Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

روايه فهد الليل- الجزء السادس

 

 

كتبها على لسان أبطالها

أســامة على الصــــادق

.....

الطبعة الأولى .. مارس 2012

الناشر: الكاتب

.....

تصميم الغلاف: ريهام سـهيل

.......

حقوق الطبع محفوظة للكاتب

موبايل: 01227970032

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

بطولة حتى النفس الأخير

 

   شعرت بشوق جارف لإستخدام البندقية القناصة ، ففي خلال الشهور والأسابيع الماضية شغلتني الأحداث عن هذا السلاح ، توجهت إلي السرداب الذي أحتفظ فيه ببندقية القناصة وبحثت عنه حتي عثرت عليه ، فضضت الغلاف القماش وفحصت البندقية فوجدتها على حالها حيث كنت أخشي أن ينالها الصدأ من تركها لفترة طويلة دون إستخدام ودون القيام على نظافتها وتزيـيت أجزائها ، جلست لفترة طويلة في إنتظار هدف كي أقتنصه وأشفي به غليلي من تصرفات الأعداء دون فائدة وقد قارب ضياء الشمس على الظهور دون مشاهدة أي أهداف ، أعدت البندقية ثانية وعدت إلي المستودع فشاهدت رحيل تنتظر عودتي وتساءلت بلهجة يغلب عليها التهكم:

 

ـ كنت فين يا صابر لحد دلوقتي؟ أكيد كنت بتمر على بيت الحبايب على رأي محمد عبدالوهاب

 

ضحكت لحديثها وإقتربت منها وطبعت قبلة علي خدها كالمعتاد فسكنت وشعرت بأنني الأخ الصغير الذي لا يغضب من مزاح شقيقته الكبرى ؛ أمسكت بيدي ودخلنا لداخل حجرة المعيشة والإستقبال وأعدت مشروبا تناولته مسرعا وتساءلت لماذا كل تلك العجلة فأخبرتها بأنني أبغي الإطمئنان على الجمال والحصان ولهذا فسوف أقدم لهم الطعام والشراب وأيضا أقوم على نظافة الحظيرة وأقوم على تجديد فرشها بالرمال النظيفة ، شجعتني وأخبرتني بأن هذا مجهود كبير سوف يأخذ الكثير من وقتك وتساءلت ألا تتناول طعام إفطارك أولا ؛ أشرت إليها بما يعني فيما بعد.

 

   توجهت لأصدقائي وأخذت بحبالهم وتسللت من الممر التى أرشدتني إليه أم سيناء حتى خرجنا إلى المنطقة الخلفية فأسعدهم هذا وأخذوا ينطلقون لهوا وجريا وبالأخص بعرور الذي أخذ يقفز لأعلي وينظر يمينا ويسارا باحثا عن صديقيه ، قمت بعد هذا بوضع الطعام المكون من الشعير وعبوة كبيرة بها الماء ثم عدت إلى الحظيرة الرئيسية ووضعت الروث الناتج من بقائهم لفترة بهذا المكان بوعاء من الكاوتش "غلا ْ " كما أزلت المشمع الضخم الذي كنت قد وضعته أثناء موسم شتاء العام الماضي كي يقدم الحماية والدفء لهم، ظللت على هذا الحال لفترة طويلة وخلال هذا حضر كلٌ من هارون وليفي يبحثان عن صديقهما بعرور فأخذت بيد هارون حتى الفناء الخارجي وليفي يتبعنا وحين لمحهما بعرور ترك ثدي أمه وقفز عاليا مسرعا نحوهما وبدأ فاصل من اللهو بين الثلاثة.

 

      منتصف النهار إنتهيت من نظافة الحظيرة وتوجهت للبئر وحملت الماء بالعبوة التى أحتفظ بها لهذا الغرض وأحضرت ملابسي التى قمت على غسلها منذ يومين حيث كنت أقوم على نشرها على أجناب بعض الصخور القريبة وقد جفت ، بدأت النظافة الشخصية وحصلت على حمام منعش وإستبدلت ملابسي بملابس نظيفة ثم توجهت إلى غرفة المعيشة فشاهدت رحيل تنام نصف نومه أي تنام بوضع الجلوس ؛ أشارت لي بأن الطعام بداخل المطبخ وقد تركته كي تتناول غذاء ك وعليه غطاء من السلك كي يحافظ عليه ويمنع تسلل أي شيء ضار له.

 

   الحمد لله ، تناولت طعامي وتركت المطبخ بعد أن قمت على نظافة الأوعية التى بداخله مثل كل يوم وأيضا نظافة الأرض وتأكدت بأن كل شيء بمكانه وكما تريد رحيل حتى لا تسمعني بعض الكلمات المذلة  غادرت المكان فشاهدتها وقد خلدت فى نوم هادئ ، أغلقت باب الخيمة المزود بباب من السلك الذي يمنع الحشرات وخاصة الذباب من التسلل إلى داخل الخيمة. 

 

    تعدي الزمن منتصف عام 1970 كما أخبرتني رحيل ؛ كنت أشعر بأنه لا جديد أستطيع أن أقدمه للوطن ولم أعد أتولي القيام بأي مهام نظرا لعدم وجود فرص سانحة أمامي كي أغتنمها ، لاحظت أن السيدة ناقة قد إزداد حجم بطنها وأكد لي هذا بأن السيد أمشير يقوم بواجبه خير قيام بينما شهاب ينظر إليّ متسائلاً: هل سأظل وحداني هكذا وح أعيش وحداني؟ أجيب علي سؤاله بإشارة مماثلة ، كلنا فى الهم شركاء ، أخذت بلجام شهاب بعد أن وضعت فوق ظهره السرج وقفزت فوق ظهره متجها إلي منطقة جبل الحلال؛ توجهت لماسورة المدفع الصدأ ووضعت بداخله ما سبق وأن طلبته مني أم سيناء "خريطة توضح أقسام المعسكر بالإضافة إلي أسماء بعض الضباط" ؛ أسرعت بالعودة ثانية إلي مستودع الأغذية. 

 

     هذا هو اليوم المقرر لنقل المؤن الغذائية إلى مستودع رحيل ، بعد أن إنتهيت من تحميل الأجولة وملحقاتها جلست هامدا خامدا من المجهود الذي بذل ، كنت أجلس فى ظلال اللوري ألتقط أنفاسي ، شاهدت مجموعة من الجنود يتحركون أمامي بخطوات بطيئة ويتبادلون الأحاديث وقد سمعت خيطا منها بأن جيش الدفاع سوف يقوم بإعداد تجهيزات هندسية على شاطئ القناة خلال وقف إطلاق النار الذي إتفقت عليه كل من مصر وإسرائيل وأن تلك الدفاعات سوف تمنع أي فكرة لتقدم المصريين لإسترداد سيناء من أيدينا، خاض الرجال فى مناقشات طويلة وأسهبوا في شرح وتوضيح تلك المعلومة وكان باديا عليهم السعادة والفرحة ؛ حيث علق أحدهم قائلا بأن هذه التجهيزات لو تمت سوف تستغني وزارة الدفاع عن الكثير من الجنود وتقوم على تسريحهم ونعود لحياتنا العادية ونبتعد عن هذا المأزق الذي وقعنا فيه بالقتال مع مصر وإستمرار تلك الإشتباكات الطويلة الدامية التى ألحقت بنا خسائر كبيرة لم نكن معتادين عليها وأصبحت حربا طويلة أنهكت الإقتصاد وأوقفت جميع الأنشطة بداخل البلاد ولولا الدعم الأمريكي لهلك الشعب لعدم توفر حاجياته الأساسية. 

 

      تلك المعلومات ظللت أستعيد معانيها وما يدور بمحتواها ووجدت أنها معلومات ليست ذات قيمة ولو كانت ذات قيمة ما تحدث بها الجنود بتلك الطريقة ، فهذا يعني بأنها أخبار عامة وليست ذات صبغة سرية ومن المحتمل أنهم تعمدوا الحديث أمامي كي يعلموا هل سوف أنقل أو أهتم بتلك المعلومات أم لا؟

 

     تذكرت حديث السيدة العجوز أم سيناء التى قالت لي: صابر ؛ عليك نقل المعلومة كما هي ولا تتدخل في قيمتها من عدمه ، هناك رجال متخصصون يفهمون تلك المعلومات وما ورائها ، عليك فقط نقلها بصندوق البريد الخاص بى ؛ بعد أن وصلت باللوري لمستودع رحيل أسرعت وفرغت محتواه وأنا أكاد أسقط تعبا وإرهاقا ، فمنذ الصباح وأنا مثل الحمال بمحطة القطارات ولم أحصل على راحة بالإضافة إلي التفكير فيما سمعت وشغلني تفكيري فى تلك المعلومة لكن حين تذكرت حديث أم سيناء توقف تفكيري وأصبحت أداة طيعة للتنفيذ.

 

      لم أستطع خلال الوقت المتبقي من نهار هذا اليوم أن أتوجه للمدفع الصدأ الملقي بالعراء والذي سبق وأن أرسلت عن طريقه بعدة رسائل كان من أهمها رسالة قاعدة الصواريخ بمنطقة كاترين والتى أعدت لتدمير منشئات السد العالي قبل الإنتهاء منها وما ترتب عليه من وصول فرقة كوماندز مصرية قامت بنسف القاعدة بمن فيها وما ترتب عليه من خسائر بشرية ومادية هامة وأيضا فقد إحدي رؤوس التوجيه الخاصة بالصواريخ.

 

     اليوم التالي أخبرت رحيل برغبتي بحمل بعض المؤن لأصدقائي بمنجم التعدين والذين يعيشون مع بعض البدو بإقليم القبقاب ، وافقت كالمعتاد فحملت ما إستطعت حمله من المؤن على ظهر أمشير العفي وركبت فوق ظهر "الجمل" البركة متجها لرجال الحدود الأفذاذ قريبا من منطقة عيون موسي ، خلال الطريق عرجت على المدفع الصدأ وبرك الجملان للراحة بينما وضعت قطعة الورق التي بداخل عبوة بلاستيك بداخل ما سورة المدفع وبعد قليل نهضت الجمال وأكملنا طريق السير فى طريقنا إلى رجال الحدود.

 

    كل ما سبق وسمعته وقمت بتنفيذه أخبرت به الشاويش إدريس ، وافق الرجل على تعليق أم سيناء والتى لا يعلم عنها أي شئ كما أنه إعترف بعدم قدرته على نقل تلك المعلومة مثل التى قبلها ، كما طلب مني الصمت والهدوء وعدم محاولة الحصول على أي معلومات جديدة ، ظللت بضيافتهم يومين عدت بعدها للمستودع فشاهدت رحيل مشتاقة لرجوعي وعودتي وأيضا هارون وليفي وتبين لي أن ناقة هانم كانت فى حالة ضيق لعدم وجود أمشير رغم أن غياب أمشير عن الحظيرة أسعد بعرورا كثيرا فقد رحل الأب الذي يوبخه فى كل مره يقوم فيها باللعب مع صديقيه. 

 

     مضي عام 1970 وخلاله تم توقيع إتفاق لوقف إطلاق النار بين الجيشين المصري والإسرائيلي وهذا الإتفاق  أثر فينا بالضيق نحن رجال الحدود وأبناء سيناء فقد خمد الجمل الذي ثار على الإحتلال ، أعقب هذا وفاة الزعيم الذي ينام الناس مطمئنين لوجوده وقيادته رغم ما بدا يقال عنه ولكن ما من أحد يعمل إلا ويجد المنافقين خلفه والمهاجمين لأجنابه ، حدث حزن عام وبالأخص من رجال الحدود والتى كانت أعمارهم أكبر مني بسنوات وهم الذين سمعوا وشاهدوا مآثره رغم أنه وبينهم نقطة ضيق عكرت صفو العلاقة من نقل أبناء النوبة بعيدا عن ديارهم عبر التاريخ نظرا للإستعداد للإنتهاء من بناء السد العالي وبالتالي سوف تتكون بحيرة ضخمة خلف السد أطلق عليها اسمه بحيرة ناصر وسوف تغرق مساحات شاسعة على أجناب النيل وبالتالي كان يجب نقل كل من سوف يصيبه الضرر لكن هذا النقل وتبديل المكان أصاب أبناء النوبة بالضيق حيث كانوا يعتمدون على النهر إقتصاديا من صيد الأسماك والزراعة والرعي والتنقل عبر النيل.

 

    منتصف عام 1971 كنت أسمع من الراديو عن بعض المشاكل التى تحدث بمصر من مظاهرات للطلبة ومشاكل بين أعضاء الإتحاد الإشتراكي والرئيس السادات ثم أحداث مراكز القوي وعزل بعض الوزراء وسجن البعض ؛ حيث أن البعد عن الوطن والأهل فى مثل تلك الظروف والأحوال يجعل الإنسان فى حالة من التشتت والخوف ، لم أجد ونيسا ًورفيقا ًفي تلك الليلة سوي قراءة القرآن الكريم ، جلست كعادتي داخل المخزن وإستندت بظهري على الأجولة التي أنام بجوارها كل يوم وأصبحت رائحة الدقيق شيئا طبيعيا ينعش ذاكرتي ، بدأت التلاوة وبعد عدد من الآيات شعرت بحركة فأيقنت أن أمشير وشهاب ومن المحتمل بعرور قد أقبلوا لسماع صوت التلاوة وتشجيعي ببعض الأصوات ، كنت أسمع صوت حشرجة مرافقة للحركة بخارج المخزن وسكون الليل وضوء خافت تسلل من ضوء القمر بخارج السرداب ، بعد قليل ُدفع باب المخزن وظهر ظل ثم شبح إنسان أمامي والدماء تغطي جسده وصوت الحشرجة يلازمه.

 

    كدت أصرخ ؛ فلم أتمالك أعصابي ولم أعد نفسي لهذا المنظر ؛ تساءلت بسرعة: مين؟ إنت مين؟ إوعي تكوني رحيل؟ سمعت الصوت يناديني طالبا منى المساعدة.

 

ـ إمسك إيدي يا صابر ، أنا مش جادره أجف على رجلي ، ساعدني يا ابني أ أنا باطلع فى الروح .. قاطعت الحديث متسائلا ً:

 

ـ مين؟ أم سينا؟ إوعي تكوني أم سينا ، ينهار !! أم سينا ، أيوه ريحي جسمك هنا .. إيه اللي حصلك؟

 

ـ إسمع مني الكلام اللي ح أجوله يا صابر .. معدش فيه وجت .. كلتها دجايج وأسلم الروح وأغادر الحياة وأجابل ربنا وحبيبي .. ابني مصطفي .. آه .. جايه لك يا مصطفي ، تلات سنين محرومه منك ، صابر إمسك الخنجر ده

 

ـ إيه ده .. دا كله دم

 

ـ أيوه .. ده دم النجس مزراح اللي جتل مصطفي ابني وحرمني منه ، وأنا النهاردة حرمته من حياته ، خلصت عليه .. أيوه .. جتلته وسط رجالته .. بالذمة مش أنا وليه شاطره رغم إنني عجوز؟

 

ـ إيه الحكاية يا أم سينا؟

 

ـ الحكاية إني شفت مزراح المجرم واجف بين إتنين من ظباطه بيكلم معاهم في جنب لوري كبير ، الكلام ده كان بعد المغرب بشوية وأنا جدرت أعرفه من وسط الإتنين زمايله لأن كشاف العربية كان ضارب فى وشيهم وماسكين ورجه بيطلعوا "بيقرؤا "فيها بركت الجمل خلف كوم رمل كبير وإتسحبت وجيت من ورا اللوري وصرخت فيه ، مزراح يا مجرم ، طل ناحيتي رحت منواله بالخنجر ضربتين ورا بعض ، والله يا صابر يا بني .. آه .. آه

 

ـ ريحي نفسك يا أم سينا

 

ـ صرخ مزراح والدم نطر زي الحنفية ورحت خطفه الورجه منه وجريت أستخبي ورا كوم الرمل اللي مستخبي وراه الجمل ، لكن واحد معاه رشاش ضرب عليّ وأنا باجرى ، إتصبت وتحملت ووصلت للجمل ونمت فوق ضهره ونهض يجري زي الريح ، لولا ان الجمل سريع كنت مت أنا وهوه ،  لأن الجمل إختفي عن نظرهم.

 

ـ اسمه إيه الجمل بتاعك؟

 

ـ ِمسك الليل .. اسمه ِمسك الليل .. وده جمل مش عادي .. ده مبروك ؛ على فكره لما أموت خليه لك .. " بصوت مرتفع" ِمسك الليل .. ِمسك الليل .. أيوه .. تعالي .. بص يا صابر أنا ح أعرفه أنه بجي لك .. ِمسك الليل .. ده ابني صابر .. خليك وياه .. وحافظ عليه .. ما تسيبه

 

ـ ظهرت الرغاوى من فم الجمل وظهرت القلة بلونها البمبي وهذا يعني بأنه غاضب ..

 

ـ مالك يا ِمسك الليل .. مش عاجبك كلامي .. طيب روح دلوجتي .. روح يا ِمسك .. روح يا ِمسك .. صابر أنا جرب معادي مع ربنا .. الورجه اللي مخبياها تحت هدمتي مهمه جدا .. إبعتها ووصلها للشخ عيد .. عيد أبو سلمان اللي كان بيعالجك .. ح تعرفه من إسماعيل أبو تراجي .. فاهم .. مش ح أوصيك .. تدفني فى الحته اللي ورا المخزن وحتلاجي ِمسك الليل بارك هناك وزعلان ويمكن بيعيط .. بتضحك!!

 

ـ لأ مش جصدي .. بس إنتي مستعجله على الموت ليه؟

 

ـ لو تشوف اللي أنا شيفاه ولو تسمع اللي أنا سمعاه كنت تتمني إنك تموت دلوجتي وفي الحال علشان تتمتع .. جيالك يا رب.. جايا لك يا مصطفي .. جبل ما أنسي .. أيوه ساعدني يا رب إني أطلع الورجة .. أيوه .. الورجه آهه .. صحيح كلها دم لكن حاول تنضف اللي تجدر عليه جبل ما تبعتها للشيخ عيد .. الورجه مهمه يا صابر.

 

ـ إيه إللي شايفاه وإللي  سمعاه .. ما فيش في المخزن غير هدومك إللي كلها دم .. ريحي نفسك وأنا ح أجوم أوصل لرحيل أجيبها تساعدني عشان ننضف هدومك وأخليها تحميكي ونشوف حاجه للدم إللي لسه بينزف

 

ـ إوعي .. جف مكانك .. ما تعرف رحيل بأي حاجه .. دي يهودية بنت يهودى وخلينا ماشين فى سكتنا .. لكن أنت مش مصدج إني شايفه وسامعه حاجه حلوه .. لساني مش جادر ينطج ويجول لأنه وعد ربنا للمؤمن والشهيد وإللي بيجاتل فى سبيل الله .. مش بتجرأ فى القرآن إن الشهيد حي عند ربه ويرزق يعني بياكل مش كده .. وكمان أنه حي عند ربه لكن إحنا مش بنشعر بيهم يعني مش بنشفهم ولا نسمعهم .. مش أجدر أجول أكتر من كده .. ربنا معاك .. ربنا ح ينصر مصر بعد تلات خطوات .. ح ينصر مصر بعد تلات خطوات .. صابر حافظ على الطحين اللي عندك لأن فى الخطوة التالته ح تحتاجه .. ح تحتاج طحين كتير وميه للرجاله اللي بيحاربوا .. صابر .. صابر .. آه .. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله .. أيوه خليك ماسك يدي.

 

     بعد قليل شعرت بيدها تقبض علي يدي بشده وإرتفع صدرها وهبط وصمت المكان ولم أعد أسمع أى شيء سوى وش مثل الذى يحدثه صوت وابور الجاز .. ثم شاهدت ضوءا أبيضا خافتا يتحرك خارجا من باب المخزن وسار هذا الضوء بجوار جدار المخزن المصنوع من البلاستيك الغير شفاف وكان الضياء واضحا كأن إنسانا يمسك بكشاف مضيء ، إرتجف جسدي وشعرت بالحمى تضرب أطرافي وهمد جسدي وجلست على أرض المخزن ساكنا وشعرت بأن روحي تسحب من جسدي وأن تقلصا أصاب أطراف يدي وقدماي ، ومازالت البرودة تسري فى جسدي وخمد تفكيري وشعرت بأني أتقلب في الهواء ولم أعد أري أي شيء ثم تلا هذا إنعدام السمع ورحت فى إغماءة لم أعد أسمع أو أري أي شيء سوي الرؤيا الطيبة .. رؤيا شاهدت فيها أم سيناء تخرج من أسفل الرمال ترتدي ملابس بيضاء وقد أصبحت شابة جميلة تمتلئ بالحياة والشباب والحيوية ، شاهدتني فأشارت إليّ قائلة .. لا تنسي ما طلبته منك يا صابر .. داوم على الكر والفر ونقل المعلومة ولا تنسي توصيل الورقة التى تركتها لك بعد أن أخرجتها من أسفل ثيابي للشيخ عيد ، أستودعك الله وسوف ألقاك حين يأتي موعدك .. أشاهد شبابا وشابات يستقبلونها بفرحة .. تنظر إليّ باسمة وتقبل أحد الشباب وهي تردد .. مصطفي ابني .. لقد جئت لك وسوف أكون فى نفس درجتك .. أشاهد دوامات بأضواء مختلفة تطير وتهبط وتصعد وتتحرك وتتسع دائرة دورانها حولي حتى تلاشت وأصبحت نقطة مضيئة بالسماء وأنا أضحك ملوحا مع السلامة يا أم سيناء .. ثم سمعت صوتها قادما من السماء متسائلة:

 

ـ أتضحك يا صابر؟ سعيدا مسرورا أم تسخر مني؟

 

ـ أمي وأم مصطفي وأم سيناء أنا أضحك بسعادة ، فالنهاية أروع ما يكون ولقد إلتقيت بأحبابك

 

ـ صابر .. كل نقطة عرق تبذلها تضاف إلى محيط الحب التى تحتاج إليه مصر .. لا تنسي تلك الجملة .. كررها دائما وذكر بها كل مصري ومصرية.

 

صمت كل شيء وظللت هكذا حتي سمعت أصواتا بالخارج ، تنبهت فشاهدت أم سيناء مازالت نائمة على ساقي والدماء تلفها وقد أسلمت الروح ومازلت يدها اليمني قابضة على كف يدي الأيمن .. ذعرت وكدت أصرخ وبكيت بصوت مسموع ومازالت الأصوات بخارج المخزن تصل لأذني وأنا عنها غافل ولا أعلم كيف اتصرف حيال ذلك .. أثناء بكائي تساءلت من بالخارج؟ لم أسمع إجابة لكن سمعت صهيل شهاب ثم سمعت غرغرة أمشير وصوت بعرور الرفيع الذي يدل على الضيق وأم بعرور ثم صوت أكثر ضخامة ودلف برأسه فشاهدته .. إنه ِمسك الليل .. حدث إضطراب وخشيت أن يعتقدوا بأنني قتلت صديقته وسيدته أم سيناء .. ماذا أفعل يا ربي؟

 

     حملتها وخرجت من باب المخزن وتحركت بداخل السرداب حتي وصلت للمنطقة الخلفية .. لقد توقف نزف الدم ولكن الشيء الذي أدهشني هو تلك الرائحة الطيبة التى أشمها من تلك الأم الطيبة وتساءلت: أيعقل أن تضع إمرأة عجوز تحيا فى الصحراء عطرا ًقيما ًمثل هذا وهي تركب الجمل ، لقد إلتقيت بها عدة مرات ولكنني لم أشتم عبق هذا العطر الذكي الرائحة من قبل .. أيقنت أن حواء تحيا فى كل وقت وكل زمان وفي مختلف المواقف حتي خلال الحرب والموت والدماء.

 

    جلست أرضا ووضعت جسدها الطاهر أمامي ، طلبت من مجموعة المشيعين أن يظلوا فى أماكنهم وسوف أتأخر بعض الوقت كي أحضر كوريكا لأحفر وأعد مدفنا لها كما سبق منذ ثلاثة أعوام حين أعددت مدفنا لموشيه زوج رحيل وشتان الفارق بينهما ، لقد ماتت السيدة منذ ثلاث ساعات تقريبا ومازال جسدها نديا رطبا وليس متخشبا صلبا ورائحته طيبة لأقصي درجة ولم أشتم رائحة طيبة مثل تلك قبل إنضمامي للجيش ورغم لقائي بالعديد من سيدات الطبقة الأرستقراطية بقصر رضوان باشا لم أشم مثل تلك الرائحة الذكية ، أيضا لم تتساقط قطع من جسدها مثل ما حدث مع موشيه.

 

    أسرعت بالمغادرة والعودة حاملا معي كوريك الحفر ، نظرت لمجموعة المشيعين التى كانت تحيط بالجثمان وأنا فى حالة من الدهشة ، متسائلا: من غير وضع الجثمان؟ بالطبع لم يجبني أحد ، صمت حيث تعودت أن أشاهد وألاحظ بعض الأشياء الغريبة التي لم أقابل مثلها في مطروح أو أنشاص ، قمت بالحفر فسمعت وشاهدت إحتجاج كل من شهاب وِمسك الليل ، أتساءل ماذا تريدان ، أحاول إستكمال الحفر وهما فى حالة من التوتر ، توقفت قليلا أفكر، لقد تبدل وضع الجثمان بالهيئة التى وضعته عليها ، لماذا أقوم بالحفر عموديا علي وضع الجثمان ، ماذا لو قمت بالحفر بحفرة موازية للجثمان ولأري ماذا سوف يفعله أصحاب وأصدقاء الراحلة ، بأول معول من الكوريك قفز شهاب لأعلي يلاعب بقدميه الأميتين الهواء وهذا دليل سعادته أيضا أقبل مني ِمسك الليل ولعق القفا وكنت أخشي أسنانه القوية.

 

    الحمد لله إستطعت إرضاء شهاب ومسك الليل بتبديل وضع الحفرة وكنت فى دهشة بأن الحيوانات لها رأي وكلها حفر وكلها موته وسوف تتحلل أجساد الجميع وخلال هذا كنت أشاهد بعرور وأمه وأباه ساكنين ، كان المجهود شاقا وظللت أقوم به حتي إكتملت الحفرة ، لففت جسد الراحلة بالملاءة التي أمتلكها ثم هبطت بداخل الحفرة وحملت جسدها اللين المرن ذا الرائحة الطيبة وفردته على مهل على الأرض وقفزت لأعلي الحفرة لأهيل عليها الرمال وأنا أنظر من حين لآخر لمجموعة المشيعين وشعرت بأنني الحانوتي وتلك المخلوقات هم أهل المتوفى وهم يراقبونني بكل إهتمام.

 

     أنهيت مرحلة الدفن وجلست أستنشق الهواء وأنظر لضياء الشمس فى بداية إشراقها عن هذا اليوم الغريب على مداركي .. جلست أقرأ بعض آيات من سورة الرحمن:

 

بســم الله الرحمن الرحــــيم 

 

  الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) ..... مازلت أواصل التلاوة ونظري ُمسلط علي أصدقائي والذي تأكد لي أنهم يفهمون ويشعرون مثل الإنسان وهذا ينعكس علي تصرفاتهم بديلا عن الكلام والتعبير .. حتي وصلت إلي الآيات .. كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ (27) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (28) ...  صدق اللـــــــــه العظـيم

 

    كان صوتي خلال التلاوة يجذب أسماع كل من شهاب وأمشير .. كان هذا واضحا على مجموعة المشيعين وكان الصمت هو حال الجميع وقد بركوا أرضا ووضع كل حيوان فمه على الرمال صامتا بإستثناء بعرور الذي كان يحاول اللهو ولكن أمشير كان يزمجر فيتوقف على الفور ، وحينما وصلت التلاوة للآية ´ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ´ شاهدت جميع الحيوانات قد أصابتها رجفة مثل التى تحدث لبني الإنسان حينما تهاجمه نوبة أنفلونزا.

 

   ظللت جالسا وحولي الأصدقاء ولم أنتبه إلا حين لاحظت نهوض بعرور فإعتقدت بأن الجوع أصابه ويبغي الحصول على رضعه من أمه الحزينة لكن المفاجأة أن بعرورا شعر بأن كلاً من هارون وليفي قد أقبلا بعد إستيقاظهما وتناول طعامهما ، هرع الأصدقاء للعب واللهو ؛ إلا أن بعرورا كان حذرا من إغضاب والديه وظل هادئا حتى نهضت مغادرا المكان عائدا للمخزن راغبا فى إستبدال ملابسي المعطرة بدماء أم سيناء والإغتسال ، بداخل المخزن شاهدتها تقف مثل النمر الأرقط وتمسك بيدها الورقة التى أخرجتها أم سيناء من ملابسها المهلهلة ، تتحرك بعصبية وباديا عليها الفورة والثورة العارمة ثم ألقت فى وجهي بالورقة بعد أن كورتها وتساءلت:

 

ـ تقدر تقوللي إيه الورقة دية؟

 

ـ مش عارف؟

 

ـ أنت ح تستعبط ، أحلف بموسي والتوراة إن ما قلت ليا الحقيقة لأوديك فى داهية يا ابن الكلب يا نجس .. عند هذا الحد لم أتمالك أعصابي خاصة إنني قمت بدفن أم الشهيد وأم سيناء منذ قليل والأحداث والإنفعالات مازالت ساخنة .. لم أشعر سوي أنني أهوي على وجهها صفعا مرات ثلاث مما دفعها للصراخ والسباب لي ولوطني وديانتي ثم غادرت المكان متوعدة حانقة وقبل أن تصل الباب بصقت عليّ.

 

     شعرت أن الدنيا أصبحت ظلاما ، فلقد ماتت السيدة المنقذة التى كنت أنتظر مشاهدتها كي توجهني للطريق الصحيح ، لن أنساها فقد أمدتني بشهاب هذا الفرس الأسطوري ثم تلك المعلومات ولا أنسي ما حصلت عليه من معلومات أدت فى النهاية لتدمير قاعدة الصواريخ التى كان العدو يهدد بها مصرا بتدمير السد العالي الذي أصبح على وشك الإنتهاء.

 

     سلمت أمري لله وجلست فى انتظار القدر الذي قرره الله لي ومن أجل هذا كنت أقوم بأداء الصلاة فى موعدها حتي إذا جاء القدر أكون قد أديت ما عليّ نحو الله ، كنت أقيم الصلاة قريبا من مدفن أم سيناء ، أحد الأيام وبعد أن إنتهيت من أداء الصلاة وأنا مازلت جالسا تنبهت بأن قبر أم سيناء فى وضع عمودي تجاه القبلة ، تعجبت لهذا وأنا لم أتذكر أثناء دفنها أنني تنبهت لهذا ، عادت بى الذاكرة بأنني حين ُعدت شاهدت وضع جثمانها قد تحرك وتبدل ربع لفة بحيث أصبح جسدها ينظر جهة القبلة ، رددت بداخلي سبحان الله وفوق كل ذي علم عليم وأرسل بالغراب ليعلم أبناء آدم كيف يدفن الأخ شقيقه ، لقد كان هذا الغراب أول حانوتي فى البشرية.

 

***

 

  كنت في أشد الحاجة إلي من أفتح له قلبي مما ينتظرني علي يد تلك السيدة الماكرة المجرمة ، فإما أن أكون ذليلا خلفها ألبي لها كل ما تطلب بما فيه علاقة شائنة ضد الدين والأعراف أو أن تسبني وتهين كرامتي كل فترة زمنية ، وتساءلت: ما الذي يجعلني رهن إشارتها؟ فلأهرب من هذا المكان السيئ وأعود لأصدقائي أحيا بينهم كرجال نحترم بعضنا البعض وتحت قيادة واحدة نقاوم العدو الذي إحتل أرضا عزيزة من أرض مصر الطاهرة.

 

     قررت زيارة تراجي وأن أفتح قلبي لها وأخبرها بأنني سوف أغادر مستودع الأغذية وأعود للعمل مع رجال الحدود ، هناك إلتقيت بعائلتها ثم أقبل الشيخ عيد ، دار حديث مخالف عما كنت قد قدرته وإقترب مني الشيخ عيد عارضا رأيا: صابر .. أعلم أنك رايد تراجي والشيخ إسماعيل قرأ الفاتحة معك ، ما رأيك بأن تعقد وتزف عليها حتي يصبح حضورك وعودتك من هذا المكان ليس به شائبة حين تلصص اليهود علي تحركاتك؟

 

     صمت قليلا وأعلنت موافقتي ، هلل الرجال وتسألوا متي يكون هذا مناسبا؟ تعجلت قائلا بطريقة المصريين النهاردة قبل بكره ، شعرت بأنهم في دهشة لكن الشيخ عيد أيد هذا وتبعه والدها بينما إعترضت تراجي راغبة بالتأخير أسبوعا ولكن الرجال قرروا وما قرر لا بد من تنفيذه ، تقرر أن يقام الحفل غدا وأنا قررت بأن أظل حتي أنتهي من الزفاف مع تراجي ثم أعود لعملي خشية أن تحرمني رحيل من إجازة قريبة.

 

   وافق الجميع علي هذا ، جلست منفردا بنفسي وتساءلت: ماذا فعلت يا صابر؟ وكيف تعجلت وإندفعت بتلك العلاقة والزفاف السريع؟ عدت للهدوء مرددا .. ولماذا أنتظر؟ فلا يوجد جديد ولأشعر بحب تراجي ودفء العائلة وليكن ما يكون ، غبت قليلا عن الوعي وجاء صوت من الماضي .. صوت أم سيناء .. إن شاء الله فرحكم الأسبوع ده أنت وتراجي أبو إسماعيل .. ضحكت بملء فمى وأنا أردد .. لقد كنتِ تعلمين بالمستقبل فقد جاء الزفاف مبكرا لم نستعد له.

 

      أمضيت أكثر من أسبوع نلت خلالها كل ترحيب وتقدير وتمتعت فيه بحلاوة تراجي من كل الأوجه فلقد أنعم الله عليها بمواطن الجمال الداخلي والخارجي ، أنها زوجة مثالية حتي الآن!! لقد كان هذا الحدث الرائع منتصف عام 1971 وبعد وفاة أم سيناء بثلاثة أيام ، شعرت بأنني تصرفت التصرف الصحيح في ذلك التوقيت ، لقد كانت وفاتها محزنة علي قلبي وبالأخص ما صاحب الوفاة وقد دار كل هذا أمامي ثم ما تلا الوفاة من خروج رحيل على كل قواعد الأدب والإحترام ، فلم يسبق أن قام أحد بسبابي أو سباب أبي بمثل ما قامت به رحيل.

 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech