Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

روايه فهد الليل- الجزء الخامس

 

 

كتبها على لسان أبطالها

أســامة على الصــــادق

.....

الطبعة الأولى .. مارس 2012

الناشر: الكاتب

.....

تصميم الغلاف: ريهام سـهيل

.......

حقوق الطبع محفوظة للكاتب

موبايل: 01227970032

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

عزبة رضوان:

 

      أحد الأيام أقبل أحد العاملين بالعزبة وأخبرني أن رضوان باشا يريد لقاءك في الحال يا عم صديق ؛ قمت بالتوجه إلي قصر الباشا وهناك قام أحد الخدم بإصطحابي لأحدي غرف القصر المخصصة لإستقبال الضيوف ، بعد قليل أقبل الباشا تدفعه إحدي الخادمات علي كرسي متحرك فنهضت لإستقباله وصافحته وقبلت يده ، أشار إليّ بالجلوس وبعد الترحيب سألني عن السيدة أم صابر وبناتها وأحوالهم ، قمت بطمأنته عليهن وأخبرته بأنه بعد وفاة الهانم زوجته لم يعد هناك أحد يرعي الأسرة أو يهتم بهن ، غضب الرجل وطلب مني أن أقوم بتلبية طلبات الأسرة وأنه أعطي تعليماته لناظر العزبة بمنح تلك العائلة المرتب الذي كان يتقاضاه صابر قبل تجنيده ولو إحتاجت الأسرة أكثر من هذا المبلغ فعليك يا صديق أن تبلغني ؛ شكرته وطلبت منه بخجل أن يفك أسر شقيقتي صابر اللائي يعملن لدي حرم عصام ابنه وشقيقتها كخادمات ، نظرا لحالة أمهما وضيقها من هذا الأمر ، غضب الباشا وأسرع بطلب ابنه عصام وودعني مرددا:

 

ـ كل حاجه تعود لأصلها ، خلاص الرق والعبودية إنتهي زمانهم.

 

 

 

الفــهد في مواجهة جيش الدفاع

 

   مضت الأيام سريعة جميلة ممتعة بظهور هذا الكائن الصغير إلى الوجود، وكأنما عثر هارون على صديق يلاعبه حيث إستهوى الاثنان اللعب رغم إختلاف الحجم لكن العقلية كانت واحدة ، كان من الطبيعي أن يشعر هارون بمن يهمس بالخارج بصوت مبحوح ضعيف فينهض مسرعا رغم تحذير أمه ويخرج فيشاهد بعرور فى إنتظاره ، علي الفور تظهر الإبتسامة على وجه الطفل فيشعر بها بعرور الذى كان يقفز لأعلي ويتحرك يمينا ويسارا رغم كبر حجمه بالنسبة لهارون.

 

    عثر هارون علي من يلاعبه الكرة التي تركت دون إستخدام لفترة طويلة بداخل مخزن بالخيمة  ، خرج بها فتلقفها بعرور يدفع بها هنا أو هناك ويقوم هارون بدفعها أمامه فيسعد هذا بعرور وإنضم إليهما الكلب ليفي ؛ كل هذا أضفي إلى المكان الحركة والسعادة وأصبحت هناك لغة واحدة يتفاهم بها بعرور وهارون وليفي ، أصبح اللعب بينهم هو السمة البارزة وهذا أسعد رحيل التى كانت تخشي على هارون تدهور حالته النفسية لعدم عودة والده موشيه.

 

      بعد أن تناولت الطعام مع رحيل ؛ جلسنا نشرب أقداح الشاي مع التسلية بمشاهدة الأصدقاء الثلاثة وهم يلهون ببراءة ؛ فاتحتني رحيل فى موضوع محبب إلى نفسي وربطته بموضوع آخر كان مفاجأ لي ، الموضوع الأول هو زواجي وطلبت مني أن أعد نفسي للحياة بسيناء تحت حماية الإحتلال الإسرائيلي ، ومن أجل هذا يجب عليّ أن أتزوج وأقترن بمن أحب ويهواها قلبي ، في سياق الحديث قالت دون حرج : إن كنت أرغب بالزواج منها؟ أدهشني هذا الطرح ؛ فقد تعاهدنا منذ أكثر من عام على الإخوة الصادقة.

 

      لم أجبها بينما علقت هي بأن زواجها من غير يهودي مخالف لديانتها ولكن حبها لي ولبلدها مصر دفعها لهذا ثم أشادت ببعض التعبيرات والصفات التي تمس خلقي وما أتمتع به من خصال جعلتها دون وعي بأن تفكر بى رغم ما سبق من العهد الذي تم بيننا ؛ أيضا الفارق العمري والذي يصل إلي خمسة أعوام.

 

   نهض كل منا ليقوم بأداء العمل المكلف به ، رحيل ستقوم برعاية منزلها بينما توجهت للباب الخارجي حيث أقبلت منذ دقائق بعض الأسر البدوية إنتظارا لصرف الإعانة التموينية ، ظهر هذا اليوم أنهيت ما نويت القيام به ولم يعد أحد من البدو ينتظر بالخارج ليحصل على نصيبه من المساعدات ، خلال تلك الفترة إصطحبت رحيل هارون ابنها للداخل حيث تناول طعامه وخلد لنوم مريح بعد عناء اللعب مع صديقيه.

 

     توجهت لخيمة المساعدات بعد أن توضأت لأداء صلاة الظهر قبل أن يقترب العصر ، شاهدت بعض أطباق بها طعام ، فقد أحضرت رحيل طعام الغداء ووضعته بجوار أجولة الدقيق حتى لا أتجه للخيمة وأتناول الطعام معها ، رغم ضيقي من هذا التصرف لكنني إعتدت علي تصرفات رحيل والتي تقوم بها من حين لآخر ، حيث إعتادت على القيام ببعض التصرفات الغير سوية ولا تسير على نهج واحد ، وبالتالي لم أعد قادرا على تحديد الأسلوب الأمثل للتعامل معها.

 

    فأنا أعلم أنها سيدة فاتنة ورائعة لكنها يهودية وقبل هذا وذاك شاهدتها فى أحضان رجل قتل زوجها ، كان هناك عاملان هامان يمنعاني من إقامة أي علاقة مع رحيل ، رغم حبي لها ولقد زينها لي الشيطان مرات عديدة ، لكن العاملين الهامين وهما ، تذكر الله وهذا هام في مثل تلك الأحوال ، والثاني مشهد علاقتها بجاستون حينما شاهدتها غارقة في أحضانه في أول لقاء ، لقد أصابني هذا المشهد بالضيق والقرف ، كيف تواتيني القناعة بأن أقترن بتلك السيدة ، كما علمت أن الطفل الذي سوف تنجبه سوف يصبح يهوديا وبالتالي إسرائيليا ، أردد .. تبقي مصيبة ؛ ابني يهودي إسرائيلي ، "ما فيش بيت فيكي يا مصر ما إنضرش من إسرائيل "، عدد الشهداء بالآلآف من المصريين بسبب الإسرائيليين غير مئات الآلآف من الجرحى ، مش ممكن ، وبعدين: "تبقي إيه رحيل قدام تراجي الجميلة الرقيقة الصغيرة ، مش ممكن يا رحيل ، خليني كده على البر" ، ظللت أسلك هذا النهج حين يشتد بي الشوق إليها أو حين تهم ناحيتي مسلطة كل أسلحتها القوية والتي تجيد إستخدامها ببراعة.

 

    ليلا وقبل الدخول فى النوم هاجمتني ذكري رحيل وما كنت أشاهده من مفاتن بحكم القرب بيننا أو بحكم الخادم لسيدته ، هاجمني الشيطان وشعرت بأنني صابر آخر غير صابر قبل هذا اليوم الحزين والتى ألهبت حواسي الشيطانية بما قالت ، إستغفرت الله وشعرت بأن جسدي يكاد يحترق من الإنفعال والعرق ، بدأت فى تلاوة القرآن ، في بداية التلاوة وفي الآية الأولي تخيلت بأنني أشاهد رحيل ؛ تنبهت وفزعت فقد زينها لي الشيطان ؛ بل شعرت بأن ما أشاهده ليس سوى الشيطان نفسه وليس رحيلا ، لا أعرف كيف أصف الحالة التى كانت عليها رحيل حينما أقبلت للحديث معي بالخيمة " مخزن المساعدات" التي أنام بها بجوار أجولة الدقيق؛ ثم تحدثت قائلة:

 

    صابر .. إسمعني .. أنا في إحتياج لراجل خاص بيا ، عمري خمسة وعشرين سنه ، لسه قدامي سنين طويلة ومش معقول ح أعيد تجربة جواز تانيه من واحد معفن زي جاستون وقبله موشيه ، بتبص ليا كده ليه ، أيوه موشيه كان معفن وماعندوش شرف ، عايز فلوس ومركز ووظيفة مضمونة وللأسف ده حال كل رجال إسرائيل ، أيوه .. المنظمات الصهيونية تستخدم الرجاله اليهود بدول الشرق الأوسط لتنفيذ خططها للحصول على المال من دول العالم الكاره للعرب والمسلمين وعشان كده رجال الدين اليهودي حللوا الحرام عشان يحصلوا على الفلوس ، لكن مين اللي ح يتباع فى سوق الجواري؟ إحنا .. نساء اليهود اللي من الشرق وبالذات بنات مصر لجمالهن ورقتهن ، كل ده تحت مسوح الدين وإقامة وطن قومي .. وطن قومي ، مصر مش كانت وطن قومي؟ تعرف يا صابر أننا كنا عايشين فى مصر أحسن من إسرائيل ، كانت الناس بترفعنا لفوق ويقولوا علينا خواجات ، كانوا بيعملونا أحسن ما يعاملوا بعضهم لأننا خواجات.

 

     إيه يا صابر!!  بتبعد عني ليه؟ كده برده ، طيب أنا معنتش ح أكلمك ؛ نهضت رحيل مغادرة المكان وقبل أن تترك الخيمة عادت وإرتدت روبا سميكا كي تحمي جسدها من البرودة الشديدة حيث تخلصت منه في بداية الزيارة ؛ وكانت ترتدى أسفل منه ملابس شفافة بدرجة كبيرة.

 

     ظللت خلال ذلك اليوم لا أعرف كيف أقوم بتأدية الصلاة ، لقد غمرني الشيطان بتلك الملذات التى تسللت للخيال والتي زينها لي الشيطان وكيف أننى سوف أغرف من هذا الطبق .. طبق رحيل وجسدها الجميل الذي شاهدته ، شعرت بأنه من الواجب عليّ أن أغادر المكان متجها لأصدقائي رجال الحدود كي أحتمي بهم وأبتعد عن هذا الشيطان الجميل ، بعد أن تأكدت بأن رحيل أوت إلي خيمتها تسللت وجهزت شهاب لرحلة طويلة ومعتادة متجها لزيارة رجال الحدود ، تسللت برفقته خارجا وأغلقت الباب الخارجي بهدوء وقفزت على ظهره بعد أن وجهته جهة الجنوب فعلم الجهة التى نحن متجهين إليها.

 

    توقفت لأستمع لبعض الأصوات المرتفعة ، كانت لطابور من الدبابات التى تتحرك على المحور ، انتحيت جانبا بشهاب حتى تمر تلك الدبابات ، إستغرق هذا وقتا طويلا حتى شارف ضوء الصباح علي الظهور ، شعرت بخور فى بدنى ورغبة بالنوم ، ترنحت وغبت عن الوعي ، سمعت صهيل شهاب ، لم أهتم بهذا ، مازال شهاب يصهل ثم ضرب بأقدامه أرضا ففزعت فشاهدتها أمامي ، السيدة العجوز ، خشيتها ثم عاد إلىّ الشعور بالإطمئنان ، هبطت من فوق الجمل متسائلة: مالك يا صابر؟ فيه إيه مضايقك؟ لا أعلم كيف إنزلق لساني لأخبرها بكل ما دار بيني وبين رحيل فى الأيام الأخيرة وبالأخص تلك الليلة حيث أقبلت لتلحقني بزمرة العاصين.

 

     ربتت على كتفي طالبه مني العودة لرحيل وأخبرها بالموافقة إذا هي تركت الديانة اليهودية ودخلت فى ديانتك ، تساءلت : وماذا أفعل لو وافقت؟ ضحكت من حديثي ولم ترد على إستفساري ، تنبهت لرغبتي السابقة بالكشف عن غموض تلك العجوز ، أسألها من أنتِ؟ تجيب علي سؤالي: صابر أنا سيدة مصرية قتل ابنها الوحيد العام الماضي أثناء رعيه للجمال والأغنام ، ومن أجل هذا قررت إستغلال كل طاقتي ومعرفتي بكل جزء بسيناء للقصاص من هؤلاء القتلة ، ألم تسمع بأن هناك تنظيما بسيناء يقتل العديد من الإسرائيليين؟ أجيب على سؤالها:  لا أعلم ؛ ولكن كيف تظهرين فجأة وتختفين بنفس السرعة؟ صابر ؛ تلك قدرة الله التى كنت أدعوه فجر كل يوم لمساعدتي بسرعة الإختفاء عن الأعين حتى لا أقع فى قبضة الأعداء ؛ ضحكت وهي تستودعني وتخبرني بأنها سوف تلقاني كثيرا.

 

     جلست أستوعب هذا الدرس وقررت العودة ، فقد حصلت على النصيحة وما عليّ سوى أن أخوض التجربة ، عدت فشاهدت السعادة على وجه رحيل ، دخلت الخيمة فوقفت أمامي تنتظر رد فعلي على تصرف الأمس ، إقتربت منها محاولا إحتواء جسدها بين ذراعيّ ، دفعتني قليلا للخلف متسائلة: هل وافقت على عرضي ، حركت رأسي دليلا على الإيجاب، ضحكت مرددة: محدش يقدر يقف قدام أنوثة وجمال رحيل ، أقاطع كلامها راغبا بالحديث ؛ تشير بالموافقة لي فأخبرها بما قالت المرأة العجوز ، لم تدعني أكمل كلامي وطردتني خارج الخيمة بعبارات سيئة كلها سباب يحمل بين طياته كل كره وتحقير لكل مصري ولكل مسلم.

 

    مازالت ثائرة حانقة تلقي عليّ بكل ما هو بذيء من عبارات وكلمات : أنت فاكر نفسك بني آدم؟ أنت عبد ذليل ليا ولكل واحد يهودي ، إنت متعرفشى أنه يحق لكل يهودي إنه يستخدم الرجاله الغير يهود كعبيد ونسوانهم يتسلي بيها الرجال ، إنتم مالكمشى حق تتملكوا أي حاجه ، إنت نسيت إن جدك الأكبر فرعون الكلب حاول قتل أجدادي لكن الرب أنقذهم وغرقه هوه واللي جابوه ، إخرج بره يا عبد يا بن العبد ، روح نام مع الجمال والحصان ولو عديت بره المركز ح أبلغ فيك المخابرات العسكرية يدوروا عليك ويضربوك بالنار لأنك قتلت جاستون القائد بتاعهم ، وعلى فكره محدش ح يصدق لو قلت لهم إنى اللى وزيتك عليه ، أخرج بره ... بره يا كلب.

 

      لم أشعر إلا وأنا أسير مطأطأ الرأس متجها إلى سرداب الحيوانات وألقيت بجسدي أرضا ونمت معهم حتى صباح اليوم التالي ، أسمع صوتها تنادي على اسمي واسـم ليفي ، أغادر السرداب فأشاهدها تنظر إليّ وإلي كلبها ليفي ثم وضعت وعاء به الطعام وهي تردد ، دا أكلكم .. أنت وهو مستوي واحد ولو فيه خنزير كنت ضميته لكم لأنك من طبقة الخنازير ، لم أعد أستطع التمييز أو التفكير فلقد أغلقت رحيل كل نافذة أمل أمامي ولم تترك لي الخيار وأصبحت مهددا ًبالإعتقال والقتل جراء قتل جاستون.

 

    مضي على هذا الحال أسبوع كنت خلاله أشعر بتعاطف الجمال وشهاب، بعد ُمضي أسبوع أصابني الضيق والقرف والجزع من تناول الطعام مع الكلب ليفي رغم أنه أرق حالا من رحيل ، هذا اليوم أقبل عليّ أمشير يبغبغ بحركات من فمه وبعض رغاوي ، لم أمتثل لما يبديه من دعابة ، مما دفعه لأن يدفعني فنهضت واقفا فدفعني أمامه فى إتجاه الناقة ؛ أصابتني الدهشة حين أشار بفمه إلى ضرع الناقة ، وقفت صامتا فأعاد تصرفه السابق ، كنت راغبا بتناول أى طعام بعيدا عن طعام رحيل ، تشجعت ووضعت فمي بضرع الناقة التى كانت تقف ساكنة ، شعرت بأول نقطة تذوقتها وتأكد لي أن هذا اللبن ذو طعم طبيعي وأستطيع أن أستسيغ مذاقه بدرجة كبيرة ؛ تشجعت بمواصلة مص اللبن حتي شعرت بأن معدتي قد إمتلأت ، بعد أن إرتويت وإنتهيت قبلت رأس الناقة فحركت رأسها ناحيتي بما يعني ولا يهمك وتعال كل يوم ؛ لم أنس رجل البيت سي السيد فقبلت رأسه أيضا فأخرج بعض الرغوة من فمه ثم قبلت باقي أفراد الأسرة أي الرضيع بعرور ولم أجد بدا من مداعبة وتقبيل رأس شهاب ؛ ثم أسرعت وأحضرت له بعض قطع من السكر.

 

     مضي  علي الفورة وسوء خلق رحيل أسبوعان ؛ خلال تلك الفترة لم ألتق بها حيث كانت تصدر تعليماتها لي من خارج السرداب وأنا أقوم على تنفيذها ؛ خلال تلك الفترة أدهشني عدم حضور تراجي ؛ حيث كنت فى أشد الإحتياج إليها ؛ شعرت رحيل بأنني لم أعد أتناول الطعام مع ليفي ؛ حيث كانت تراقبنا أثناء التنافس بيني وبينه على الطعام ، أصابتها الدهشة ومن أجل هذا طلبت مشاهدتي ولقائي ؛ نهاية الأسبوع الرابع للقطعية كان هذا اللقاء الأول حيث توقعت بأنني قد أضربت عن الطعام ، خرجت عليها فصدرت منها شهقة بما يعني مش معقول حيث كانت وجبات ألبان الإبل قد أثرت على حالي بدرجة كبيرة ودفعت بى للعافية مع تحسن حالتي النفسية بالعيش مع تلك المخلوقات الهادئة وتلاوة القرآن وما حققته من إنتصار على شيطان رحيل.

 

     بكلمات قليلة واضحة قالت رحيل : بكره ح تيجى عربية من إدارة المساعدات وح تروح معهم لمدة أسبوع  تتعرف على أسلوب الشغل وموقع المستودع الرئيسي ، كمان ح يحاولوا يعلموك سواقة اللوري عشان تقوم أنت بالعملية دية ، فاهم مش عايزه تخاذل وأي تصرف غبي منك ح تكون نهايتك علي يد رجال جاستون ، اليوم التالي أقبلت العربة اللوري حيث كنت مستعدا لتنفيذ تعليمات وأوامر السيدة ومن أجل هذا قمت بوداع أصدقائي من الحيوانات وأيضا هارون ؛ قفزت وجلست بجوار السائق الذي تبين لي أنه يهودي لبناني وظل يحدثني عن جمال لبنان والمطربة الشهيرة فيروز ، بداخل المعسكر كانت الأمور سلسة حيث أخبروني بأنهم قيدوا اسمي للخدمة بقوات النحال وهي القوات التى تخدم على الحدود والأماكن الإدارية ويكثر بها العنصر النسائي وأن قائدي المباشر الكابتن رحيل ، ظللت فى ضيافتهم شهرا كاملا حتى أجدت قيادة اللوري وعلمت كيفية التدوين بالدفاتر وأسلوب تخزين المواد التموينية.

 

      عدت أقود اللوري الذي أصبح في عهدتي وأنا المسئول عنه حيث كان محملا ًبالمساعدات ؛ شاهدتني رحيل فأسعدها ما قامت به معي ، أمرتني بتفريغ حمولة اللوري بالداخل ، ظللت أربع ساعات أقوم على تفريغ الحمولة حتى أصابني الإنهاك والتعب ؛ نمت ليلتي تلك بالزى العسكري المسلم لي من قيادتي بمنطقة بئر سبع ، نهضت صباح اليوم التالي أحسن حالا فتوجهت لأصدقائي من الحيوانات الذين أسعدتهم رؤيتي وكل واحد منهم إستقبلني بما يليق بى وشعرت أن بعرور قد نما عوده خلال تلك الفترة كما شاهدت هارون مقبلا نحوى سعيدا وبرفقته ليفي وإنضم إليهم بعرور ، أقبلت رحيل تداعبني وأعادت وصلة الإخوة ثانية مقدمة إعتذارها عن أي شيء قد أثارني أو ضايقني ، لم أهتم بما تقول لكن تأكد لي أنها سيدة لا أمان لها.

 

     أخبرتها برغبتي بزيارة تراجي فصرحت لي وأخبرتني بأن تراجي جاءت تسأل عنك وقت أن كنت تقوم بالتدريب بالقرب من معسكر "مسكوني" القريب من مدينة بئر سبع ، ركبت فوق ظهر الجمل البركة وتركت أمشير مع أسرته متجها إلى قبيلة تراجي حيث فوجئ بى القوم فإنشرح صدرهم وإستقبلوني أحسن إستقبال ؛ حصلت خلال تلك الزيارة على كل حب وتقدير وشعرت أن مشاعر وأحاسيس تراجي ناحيتي قد نمت وكبرت مثلما كبر بعرور ولم أخبرها بما حدث بيني وبين رحيل سواء من محاولة الإغراء التي قامت بها أو من سوء الحديث التى وجهته لي ؛ حيث أن علاقة الإخوة مازالت هي الأساس رغم أن تراجي  قبل ذلك حاولت التسلل إلى ما يمكن أن يحدث بين سيدة وشاب يعيشان سويا فى مكان واحد لأكثر من عام ؛ تبتسم وهي تردد: حكاية الإخوة دية مش نازلالى من زور!

 

     ُعدت إلى مركز المساعدات فى المساء ، اليوم التالي طلبتني رحيل كي تشعرني بعودة الحياة إلى مجاريها ثانية ؛ تقمصت شخصية الأخت الكبرى كما وضعتني فى خانة الأخ الأصغر ، لم أعاتبها على ما قالت أو تصرفت لكن كل هذا أسررته بنفسي ، قمت بأداء عملي بهمة ونشاط وأصبحت أجلس مع أسرتي من الحيوانات وما زلت أهمل طعام رحيل مما أدهشها وحينما علمت منى بتناول لبن الناقة أصابها نوع من الجزع والغثيان.

 

    مضي شهر على عودتي من بئر سبع ، هذا اليوم أخبرت رحيل برغبتي لزيارة أصدقائي وحمل بعض المؤن الغذائية لهم ، وافقت ومن أجل هذا أخذت معي فى تلك الرحلة كلا من أمشير والبركة لحمل المؤن التى كانت كبيرة حيث ضاعفت الكميات نظرا لبرودة الشتاء كما إنني إستطعت توفير بعض المعونة الزائدة والتى لم تضف إلى الحصة التى تسلم إلى مستودع رحيل؛ فقد ساعدني الجندي اللبناني الذي تعرفت عليه حينما علم بعشقي لأغاني فيروز بمدي ببعض الزيادات من المواد ؛ خلال الرحلة لأصدقائي أخذت صهوة شهاب وتحركنا عيانا بيانا ًخلال النهار ، لم أكن أخشي الأعداء حيث كنت أحمل معي تحقيق شخصية يثبت أنني أعمل بجهاز المساعدات الإنسانية بالأرض المحتلة ، وكأنما القدر راغبا بألا أتعرض لمواقف صعبة حينما يكون معي الإثبات القانوني الذي يتيح لي الحركة فلم ألتق بالأعداء.        

 

     أثناء سيري توجهت إلى السرداب بجبل الحلال والذي يعتبر مخزن المعلومات المتبادلة بيني وبين زملائي بالحدود وأيضا يعتبر مخزن الأغذية التى أحضرها وأتركها لهم بهذا المكان ، شاهدت ورقة أسفل مجموعة الأحجار أسفل بعض العشب الجبلي ، إذا هناك رسالة فى إنتظاري ، أمسكت بها وقرأت السطور القليلة والتى تخبرني فيه بأن الفصيلة غادرت موقعها وتحركت لموقع متقدم غربا فى إتجاه الخليج بجوار منطقة عيون موسي والتى سبق وأن توجهت إليها فى بداية عملي للبحث عن ورقة مريم كي أضيفها لطعام أمشير كي تمنع توتره وهياجه الجنسي.

 

      وصلت لموقع رجال الحدود الجديد والذي يبعد حوالي خمسين كيلو عن الموقع الأول ، شاهدت الرجال الأشداء وشاهدت أثر الجوع الذي تعرضوا له خلال فترة غيابي ، وحينما ظهرت لهم هلل الرجال لأنني مازالت على قيد الحياة بل وأتمتع بصحة جيدة ، علمت وشاهدت ما يقوم به المهندس عزيز ميخائيل وزميليه من مجهود لنقل خطوط نقل البترول الخام خلال الشهور الفائتة ، لقد ظلوا لفترة ثلاثة أسابيع يقومون مع رجال الفصيلة ليلا بنقل مواسير البترول الخام المعدة كي تستخدم كخط للمياه وذلك بأن نقلوها للموقع الجديد حتى إستطاعوا نقل ثلاثمائة ماسورة حديد كل واحدة ذات طول عشرة أمتار ولا يقل وزنها عن مائة وخمسين كيلو جرام وبهذا إستطاعوا بإمكانيات ضئيلة إنشاء خط للمياه سعة عشرة بوصة يقوم بسحب المياه من عيون موسي ودفعها للأمام لتصب في المنطقة الرملية المسطحة بعيداً عن المناطق الصخرية إستعدادا لقيام الرجال بزراعة بعض النباتات التي يحتاجون إليها للإعاشة حيث يقومون بسحب المياه من العيون القريبة ثم دفعها فى هذا الخط مستخدمين فى هذا بعض ماكينات  الشفط التى كانت بداخل مخازن بئر البترول كما إستخدموا البترول الخام الذي إستطاع المهندس عزيز إبتكار طريقة يدوية لتكرير نسبي له كي يمكنه من تشغيل الماكينات التي تقوم بشفط المياه من العيون ودفعها بالخط ، كان الرجال يستعدون لإقامة زراعة متنوعة تكفي حاجاتهم.

 

     أخذت بيد الشاويش إدريس لأحد الأجناب وأخبرته بكل ما دار بيني وبين رحيل سواء برغبتها بالزواج بى ثم لقاء السيدة العجوز وما أخبرتني به ورد فعل رحيل العنيف ثم إرسالي إلى معسكر مسكوني ببئر سبع ، صمت إدريس قليلا ثم قال: لو إستطعنا استخدام كل ما تم بطريقة سليمة فسوف نستفيد إستفادة كبرى تعود على الوطن بالنفع ، سر على بركة الله ولا تخشي أن توشي بك تلك السيدة ، فأنت آخر خط أمان لها ولابنها وهى تعلم أن الإسرائيليين لو أرسلوا شخصا آخر بديلا عنك فسوف يصيبها هذا بالضيق خصوصا أنهم سوف يرسلون بيهودي من اليمن وما لهم من طباع شرسة بل سـوف يسـتخدم هذا الرجل رحيل لمتعته الذاتية بالإضـافة إلي

 

ما يحمله من عادات سيئة نحن نعلم عنها الكثير ، ثم نظر إلىّ قائلاً: ألم يخبرك الرجال بالعملية التى قام بها العدو ضدنا خلال الفترة السابقة ، نفيت هذا فأسهب الرجل وتبين لي أنهم قاموا بالعديد من عمليات قطع الطرق وقتلوا العديد من جنود العدو وقد بلغ عدد من قاموا بقتلهم ستة جنود وأحد الضباط كما تم جرح العديد منهم وفي المقابل إستطاع الإسرائيليون معرفة موقعهم وهاجمتهم قوات محمولة جوا وتبادلوا إطلاق النيران الكثيف وقد إستمرت المعركة عدة ساعات كانت نتيجتها إستشهاد كلٌ من توكل       وعبد الحق اللذين كانا مثالاً للشهامة والطيبة والتدين والورع ، بالإضافة إلى مصرع خمسة جمال ، صمت إدريس قليلا بينما الدموع هاجمت عينى ونهضت مسرعا مستترا بأحد الجمال أبثها لوعتي وحزني على هذين الرجلين وعلى الجمال الصابرة التى كنت أرعاها وأقدم لها الطعام ، بعد قليل أقبل إدريس وتحدث معي ووجدت نفسي أخبره بالحالة التى أصبحت عليها والتي تهاجمني من حين لآخر ورغبتي فى النساء وهذا الشأن لم أكن أفكر فيه قبل ذلك سواء قبل لقاء رحيل أو بعد هذا بعدة شهور ، تساءل الرجل : هل قمت بشرب لبن الناقة التى أنجبت منذ عدة أشهر؟ أجبته بالإيجاب ، ضحك من إعترافي وطلب منى التقليل من شرب هذا اللبن لأنه يساعد على النشاط وبالأخص الناحية الجنسية ، ضحك معلقا : فاكر لما كنا بنبعد أمشير عن تناول حشائش أبو ُخسبا ، حالك من حاله حيث كانت تلك الحشائش تزيد من نشاطه الجنسي ، ضحك مرددا لقد أصبحت مثل أمشير. 

 

     غادرت موقع الرجال عائدا أحمل بين طيات نفسي كل الكلمات الطيبة لما أقوم به كما أشعرني الشاويش إدريس بأن خطوة الإنضمام لقوات النحال

 

بجيش الدفاع الإسرائيلي سوف تفتح الباب أمامي للحصول على المعلومات محذرا إياي بألا ألهث خلف المعلومة لكن من الواجب عليّ تركها تأتي إليّ طواعية ، أيضا عليّ ألا أهتم بها لأن الأعداء سوف يضعوني تحت المراقبة لفترة وقد يكون الغرض من ضمك لتلك القوات بغرض الكشف عن أسرار التنظيم الذي تنضم إليه ومن أجل هذا عليك اليقظة والإنتباه ، أيضا عليك عدم العودة إلينا مرة أخري وعليك إحضار المؤن إذا إستطعت ولتضعها بالسرداب الموجود بجبل الحلال والذى تحتفظ فيه ببندقيتك وذخيرتك وإذا رغبنا فى لقاءك فسوف ينتظرك البعض هناك كي يلتقوا بك حتى لا يتبعك العدو ويقتحمون موقعنا ويقضون علينا.

 

    أثناء العودة إلتقيت بالسيدة العجوز ووقفت أتحدث معها وأخبرتها بما حدث وما قاله لي الشاويش إدريس ، أيدت نصائحه وأضافت لي معلومة أخري حيث قالت: إذا وصلتك معلومة هامة فأكتبها وضعها في عبوة لا تنفذ منها المياه وعليك بوضعها أسفل ماسورة المدفع المدمر والتى علاها الصدأ والمجاورة للموقع الذي دمرتم فيه عربتين مدرعتين للعدو قريبا من جبل الحلال ، الآن أستودعك الله وإختفت بسرعة كعادتها.

 

 


 

 

 لقاءات غير مباشرة مع العجوز وإدريس

 

   ُعدت إلى مقر مركز المساعدات الغذائية تشملني السعادة والإنشراح رغم مهاجمة ذكري الزميلين العزيزين اللذين لقيا ربهما أثناء الإشتباك مع العدو ؛ كان مصدر السعادة أن الإثنين اللذين لهما من الحكمة والقدرة على فهم الأمور قد أيدا ما أصبحت عليه وهما العجوز وإدريس ؛ حيث كنت أخشي أن أتهم بأنني أصبحت عميلا للعدو وأرتدي ملابس جنودهم ولكن ثقة الإثنين بى ومعرفتهم صالح الأمور جعلهما يفكران بمنطق إيجابي بعيد عن العواطف والوطنية الزائفة التى تلاك فى الأحاديث بين البعض.

 

      إستقبلتني رحيل بسعادة خاصة حينما شاهدت معالم الفرحة على وجهي ؛ حيث قالت لي لا بد أنك قضيت يومين بصحبة أصدقائك خلالها تمتعت بحلو الحديث والإستئناس بهم وتذكرت بلدتك وأهلك ، أيدت إستنتاجها وأضفت إلي هذا أنهم يقدمون لكِ جزيل الشكر والإمتنان للمساعدات التى ترسلين بها إليهم ، أسعدها هذا قائلة: بأن المساعدات تقدم لكل الفقراء والمحتاجين بسيناء دون تفرقة ، فما بالك لو أن هؤلاء هم أصدقاء وأحباء أخي الصغير ، شعرت بالسعادة تهبط عليّ من هذا الشعور الإنساني.

 

     ظللت لعدة شهور والأحوال تسير سيرا روتينيا ولم يجد بها أي جديد ، خلال تلك الفترة شعرت بأن عيون الزملاء فى القسم الإداري لقوات النحال تراقبني فى كل صغيرة وكبيرة رغم حسن التعامل والمودة التى بيننا وبالأخص سيرجنت عفلق "الشاويش عفلق" اللبناني الذي كان يشعر بود ناحيتي وبالأخص حينما يطلب منى تقليد صوت فيروز فى بعض أغنياتها فكان ينصت ويستمع ويتمايل طربا معلقا ، عظمة على عظمة يا ست ، ثم ينظر ناحيتي ضاحكا متسائلاً: أليس هذا ما يقوله المعجبون بالسيدة أم كلثوم حين الطرب؟ أجيبه هذا صحيح لكن هناك ست واحدة وهي أم كلثوم ، يعلق: أنت محق فيما تقول.

 

     أحد الأيام أخبرت تراجي أثناء زيارتي لهم بما أقوم به مع جيش الدفاع، لم أتخيل أو أتوقع هذا التصرف منها ، لقد تبدل حال الفتاة وأصبحت كارهة النظر إليّ ثم نهضت وتأخرت قليلا ثم عادت وهي تطلب مني بجفاء ألا أعود لزيارتهم ثانية ، حاولت توضيح ما أقوم به لكن الغضب والإنفعال طغي على كل شيء بل وصل إلى أسرتها حيث أقبل كل من الأب والأم مؤيدين تصرف تراجي مما إضطرني لمغادرة الخيمة عائداً إلى مكان عملي حاملا معي كل ذكري سيئة لأقصي درجة فقد ضاع الحلم المكتسب الذي إستطعت إستخلاصه فى تلك الأجواء المشحونة بالحرب والإحتلال وتناثر الدماء.

 

     شعرت رحيل صباح اليوم التالي بأن هناك ما كدر صفو مزاجي ، حاولت الإستنتاج ولم تستطع أن تصل لقلب الحقيقة ، إستفسرت عما قمت به مع تراجي من تصرف طائش ، أشعرني هذا بالغضب ولم أقو على الإجابة ، تتساءل: هل حاولت تقبيلها أو الإقتراب منها أكثر من اللازم مما دفعها للغضب وأنت تعلم مقدار تمسك البدو بالقيم والأخلاق ، نظرت إليها مندهشا بأن تفكر بمثل هذا متسائلاً: كيف يصل بك التفكير لهذا؟ فأنتِ تعلمين كل شيء عني كما تعلمين كل شيء عن البدو ؛ تضحك وتعود برأسها للخلف مرددة: شقاوة محبين!!

 

     أحد الأيام وأنا بمستودع المواد الغذائية ؛ حيث أقوم على تحميل اللوري الخاص بمركز رحيل ؛ سمعت حوارا بين إثنين من الجنود وأنا بداخل المخزن ؛ حيث كان الشباك مفتوحا على مصراعيه بأن جيش الدفاع أعد قاعدة صواريخ جنوب سيناء قريبا من جبل كاترين وبعد الإنتهاء من تلك القاعدة سوف يستطيع الجيش تدمير سد أسوان الجديد الذي قامت حكومة عبدالناصر بإنشائه وذلك بإستخدام صواريخ أرض /أرض ، ولم يتبق إلا القليل ؛ أي عدة أشهر ويستطيع الجيش إغماد خنجر آخر في قلب عبدالناصر وشعبه مثل الخنجر الذي أغمده العام قبل الماضي بهزيمة جيشه فى سيناء ومقتل عشرات الآلآف وجرح عشرات الآلآف بالإضافة إلى أسر أكثر من ثمانية آلاف ضابط وجندي.

 

    أسعد هذا زميله الآخر حيث علق قائلاً: توقف عن الحديث ولا تنس أن بيننا واحداً منهم ، علق الآخر: تقصد صابر هذا الجلف الغبي؟ يجيبه بالإيجاب فيضحك الزميل معلقا بأنه لا يفهم الفرق بين البقرة والحسناء ، ألا تعلم أنه يقيم مع السيدة رحيل ، تلك الرائعة الفاتنة الجميلة وينظر إليها كما ينظر الأبله إلى البقرة فى إنتظار روثها ولبنها ، ضحك الإثنان ؛ حيث خرجت أحمل الجوال الثقيل وقد بدا التعب والإرهاق على حالي ؛ حادثني أحدهم: صابر.. ما هي نوعية العلاقة بينك وبين السيدة رحيل؟ بعد أن وضعت الجوال فوق اللوري وحصلت على نفس كامل جلست قليلا بجواره معلقا: دي أختي الكبيرة ، إنفجر الإثنان بالضحك وحاول آخر أن يكشف المستور بأنه توجد بعض ملاطفات مثل ....  نفيت هذا ولا يجب أن تتقول عليها بذلك ، علق الآخر: هل تعتبر السيدة رحيل سيدتك وأنت خادمها؟ صمت وكدت أتشاجر معه فقد تذكرت كلمات جاستون الملعون وهو يشبهني بهذا الوضع المذل.

 

     غادرت المكان لأعود لإستكمال عملي حيث علق أحدهم قائلا ألم أقل لك بأنه أبله وينظر إلى تلك القطعة من الألماظ المتحرك نظرته إلى البقرة ، واصل الجنديان الحديث فى أمور أخري بينما إستكملت حمولة اللوري بعدها أقبل المشرف وراجع نوعية وكميات التحميل فتأكد بأنها مطابقة للكشف المسلم لي ؛ سلمني تصريح مغادرة المعسكر ، حيث كنت أقود اللوري بسرعة راغبا بأن أخبر العجوز والشاويش إدريس بما سمعته ، وصلت إلى المركز وشاهدت رحيل تجلس أمام خيمتها تلاحظ هارون يلاعب بعرور والكلب ليفي ، صاحت بعبارات الترحيب ، نهضت ونفحتني قبلة أخوية وأنا أفكر فيما صبه الجنديان من أخبار ومعلومات وإستنتاجات فاسدة عن علاقتي بها.

 

     تركتني رحيل وطلبت مني الجلوس كي تعد مشروبا دافئا لكلينا ، جلست وأنا أتابع خطوات سيرها ورشاقة جسدها وأردد ، هل تلك الفاتنة يجب أن يقال عليها ما سمعته اليوم؟ تنبهت بأنني شاهدت بعيني أكثر مما قيل عنها ، إستغفرت الله وقلت فى نفسي إن الله يقبل توبة عباده ، سمعت صوتها يحادثني مقدما لي كوبا من الشاي الذي أسعدتني رائحته قبل تناوله ، جلسنا نتحدث قليلا ثم نهضت وأفرغت حمولة اللوري وارتديت جلبابي وأخذت ورقة وكتبت عليها سطرا موجزا وملخص لما سمعت " تعد العدة الآن لتدمير السد العالي بقصفه بصواريخ أرض /أرض من منطقة سهل جبل كاترين ، الأعمال قاربت على الإنتهاء ".

 

      شاهدتني رحيل أستعد لركوب شهاب فتساءلت ، يا تري إلى أين؟ صمت ولم أكن قد أعددت ردا لمثل هذا السؤال لكنها أكملت: أيوه رايح للحبيبة ، قلبي معاك ، ماتنساش تبوس لي تراجي ؛ أعقبت هذا بضحكة عالية الصوت ، ضحكت لضحكتها مؤكدا بأننى لو نفذت وصيتها سوف يقتلني أبوها وعشيرتها ؛ أسرعت بشهاب فى طريقي المرسوم بخيالي حتي وصلت إلى ماسورة المدفع قبل حلول الظلام ، نظرت حولي ثم تأكد لي أن الأمور على ما يرام فإنحنيت بجوار الماسورة كأنني ألبي نداء الطبيعة فمن المحتمل أن هناك من يراقبني بنظارة الميدان ويتعرف عليّ ؛ حيث أنني أركب الفرس شهاب ومعروف عنه أنه يقيم بخيمة رحيل ، بسرعة أخرجت الورقة من السرج من فوق ظهر شهاب حيث كنت قد وضعته بداخل كيس صغير من البلاستيك المخصص لتغليف علب الشاي ، بسرعة دفعت به إلى داخل الماسورة ، نهضت مسرعا متجها لفصيلة الحدود ، هناك إستقبلني الرجال بالترحيب والسعادة مؤكدين لي بأنك أصبحت لا تخشي العدو ودورياته بعد أن حصلت على ترخيص يسمح لك بالحركة فى أي إتجاه وأي مكان بإستثناء المواقع العسكرية.

 

     إنتحيت بالشاويش إدريس جانبا وأخبرته بالخبر الذي سمعته من الجنديين: نظر إلىّ الرجل قائلاً: والله أنت تستهج "تستحق" مكافأة يا صابرا، قبلني وطلب منى العودة حتى لا يرتاب بنا أحد فمن المحتمل أن يراقبنا البعض ويعلم بعلاقتك بنا حيث أنهم مازالوا يجدون فى البحث عنا حيث أخبرني حمدان مهرب المخدرات بهذا ، شكرته وعدت مسرعا خلال الليل ، كانوا قد سمحوا لى أثناء تجولي بحمل سلاحي الشخصي وهو عبارة عن رشاش ماركة عوزي إسرائيلي سريع الطلقات وبذلك أعطاني هذا الرشاش الأمان للدفاع عن نفسي لو إعترض طريقي بعض الذئاب أو الضباع القاتلة.

 

***

 

    صاح بي الشاويش إدريس مخاطبا: رباح : أعد الترانزستور الذي أهداه إلينا الشيخ ِحــمدان كي نستمع لمحطات الإذاعة المختلفة عما يتم على جبهة القتال بين الجيشين المصري والإسرائيلي من قتال شرس يدور بين الجيشين دون هوادة يترتب عليه وقوع قتلي من الطرفين ؛ أسرعت بالتنفيذ وعلق العريف أحمد الطيب مكررا ما سبق وعلمناه بأننا كنا نشعر بهذا عن طريق بعض البدو الذين يشاهدون الطائرات الهليكوبتر التى تعمل كإسعاف والتى تقوم بنقل الكثير من جرحي جنود جيش الدفاع إلى مستشفي العريش العسكري والبعض ينقل إلى داخل إسرائيل للعلاج ومن لقي حتفه فينقل لدفنه.

 

***

 

       خلال عملي الذي كنت أقوم به كسائق ومندوب تسلم الأغذية لمركز المساعدات التى تشرف عليه السيدة رحيل علمت الكثير مما يتداول بين الجنود من أحاديث حول الخسائر التى لحقت بقواتهم على الضفة الشرقية لقناة السويس سواء من قصفات سلاح المدفعية المصري أو من هجمات تقوم بها مجموعات من قوات الكوماندز المصرية على جنود جيش الدفاع هناك وقد سبب هذا المزيد من الخسائر بالأرواح بل إلي الخوف والخشية من توجه الجنود للخدمة على ضفة القناة فى مواجهة الجنود المصريين.

 

      هذا يوم لن أنساه ، كان ذلك أحد أيام شهر إبريل من عام 1969 حيث شاهدت عددا من الجنود يلتفون حول بعضهم البعض على هيئة دائرة ويتحدث بعضهم بينما يبكي البعض الآخر وقد آثار هذا فى قلبي الخوف من ردة فعلهم ، شاهدت صديقي السيرجنت عفلق اللبناني الذي أقبل عليّ أثناء حمل أحد الأجولة الثقيلة قائلاً: عارف إيه حصل فى جنوب سيناء؟ أشرت إليه بأنني لا أعلم ، حرك رأسه دليلا على تأكده من هذا ثم قال تعرف إن المصريين المجرمين بعتوا رجالهم من الكوماندز وهاجموا قاعدة موردخاي بعد أن تم إنشائها وتزويدها بالصواريخ لتدمير مشروع سد أسوان اللى جمال عبدالناصر أزعج الجميع بيه ، ده مشروع خطير ولو تم ح تكون هناك مشكلة لإسرائيل ، عشان كده جيش الدفاع صمم على تدميره بصواريخ أرض /أرض لكن حظنا السيئ أن فيه بعض الجواسيس قدروا يعرفوا المعلومات دية وبعتوها للقاهرة وهما بدورهم بعتوا شوية كوماندز وش إجرام ونسفوا القاعدة وكان المخططون للهجوم فى غاية الذكاء ، لم يهاجموا القاعدة إلا بعد أن تم تخزين مئات الصواريخ الضخمة شديدة الإنفجار والتي أصبحت متخمة بالجنود والضباط والخبراء والمهندسين ، التقديرات الأولية بتقول أن القاعدة أصبحت لا جدوى منها ولا يمكن إصلاحها لكن أخطر ما فى الحكاية أن حوالي 49 قتيل وقعوا لحد الآن والجرحى تعدوا المتين ، والأدهى من كل هذا هو فقد رأس أحد الصواريخ واللي بداخله تكنولوجيا عاليه وأمريكا عملت مشكلة مع الحكومة الإسرائيلية لتقصيرها فى فقد رأس الصاروخ ، تصور أكتر من خمسة آلاف جندي من جنود الكوماندز الإسرائيليين مسحوا سينا يدورا على المصريين اللى عملوا العملة دية ، لكن ما فيش حس ولا خبر وكأنهم تبخروا مع دخان إنفجارات القاعدة.

 

      غادرت المستودع فى حالة من السكرة والإنبهار ؛ بعد مسيرة عدة كيلومترات توقفت أستعيد ما قيل ، تلك هي المعلومات التى علمت بها منذ أكثر من خمسة أشهر وقمت بإبلاغ العجوز بها وللشاويش إدريس أيضا ، أتساءل: هل كان لي نصيب فى تحقيق هذا الإنجاز ولو بقدر ضئيل بنقل تلك المعلومة؟ شعرت بأنني تجاوزت حدودي وما أنا إلا شيال أعمل مع رحيل نظير الإعاشة التى تقدمها لي وبعض المساعدات التى تعدت العامين حتى الآن لأصدقائي رجال الحدود ، من أجل هذا طردت تلك الأماني وقررت أن أعيش على المستوي الذي أنا عليه وأن هناك من الأجهزة الكبيرة التى إستطاعت أن ترسل بتلك المعلومة بل وغيرها إلى القيادة بمصر.

 

      مضي اليوم على خير ما يرام ، توجهت لمكان نومي أشعر بإعياء نظير ما قمت به من أعمال وبالأخص حمل أجولة الدقيق ، أكثر من أربعين جوال زنة الواحد خمسة وسبعين كيلو جرام دون مساعدة من أحد ثم تفريغهم بعد ذلك بمعسكر رحيل دون مساعدة ، كدت أن أغفو في نومي ولكني شعرت بحركة قريبة من مخزن الأجولة التى أنام به ، نهضت حذرا خشية هجوم مباغت من حيوان مفترس أو لص راغب بسرقة بعض المعونات ، لم أستمع لأصوات الكلب ليفي صديقي الذي كنا نأكل بطبق واحد لمدة أسبوع كعقاب من رحيل ، بعد قليل سمعت وقع أقدام تسير بالقرب من جدار الخيمة السميك ، جلست حذرا وتوقعت أن القادم رحيل والتي ستأتي شبه عارية فقد أقبل الصيف ومن أجل هذا سوف تتخلص من بعض الملابس لإرتفاع درجة الحرارة وأيضا رغبة فى الإغراء كي تشبع بعض نزواتها رغم علاقة الإخوة التي أبغي أن تظل قائمة بيننا ، سمعت صوتا لا تخطئه الأذن ؛ صابر .. صابر .. هذا الصوت هو صوت العجوز والذي تميزه نغمة جافة حادة وأيضا بحة في النطق ؛ أجيبها: أسمعك يا أمي ، خرجت من الخيمة للقائها لكنها دفعتني للداخل قائلة: رغبت بأن أخبرك بنفسي وليلا حتى لا يراني أحد ، أنت بطل همام يا صابر ، ألا تتذكر المعلومة التى تركتها بورقة بداخل المدفع الصدئ القريب من جبل الحلال؟ أجيبها: نعم، وقد مضي أكثر من خمسة أشهر على هذا الحدث ، نعم لكن نتيجته حدثت أمس الأول حيث أقبل رجال مصر البواسل وقاموا بنسف القاعدة بمن فيها ، الأعداء فى حالة من الذعر والضيق ولهم رغبة جامحة لمن يرشدهم على من حصل على تلك المعلومة ، أنت يا صابر .. حينما أرسلت بتلك المعلومة للقيادة أرسلت بفريق آخر كي تتأكد من تلك المعلومات وقد أفاد هذا الفريق بدقة ما حملته من أخبار وفي خلال تلك الفترة كانت هناك قوة مصرية قد أنهت تدريبها وسبقها أحد ضباط المخابرات الحربية من مصر والذي أرسل إليهم بتأكيدات ومعلومات ساعدت على دقة التنفيذ فى الوقت المناسب حيث كانت القاعدة ُمعدة للعمل وكانت تنتظر زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي ولهذا كانت متخمة بالضباط والجنود والفنيين والمهندسين والإعلام ، كانت الخسارة قوية  ، جئت أبارك لك عملك ، شكرتها وتساءلت كيف وصلت إلى هذا المكان دون أن يشعر بك الكلب ليفي؟ ضحكت بهدوء وأخبرتني بأنها ألقت بقطعة من اللحم بها مخدر وبعد أن خلد ليفي فى نومه من تأثير المخدر قدمت لك من الفناء الخلفي!!

 

* تم ذكر هذه العملية العسكرية بالتفصيل برواية "عابد المصري" لنفس المؤلف.

 

     أتساءل بدهشة: الفناء الخلفي؟ أنا لا أعلم بأن هناك فناء خلفيا ً، أخذت بيدي ودخلت من السرداب الذي تحيا به الناقة وأمشير وشهاب وبعرور ثم سارت حتى النهاية فلاحظت أن السرداب يتلوي لأحد الأجناب ثم شاهدت ضوءا يطل من فتحة بأعلاه ضوء القمر ، ظلت تسير وأنا أتبعها فى ممر مرتفع حتى وصلت لقمة المرتفع الصخري وهبطت ثانية فشاهدت أرضا منبسطة تكسوها الرمال وتحيط بها الصخور ومن غير الممكن إختراقها بالعربات المدرعة أو الدبابات.

 

     شعرت بسعادة لهذا الإكتشاف ، شاهدت الجمل الخاص بها ومازال واقفا يتناول بعض العشب ، صدرت منها بعض الكلمات فأسرع الجمل ناحيتها ملبيا النداء ، أشارات إليه بما يعنى إخفض جسدك أي إبرك ، برك الجمل وقفزت فوق ظهره فنهض الجمل دون أمر وأسرع بها لتغيب بداخل ظلام الليل الذي يبدده ضياء القمر ، جلست قليلا أتمعن المنطقة المحيطة بى ثم عدت أدراجي وتسللت إلي داخل الخيمة فشاهدت حورية الليل تجلس بوضع يثير الإنفعالات ، لقد كانت رحيل ، والتى تساءلت أين كنت؟ فأخبرتها بأنني كنت أتفقد أصدقائي من الحيوانات ، ضحكت لهذا مرددة ألا تعطي بعض الوقت لأصدقائك من بني الإنسان ، من بني وطنك ، من التى تجلس أمامك وقد ترملت مبكرا؟

 

     ظللت واقفا بينما كانت تشير إليّ بالجلوس ، أتردد وأعلق بكلمات   لولاه ولولا تذكره لوقعت الواقعة ليس لها من منقذ ، رحيل: أنا أحبك كما سبق وإتفقنا وأرجو أن يظل هذا الإتفاق مستمرا ، تتردد في الإجابة: أعلم لكنني فى شوق لسماع كلمات جميلة من رجل يشعرني بأنوثتي التى لا زالت شهية قوية ، ألا تبغي أن تكون هذا الرجل؟ مازالت واقفا أتفصد عرقا وشبه محموم بين الرغبة والرهبة من عذاب الواحد القهار ، بين التردد والتمنع ألوي وجهي للخارج باكيا بجوار الخيمة.

 

     أشاهدها ترفل فى ثوب فضفاض حريري وتنحني قريبا من رأسي وتضمها إلى صدرها مهدهدة على ظهري متسائلة: ما الذي يبكيك؟ أردد لا أستطيع الإقتراب منك ولا أستطيع الإبتعاد عنك وأرجو منك إذا كنتِ تحبين أخاك صابرا ألا تفعلي تلك الأشياء أمامي حتى لا يحدث لي هذا الإضطراب، مازالت تهدهد على رأسي المستلقية على صدرها شبه العار ، تماسكت رحيل وساعدتني على الوقوف ولملمت نفسي المبعثرة وأخذت بيدي وسارت بى حتى باب خيمتها ومازالت الهواجس والأفكار الشيطانية تزينها لي ، من أجل هذا كنت أنتظر كل ما هو سيئ وجميل فى آن واحد ولم أعد أستطع أن أفاضل بين تصرف وآخر.

 

    بداخل الحجرة التي تستقبل بها ضيوفها ساعدتني على الجلوس وأسرعت بالإختفاء ثم عادت ثانية بعد عدة دقائق بعد أن سترت جسدها ببعض الملابس حماية من سهام نظرات عيني الملتهبة لتلك اللوحة المتحركة التي أبدع الخالق فى خلقها ، مدت إليّ يدها بفوطه مبللة بالماء طالبة منى تجفيف عيناي ، جلست قريبا منى وقبلت خدي كعادتها وشعرت بأن الإخوة عادت ثانية كي نتمتع بها بعد أن تلاشي العشق المحرم ليحل محله حلال الإخوة في التعامل والعلاقة بين إثنين ، بعد قليل قدمت لي مشروبا جميلا وتحدثت فى أمور شتي ثم ودعتني أمام باب الخيمة متسائلة: ألا تقبل أختك الكبيرة قبل نومها ، عدت وقبلت وجنتيها وشعرت بنسمات ريح طيبة أشتمها من رائحتها التي تميزها حين لمست خديها ؛ ُعدت مسرعا إلى خيمتي أنتفض من خشية الله وأتساءل: هل أستطيع مقاومة هذا الإغراء فى كل مرة؟ 

 


 

 

رق الحـبيب

 

      ظلت العلاقة طيبة بيني وبين رحيل ورغم هذا كان يراودني من حين لآخر هاجس الخوف بأن تعود لمزاولة الضغط عليّ ، مضي علي حادثة محاولة رحيل تغليب عاطفة الشهوة على علاقة الأخوة عدة أسابيع كنت خلالها فى حالة من السكون ؛ حيث كنت أقوم بأداء عملي خير قيام سواء بإحضار المؤن من المستودع الرئيسي أو بالقيام بصرف تلك المؤن للعائلات البدوية الفقيرة التي تأتي إلى نقطة التوزيع التي تشرف عليها رحيل ، أيضا كنت أشعر بسعادة طوال نهار اليوم بما أشاهده من تفاهم غريب ومدهش بين كل من هارون وبعرور والكلب ليفي ، لا أعرف أو أعلم لغة التخاطب بينهم حيث كانوا يقتفون أثر بعض بل أنه حين يحين موعد رضاعة بعرور كانت أمه ترسل أصواتها تطالبه بالعودة إليها كي يتناول طعامه بعدها يتركها ليلهو مع أصدقائه.

 

     خلال رضاعة بعرور كان كل من هارون وليفي ينتظرانه قريبا من مكان وقوف أمه التى كانت تزمجر غاضبة حين تركه للرضاعة والنظر لأصدقائه بما يعني أنا ح أخلص الرضاعة وأجي بسرعة كي نلعب وربنا يفرجها وأكبر وأعتمد على نفسي في الأكل زيكم ، حين ينتهي بعرور من وجبته يترك أمه ويقفز لأعلي بينما هارون وليفي يهرولان خلفه ، وخلال ذلك تقوم أم بعرور ووالده أمشير بمتابعته بشغف ولهفة ، كانت تلك العلاقة تجذبني للمشاهدة مما دفعني لمتابعتهم وتجاهلت عن غير عمد نداء بعض البدو الراغبين فى صرف المستحقات التموينية التى جاء موعد صرفها مما دفع برحيل إلى رفع عقيرتها طالبة منى فتح البوابة والقيام بواجباتي وترك الصغار فى لهوهم.

 

   نهضت متثاقلا بضيق لمن كدر صفو متعتي لمتابعة تلك العلاقة بين مختلف المخلوقات اللذين يجمعهم حب اللعب واللهو ، تحركت تجاه البوابة الخارجية فشاهدت من خلال الأعمدة الحديدية من لم أكن أتخيل لقاؤها ، لقد أقبلت تراجي وشاهدتها باسمة الطلعة رقيقة البسمة مخضبة البشرة وقد ظهر ثغرها عن إبتسامة طيبة مرددة:

 

ـ كيفك صابر؟

 

ـ الحمد لله ، أزاي أحوالكم وأحوال عم إسماعيل

 

ـ كلتنا بخير ، كلتهم باعتين لك سلامات كتير أكبر من جبل لبني

 

ـ شكرا تراجي ، فتحت البوابة وسارت تتهادي بخيلاء بنات حواء وسرت خلفها حتى جلست قريبا من خيمة رحيل التى كانت تتابع المشهد منذ بدايته فضحكت معلقة:

 

ـ يخرب عقلك يا صابر .. دا أنت حكايتك حكاية .. كده يا تراجي تلخبطي حال أخويا؟

 

ـ نظرت إليّ تراجي راغبة أن تستوعب الكلمة ، أخويا!!

 

   عادت رحيل لشأنها بينما كنت أقوم على تجهيز الصرفية الخاصة بأسرة تراجي التى لحقت بى عند المخزن راغبة بمعرفة ما سمعته منذ قليل.

 

ـ صابر .. إيه حكاية أخويا؟ أنا عارفه إنها يهودية ، هو أنت زيها يهودي؟

 

ـ لأ مش كده .. الفكرة أننا أخوات فى الوطن ، أصلها مصرية زيّ وزيك لكن الظروف دفعتها تروح إسرائيل.

 

ـ وتخدم فى جيش الدفاع بتاعهم؟

 

ـ زي حالي ، مش أنتِ زعلتي من الحكاية دية ؛ إقتربت مني باسمه.

 

ـ صابر .. أنا أحبك!!

 

ـ يخرب بيت عقلك يا تراجي ، دا أنت بقيتي جريئة ، مش خايفه لحد يسمعك؟

 

ـ صابر .. الإنسان البطل اللي يعمل لصالح بلده لازم كل الناس تحبه وخصوصا اللي جلبها بيميل ناحيته

 

ـ قصدك إيه؟

 

ـ أم سينا جت ليا أولة إمبارح وحكت ليا على كل اللي عملته من أجل بلدنا

 

ـ أم سينا؟ مين أم سينا؟

 

ـ الولية العجوزة اللي بتجابلك كل كام يوم!!

 

ـ ياه .. اسمها أم سينا؟

 

ـ كل الجبايل بتجول عليها كده ، محدش يعرف هيا من جبيلة مين ، محدش يعرف دارها فين ، ناس كتيره بتجول إنها طول الليل والنهار بتلف من مكان للتاني وشايله معاها على ضهر الجمل شيكارة فاضيه فيها هدمتين وغطا للنوم وكام صحن ، بتنام فين ما نعرف؟ والنبي لما تجابلك إبجي ناولها شوية طحين وشوية سكر وشاي ، أصلها غلبانه خالص من يوم ما ضناها جتلوه اليهود وهيا بتلف سينا زي النحله ، صابر .. أم سينا هيا اللى جالت ليا علي إللي عملته واللي ودا اليهود في داهية فى جبل كاترين ، بس وصتني ماعرفش حد حتي أبويا لأن ده خطر عليك.

 

ـ ياه يا تراجي .. الست دية محتاجه للعون؟ عمرها ما طلبت مني ولا كسرة خبز

 

ـ ماتعرف أن فيه ناس عنديهم عفة نفس وجناعه؟ هيا منهم ، عمرها ما طلبت حاجه من حد ، بس لما تجابلك إبجي إعزم عليها تاكل وجدم لها شوية الطحين والسكر وربنا يكافئك.

 

     ظل حوار تراجي يطن بأذني ليس بسبب ما قالته عن شخصي من البطولة وخلافه ولوصفها لحال تلك المرأة العجوز أم سينا التى تقوم بقطع سيناء شرقا وغربا ليل نهار حر وبرد وتتعرض لكمائن اليهود وكل غرضها خدمة وطنها والإنتقام ممن حرمها نعمة الابن ونعمة الإستقرار ومن أجل هذا قررت أن تذيقهم مرارة البؤس وعدم الإستقرار كي يتجرعوا من كأس الحزن والبكاء وفقد العزيز.

 

      أثناء الليل تسلطنت كما يقول العامة وقمت بتقليد أم كلثوم وهي تتغني بأغنية "رق الحبيب" إحتفالا بعودة الحبيب تراجي إلى أحضان قلبي الذي أفتقدها عدة شهور وما قامت به من الهجر والبعد عني بسبب إستنتاجها بأنني خائن لوطني ولكن حين علمت الحقيقة أقبلت سعيدة فرحة حتى لاحظت أنها كانت في حالة من التردد وأنها راغبة بأن تمنحني مكافأة البطولة بحضن ناعم دافئ القلب مثلها ، يا لكي من عزيزة رقيقة يا تراجي ، وشكرا لأم سيناء وأم المصريين وأمي ، طفرت بعض دموع من عيني حين تذكرت الأم فعدت بذاكرتي لما كانت تقوم به أمي بعد وفاة أبي كي تقوم على رعايتنا وإطعامنا ، أردد .. آه .. الجنة تحت أقدام الأمهات .. لك الفخر والعظمة يا مصر بأمهات أنجبتهم منذ قديم الأزل وأذكر منهن " آسيا زوجة فرعون التى حنت على نبي الله موسي وأم موسي لما تحملته من آلآم فقد الرضيع بإلقائه في النيل ثم هاجر أم إسماعيل نبي الله والتى ظلت وحيده فى صحراء الجزيرة العربية بوليدها ، أيضا زوجة سيدنا محمد السيدة ماريه القبطية وشجرة الدر التى سارت بالحكم أثناء تهديد الأعداء لمصر وأخفت على الجميع نبأ وفاة زوجها الملك الصالح أيوب حاكم مصر في تلك الحقبة ثم مرورا بالعصر الحديث من سيدات نفخر بهن فى مجالات العلم والأدب والفن وخلافه ، إن تراجي حفيدة تلكم النسوة وأيضا رحيل لكن السياسة أفسدت الكثير من النفوس وأذلت الكثير من المبادئ والقيم.

 

     مضي على هذا اللقاء الدافئ بتراجي أكثر من شهر ، أثناء جلوسي ليلا وحيدا أعد النجوم فى ظلمة الليل الطويل شعرت بمن يقترب من موضع جلوسي بالمنطقة القريبة من أصدقائي وأحبائي من الحيوانات ، شاهدتها فى ظلمة الليل وكأن مصباحا يتحرك ، كان الضياء ينير هذا الوجه الطيب الذي لاقي العذاب والهوان على الكبر ، نهضت أقبل يدها :

 

ـ أهلا أم سيناء

 

ـ شكرا يا صابر

 

ـ إيه رأيك ناكل سوا؟ أنا م أكلتش لحد دلوقتي

 

ـ بقالك أد إيه مكلتش؟

 

ـ خمس ساعات

 

ـ اللي جدامك محطتشي كسرة خبز فى معدتها من تلات تيام!!

 

ـ حالا ح أروح أجيب الأكل وناكل مع بعض ، خدي راحتك لحد ما أجيب الأكل .. إدخلي ريحي جسمك جوه في المخزن وأنت عارفه المكان.

 

   أسرعت لخيمة رحيل ودخلت المطبخ بهدوء فشعرت بى وتساءلت عما أريده؟ أخبرتها بأنني أعد أكله بسيطة ، عرضت مساعدتها فشكرتها وطلبت منها أن تظل بجوار هارون ، أخذت الكثير من الطعام وتوجهت لأم سيناء ودخلت عليها فشاهدتها تغط فى نوم عميق ، حاولت إيقاظها لكن السيدة كان باديا عليها الإرهاق ، تركتها وظللت أراقبها أثناء نومها فغفوت أيضا ولم أنتبه إلا على صوتها راغبة بالبحث عن الماء كي تقوم بالوضوء لتؤدي صلاة الفجر والصبح قبل شروق الشمس ، رافقتها حتى توضأت من بئر المياه وشاهدتها تجفف يديها بالأسمال  البالية التى تستر جسدها الواهن الضعيف ، قامت أم سيناء بتحديد جهة القبلة بدقة تعجبت لها وأدت الصلاة ثم أنهتها فقدمت لها الطعام ، تناولته على مهل وروت فمها بقليل من الماء البارد من البئر ثم نظرت إليّ وركزت نظراتها إليّ فأصابني التوتر والخوف ثم تحدثت قائلة:

 

ـ صابر .. عايزاك ترسم صورة للمعسكر اللي أنت بتجوم بنجل المؤن منه كمان تكتب أسماء بعض الضباط به وأي إضافة أنت شايفها ، بعد كده أنت عارف فين صندوج البوستة بتاعي ، نهضت راغبة فى الرحيل فطلبت منها أن تأخذ بعض الأطعمة ؛ حيث كانت رافضة لكني أقنعتها وبالأخص حينما ناديتها بلقب أم سيناء ، ثم ناولتها عبوة صغيرة تشمل الدقيق والشاي والسكر فقدمت شكرها بدعاء لله بأن أنال بغيتي وأتزوج من تراجي هذا الأسبوع مما أدخل البهجة والضحك إلى قلبي ، كعادتي رافقتها حتى مكان وقوف الجمل وما أن شاهدها حتى أسرع لها وبرك أرضا وقفزت فوق ظهره بلياقة بدنية تحسد عليها ونهض الجمل فورا وأسرع الخطي قفزا ولم أعد أميز سوي نقطة بنية اللون عن بعد. 

 

    سارت الأمور علي ما يرام ولم يجد جديد على أحوالي كما أن رحيل إلتزمت الحيطة والحذر فى التعامل معي وأعتقد أنه أصابها نوعا من خيبة الأمل أو شعور بالإحباط بأن أنفر منها وقد أثر هذا على كبريائها وهي السيدة الجميلة التى يخطب ودها الكثير من الرجال ، كما سارت أموري العادية في عملي بالتوازي مع كف بأسها عني وقد شغلتني مشاهدة ومتابعة الأصدقاء الثلاثة الذين يلهون بجواري وكأن سعادة الدنيا بين يدي ، كما أنني قمت بزيارة أصدقائي من رجال الحدود وأسعدني اللقاء بهم وثناؤهم على ما أقوم به من إمدادهم بما يحتاجون من مواد غذائية ، حينما علم إدريس بما دار بيني وبين العجوز أسعده هذا حيث أخبرني بأنه لم يستطع إختراق الدوريات الإسرائيلية الكثيفة على شاطيء القناة كي يقوم بتوصيل المعلومة السابقة بقاعدة الصواريخ ، كما أكد علي صحة حديث العجوز لي وشجعني على مواصلة الإمداد بالمعلومات وبالأخص التي طلبتها العجوز أم سيناء مؤكدا بأنها تعمل مع رجال منظمة تحرير سيناء.

 

    تم اللقاء التالي مع تراجي أثناء قيامي بزيارة موقع القبيلة ومدي الترحيب الذي إستقبلت به وقد راودني الإضطراب والخوف بأن تكون تراجي قد زل لسانها بالسر التى أخبرتها به أم سيناء ولكنها نفت هذا موضحة بأن  ما جد هو أنها أخبرت أسرتها بأن ما يقوم به صابر هو من صميم الأعمال الوطنية التي تصب في صالح أبناء مصر بسيناء حتى لا يقطع العدو المعونة الغذائية عن أبناء سيناء ولهذا فإن صابر يتحمل المجهود الكبير وتعنت القادة العسكريين لجيش الدفاع وقادة منظمات الناحال الإسرائيلية والذين يتميزون بالتخلف والجهل والعصبية ، كل هذا من أجل أبناء سيناء.

 

     حكيت لتراجي عما دار بيني وبين أم سيناء بخصوصها وأن هذا الأسبوع لن يمر دون أن نحقق خطوة للأمام فى طريق الزواج والإرتباط مما دفعها للضحك معلقة بأنه قد مضي أكثر من أسبوع بل شهر أو يزيد على تلك النبؤة ولم يحدث أي شيء ، نهضت وغابت وعادت بعد قليل وجاء فى إثرها عم إسماعيل الذي فاتحني بأنه يوافق على ما قلته لإبنته تراجي بأنك راغب بالتقدم إليها وقراءة الفاتحة وهذا نسب يشرفني ويشرف أبناء القبيلة ، شاهدت الرجل يمد يده اليمني فى مواجهتي فدفعت بيدي وتصافحنا وقرأ كل منا الفاتحة وهكذا أصبحت فاتحة خطبة تراجي قد تم قرأتها علي صابر ويعتبر هذا أول خيط للترابط الإجتماعي مع تراجي.

 

جلست جلسة طيبة وأنا أنظر إلى تراجي نظرات فاحصة كي أتبين الخبث والدهاء التى تتمتع به بعد أن وضعتني فى موقف حرج مع والدها رغم أن ما تم كان أمل حياتي وحلم صباي ، وحينما علمت تراجي بما أفكر فيه إندفعت ضاحكة مقررة بأن لها السبق فيما أرادت مقررة أن بنات مصر لا تنقصهم الشجاعة أو الذكاء ولن يجلسن بالدار ينتظرن العريس الذهبي المخلص لهن من عبودية الأب أو الأم.   

 

 

 

 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech