال ولن ينقذني من قسوتهم سوي معجزة إلاهية.

    بلغة عربية ركيكة أمرني الجندي بالهبوط من فوق ظهر الجمل ، برك الجمل وقفزت من فوقه أرضا ورفعت يداي لأعلي ، إقترب مني أحدهم يفتش ملابسي وحين لم يعثر على أي شيء غير عادي سألني عن وجهتي فأخبرته بأنني متوجه لمركز المساعدات الغذائية ، أحدهم إرتاب فيما أقول وأقبل ناحيتي وضربني على جانب رأسي بدبشك البندقية فسقطت أرضاً ، سمعت صوت أمشير فأسرعت بالنهوض والدماء تغلف رأسي وأمسكت بالحبل خشية أن يهاجم الجنود ويقتلوه كما حذا حذوه الجمل الآخر البركة ، كان أمشير هائجاً رغم إصابتي كنت أربت على رقبته وهو مازال هائجا وكاد أن يرفعني لأعلي ويقفز بى أرضاً ، حين شاهد الجنود هذا المنظر أسرعوا بالفرار وإستقلوا الطائرة عائدين إلى المعسكر.

      ركبت فوق ظهر أمشير وكنت أهدهد عليه من حين لآخر ، شـعرت

 

بأنني سـوف أصاب بالإغماء ، هدهدت علـى رقبته وطلبت منه أن يبرك

" نخ" الجمل وأثناء ذلك سقطت أرضا من فوق ظهره ومازالت الدماء تندفع من رأسي ، شاهدت أمشير واقفاً يحيط بى بأرجله بحيث أصبحت أنام أسفل ظله وتحرك بحيث كنت أشاهد زيله بأعلى ولكن الغريب فى الأمر وأنا على هذا الحال إذ بأمشير يبال "يتبول" عليّ ، كانت مياه كثيرة ساخنة لكن الأخطر أنها كانت مثل الشطة الحامية حيث كنت أصرخ متألما ، بعد قليل هدأ تأثير البول وشعرت بترطيب من أثر الهواء البارد.

     تركني الجمل وبرك بجواري وأيضا الجمل الآخر بحيث حجب الجملان الهواء البارد برماله القاسية عن جسدي ووجهي ، غلبني النعاس لفترة أعتقد أنها لا تزيد عن الساعة ؛ بعدها شعرت بأنني أحسن حالاً ، نهضت وتحسست رأسي فلم أشاهد أي أثر لدماء ، حاولت مرة أخرى البحث عن دماء وتبين لي أنه لا توجد دماء ، ضحكت فى نفسي بأن أمشير بال علىّ كأنه يغسل الدماء نظراً لعدم وجود مياه ، نظرت إليه ورغم إصابتي حدثته: ـ إنت جمل نتن ، حتى وإنت بتقدم المساعدة ، تعمل فيا كده يا مقرف؟

     ترك مضغ العشب وزمجر وظهرت القلة من فمه ، ضحكت متعجبا ومتسائلاً: يا إما أنت بتفهم لغتي أو أنا بأتكلم جملي زيك ، أعقب هذا بعض ضحكات وأسرعت بالجملين عائداً إلى مركز المساعدات الإنسانية ، قطعت المسافة دون مشاكل لكن السماء كانت تنذر بأمطار نظراً للغيوم التى حجبت الرؤية وحجبت ضوء الشمس ، وصلت إلى المستودع وهبطت من على ظهر أمشير وطرقت على القطعة الحديدية التى تنبه من بالداخل بوجود أحد بالخارج راغب بأهل المكان ، شاهدت وجه رحيل الجميل من بين ثنايا الخيمة ، إختفت ثم عادت بعد أن تدثرت ببعض الملابس الثقيلة وأقبلت علىّ

 

باسمة ضاحكة مرددة "حمد لله بالسلامة" شكرتها وحين دخلت وأغلقت الباب الحديدي وسرت خلف الجملين نظرت إلىّ بقرف متسائلة عن مصدر تلك الرائحة الغير مقبولة ، ضحكت من سؤالها وأخبرتها بما قام به أمشير معي، نظرت إلىّ فى بلاهة كأنها غير مصدقة حديثي ثم عادت باسمة مرددة :

ـ كل شيء جايز ، أنت كنت بتكلم شهاب وبتضحك معاه كل شيء جايز.

      للمرة الأولى سمحت لي رحيل بإستخدام حمامها المزود بمياه ساخنة ، لا أعرف كيف ولكن فيما بعد علمت بأن لديها سخان يعمل بالغاز وتحضر لها إدارة المساعدات عبوة بها وقود يسمي غاز مثل التى كنت أشاهدها فى فيلا رضوان باشا ، تمتعت بالمياه الدافئة والصابون ذو الرائحة الطيبة وأزلت بقايا ما قام به أمشير وغادرت الحمام سعيداً منتشيا فشاهدت رحيل وقد أعدت طعاما ساخناً والدخان يتصاعد منه ، خلال إعداد مائدة الطعام كنت أضاحك وألاعب هارون الذى شعرت بحب ناحيته وبادلني نفس الحب حيث كان يقبل مسرعاً فى إتجاهي ويجلس على ركبتي أو يجلس بجواري حين تناول الطعام.

     كانت رحيل تنظر إلي طفلها بسعادة لما يقوم به ، بعدها تغادر المكان مسرعة والدموع تغطي عيونها الجميلة ، فى إحدى المرات سألتها عما يبكيها فأجابت بضيق قائلة:

ـ أنا أحقد وأكره هذا المجرم الذي حرم ابني من حنان وحب الأب ؛ هذا الكره لا يوازيه أي كره فى العالم ، أسألها:

ـ الآن جربتي فقد الزوج كما أن هارون جرب فقد الأب ، ألا تعلمين أن الكثير من المصريين فقدوا الأب والزوج والابن بسبب تعدي إسرائيل على بلدي ، نظرت إلىّ صامتة وغادرت المكان دون كلمة.

 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech