Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

روايه فهد الليل- الجزء الخامس - لقاءات غير مباشرة مع العجوز وإدريس

 

 

 لقاءات غير مباشرة مع العجوز وإدريس

 

   ُعدت إلى مقر مركز المساعدات الغذائية تشملني السعادة والإنشراح رغم مهاجمة ذكري الزميلين العزيزين اللذين لقيا ربهما أثناء الإشتباك مع العدو ؛ كان مصدر السعادة أن الإثنين اللذين لهما من الحكمة والقدرة على فهم الأمور قد أيدا ما أصبحت عليه وهما العجوز وإدريس ؛ حيث كنت أخشي أن أتهم بأنني أصبحت عميلا للعدو وأرتدي ملابس جنودهم ولكن ثقة الإثنين بى ومعرفتهم صالح الأمور جعلهما يفكران بمنطق إيجابي بعيد عن العواطف والوطنية الزائفة التى تلاك فى الأحاديث بين البعض.

 

      إستقبلتني رحيل بسعادة خاصة حينما شاهدت معالم الفرحة على وجهي ؛ حيث قالت لي لا بد أنك قضيت يومين بصحبة أصدقائك خلالها تمتعت بحلو الحديث والإستئناس بهم وتذكرت بلدتك وأهلك ، أيدت إستنتاجها وأضفت إلي هذا أنهم يقدمون لكِ جزيل الشكر والإمتنان للمساعدات التى ترسلين بها إليهم ، أسعدها هذا قائلة: بأن المساعدات تقدم لكل الفقراء والمحتاجين بسيناء دون تفرقة ، فما بالك لو أن هؤلاء هم أصدقاء وأحباء أخي الصغير ، شعرت بالسعادة تهبط عليّ من هذا الشعور الإنساني.

 

     ظللت لعدة شهور والأحوال تسير سيرا روتينيا ولم يجد بها أي جديد ، خلال تلك الفترة شعرت بأن عيون الزملاء فى القسم الإداري لقوات النحال تراقبني فى كل صغيرة وكبيرة رغم حسن التعامل والمودة التى بيننا وبالأخص سيرجنت عفلق "الشاويش عفلق" اللبناني الذي كان يشعر بود ناحيتي وبالأخص حينما يطلب منى تقليد صوت فيروز فى بعض أغنياتها فكان ينصت ويستمع ويتمايل طربا معلقا ، عظمة على عظمة يا ست ، ثم ينظر ناحيتي ضاحكا متسائلاً: أليس هذا ما يقوله المعجبون بالسيدة أم كلثوم حين الطرب؟ أجيبه هذا صحيح لكن هناك ست واحدة وهي أم كلثوم ، يعلق: أنت محق فيما تقول.

 

     أحد الأيام أخبرت تراجي أثناء زيارتي لهم بما أقوم به مع جيش الدفاع، لم أتخيل أو أتوقع هذا التصرف منها ، لقد تبدل حال الفتاة وأصبحت كارهة النظر إليّ ثم نهضت وتأخرت قليلا ثم عادت وهي تطلب مني بجفاء ألا أعود لزيارتهم ثانية ، حاولت توضيح ما أقوم به لكن الغضب والإنفعال طغي على كل شيء بل وصل إلى أسرتها حيث أقبل كل من الأب والأم مؤيدين تصرف تراجي مما إضطرني لمغادرة الخيمة عائداً إلى مكان عملي حاملا معي كل ذكري سيئة لأقصي درجة فقد ضاع الحلم المكتسب الذي إستطعت إستخلاصه فى تلك الأجواء المشحونة بالحرب والإحتلال وتناثر الدماء.

 

     شعرت رحيل صباح اليوم التالي بأن هناك ما كدر صفو مزاجي ، حاولت الإستنتاج ولم تستطع أن تصل لقلب الحقيقة ، إستفسرت عما قمت به مع تراجي من تصرف طائش ، أشعرني هذا بالغضب ولم أقو على الإجابة ، تتساءل: هل حاولت تقبيلها أو الإقتراب منها أكثر من اللازم مما دفعها للغضب وأنت تعلم مقدار تمسك البدو بالقيم والأخلاق ، نظرت إليها مندهشا بأن تفكر بمثل هذا متسائلاً: كيف يصل بك التفكير لهذا؟ فأنتِ تعلمين كل شيء عني كما تعلمين كل شيء عن البدو ؛ تضحك وتعود برأسها للخلف مرددة: شقاوة محبين!!

 

     أحد الأيام وأنا بمستودع المواد الغذائية ؛ حيث أقوم على تحميل اللوري الخاص بمركز رحيل ؛ سمعت حوارا بين إثنين من الجنود وأنا بداخل المخزن ؛ حيث كان الشباك مفتوحا على مصراعيه بأن جيش الدفاع أعد قاعدة صواريخ جنوب سيناء قريبا من جبل كاترين وبعد الإنتهاء من تلك القاعدة سوف يستطيع الجيش تدمير سد أسوان الجديد الذي قامت حكومة عبدالناصر بإنشائه وذلك بإستخدام صواريخ أرض /أرض ، ولم يتبق إلا القليل ؛ أي عدة أشهر ويستطيع الجيش إغماد خنجر آخر في قلب عبدالناصر وشعبه مثل الخنجر الذي أغمده العام قبل الماضي بهزيمة جيشه فى سيناء ومقتل عشرات الآلآف وجرح عشرات الآلآف بالإضافة إلى أسر أكثر من ثمانية آلاف ضابط وجندي.

 

    أسعد هذا زميله الآخر حيث علق قائلاً: توقف عن الحديث ولا تنس أن بيننا واحداً منهم ، علق الآخر: تقصد صابر هذا الجلف الغبي؟ يجيبه بالإيجاب فيضحك الزميل معلقا بأنه لا يفهم الفرق بين البقرة والحسناء ، ألا تعلم أنه يقيم مع السيدة رحيل ، تلك الرائعة الفاتنة الجميلة وينظر إليها كما ينظر الأبله إلى البقرة فى إنتظار روثها ولبنها ، ضحك الإثنان ؛ حيث خرجت أحمل الجوال الثقيل وقد بدا التعب والإرهاق على حالي ؛ حادثني أحدهم: صابر.. ما هي نوعية العلاقة بينك وبين السيدة رحيل؟ بعد أن وضعت الجوال فوق اللوري وحصلت على نفس كامل جلست قليلا بجواره معلقا: دي أختي الكبيرة ، إنفجر الإثنان بالضحك وحاول آخر أن يكشف المستور بأنه توجد بعض ملاطفات مثل ....  نفيت هذا ولا يجب أن تتقول عليها بذلك ، علق الآخر: هل تعتبر السيدة رحيل سيدتك وأنت خادمها؟ صمت وكدت أتشاجر معه فقد تذكرت كلمات جاستون الملعون وهو يشبهني بهذا الوضع المذل.

 

     غادرت المكان لأعود لإستكمال عملي حيث علق أحدهم قائلا ألم أقل لك بأنه أبله وينظر إلى تلك القطعة من الألماظ المتحرك نظرته إلى البقرة ، واصل الجنديان الحديث فى أمور أخري بينما إستكملت حمولة اللوري بعدها أقبل المشرف وراجع نوعية وكميات التحميل فتأكد بأنها مطابقة للكشف المسلم لي ؛ سلمني تصريح مغادرة المعسكر ، حيث كنت أقود اللوري بسرعة راغبا بأن أخبر العجوز والشاويش إدريس بما سمعته ، وصلت إلى المركز وشاهدت رحيل تجلس أمام خيمتها تلاحظ هارون يلاعب بعرور والكلب ليفي ، صاحت بعبارات الترحيب ، نهضت ونفحتني قبلة أخوية وأنا أفكر فيما صبه الجنديان من أخبار ومعلومات وإستنتاجات فاسدة عن علاقتي بها.

 

     تركتني رحيل وطلبت مني الجلوس كي تعد مشروبا دافئا لكلينا ، جلست وأنا أتابع خطوات سيرها ورشاقة جسدها وأردد ، هل تلك الفاتنة يجب أن يقال عليها ما سمعته اليوم؟ تنبهت بأنني شاهدت بعيني أكثر مما قيل عنها ، إستغفرت الله وقلت فى نفسي إن الله يقبل توبة عباده ، سمعت صوتها يحادثني مقدما لي كوبا من الشاي الذي أسعدتني رائحته قبل تناوله ، جلسنا نتحدث قليلا ثم نهضت وأفرغت حمولة اللوري وارتديت جلبابي وأخذت ورقة وكتبت عليها سطرا موجزا وملخص لما سمعت " تعد العدة الآن لتدمير السد العالي بقصفه بصواريخ أرض /أرض من منطقة سهل جبل كاترين ، الأعمال قاربت على الإنتهاء ".

 

      شاهدتني رحيل أستعد لركوب شهاب فتساءلت ، يا تري إلى أين؟ صمت ولم أكن قد أعددت ردا لمثل هذا السؤال لكنها أكملت: أيوه رايح للحبيبة ، قلبي معاك ، ماتنساش تبوس لي تراجي ؛ أعقبت هذا بضحكة عالية الصوت ، ضحكت لضحكتها مؤكدا بأننى لو نفذت وصيتها سوف يقتلني أبوها وعشيرتها ؛ أسرعت بشهاب فى طريقي المرسوم بخيالي حتي وصلت إلى ماسورة المدفع قبل حلول الظلام ، نظرت حولي ثم تأكد لي أن الأمور على ما يرام فإنحنيت بجوار الماسورة كأنني ألبي نداء الطبيعة فمن المحتمل أن هناك من يراقبني بنظارة الميدان ويتعرف عليّ ؛ حيث أنني أركب الفرس شهاب ومعروف عنه أنه يقيم بخيمة رحيل ، بسرعة أخرجت الورقة من السرج من فوق ظهر شهاب حيث كنت قد وضعته بداخل كيس صغير من البلاستيك المخصص لتغليف علب الشاي ، بسرعة دفعت به إلى داخل الماسورة ، نهضت مسرعا متجها لفصيلة الحدود ، هناك إستقبلني الرجال بالترحيب والسعادة مؤكدين لي بأنك أصبحت لا تخشي العدو ودورياته بعد أن حصلت على ترخيص يسمح لك بالحركة فى أي إتجاه وأي مكان بإستثناء المواقع العسكرية.

 

     إنتحيت بالشاويش إدريس جانبا وأخبرته بالخبر الذي سمعته من الجنديين: نظر إلىّ الرجل قائلاً: والله أنت تستهج "تستحق" مكافأة يا صابرا، قبلني وطلب منى العودة حتى لا يرتاب بنا أحد فمن المحتمل أن يراقبنا البعض ويعلم بعلاقتك بنا حيث أنهم مازالوا يجدون فى البحث عنا حيث أخبرني حمدان مهرب المخدرات بهذا ، شكرته وعدت مسرعا خلال الليل ، كانوا قد سمحوا لى أثناء تجولي بحمل سلاحي الشخصي وهو عبارة عن رشاش ماركة عوزي إسرائيلي سريع الطلقات وبذلك أعطاني هذا الرشاش الأمان للدفاع عن نفسي لو إعترض طريقي بعض الذئاب أو الضباع القاتلة.

 

***

 

    صاح بي الشاويش إدريس مخاطبا: رباح : أعد الترانزستور الذي أهداه إلينا الشيخ ِحــمدان كي نستمع لمحطات الإذاعة المختلفة عما يتم على جبهة القتال بين الجيشين المصري والإسرائيلي من قتال شرس يدور بين الجيشين دون هوادة يترتب عليه وقوع قتلي من الطرفين ؛ أسرعت بالتنفيذ وعلق العريف أحمد الطيب مكررا ما سبق وعلمناه بأننا كنا نشعر بهذا عن طريق بعض البدو الذين يشاهدون الطائرات الهليكوبتر التى تعمل كإسعاف والتى تقوم بنقل الكثير من جرحي جنود جيش الدفاع إلى مستشفي العريش العسكري والبعض ينقل إلى داخل إسرائيل للعلاج ومن لقي حتفه فينقل لدفنه.

 

***

 

       خلال عملي الذي كنت أقوم به كسائق ومندوب تسلم الأغذية لمركز المساعدات التى تشرف عليه السيدة رحيل علمت الكثير مما يتداول بين الجنود من أحاديث حول الخسائر التى لحقت بقواتهم على الضفة الشرقية لقناة السويس سواء من قصفات سلاح المدفعية المصري أو من هجمات تقوم بها مجموعات من قوات الكوماندز المصرية على جنود جيش الدفاع هناك وقد سبب هذا المزيد من الخسائر بالأرواح بل إلي الخوف والخشية من توجه الجنود للخدمة على ضفة القناة فى مواجهة الجنود المصريين.

 

      هذا يوم لن أنساه ، كان ذلك أحد أيام شهر إبريل من عام 1969 حيث شاهدت عددا من الجنود يلتفون حول بعضهم البعض على هيئة دائرة ويتحدث بعضهم بينما يبكي البعض الآخر وقد آثار هذا فى قلبي الخوف من ردة فعلهم ، شاهدت صديقي السيرجنت عفلق اللبناني الذي أقبل عليّ أثناء حمل أحد الأجولة الثقيلة قائلاً: عارف إيه حصل فى جنوب سيناء؟ أشرت إليه بأنني لا أعلم ، حرك رأسه دليلا على تأكده من هذا ثم قال تعرف إن المصريين المجرمين بعتوا رجالهم من الكوماندز وهاجموا قاعدة موردخاي بعد أن تم إنشائها وتزويدها بالصواريخ لتدمير مشروع سد أسوان اللى جمال عبدالناصر أزعج الجميع بيه ، ده مشروع خطير ولو تم ح تكون هناك مشكلة لإسرائيل ، عشان كده جيش الدفاع صمم على تدميره بصواريخ أرض /أرض لكن حظنا السيئ أن فيه بعض الجواسيس قدروا يعرفوا المعلومات دية وبعتوها للقاهرة وهما بدورهم بعتوا شوية كوماندز وش إجرام ونسفوا القاعدة وكان المخططون للهجوم فى غاية الذكاء ، لم يهاجموا القاعدة إلا بعد أن تم تخزين مئات الصواريخ الضخمة شديدة الإنفجار والتي أصبحت متخمة بالجنود والضباط والخبراء والمهندسين ، التقديرات الأولية بتقول أن القاعدة أصبحت لا جدوى منها ولا يمكن إصلاحها لكن أخطر ما فى الحكاية أن حوالي 49 قتيل وقعوا لحد الآن والجرحى تعدوا المتين ، والأدهى من كل هذا هو فقد رأس أحد الصواريخ واللي بداخله تكنولوجيا عاليه وأمريكا عملت مشكلة مع الحكومة الإسرائيلية لتقصيرها فى فقد رأس الصاروخ ، تصور أكتر من خمسة آلاف جندي من جنود الكوماندز الإسرائيليين مسحوا سينا يدورا على المصريين اللى عملوا العملة دية ، لكن ما فيش حس ولا خبر وكأنهم تبخروا مع دخان إنفجارات القاعدة.

 

      غادرت المستودع فى حالة من السكرة والإنبهار ؛ بعد مسيرة عدة كيلومترات توقفت أستعيد ما قيل ، تلك هي المعلومات التى علمت بها منذ أكثر من خمسة أشهر وقمت بإبلاغ العجوز بها وللشاويش إدريس أيضا ، أتساءل: هل كان لي نصيب فى تحقيق هذا الإنجاز ولو بقدر ضئيل بنقل تلك المعلومة؟ شعرت بأنني تجاوزت حدودي وما أنا إلا شيال أعمل مع رحيل نظير الإعاشة التى تقدمها لي وبعض المساعدات التى تعدت العامين حتى الآن لأصدقائي رجال الحدود ، من أجل هذا طردت تلك الأماني وقررت أن أعيش على المستوي الذي أنا عليه وأن هناك من الأجهزة الكبيرة التى إستطاعت أن ترسل بتلك المعلومة بل وغيرها إلى القيادة بمصر.

 

      مضي اليوم على خير ما يرام ، توجهت لمكان نومي أشعر بإعياء نظير ما قمت به من أعمال وبالأخص حمل أجولة الدقيق ، أكثر من أربعين جوال زنة الواحد خمسة وسبعين كيلو جرام دون مساعدة من أحد ثم تفريغهم بعد ذلك بمعسكر رحيل دون مساعدة ، كدت أن أغفو في نومي ولكني شعرت بحركة قريبة من مخزن الأجولة التى أنام به ، نهضت حذرا خشية هجوم مباغت من حيوان مفترس أو لص راغب بسرقة بعض المعونات ، لم أستمع لأصوات الكلب ليفي صديقي الذي كنا نأكل بطبق واحد لمدة أسبوع كعقاب من رحيل ، بعد قليل سمعت وقع أقدام تسير بالقرب من جدار الخيمة السميك ، جلست حذرا وتوقعت أن القادم رحيل والتي ستأتي شبه عارية فقد أقبل الصيف ومن أجل هذا سوف تتخلص من بعض الملابس لإرتفاع درجة الحرارة وأيضا رغبة فى الإغراء كي تشبع بعض نزواتها رغم علاقة الإخوة التي أبغي أن تظل قائمة بيننا ، سمعت صوتا لا تخطئه الأذن ؛ صابر .. صابر .. هذا الصوت هو صوت العجوز والذي تميزه نغمة جافة حادة وأيضا بحة في النطق ؛ أجيبها: أسمعك يا أمي ، خرجت من الخيمة للقائها لكنها دفعتني للداخل قائلة: رغبت بأن أخبرك بنفسي وليلا حتى لا يراني أحد ، أنت بطل همام يا صابر ، ألا تتذكر المعلومة التى تركتها بورقة بداخل المدفع الصدئ القريب من جبل الحلال؟ أجيبها: نعم، وقد مضي أكثر من خمسة أشهر على هذا الحدث ، نعم لكن نتيجته حدثت أمس الأول حيث أقبل رجال مصر البواسل وقاموا بنسف القاعدة بمن فيها ، الأعداء فى حالة من الذعر والضيق ولهم رغبة جامحة لمن يرشدهم على من حصل على تلك المعلومة ، أنت يا صابر .. حينما أرسلت بتلك المعلومة للقيادة أرسلت بفريق آخر كي تتأكد من تلك المعلومات وقد أفاد هذا الفريق بدقة ما حملته من أخبار وفي خلال تلك الفترة كانت هناك قوة مصرية قد أنهت تدريبها وسبقها أحد ضباط المخابرات الحربية من مصر والذي أرسل إليهم بتأكيدات ومعلومات ساعدت على دقة التنفيذ فى الوقت المناسب حيث كانت القاعدة ُمعدة للعمل وكانت تنتظر زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي ولهذا كانت متخمة بالضباط والجنود والفنيين والمهندسين والإعلام ، كانت الخسارة قوية  ، جئت أبارك لك عملك ، شكرتها وتساءلت كيف وصلت إلى هذا المكان دون أن يشعر بك الكلب ليفي؟ ضحكت بهدوء وأخبرتني بأنها ألقت بقطعة من اللحم بها مخدر وبعد أن خلد ليفي فى نومه من تأثير المخدر قدمت لك من الفناء الخلفي!!

 

* تم ذكر هذه العملية العسكرية بالتفصيل برواية "عابد المصري" لنفس المؤلف.

 

     أتساءل بدهشة: الفناء الخلفي؟ أنا لا أعلم بأن هناك فناء خلفيا ً، أخذت بيدي ودخلت من السرداب الذي تحيا به الناقة وأمشير وشهاب وبعرور ثم سارت حتى النهاية فلاحظت أن السرداب يتلوي لأحد الأجناب ثم شاهدت ضوءا يطل من فتحة بأعلاه ضوء القمر ، ظلت تسير وأنا أتبعها فى ممر مرتفع حتى وصلت لقمة المرتفع الصخري وهبطت ثانية فشاهدت أرضا منبسطة تكسوها الرمال وتحيط بها الصخور ومن غير الممكن إختراقها بالعربات المدرعة أو الدبابات.

 

     شعرت بسعادة لهذا الإكتشاف ، شاهدت الجمل الخاص بها ومازال واقفا يتناول بعض العشب ، صدرت منها بعض الكلمات فأسرع الجمل ناحيتها ملبيا النداء ، أشارات إليه بما يعنى إخفض جسدك أي إبرك ، برك الجمل وقفزت فوق ظهره فنهض الجمل دون أمر وأسرع بها لتغيب بداخل ظلام الليل الذي يبدده ضياء القمر ، جلست قليلا أتمعن المنطقة المحيطة بى ثم عدت أدراجي وتسللت إلي داخل الخيمة فشاهدت حورية الليل تجلس بوضع يثير الإنفعالات ، لقد كانت رحيل ، والتى تساءلت أين كنت؟ فأخبرتها بأنني كنت أتفقد أصدقائي من الحيوانات ، ضحكت لهذا مرددة ألا تعطي بعض الوقت لأصدقائك من بني الإنسان ، من بني وطنك ، من التى تجلس أمامك وقد ترملت مبكرا؟

 

     ظللت واقفا بينما كانت تشير إليّ بالجلوس ، أتردد وأعلق بكلمات   لولاه ولولا تذكره لوقعت الواقعة ليس لها من منقذ ، رحيل: أنا أحبك كما سبق وإتفقنا وأرجو أن يظل هذا الإتفاق مستمرا ، تتردد في الإجابة: أعلم لكنني فى شوق لسماع كلمات جميلة من رجل يشعرني بأنوثتي التى لا زالت شهية قوية ، ألا تبغي أن تكون هذا الرجل؟ مازالت واقفا أتفصد عرقا وشبه محموم بين الرغبة والرهبة من عذاب الواحد القهار ، بين التردد والتمنع ألوي وجهي للخارج باكيا بجوار الخيمة.

 

     أشاهدها ترفل فى ثوب فضفاض حريري وتنحني قريبا من رأسي وتضمها إلى صدرها مهدهدة على ظهري متسائلة: ما الذي يبكيك؟ أردد لا أستطيع الإقتراب منك ولا أستطيع الإبتعاد عنك وأرجو منك إذا كنتِ تحبين أخاك صابرا ألا تفعلي تلك الأشياء أمامي حتى لا يحدث لي هذا الإضطراب، مازالت تهدهد على رأسي المستلقية على صدرها شبه العار ، تماسكت رحيل وساعدتني على الوقوف ولملمت نفسي المبعثرة وأخذت بيدي وسارت بى حتى باب خيمتها ومازالت الهواجس والأفكار الشيطانية تزينها لي ، من أجل هذا كنت أنتظر كل ما هو سيئ وجميل فى آن واحد ولم أعد أستطع أن أفاضل بين تصرف وآخر.

 

    بداخل الحجرة التي تستقبل بها ضيوفها ساعدتني على الجلوس وأسرعت بالإختفاء ثم عادت ثانية بعد عدة دقائق بعد أن سترت جسدها ببعض الملابس حماية من سهام نظرات عيني الملتهبة لتلك اللوحة المتحركة التي أبدع الخالق فى خلقها ، مدت إليّ يدها بفوطه مبللة بالماء طالبة منى تجفيف عيناي ، جلست قريبا منى وقبلت خدي كعادتها وشعرت بأن الإخوة عادت ثانية كي نتمتع بها بعد أن تلاشي العشق المحرم ليحل محله حلال الإخوة في التعامل والعلاقة بين إثنين ، بعد قليل قدمت لي مشروبا جميلا وتحدثت فى أمور شتي ثم ودعتني أمام باب الخيمة متسائلة: ألا تقبل أختك الكبيرة قبل نومها ، عدت وقبلت وجنتيها وشعرت بنسمات ريح طيبة أشتمها من رائحتها التي تميزها حين لمست خديها ؛ ُعدت مسرعا إلى خيمتي أنتفض من خشية الله وأتساءل: هل أستطيع مقاومة هذا الإغراء فى كل مرة؟ 

 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech