Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

روايه فهد الليل- الجزء السادس - إستمرار الحياة مع النمر الشرس

 

 


 

 

إستمرار الحياة مع النمر الشرس

 

     مضت عدة أيام على توتر العلاقة بيني وبين رحيل وعودتي بعد الزفاف الذي تم علي تراجي ، كان وداع تراجي مؤثرا وشبه باكية تطالبني بألا أتأخر عليها بالزيارة ، خلال تلك الفترة التي أعقبت عودتي لمستودع الأغذية إعتمدت على نفسي من ناحية الغذاء ، فالدقيق بجواري والشاي والسكر ولبن جاف ، كنت أعجن بعض الدقيق قريبا من مدفن أم سيناء ؛ حيث كنت شبه مقيم بجوارها منذ منتصف النهار وحتى غروب الشمس ؛ حيث لا يقبل البدو فى هذا التوقيت المتأخر للصرف ، بعد إنتهاء العجين أحضر بعض العشب القريب من المكان وأشعله بين حجرين ثم أضع قطعة صفيح غير مهذبة من مخلفات الحرب على النار فوق الحجرين فتقوم على تسوية العجين ليصبح خبزا ، أيضا كنت أعد مشروب اللبن المضاف إليه بعض السكر.

 

     تعايشت وتحايلت على المعايش كما يقول المثل ولم أعد أطيق مشاهدة رحيل لما تسببه لي من ألم ونفور بسبب سبابها وإحتقارها لي بإستمرار أو محاولة إثارة غرائزي ؛ فقد أصبحت تلك التصرفات تثير إمتعاضي ، ولا يمضى يوم إلا وكنت أداوم على تلاوة القرآن للراحلة أم سيناء ، كنت أشعر بسعادة وأنا أدقق النظر فى القبر الذي حددته بإطار من الأحجار القاتمة اللون ونبهت على هارون أن يخبر صديقاه بألا يقتربا من هذا المكان وحين جلوسي وإقتراب الأصدقاء الثلاثة من المكان للعب واللهو كنت أصرخ فيهم فيبتعدوا على الفور.

 

      صباح أحد الأيام كنت أشعر بخمول وكسل ؛ ولهذا لم أتوجه فى ذلك اليوم لقراءة الفاتحة على روح أم سيناء وجلست متثرا بالفراش ملتفا بملابسي راغبا فى مواصلة النوم رغم سماعي لأصوات الأصدقاء الثلاثة بالخارج يلهون ويلعبون وكالعادة لم يتجهوا للعب بالمنطقة الخلفية لأنني لم أكن متواجدا بها؛ حيث أنهم يقتفون أثري ويطمئنون حين أتواجد بها ، سمعت نباحا ًشديدا ًمن الكلب ليفي وإرتفع صوت بعرور بالصراخ أعقبه صراخ ناقة هانم وأمشير وصهيل شهاب ، قفزت للخارج لأعلم الحقيقة فشاهدت هارون يغطس ويطفو بداخل بحيرة الماء الموجودة بالمكان وقد قارب على الغرق ، لم أتمالك نفسي وقفزت على الفور بداخلها وحملت الطفل وخرجت به خارج البحيرة التى تزودنا جميعا بالمياه العذبة ، وقمت بعمل الإسعافات الأولية اللازمة فى مثل تلك الأحوال والتى تعلمتها بحكم عملي مع المصطافين.

 

    شاهدتها ، تلك النمرة المستأسدة تصرخ مهرولة ناحيتنا وألقت بنفسها على طفلها تحاول تنبيهه بينما الطفل كان قد تعدي مرحلة الخطر فقد تقيأ الماء الذي تسلل إلى جهازه التنفسي بسبب ما قمت به ، بكي الطفل وأمسك بيديه الصغيرة بشعر أمه وتعلق بها كأنه يبغي الحماية والأمان ، حملته أمه سعيدة رغم بكائها ؛ حيث كانت تقبله وتحركه ذات اليمين وذات اليسار بينما ليفي وبعرور يسيران خلفها راغبين بإستكمال اللعب ولم يتركاه إلا على باب الخيمة ؛ حيث ظلا لفترة فى إنتظار عودة صديقهما للعب مرة ثانية.

 

     أسرعت إلى المخزن ونزعت ملابسي المبتلة وجففت جسدي وإرتديت الملابس الجافة وأسرعت بالتوجه إلى المنطقة الخلفية والتى أطلقت عليها اسم روضة أم سيناء تيمنا بتلك السيدة العظيمة التى شاهدتها فى الرؤيا ترفل مع الملائكة بملابسها البيضاء يرافقونها للجنة الموعودة ونعيمها الذي وعد به الحق عباده المؤمنين ، هناك جلست وأشعلت العشب وأعددت كوبا من الشاي وأنا أردد "الحمد لله أن إستطعت إنقاذ هذا الطفل البريء " . خرجت رائحة إعداد مشروب الشاي فأنعشت أمالي وجلست أرشف من الكوب بسعادة وكلي أمل بأن أعبر محنة غضب رحيل رغم شعوري بالتوجس وبالخوف بأن يحدث ردة فعل من تهورها حينما هاجمتني بشراسة بداية الأسبوع قبل الماضي غداة وفاة أم سيناء.

 

      شاهدتها تقترب مني والبسمة المضيئة على وجها الأبيض الجميل وضياء أسنانها يعطيك الأمل والسكينة وما عليك سوي أن تنسي ما حدث ؛ بل من الواجب عليك أن تتبع تلك الحسناء فيما تقول وتفعل وتأمر ، جلست بجواري بوضع القرفصاء وقبلت خدي الأيسر المجاور لها وأمسكتني تجذبني لتتقارب الأجناب تنثر عليّ الكلمات الطيبة الجميلة وإختارت كلمات الشكر والثناء من القاموس كي تلقيها عليّ ؛ بل أقسمت بكل ما هو عزيز لديها بألا تضايقني بعد هذا اليوم ؛ وأقسمت بأن أبيت منذ تلك الليلة بالحجرة المجاورة لها ولا أعود للنوم بمخزن الدقيق ، أنظر إليها فى دهشة فتعيد تقبيلي وتهزني مرددة:

 

ـ خلاص .. صافي يا لبن .. قولها .. حليب يا قشطة

 

ـ حليب يا قشطة يا أم هارون .. لم تتمالك نفسها فإنحنت تحاول تقبيل يدي فأسرعت بجذبها وقمت بتقبيل قمة رأسها وهي علي هذا الوضع ، ثم إعتدلت ونظرت إليّ مرددة:

 

ـ لو ماكنتش أنقذت هارون كنت إنحرمت من الاسم ده .. أم هارون .. ربنا يخليك .. إنت أحسن من الأخ والزوج وكل الناس .. صابر .. إنت أهلي دلوقتي وكل اللي تقول عليه ح أنفذه .. وماتزعلش منى ومن تهوري عشان بلغت عنك بإني مرتابة فى تصرفاتك والقيادة وعدتني أنها ح تبعت إتنين من رجالتها للتحقيق معك الأسبوع القادم .. ماتنزعجش وأنا ح أقدر أسوي المسألة بس أنت ماتخافش وماتتلجلجش ، بس أنا عايزه أعرف الخريطة اللي كلها دم مهمة في إيه؟

 

ـ مش عارف وماكنتش أعرف إنها خريطة

 

ـ على كل حال أنا ح أجيبها وخليها معاك ومحدش يعرف حاجه عنها .. ماتزعلش لإندفاعي ضدك وربنا يعدي التحقيق على خير .. وبعدين ما قولتليش الأسبوع اللي غيبته كنت فين؟ وشك منور وباين عليك كنت مبسوط، علي كل حال إما كنت مع أصحابك العمال المساكين أو مع تراجي، مش كده؟ ح أسيبك دلوقتي وأروح أشوف هارون خلص أكل لأني غيرت هدومه وحميته وحطيت له الأكل رغم أن الجمل الصغير والكلب واقفين قدام الخيمة .. عايزه منك قبل ما أنسي تشوف لنا صرفه فى حكاية عين المية دية عشان مايتكررش إللي حصل .. مش ح أوصيك .. أسيبك بقي.

 

     تركتني رحيل كما هي عادتها معلقا بين السماء والأرض .. فترفع من شأني وتقترب مني تغدق عليّ كل ما هو جميل ثم فجأة تضع بعض الرمال  بداخل طبق الطعام الذى أعدته لى بعناية .. أردد .. تلك السيدة لن تتبدل أو تتغير .. لقد إندفعت وأبلغت عني اليهود وفى تلك الأحوال حينما يحققون مع أحد سوف يظل متهما أمامهم طيلة عمره.

 

     عصر هذا اليوم إستطعت تجميع بعض الصخور ووضعتها فوق بعض حتي أصبحت تحيط بعين الماء حتى لا يحدث ويسقط أحد بداخلها ويلقي حتفه دون أن ينتبه أحد لإنقاذه ، في تلك الليلة وجدت نفسي قد رقيت وإنتقلت للنوم والإعاشة بخيمة رحيل التى لا يدخلها أحد ولم أدخلها إلا حين إصابتي فى أول مرة حينما إقتحم أمشير المستودع أما عدا ذلك فكنت أجلس باقي أوقاتي سواء بين أصدقائي من الحيوانات أو بين أجولة الدقيق ، كنت أعلم علم اليقين أن الحياة بداخل الخيمة مريحة وناعمة لكن تلك الحياة لم تعد لأمثالي فنحن تحت الإحتلال وبالتالي نحن أقل درجات عن المحتل ، كما كنت في حالة من التردد ، فلقد تزوجت وأخشي أن تخبر رحيل زوجتي تراجي بأنني أبيت معها في خيمة واحدة ولن تضع تراجي ُحسن النية لما تشاهده من حركات ودلال رحيل المثير بالإضافة إلي ما تتمتع به من فتنة وجمال ، أيضا لم أخبر رحيل بنبأ زواجي خشية أن تبلغ الإسرائيليين عن أسرة تراجي وبالتالي تهلك الأسرة الطيبة معي.

 

     أغدقت عليّ رحيل حبها وحنانها وعطفها وكلماتها الرقيقة الجميلة بالإضافة إلي هذا ما حباها به الله من مواطن الفتنة والجمال ، لاحظت أن رحيل بدأت تعود لعادتها القديمة بالتحلل من كثير من الملابس الساترة لترتدي بدلا منها ملابس فاضحة تثير الشجن والعواطف والمشاعر والأحاسيس وتدفع إلى إرتكاب المعاصي والآثام ، شعرت بأنني لم أعد أتأثر بتلك المشاهد مثل ذي قبل وكان السبب الرئيسي في هذا هو الزواج ولهذا تأكد لي أن الزواج يحمي الرجل والمرأة من الإنزلاق في المعاصي ، لم أعلق علي ما تقوم به ولم أقم علي تنبيهها فقد سبق ونبهتها كما أنني أعلم بأنها أيام قلائل وأودع هذا المكان برحيلي لجهات التحقيق العسكرية ، ومن أجل هذا فسوف أظل صامدا ساكنا حتى يأتي هذا الموعد في الأسبوع المقبل.

 

    إحدي الأمسيات إقتربت منى رحيل تحدثني بصوت شجي هامس ، صابر: أنا عارفه إنك بتضايق لما ألبس الملابس ديه ، مش كده؟ لكن لازم تعرف أن دي عادة النساء أنها تشعر بسعادة حينما تشاهد ما حباها به الله من مواطن الجمال ولا يظهر تلك المفاتن سوي الملابس والألوان والأصباغ التى تضاف للوجه والروائح والعطور ، يزيد من خيلاء المرأة أن تجد الرجال ُيمعنون النظر إليها سعداء حين يشاهدونها ، البعض يصمت ويشاهد والبعض يشاهد ويعلق والبعض من أصحاب الجرأة يتقدم ليغتنم بعض المتع الحسية والسمعية.

 

      أعلم هذا يا رحيل ، لقد كنت أشاهد النساء على شاطئ البحر يلهون وهن فى منتهي السعادة عندما ترتدي كل واحدة ملابس البحر صغيرة الحجم ضيقة المقاس فتظهر ما ستر أكثر مما خفي وستر ، أيضا حينما كان الشباب يدقق النظر فى تلك الأجساد بل كن يسرن بطول الشاطئ كي يشاهدهن أكبر عدد من المصطافين تلك الحسناوات وما أنعم الله به من جمال عليهن ، أنا أعلم كل هذا ولكني أرغب بأن أظل أقرب إليك من هؤلاء وبالإخوة سوف تظل العلاقة بيننا قائمة مستمرة أما إذا تبدلت وأصبحت مادية بطعم ورائحة وكلمات معسولة تلهب المشاعر والأحاسيس أعتقد أنها سوف تذبل سريعا ولن يكتب لها الخلود.

 

   أنت تبالغ فيما تقول لأنك لم تدخل التجربة لكن إذا تجرأت ودخلت التجربة فلن تتركها بعد هذا اليوم ؛ بل سوف تندم أنك أهملت الجوهرة التي أمامك تلك الفترة وكان يجب عليك ألا تضيع تلك الشهور والأعوام راهبا بجوار أجولة الدقيق ، فكر وأنظر وقرر: هل أجولة الدقيق أفضل أو التى أمامك الآن؟ هل أجولة الدقيق تثير غرائزك التى خلقها الله معنا حينما خلقنا أم من تحدثك الآن سوف تزيدك سعادة ومتعة حين تتجرأ وتتقدم ولا تتأخر ، تلك هي آخر فرصة لك وبعد هذا لن أقترب منك أو أتحدث معك فى هذا الموضوع ؛ سوف أظل أعتبرك إنسانا ًغريبا عليّ رغم إحتفاظي لك بتقدير بل وحب ، تصور حبى لك رغم كل ما تقوم به من رفض لصداقتي وحبي.

 

     غادرت المكان وأنا مازلت أتابع سيرها وأتخيل هذا الجمال بل وما تخفيه عني وتخبرني بأنه شيء فوق الوصف والخيال وأنها متعة لا تواتيها أي متعة وقد خلقها الله معنا ولم نسع للحصول عليها ، جلست صامتا أستوعب كل ما قيل بل وما شعرت به ، أتساءل: هل سوف أظل على هذا الحال ترتفع درجة الإنفعال ثم أعمل على إخمادها؟ كيف هذا ومن يستطيع إحتمال كل تلك التوترات والأحاسيس وتفاعلها وتبلدها ، إنها مشكلة عويصة والشيطان أصبح يزينها لي كثيرا؛ فهي راغبة وترقد بجواري على مسافة مترين ، نعم رحيل أنت أجمل وأرق من أجولة الدقيق ، أنت غادة رائعة ورغم أنني لم أقم على تلك التجربة سوي بالحلال من زوجتي وأم أبنائي بالمستقبل تراجي العفيفة ، لكن ما أشعر به حين تحدثت لهو شيء ساحر لكن هناك عقاب الله ، عقاب الله الحامي لي بإستمرار ولو أراد الله تلك العلاقة أن تتم بهذا الوضع لما وضع محاذير ووضع عليها عقوبات رادعة تصل إلى حد الجلد بل والقتل.

 

    أصبح الليل كابوسا وجحيما ؛ فكرت بالعودة إلى مخزن الدقيق ولكني جبنت ؛ بل لم أجد الشجاعة كي أتخذ مثل هذا القرار وفي بعض الأحيان كنت أقول لا يجب أن أهرب من ميدان المعركة ، أخيرا لجأت لمن يلجأ إليه كل محتاج وكل صاحب حاجه وكل من وجد نفسه أنه أمام مشكلة أكبر منه حجما وقوة ونفوذا ، لجأت إلى الخالق ، خرجت وجلست بجوار الخيمة وبدأت فى التلاوة ، لا أستطيع أن أصف ما كنت أشعر به حين النطق ليس بكل آية ولا بكل كلمة ولكن بكل حرف ، كنت أشعر بأنني مثل شخص يسير فى الصحراء ونزلت علي رأسه مياها باردة لتلطف درجة حرارته من لهيب أشعة الشمس فى يوم قائظ من أيام شهر يونيو ، فتخفف عنه تلك الحرارة والألم وإحتراق الجسد ؛ بل وتبعث بالراحة والهواء المنعش وعودة الحياة إلي الشرايين الملتهبة.

 

    واصلت التلاوة وشعرت أنني إندمجت بل ُقل تسلطنت كما يقول العامة وإرتفع الصوت وإهتزت الصخور من حولي لكلمات الله وأصبحت إقرب إلي الخشوع والعبادة والتذلل ، شعرت بمن يقترب مني ، نظرت نظرة هادئة بطيئة فشاهدتها ، كانت رحيل والتى أقبلت بعد أن سترت أكبر مساحة من جسدها الفاتن ودموعها تسيل بغزارة وتشير إليّ بما يعني إستمر ، مازلت أتلو ومازالت السيدة تبكي دون صوت مما دفعني للصمت ولكنها أصرت علي أن أواصل التلاوة وكان الوصل والوصال هو أكبر علاج للحالة التى لبست السيدة وهي حالة الشبق والإحتياج للجنس الآخر.

 

      خمدت حركتها وسكنت لكن دموعها مازالت تسيل ، نهضت متثاقلة وأمسكت بيدي لألحق بها ، بداخل الحجرة ، إقتربت مني وقبلتني قبلة الأخت مكررة: أنت عظيم يا صابر ، القرآن اللي سمعته رجعني تاني عشر سنين لما كنت فى مصر ، شيء رائع ، فعلا الكلام ده مايقولوش إلا شيء عظيم وما فيش أكبر عظمة من الخالق الرب ، ربي وربك ورب كل الكائنات زي ما سمعت بتلاوتك وأن كل مخلوقات الله والجبال والبحار تسبح بحمده وتعبده ، كلام مش معقول ، مش عايزه أستعجل وأقول إني بقيت مسلمة لكن أنا بقيت قريبة من ربنا خالص ومش مهم عنوان واسم الديانة ، صابر أنا ح أروح أغسل وشي وراجعة ، خليك ، ماتمشيش.

 

    في الأيام التالية كانت رحيل تجلس أمامي وفي مواجهتي كي أخبرها عما قرره الإسلام سواء من النواهي والمحرمات أو المحللات ؛ كل ما إستطعت الحصول عليه وتعلمته سواء أثناء الدراسة بالمدرسة أو من خلال شيوخ المساجد أثناء خطبة الجمعة أخبرتها به ، كانت السيدة فى دهشة أن تكون تلك المعلومات أنزلها الله وتم إخفاؤها عن بعض البشر ؛ رغم رقة وجمال رحيل التى كنت أشاهدها منذ أول لقاء حتى الآن لكن حدث لها تحول غريب فى تصرفاتها بل فى هيئتها وشكلها ، لقد نضج الجمال وأصبح رائقا ًأي دون إثارة ، أصبحت بشرتها بيضاء ناعمة لامعة يظهر من أسفلها النور والضياء ، حين تنظر إلى عيونها تشاهد عينين سابحتين فى الفضاء دون خلاعة أو إثارة ، حتي طريقة سيرها ؛ حيث كانت تسير كسيدة تتمتع بخيلاء لكن دون تحريك بعض أجزاء الجسد التي تثير الجنس الآخر ، كان واضحا أن السيدة إقتربت من الله فى الأيام المنصرمة.

 

     أثناء إعداد مستحقات الإعانة لأحدي الأسر شاهدت سيارة عسكرية إسرائيلية تتقدم جهة الباب الخارجي ؛ قمت بفتح الباب على مصراعيه حتى تتمكن من الدخول ، دخلت السيارة وهبط منها ضابطان وظل السائق جالسا بداخلها ، خرجت رحيل لإستقبالهما بينما كنت فى حالة من الإرتباك والخوف ، تحدثت معهم رحيل بثقة وأخبرتهما بأن ما سبق وأخبرتهم به كان إستنتاجا وشك لكن تبين لها بعد هذا أنه غير حقيقي ، صرح أحدهما بأن هذا شيء طيب لكن نحن من يقرر هذا ، أرجو سيدتي أن تطلبي من عاملك أن يرتدي ملابسه ويلحق بنا عند السيارة كي نتوجه به للمعسكر لتوجيه بعض الأسئلة له.

 

    برجاء وإستعطاف طلبت رحيل أن يقوما بتركي يومين حيث أن موعد صرف الحصة التموينية فى الغد ؛ وسوف يقوم صابر على صرفها وبعد الوصول يعود اليوم الذي يليه ليقدم نفسه بالمعسكر ، تداول الضابطان وبدا على وجوههما مسحة من الإبتسام تدل على أنها علما السبب الحقيقي لبقائي لمدة يومين آخرين ، ورغم إستنتاجي بما يخمنان وأيضا رحيل إلا أنها لم تبد أي ضيق أو تبرم أو تشعرهما بأنها تفهمت مقصدهما السيئ ، وافق الرجلان وأخبرني أحدهما بأن معسكر التحقيق خلف معسكر إمداد المواد الغذائية مباشرة ، غادرا المكان وتنفست رحيل الصعداء وأسرعت إليّ تقدم إعتذارها وأنا مازلت فى حالة من الدهشة من طلبها ورغبتها بتأخير التحقيق يومين إضافيين ، أقبلت تتحدث معي وتدفعني في آن واحد:

 

ـ صابر ، بسرعة خد شهاب وإجري وصل الرسالة  اللي كلها دم اللي أنا شفتها من كام يوم ، فاكرها؟

 

ـ أيوه يا رحيل ، بس إحتمال إننا نكون متراقبين

 

ـ مش مهم ، ولا مراقبة ولا حاجه ، أنا شاعره إن التحقيق مش حيكون يومين يمكن يوصل لأكتر من شهر ، دوول قومي وأنا عارفاهم ، روح دلوقتي ربنا معاك.

 

   أسرعت إلي شهاب ووضعت السرج فوق ظهره فظهرت السعادة على حركاته وأعتقد بأنني عثرت له علي عروس قريبة ، فرسه من بنات المنطقة؛ لقد ضاق زرعا من الرهبنة ؛ فهو راغب بتكوين أسرة مثل صديقه أمشير ، لم أهتم بما يرغب وقفزت فوق ظهره أقطع المسافات كأنني أشارك فى سباق ، الحمد لله وصلت لديار تراجي وفوجئت بى وتساءلت:

 

ـ إوعى تكون جاي تجابل بوي وتطلب منه إنك تاخدني معاك لمخزن الدجيج والسكر؟

 

ـ لا يا تراجي ، أنا كنت عايز أجابل عم عيد

 

ـ عمك عيد !! ليه؟ حدث شي ضايجك مني بعد الجواز؟   

 

ـ لا ، بدي أجابله لحاجه تانيه ، ديلينى على داره

 

ـ تعالي ورايا ، بعد عدة خيام سمعتها تنادي .. عم عيد .. عم عيد .. ضيف يريدك ... ظهر الرجل حيث قام يتثائب من نوم الظهيرة وحين شاهدني رحب بى طالبا مني دخول الخيمة ولكني طلبت منه لقاءا منفردا لا يجمعنا بأحد ثالث ، نظر جهة تراجي وطلب منها الدخول والجلوس مع أم علي زوجته لحين الإنتهاء من الحديت مع صابر ، نفذت الفتاة توجيه الشيخ عيد وحينما تأكد لنا أنه لا يوجد أحد تحدثت معه:

 

ـ شيخ عيد .. من أسبوعين زارتني أم سيناء .. باسما

 

ـ كيف أحوالها .. والله ما طلت علينا من مدة .. الولية دية ربنا ح يكرمها .. لكن ده جبل جوازك؟ مش كده برضه؟

 

ـ أيوه .. بس مرضتشي أجيب سيرة والمناسبة كانت فرح وسعادة وعلي كل حال زي ما أنت قلت ..  ربنا كرمها .. كرمها بالشهادة .. لاحظت صمت الرجل والدهشة بدت على وجهه وأخبرته بكل صغيرة وكبيرة وأخرجت الخريطة وناولتها له فإذ بالرجل حينما شاهد جزءا منها إرتجف وتخوف وأسرع بها بعيدا عن الخيمة ودفنها بالرمال ثم عاد لاهث الأنفاس كي يخبرني بما يعرف ويعلم.

 

ـ دي خريطة عليها حاجات كتيرة وأسرار عسكرية بتاعة جيش الدفاع وسمعت أن فيه مجرمين هجموا على ضابط كبير وجتلوه وسرجوا الخريطة والجيش بيدور عليهم ؛ بيجولوا أن وياهم ست عجوز لكن ما خطرشي فى بالي إنها أم سينا .. الله يرحمك يا أم سينا

 

   ودعني الرجل وطلب مني الحذر أثناء التحقيق ومهما تعرضت من ضغوط يجب عليّ ألا أفشي كلمة لأن هذا معناه القضاء على الكثير من البدو ؛ وفي المقابل لن يفرج عنك الإسرائيليون ، أثناء عودتي برفقة تراجي لدارها كانت تسير بجوارى تتهادي وتتمخطر متسائلة عن السر اللى كنت عايز عم عيد تسأله عنه.

 

ـ طبعا كنت عايز تسأله كيف تتجوز رحيل وإنت متجوزني ، أنا عارفانه إنك عينك زايغة زي كل أهل مصر مش بتكفيهم مره واحده لكن كل ما يشوفوا صبيه مليحه ريجهم يجري وراها ، معندكمشي جناعه.

 

   ضحكت من حديثها وأخبرتها أن كل كلامها هبل فى هبل وبطلي نصاحة وإقتربت من أذنها  راغبا بأن أخبرها بموضوع التحقيق فأسرعت تعدو مرددة.

 

ـ يا لهوي .. يا لهوي .. عيب يا صابر إحنا في الشارع

   ضحكت بملء فيها وأخبرتها بموضوع التحقيق وأنني من المحتمل أن أتأخر عنها فترة طويلة فلا تتسرع وعليها الإنتظار ، ضحكت مؤكدة بأنها سوف تنتظر عودتي ولم تفرح بزواجها سوي أسبوع واحد وسوف تنتظر عودتي أعواما طويلة مودعة لي مرددة: مع السلامة ولا يهمك ؛ هكذا أنهيت مهمتي وعدت وأنا مازالت فى دهشة ؛ كيف تدفع بى رحيل لإنهاء هذا العمل الوطني والضار أيضا بجيشها ، لم أجد إجابة وحين وصلت للمستودع وتأكد لرحيل بأنني أنجزت مهمتي ظهرت السعادة على وجهها وصفقت مسرورة مما دفعني للتساؤل: عن هذا التطور وكيف تقبل الضرر بوطنها فأجابتني مستنكرة ":  وطني هو مصر " سامع .. مصر ومافيش غير مصر والعشر سنين اللي فاتوا كانت عيني متغميه ، أنا مصرية بنت مصرية .. أي حد يحاول يضر مصر فأنا ضده ، الديانة ملهاش دخل ، صابر: لو فيه دوله إسلاميه وأنت كنت حصلت على جنسيتها بل وتزوجت منها وسوف تقوم تلك الدولة بالهجوم على مصر أين يكون ولاءك؟ أجبتها على الفور لوطني .. بلدي وبلد أبويا وأجدادي ، صفقت للمرة الثانية مقررة أنها منذ أن شاهدتني أسرع لإنقاذ ابنها شعرت بأننا من بلد واحد .. فأنا لست على ديانتها وأنقذت وليدها من الغرق لكن جاستون الذي على ديانتي ورغم هذا قتل زوجي اليهودي ليختلي بى ، أتلاحظ الفرق؟  ُعد لحجرتك وأحصل على راحتك

 

 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech