Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

يوميات 200 يوم خلف خطوط العدو - الجزء الثاني

أحداث يوم 16 أكتوبر 1973:

استيقظت في الصباح الباكر ليوم 16 أكتوبر 1973 وتحركت في اتجاه منطقة التشوين وكالعادة صعدت إلى القمم العالية أحاول البحث قبل مغادرة المكان عن أي فرد من السرية وناديت ولكن دون جدوى ومررت مرة أخرى على مكان الصواريخ فوجدتها كما هي وكنت أحاول العثور على أي آثار جديدة ولكنها كانت كلها قديمة وتأكدت أني بمفردي في المنطقة ووصلت إلى مكان التعيين وأمضيت النهار بالمنطقة أختفي بمرور الطائرات وأتناول الطعام والشاي وأفكر فيما حدث ولكني كنت متماسكًا ومسيطرًا على نفسي ومازالت روحي المعنوية عالية وعندي الثقة والأمل في الله سبحانه وتعالي وكنت فخورًا بنفسي وبما حققناه رغم ما حدث لنا وكان عندي أمل لتعويض الخسائر والانتقام من العدو بعد أن أعود ببعض الأفراد من قيادة الكتيبة وشجعني على ذلك كلام الزملاء إبراهيم زيادة ورضوان عن نجاح قيادة الكتيبة والسرية الثانية في منطقة وادي بعبع.

قمت بتجهيز بعض علب الطعام والعصير والبلوبيف وملأت الجركن والزمزمية بالمياه وجهزت بعض الطعام للإفطار والشاي والعصير وقمت بإخفاء أي معالم ظاهرة وردم كل شيء وحاولت التصنت لسماع صوت أي فرد قد يأتي ولكنه كان صمتًا رهيبًا لم يقطعه غير أزيز إحدى طائرات العدو المقاتلة التي قامت ببعض الألعاب البهلوانية ليلاً على ارتفاع عال ثم رمت بعض الفوانيس وعادت مرة أخرى وكان هذه الليلة آخر أمل في أن أجد أي فرد وبالتالي لابد من التحرك إلى قيادة الكتيبة.

أحداث يوم 17 أكتوبر 1973:

صحوت فجر يوم 17 أكتوبر 1973 بسبب البرد القارس ليلاً وأعددت الطعام والشاي وشربت كثيرًا ونظرت إلى المكان نظرة وداع مؤقتة وكلي يقين في نجاحي ووصولي إلى قيادة الكتيبة والعودة ببعض الأفراد لهذا المكان وكنت أنظر للشواهد المحيطة بي حتى يسهل التعرف وتحديد المكان عند عودتي وقمت بربط احتياجاتي على شكل لفة داخل ضلع الهايك وأخذت سلاحي وقرأت الفاتحة وتمنيت من الله أن يوفقني وتحركت في اتجاه الشمال وقد تدربنا في فرقة الصاعقة على تحديد اتجاه الشمال نهارًا باستخدام الخريطة والتعرف على الهيئات وليلاً بواسطة النجوم بالتعرف على النجم القطبي وتحديد اتجاه الشمال حيث لم يكن معي بوصلة.

تحركت حوالي ساعتين وكنت أميل إلى اتجاه الشمال الغربي الذي يؤدي إلى اتجاه البحر لأني كنت أخشى أن أنحرف داخل جبال سيناء وأتعرض لأن أضل الطريق ولا أستطيع العودة، وبدأت الطائرات في التحليق وكنت أتحرك لمسافة ما ثم أنتظر في مكان مخفي حتى تمر الطائرة ثم أواصل التحرك وكان الطريق شاقًا وقررت التأكد من مكاني بالنسبة للخليج وصعدت ميل جبلي متوسط في اتجاه الشمال الغربي حتى نهايته ونظرت إلى أسفل وكان مفاجأة لي وجودي على هذا الارتفاع الكبير القريب من الشاطئ الشرقي لخليج السويس وكأني في طائرة تحلق فوق المكان وحاولت الاستفادة من كل شيء لتحديد مكاني ولاحظت وجود مرسى صغير على البحر وبعض المراكب الصغيرة وطريق على الساحل وبعض هيئات منتشرة بين الساحل والجبل الذي أراقب منه وكنت قد علمت أثناء التحضير للمعركة أن هناك مرسى النزازات بين وادي سدري ورأس شراتيب وغرب جبل النزازات وهذا يعني أني قريب من وادي سدري، كان مكاني مكشوفًا لأي طائرة تنفذ الاستطلاع بالمنطقة وتحركت بعد أن تأكدت أني في اتجاه خط السير الصحيح والأرض تتغير بأشكال مختلفة منها الوعر والسهل والوديان والتباب وكان الاستطلاع الذي تقوم به الطائرات كثيفًا في هذا اليوم وأثناء استراحتي في أحد الأماكن العجيبة المنظر والشكل وجدت بعض الأكياس الفارغة وبعض الأوراق القديمة المكتوبة بالعبرية وعليها رسوم توضيحية لإقامة معسكر وكيفية نصب الخيام وعلب عصائر ولبن فارغة ويبدوا أنها لفريق من الكشافة صغيري السن، وتأملت ذلك وأعجبت بأسلوب العدو في إعداد الشباب في مثل هذه المناطق الصعبة وترغيبهم في حب المغامرة في مثل هذه المناطق التي يكون التدريب فيها لأغراض كثيرة منها الترفيه وحب المغامرة ومعرفة الأرض ودراستها وأسلوب التعايش في الخلاء وغيرها من الفوائد النفسية والتدريبية وتمنيت أن أرى ذلك في شبابنا الصغير حيث يعتبر هذا بداية للتأهيل لحياة عسكرية مستقبلية.

واصلت التحرك وبدأت الشمس في المغيب فأسرعت في مشقة حتى أقطع أطول مسافة وفقدت كثيرًا من المياه نتيجة العرق الغزير مما اضطرني لشرب كمية كبيرة من المياه، وقد استمريت في التحرك حتى حل الليل ووصلت إلى منطقة مرتفعة وعثرت على مكان يصلح للمبيت وكنت قد أنهكت تمامًا فقمت بفتح علبة بلوبيف وأكلتها واستغرقت في النوم.

أحداث يوم 18 أكتوبر 1973:

لم أشعر بنفسي إلا عندما استيقظت فجرًا وعندي إحساس بعطش شديد من أثر البلوبيف فشربت حتى أن الزمزمية قاربت على الانتهاء وتحركت في اتجاه هدفي مستغلاً الساعات الباقية للوصول
إلى وادي سدري قبل وصول طائرات استطلاع العدو وكانت المياه الباقية في الزمزمية هي آخر ما معي من مياه التي كنت أحاول الحفاظ عليها وأصبحت أفكر في الحصول على المياه أولاً وقبل كل شيء.

واصلت السير مع أول ضوء وبعد ساعات من السير الأقرب إلى الجري وصلت إلى وادي سدري ووجدته كما وصفه لي عودة الدليل ووجدت بريمة مياه كما قال عودة وتحركت في اتجاه البريمة ولم أجد أحدًا في المنطقة وتحركت في اتجاه أحد البراميل القريبة من البريمة ولكني لم أجد به مياه ووجدته مليء بالسولار ولاحظت خطورة تواجدي بهذه المنطقة في ذلك الوقت وقررت الانتظار حتى آخر ضوء والبحث عن المياه حتى ولو بمهاجمة المبنى والهرب تحت ستر الليل.

قمت باختيار مجرى سيل صغير بالقرب من الوادي الواسع واسترحت في هذه المكان وبعد مرور وقت قصير سمعت صوت عربة متحركة وظل الصوت يقترب من مكاني حتى صار قريبًا جدًا، وفجأة توقفت العربة تمامًا أمام مكاني وشعرت بقرب لحظات القتال وتعجبت كيف علم العدو مكاني بهذه السرعة وتوقف عنده تمامًا وكان ذلك في لحظات قليلة وسمعت صوت أبواب العربة تقفل وكانت قريبة جدًا مني وقدرت حمولة العربة بحوالي خمس أفراد وقررت الاشتباك المفاجئ معهم مما يعطيني فرصة القضاء عليهم وتحفزت وتلوت الشهادة ونظرت من خلف بعض الحشائش مصوبًا سلاحي ولكني فوجئت باثنين من البدو يتحدثان عن قواتنا القريبة وأن عناصر استطلاع قواتنا قريبة جدًا من المنطقة والدليل آثارها وأحسست بفرحة غامرة لسماع كلام هؤلاء البدو الوطنيين الحماسي عن قواتنا وهدأت بعد شعوري بالانفعال والتحفز لقتال العدو وظللت مكاني بعد أن اختفيت خشية أن يروني واطمأنت لوجود بدو بالمنطقة ولكنني آثرت ألا أظهر لهم خشية أن يبلغوا عن مكاني.

قام البدو بركوب العربة وأداروا المحرك ولكنهم أبطلوا المحرك مرة أخرى بعد لحظات ونزلوا يدققون في آثار أقدامي وهم يتناقشون بأن فرد الاستطلاع قريب من المنطقة وأن هذه الآثار حديثة ويحتمل أنه محتاج إلى أي شيء وكنت أتابع حديثهم وتقدم أحدهم متتبعًا لأثرى وكان لابد من الظهور شاهرًا سلاحي تجاههم وقد انزعجوا من رؤيتي تمامًا وقام أحدهم بالتحدث معي بالعبرية وهو يشير لي كأنه يسألني هل أحتاج مياهًا فتحدثت باللغة العربية لأول مرة منذ مدة طويلة وخرجت الكلمات بصعوبة وأحسست بسعادة كبيرة لعثوري على أحد أتحدث معه بعد طول صمت وأحسست بسعادتهم عند رؤيتي وسماع لغتي العربية وأشاروا لغلام معهم في كابينة العربة أن يحضر ماء وأحضر الولد إبريق ماء فشربت كمية كبيرة منه وأعطيتهم الجركن والزمزمية لملئها وأبلغتهم أنني أحد عناصر الاستطلاع وأن قواتنا بالمنطقة، وقالوا إننا منصورين بإذن الله ويبدو أن الرجل شخص مهم ومعه رجل كبير السن طويل القامة والغلام وسألتهم عن موقف قواتنا على القناة فأبلغوني أن الموقف عظيم وسعدت لسماع ذلك جدًا وسألوني عن وجهتي فأبلغتهم أنني أريد أن أصل إلى وادي بعبع أولاً، وأبلغوني أن ذلك مغامرة كبيرة من هذا المكان والطريق مليء بالعدو ولابد من وجود من يدلني على الطريق ولكن يمكنهم استضافتي لأي وقت حتى يتضح الموقف العام للقتال ولكني شكرتهم على كرمهم وأبلغتهم ضرورة تحقيق اتصالي بقواتنا وكرروا مرة ثانية استعدادهم لاستضافتي وإخفائي حتى نهاية العمليات مع تأكيد وطنيتهم وانتظارهم لانتصارنا وعودة سيادتنا على سيناء، وكان صدق حديثهم ظاهرًا وجليًا ولكني أكدت لهم مع شكري ضرورة التحرك إلى وادي بعبع وأريد معرفة الاتجاه الصحيح فقط وكرروا صعوبة ذلك ولابد من دليل يعلم المنطقة وأماكن العدو والألغام المنتشرة بالمنطقة وسيعودون في وقت لاحق لأخذي إلى قريتهم حتى يحل الظلام ويتم نقلي إلى وادي بعبع بالطرق التي يعلموها، وشكرتهم على كرمهم واتفقت معهم على ذلك وطلبوا مني التحرك من هذا المكان المكشوف إلى مكان أكثر أمنًا داخل الوادي وودعوني على أمل لقاء قريب.

وبعد  قليل جمعت حاجياتي للتحرك من هذا المكان ولكني فوجئت بدفعة نيران نصف بوصة فوق رأسي تمامًا فور صعودي إلى مكان مرتفع ونزلت بسرعة إلى مكان منخفض لأتقي النيران وتحركت إلى داخل الوادي بسرعة وعلى أحد أجنابه وكان المكان مكشوفًا ولكنه كان منخفضًا مما يحيل بيني وبين النيران وأخذت أعدوا بسرعة بعيدًا عن مصدر النيران وبعد فترة قررت عبور الوادي إلى الناحية الأخرى التي أتيت منها مما يعطيني فرصة الاختفاء لأنها كانت أكثر وعورة، ولكن أثناء عبوري الوادي المفتوح فوجئت بصوت طائرة هليكوبتر قريبة جدًا وتسمرت في مكاني في منتصف الوادي بجوار بعض الحشائش البرية وتلوت الشهادة وتوقعت دفعة رشاش نصف بوصة تنطلق في أي لحظة وأحسست رغم وجود البندقية معي بعدم جدواها مع هذه الطائرة المسلحة بالرشاش الثقيل وكانت الطائرة قريبة جدًا من الأرض ورأيتها ورأيت من بداخلها وأنا نائم على ظهري أنظر للسماء ورأيتها تمر فوقي تمامًا وتوقعت عودتها مرة أخرى لمهاجمتي واستعددت لقتال ميئوس منه وتابعت الطائرة ودرست الموقف ووجدت صعوبة للوصول إلى أحد جانبي الوادي ولكن الطائرة ذهبت إلى داخل الوادي ببطء شديد وكانت تتأرجح يمينًا وشمالاً وبعد فترة أحسست أنها بذلك لم تراني ولكنها من طريقة البحث أعتقد أنها كانت تبحث عني بأجناب الوادي كما هو مفروض ولم يخطر بفكر من بها بأني في قلب الوادي المفتوح.

وبعد ذلك تحركت سريعًا داخل الوادي حتى وصلت إلى أحد الجبال الصغيرة الوعرة المطلة على الوادي بالجانب الذي كنت به وصعدت الجبل وكان به صخورًا كبيرة وتحتها حفر يمكن إخفاء أكثر من سرية فيه وكان أول شيء رأيته أرنبًا بريًا يجري مسرعًا في هذا الجبل في اتجاه جحره وطبعًا لم أفكر في الإمساك به لأني رأيته يجري بسرعة كبيرة، وأحسست بالأمان في هذه المنطقة وسرعان ما عادت الطائرة مرة أخرى إلى الوادي وكررت المرور وأنا أنظر إليها من مكاني في أمان تام ومع مرور الطائرة عائدة سمعت أصوات عربات تدخل الوادي ورأيت عدة عربات زيل روسية الصنع (وهي من العربات التي استولى عليها العدو بعد حرب يونيو 67) تتحرك في اتجاه الوادي وكانت حركتها سريعة وكانوا يعتقدون بأني بالوادي، ثم عادت العربات بعد حوالي ساعة وعاد الهدوء مرة أخرى ثم ظهرت عربة البدو بعد
عدة ساعات وحاولوا التعرف على مكاني ولما عجزوا تحركوا مرة أخرى وكان المدق الممهد في الوادي بعيدًا عن مكاني ثم توقفوا أمامي على بعد كبير وأشرت لهم وناديت ولكنهم لم يروني ولم يسمعوني واستمروا في طريقهم وحزنت في بادئ الأمر من فقد هذه الوسيلة لنقلي إلى وادي بعبع ولكن حمدت الله على كل حال، وقررت التحرك بمفردي عند آخر ضوء وأثناء انتظاري مفكرًا شاهدت ثعبانًا كبيرًا يتحرك بعيدًا في هدوء تام ويبدوا أني كنت بالقرب من جحره وكنت أشعر بأن الجبل مليء بالحيوانات حولي.

وقبل آخر ضوء بدأت التحرك في اتجاه الشمال الغربي مختصرًا الطريق في اتجاه الميل الغربي للجبل وفي اتجاه وادي بعبع وكانت الأرض وعرة ويصعب التحرك عليها صعودًا أو نزولاً ولكن بعد فترة طويلة من التحرك وجدت نفسي على الميول الغربية للجبال وأمامي أرض مفتوحة حتى أنوار مدينة أبورديس ومطار أبورديس وكانت المدينة والمطار واضحين ليلاً كما وصفهما قائد الكتيبة وكان ذلك في حديث مع رئيس عمليات الكتيبة عندما كانا يتذكران فرقة الصاعقة التي حصلا عليها قبل عمليات 1967 وكان نهاية الفرقة يتم تنفيذها في هذه المنطقة وقد وصفا المنطقة ووادي بعبع بصورة حديث عابر وكنت حاضرًا الحديث ولم أكن أتخيل أبدًا أهمية هذا الحديث إلا عندما وجدت نفسي أحاول أن أتذكره وتابعت النظر للمطار من مكان على أحد الميول الغربية للحائط الجبلي فرأيت إحدى الطائرات الهليكوبتر التي هبطت على مسافة بعيدة وتستعد لإطفاء المحرك، وسيطرت على فكري فكرة التحرك للوصول إلى إحدى الطائرات الهليكوبتر والمبيت داخلها ومهاجمة أفراد الطاقم صباحًا وأخذهم إلى الجانب الآخر من الخليج بعد اختطاف الطائرة وأخذت أفكر في احتمالات هذه الفكرة وكيفية تنفيذها وكان ذلك من أثر هذه الرحلة الشاقة والتي أحسست خلالها صعوبة تنفيذ حلم العودة مرة أخرى إلى وادي فيران لطول المسافة وصعوبتها.

بعد طول تفكير قررت محاولة الاتصال بقواتنا أولاً فإذا لم أستطع أنفذ الخطة الخيالية لاختطاف الطائرة وهذا أسهل بكثير مما أواجهه من خطر الجوع والعطش وتهديد العدو الدائم لي وكان تنفيذها شيء لا يؤرقني بالمرة ولكن كان القرار الأنسب هو محاولة الاتصال بقواتنا وخاصة أني قاربت من الوصول إلى وادي بعبع وهو هدفي وأمنيتي وتحركت وأنا أبحث في كل ممر في الجبل تشكل واديًا وهو عمل شاق للغاية أن أبحث عن وادي داخل جبل ممتد شمالاً وكله مجاري سيول ووديان فرعية وكنت عندما أرى واديًا كنت أتابعه فإذا وجدته صغيرًا وليس به المواصفات التي حددها قائد الكتيبة بوجود طريق أسفلتي في بدايته وبعض معدات رصف الطرق القديمة وهو وادي يصل إلى محاجر المنجنيز بأم بجمة.

وأثناء راحتي فقدت الطاقية الصوف والتي كانت شيء هام لي في التدفئة ليلاً وبحثت عنها فلم أجدها ولم أحاول العودة للبحث عنها بالرغم من قلقي أن يجدها العدو الذي كنت متأكدًا من أنه يلاحقني لأن الوقت كان ليلاً ومن الصعب أن أجدها بالإضافة إلى رغبتي في الوصول إلى وادي بعبع في أقل وقت وخاصة ليلاً ليتسنى لي البحث عن السرية وقيادة الكتيبة بحرية أكثر مع بداية اليوم وقبل رحلات البحث الجوي التي يقوم بها العدو، وكنت قد استهلكت كمية كبيرة من المياه أثناء التحرك بسبب العرق الغزير والمجهود الذي يفوق الخيال والذي ساعدني فيه الشباب وما أتمتع به من لياقة بدنية عالية بالإضافة إلى إصراري الشديد على لقاء قواتنا والتي كنت متفائلاً أن أجدها، ومررت على وديان كثيرة ومجاري سيول ومداخل وكنت أدقق كل مكان لاحتمال أن يكون هو الوادي المطلوب وظللت على هذا الحال طوال الليل شعرت خلال ذلك البحث بالأمل واليأس عشرات المرات، وظللت أفكر فيما تحمله الساعات القادمة والأيام القادمة وماذا لو لم أتمكن من لقاء قواتنا فالعدو يبحث عني في كل مكان ويتتبع آثار أقدامي ولا أحمل ذخيرة تكفي لتنفيذ أي مهام أو الدفاع عن النفس خاصة أن خبرتي في قتال العدو قد أكدت لي أن العدو يهاجم بقوات كبيرة لتحقيق تفوق كبير مما لا يحقق أي فرصة لقتال متكافئ وماذا لو كتب الله لي الشهادة في هذا المكان ومن سيبلغ أهلي بذلك، وإن لم يكتشف العدو مكاني فماذا أفعل لو نفذت كمية الماء والطعام التي معي. إن الشعور بالوحدة وقلة الإمكانيات في هذا المكان جعلني أواصل السير طوال هذه الليلة.

أحداث يوم 19 أكتوبر 1973:

بدأ ضوء النهار يظهر وفي بداية هذا اليوم ومبكرًا عثرت على الوادي الصحيح أخيرًا، وكان كما وصفه قائد الكتيبة بالضبط وسعدت جدًا لنجاحي في الوصول إلى هدفي وعاد إلي الأمل في مقابلة الزملاء ودخلت الوادي والصمت الرهيب حولي وناديت ولا مجيب لعدة مرات ووجدت نفسي محتاجًا للراحة ثم أواصل البحث بعد ذلك واخترت أحد الجحور في مدخل الوادي وكانت الأرض ناعمة ونمت نومًا عميقًا وكأني أخذت مخدر شديد المفعول ولم يكن يزعجني إلا تلك الطائرات التي كانت تحدث جلبة حولي وفوقي وكأنها حلم وكابوس ثقيل أو ذباب يقلقني من النوم وكنت قد تعودت على صوت الطائرات التي تحلق بصفة مستمرة ولكنها هذه المرة كانت أكثر وبتركيز أشد، وعلمت بعد ذلك أن هذه الطائرات كانت تبحث عني خصيصًا بالمنطقة حيث كان العدو يتابعني من اليوم السابق.

استيقظت قبل المغرب بحوالي ساعة بعد أن أخذت قسطًا من الراحة وعاودت نشاطي ولم يبق معي إلا جرعة ماء كنت أحتفظ بها وتحركت في اتجاه مخرج الوادي مرة أخرى لأبحث في بعض البراميل أو المعدات المنتشرة عن المياه ولكنني لم أجد أي آثار للمياه وكان ذلك أمر يدعو لليأس وأثناء تحركي عائدًا إلى داخل الوادي متطلعًا لما هو حولي آملاً أن أجد من يستجيب لندائي وكان السكون يخيم على المنطقة ولاحظت أثناء تحركي آثار حذائين للعدو ذات نقوش غليظة كبيرة الحجم وتابعت هذه الآثار فوجدتها تتابع آثار حذائي أثناء دخولي الوادي أول مرة وكان ذلك صدمة لي وكان أثر حذائي
واضحًا على الأرض وآثارهم واضحة خلفي بالقدم وأحسست بخطأ جسيم وتابعت أثري وآثارهم حتى تحركت على الإسفلت لبضع خطوات قليلة وبعدها فقدت أثري وآثارهم وتابعت التحرك إلى داخل الوادي على الإسفلت ووجدت أن الطريق يتجه إلى جهة اليسار ويعود مرة أخرى إلى داخل الوادي وعدت إلى الإسفلت وفي نهايته نظرت لأبحث عن أثري لأجده على بعد خطوات قليلة من الطريق في اتجاه الوادي الفرعي الصغير الذي كنت نائمًا داخله وزاد إيماني بالله وشعوري بضعفي وبقدرة الله سبحانه وتعالى لأني كنت هالكًا لا محالة ولو نظر أحدهم إلى جهة اليمين لوجد آثاري واضحة ولولا صخرة صغيرة أبعدت آثار حذائي لمسافة قلية لصحوت على طلقات العدو في رأسي وعلمت سبب الجلبة والطيران فوقي أثناء نومي ويبدوا أن المنطقة كانت مشتعلة وكنت أغط في نوم عميق بحفظ الله سبحانه وتعالى والحمد لله.

بدأت التحرك إلى داخل الوادي مع حلول الظلام ووجدت أحد البراميل ولم أجد به ماء وكنت قررت أن أكون أكثر حذرًا بعد ذلك وحاولت مرة أخرى في برميل آخر وكنت أحس أن الوادي به مياه وشجر بدليل آثار العربات والماعز والبراميل وحل الليل وكان حالك الظلام وجلست في يأس تام أفكر فيما أنا فيه فها هو وادي بعبع خالٍ من أي قوات لنا والعدو مسيطر عليه وقواتنا لا أثر لها ولماذا تركت المياه والأكل بكميات كبيرة تكفيني شهورًا طويلة لأموت هنا عطشًا دون أن يشعر بي أحد وقررت الاحتفاظ برشفة الماء الباقية لشربها قبل الشهادة.

وأثناء جلوسي أفكر في أمري هذا سمعت صوتًا خافتا لاصطدام جراكن بلاستيك وتيقظت من أفكاري وتأكدت أنه صوت مجموعة من قواتنا تتحرك لتملأ الجراكن بالمياه وهم الذين يتحركون في هذا الظلام في سرية وناديت بصوت فيه ثقة (عبد الحميد) وكان هذا الاسم بالذات لضابط دفعتي تحدثت عنه في مقدمة هذه اليوميات وكان من هذه السرية التي كنا نسميها سرية الصعايدة وكان هو صعيدي وفي السرية منذ تخرجه وكان معروفًا لكل السرية بالطبع سواء مستجدين أو قدامى ولم أسمع أي إجابة لندائي فتخيلت أنه هذيان وعدت لراحتي ولكن مركزًا لسماع أي صوت وفعلاً سمعت الصوت مرة أخرى بعد فترة وجيزة وكررت النداء بصوت أعلى ولم أسمع أي رد، وأثناء جلوسي متحفزًا وجدت شيئًا يظهر فجأة أمامي يلبس جلبابًا أبيضًا وكان يمشي دون أي صوت فشهرت سلاحي في وجهه فقال منزعجًا بلهجة بدوية سريعة (أنا مع الجماعة) وقلت له أي جماعة؟ قال: المصريين هناك وأشار للخلف فأشرت له بالتحرك وتحركت خلفه شاهرًا سلاحي مستعدًا لأي موقف وكانت المفاجأة لي أن أجد عبد الحميد فعلاً والرقيب سيد علي والجندي محمد عبد الرحمن والجندي المصاب عبد الرؤوف جمعة كُرَيم ووقف الجميع يحملقون في وجهي غير مصدقين ووقف عبد الحميد يشد جفون عينيه السفلى في حركة لا إرادية ليؤكد ما يراه بصورة جادة جدًا وهو يقول "مش معقول مجدي شحاتة مش ممكن" وتعانقنا أصدق عناق وكانت القبلات وتأثر الجميع وكان أكثرنا تأثرًا البدوي وزميله الذي كان موجودًا مع باقي الجماعة وكانت في أذهاننا عشرات الأسئلة كل منا يريد أن يسألها للآخر، ولم يستطع الرقيب سيد ومحمد عبد الرحمن إخفاء سوء الموقف وصعوبته، وسألتهم عن أخبار المياه فأبلغني عبد الحميد بأنهم في طريقهم لإحضار المياه وكان معهم جراكن كبيرة وشكلها غير مألوف ويبدو أنها تخص البدو وقال لي إن البدو سيمدونهم ببعض الطعام والمياه ورحبت بالجميع في موقف مؤثر ظهرت آثاره لاحقًا، كان هذا اللقاء يشبه المعجزة أو هو معجزة بكل المقاييس في هذا المكان والزمان ولكنه أعطى دفعة معنوية كبيرة لنا جميعًا وأملاً جديدًا.

وسرنا حوالي نصف ساعة ثم توقفنا بجوار بعض العشش المهجورة ومقطورة مياه في واد فرعي صغير يسمى وادي السمرا، وكان مجتمعًا صغيرًا مهجورًا وأحسست أن المكان مليء بالحياة والأسرار، وبدأ البدو في إشعال النيران وإحضار دقيق وبلح ومياه وبدأوا في إعداد الخبز وأعدوا كمية كبيرة أكلنا بعضها واحتفظنا بالبعض الآخر وسألناهم عن بعض المعلبات وأعطونا بعض ما عندهم وشاهدنا جوال به خبزًا عفنًا فسألناهم عنه فقالوا إنه أكل الماعز وهو من مخلفات اليهود وخجلنا أن نطلبه منهم وأخذنا كمية من الدقيق والسكر والشاي وسألناهم عن كيفية معرفة الأخبار قالوا بالراديو وأحسوا أننا نريد راديو فأعطانا أحد البدو ويدعى صبحي الراديو الخاص به وبعض الحجارة القديمة وفرحنا بالراديو جدًا وحاولنا إعطاءهم أي مقابل فرفضوا بشدة وتمنوا لنا السلامة والانتصار في مهمتنا التي شرحها لهم عبد الحميد ولضمان ولائهم أبلغهم بسيطرة قواتنا على المنطقة وكانوا يعلمون خلاف ذلك لحقيقة سيطرة العدو على المنطقة الذي قام بإهانتهم وتفتيش بيوتهم بحثًا عن آثاري وعن مكاني ولم أعلم عن ذلك شيئًا إلا عندما أخبرنا أحدهم ويدعى علي بركات – والذي كان له وزميله دورًا بارزًا بعد ذلك - أن اليهود سألوا عن أثر أحد الأفراد وعن مسئوليتهم في إخفائه وأبلغهم البدو أنهم لم يروا أحدًا ولكنهم بسؤالي عن الطريق الذي سلكته فأبلغتهم بخط سيري وبما حدث وعلموا أنني الذي يبحث عنه العدو وأن عدم عثورهم علي وأسري يعتبر معجزة.

وعلمنا بعد ذلك أن علي وصبحي قررا معاونتنا بكل الطرق مهما كلفهم ذلك بعد رؤية لقائي بالزملاء وقد تعاطف البدو معنا تمامًا وكان لقاؤنا قد رفع الروح المعنوية لنا جميعًا وكان أقلنا تأثرًا هو الجندي المصاب عبد الرؤوف جمعة كريم الذي أصيب إصابة شديدة غائرة دخلت من فخذه وخرجتا من المثانة فتركت جرحين غائرين بجسده وجعلته لا يتبول بطريقة طبيعية وكان ضعيفًا جدًا على خلاف ما عرفته عنه فقد نزف كثيرًا جدًا وظهر عليه شبح الموت وكان منظره مروع ولكن ليس هناك مجال للتراخي فكان يسير وهو حزين جدًا لأنه لا يحمل سلاحه ورجاني بشدة وصدق أن أريحه وأقتله من شدة خجله أن يكون عبئًا علينا ورفضت كلامه بشدة وقلت له مشجعًا أنك سوف تشفى وتصبح أحسن منا إن شاء الله وربما أنت ترجع وتتركنا هنا ولا داعي لهذا الكلام وتماسك يا بطل. وكأني كنت آخر أمل له في أن أخلصه من ذلك العذاب ووجدته أكثر حزنًا ولكنني أخذت أشجعه ورويت له بعض ما حدث لي بما يجعله يؤمن بالله وعونه لنا وطلبت منه التحمل والصبر إلى أن يحين الشفاء بإذن الله، وكان مثالاً للجندي المصري الوطني والروح الوطنية خلال حرب أكتوبر ومهما كتبت فلن أستطيع وصف أصالة وشجاعة هذا الرجل.

وعرض علينا البدو تدبير مكان مأمون داخل الجبل ومعاونتنا ولكننا رفضنا وأكدوا عرضهم مرة أخرى وأصررنا على الرفض على أمل أن تصل قواتنا (اللواء الأول) إلى منطقة أبورديس. وكان حديث الإخوة البدو وديًا للغاية وأخويًا ولكن كان يبدو عليهم الحذر والخوف منا.

وأثناء حديثنا ظهرت فجأة أنوار عربة قادمة من خارج الوادي إلى داخله واقترب صوتها وأنوارها وكانت مفاجأة غير سارة لنا وأحدثت ارتباكًا للجميع وكان البدو أكثرنا ارتباكًا لأنهم كانوا يخشون من وشاية بعض البدو للعدو ضدهم فكانوا حريصين ألا يظهروا معنا بأي حال من الأحوال وكنت أقلهم ارتباكًا لصعوبة احتمال دخول العدو مثل هذا الوادي بعربة واحدة ليلاً وتوارى الجميع بسرعة ومرت العربة بسلام ونحن نتساءل هل رآنا أحد من ركاب العربة أم لا؟، وجلسنا فترة قليلة وسألهم عبد الحميد عن طريق معين ودلوه على أوله ويسمى جبل نمرة (2)، وقال لهم عبد الحميد إن هذا هو الطريق المؤدي إلى قواتنا ووافقوه وهم يعلمون أنه ليس لنا قوات هنا ولكنه كان جادًا بطريقة لا تقبل النقاش، وفي هذه الأثناء مال إلى أذني الرقيب سيد علي وأبلغني أن هناك مخبئًا جيدًا في هذا الاتجاه يمكننا الاختفاء فيه بعيدًا عن الطيران.

بدأنا السير في الوادي الفرعي الضيق وبعدنا عن البدو قليلاً وبدأنا في سؤال كل منا الآخر أثناء السير وكان عبد الحميد يكرر دائمًا أنه غير مصدق أنني معهم وكان سعيدًا جدًا لرؤيتي وكذلك باقي الأخوة الزملاء وكانت الأحمال ثقيلة وجلسنا نستريح في مفترق وديان صغيرة وكانت هناك بعض الشجيرات التي لفتت نظري، وواصلنا طريقنا وراء سيد علي حيث أبلغني عبد الحميد أن سيد يعرف المكان جيدًا وتحركنا ببطء شديد ومرت علينا أماكن جيدة جدًا يمكن الاختفاء بها، وقلت لعبد الحميد هذه الأماكن جيدة ولكنه قال إن هناك مكان أفضل بكثير وتحركنا طوال الليل وكنا في أوقات الراحة نتبادل الحديث ثم نواصل التحرك حتى أول ضوء يوم 20 أكتوبر.

أحداث يوم 20 أكتوبر 1973م:

بدأ أول ضوء يظهر وما زلنا نبحث عن هذا المكان ومعنا ذلك المسكين المصاب وبينما نجلس للراحة منهكين رأيت الشجيرات التي بدأنا السير من عندها وأبلغتهم أننا نلف حول أنفسنا وأكد عبد الحميد أننا في الطريق الصحيح وأن ذلك المكان يشابه فقط المكان الذي بدأنا منه التحرك ولكنني أكدت له بآثارنا ومكان جلوسنا وتأكد من ذلك وكانت بعض الضحكات الهستيرية ولكن كان يجب أن نجد مكانًا بسرعة قبل ظهور النهار وعودة الطائرات للبحث عنا بعد تأكدها من وجود شخص ما زال يتحرك بالمنطقة، وبحثنا بسرعة في المنطقة فوجدنا مكانًا قريبًا يصلح إلى حد ما لإيوائنا وأنزلنا أحمالنا وفتحنا الراديو لنسمع الأخبار وكانت متضاربة من إذاعة القاهرة ولندن
وإسرائيل، وسمعنا أغنية وردة الجزائرية "وأنا على الربابة باغني مملكش غير غنوة أمل بتقول تعيشي يا مصر.. تعيشي يا مصر"، وبعثت فينا الأمل وأنه ما زال هناك قتال ولم يحدث ما حدث في 1967م.

بعد أن اطمأننا على الأخبار نمنا نومًا عميقًا واستيقظنا لنسمع الراديو والأخبار وقد اتفقنا في بداية الأمر أن نقتصد في الطعام والمياه حتى يستمر أطول فترة ممكنة وتصل قواتنا ويتم الاتصال بها وكان الراديو للأخبار فقط أو أغنية معنوية وطنية وبدأ كل منا يحكي ما حدث له ورويت ما حدث لنا في المنطقة التي عملت بها وكان لحكايتي أثر جيد في رفع معنويات الأخوة، وأبلغتهم عن وجود كمية كبيرة من الأكل والمياه في المنطقة ويمكننا الذهاب إليها بعد مسيرة يومين ولكن طبعًا كنا على أمل وصول قواتنا إلى أبورديس كما هو مخطط.

علمت من عبد الحميد بأنه تم نزول خمس طائرات تحمل قيادة الكتيبة والسرية الثانية وعناصر الدعم والمعاونة وقد تم إنزال هذه المجموعة الكبيرة على مرأى ومسمع العدو في مدينة أبورديس وفي المنطقة القريبة من الجبل وعلى السهل الساحلي وأمر قائد الكتيبة بتشكيل دورية واحدة وكانت دورية كبيرة، وأقلعت جميع الطائرات عدا طائرة واحدة غرست بمقدمتها وكانت المروحة ما زالت تدور ونزل قائد الطائرة يحذر أفراد الصاعقة من المروحة لأن الطائرة كانت مائلة وصار يصيح المروحة خذ بالك من المروحة حتى فاجأته المروحة وأطاحت برأس ذلك الطيار البطل الذي استشهد في سبيل الله وأثناء تأمين وتحذير زملائه وأكدت لي بطولة هذا الطيار أصالة الطيار المصري ورجولته وتفاعله وتعاونه مع أبطال الصاعقة الذين تعرف عليهم لساعات قليلة قبل تنفيذ هذه المهمة.

ووصلت القوة إلى مكان قاعدة الدورية (وكان مكانًا غير مؤمن وغير مناسب كقاعدة دوريات كما رأيته بعد ذلك) وتم انتشار القوة بالمكان ودفع كمين إلى وادي بعبع تحت قيادة م.أ عادل عبد الفتاح نجم ومعه مجموعة من الجنود وضباط الصف المنتقاة وتم دفع بعض الدوريات داخل الوادي وكان عبد الحميد منهم وخلال اليوم الثاني اشتبك عادل عبد الفتاح مع عربتين مدرعتين أصاب إحداهما وهربت الأخرى، وثاني يوم عاد العدو بطائراته الهليكوبتر والعربات المدرعة وقام بالاشتباك مع عناصر قواتنا بصورة مشابهة للصورة التي هاجم العدو بها عناصر وادي فيران واستشهد الكثير وأسر الكثير ولا يعلم شيئًا عن عادل عبد الفتاح وجميع الأفراد إلا أنه سمع قائد الكتيبة ينادي على الأفراد لتسليم أنفسهم بعد أن أسره العدو وأجبره على ذلك وخاصة قائد السرية النقيب/ محمد فتحي حسين والذي تمكن بسريته من قتال العدو بشجاعة وبسالة وتكبيده خسائر فادحة قبل أن يجبر على الاستسلام، وواصل عبد الحميد حديثه بأنه استطاع تفادي طلقات العدو التي تركزت عليه في منطقة محصورة (وبينها لي عندما وصلنا هذا المكان بعد ذلك) وقال إنه استطاع دخول خور فوجد فيه حوالي ثمانية أفراد غيره من بينهم أبو الحمايد وهو من بلده وعبد الرؤوف ومحمد عبد الرحمن وآخرين ولاذوا بالصمت حتى ترك العدو المكان.

وتحركوا بعد ذلك إلى منطقة سكنية مهجورة ووجدوا بعض التعيين والمياه وواصلوا تحركهم شمالاً في اتجاه قواتنا ولكنهم وقعوا في كمين أصيب على أثره عبد الرؤوف وأسر الباقون واستطاع
عبد الحميد وسيد محمد علي ومحمد عبد الرحمن التخلص من الكمين بشكل بطولي والعودة مرة أخرى ومعهم عبد الرؤوف المصاب وحاولوا البحث عن الطعام والشراب، ثم عادوا إلى المنطقة التي تم مهاجمة العدو لهما بها للاستفادة بما تركه الشهداء من الطعام والمياه التي معهم وكذلك الأسرى وأثناء بحثهم عثروا على البدويان صبحي وعلي يبحثان هما الآخران عن أي شيء في الشدد وفي بقايا ملابس الأسرى يصلح لأخذه والاستفادة به، وعند ذلك ظهر لهم عبد الحميد وقال لهم إننا مصريين مثلكم ونريد بعض المياه والطعام وتحرك معه البدو على مضض حتى تقابلنا وكان هذا اختصار ما حدث لعبد الحميد والمجموعة التي كانت معه (التفاصيل طويلة يسردها هؤلاء الأبطال خلال هذه المدة).

كنا نفكر في الأحداث التي واجهناها ونسأل أنفسنا هل سيكتب لنا أن نرى أهلنا مرة أخرى أم ماذا يخبئ لنا القدر؟ وتابعنا الأحداث بالراديو على جميع القنوات المتاحة وأحسسنا وقتها بثقة في إذاعتنا ولكننا كنا نريد أن نعرف كل شيء وخاصة أن الكلام حول الثغرة كان كثيرًا ومر اليوم بين الحديث وسماع الإذاعة، وطلعات العدو الاستطلاعية في كل مكان ووقت بصورة مكثفة  جدًا.

أحداث يوم 21 أكتوبر 1973م:

تابعنا الأحداث بالراديو وسمعنا أخبار مباحثات وقف إطلاق النار وكانت أخبارًا غير سارة بالنسبة لنا حيث يعني ذلك ثبات وبقاء أوضاع قوات كلا الجانبين (المصري والإسرائيلي) للخطوط التي وصلت إليها وعدم وصول قواتنا إلى أبورديس وبالتالي استمرار تواجدنا في المنطقة ومعنا عبد الرؤوف المصاب وهذه الكمية المحدودة من الطعام والمياه، ولكن أخبار القتال الدائر في كل مكان كان يعطينا الأمل أن تصل قواتنا خلال الفترة القادمة وقبل الاتفاق على التنفيذ الفعلي لوقف إطلاق النيران وخاصة أننا لم نكن نعلم تمامًا أين وصلت حتى الآن على خليج السويس لأن الأخبار لم توضح بالضبط الخطوط التي وصلت قواتنا إليها وكنا نأمل أن تكون قريبة منا.

شاهدنا في هذا اليوم تحرك فردين على مدق (درب) قريب من مكاننا ولذنا بالصمت وزادنا هذا الموقف حرصًا وكنا بدون بطاطين وتمزق حذائي من المشي وأصبح يعيقني جدًا في الحركة وعلمت من عبد الحميد أن ملابس وأحذية الأسرى ما زالت موجودة في أماكنها في منطقة الاشتباك وهي قريبة من هنا ويمكننا أخذ احتياجاتنا في أي فرصة بعد أن يهدأ العدو ويوقف دورياته الجوية التي ما زالت على أشدها أو يقللها.

كان الطعام يتناقص شيئًا فشيئًا ولكننا كنا نأكل ونشرب أقل القليل لنحافظ على الطعام والمياه أطول فترة ممكنة، وخاصة بعد سماعنا أخبار وقف إطلاق النار وإعطاء فرصة للطرفين للتفاوض وكان هناك فرق كبير بين حرب أكتوبر 73 وحرب يونيو 67 وكان ذلك بشهادة العدو ومن لهجته التي تظهر أنه أمام ند عنيد استطاع أن يبدد الحلم الزائف عن القوة التي لا تقهر وجعل العدو يفقد الثقة بنفسه وهو ما كنا نشعر به جميعًا بعد مواجهة العدو وهذا في رأيي من أهم نجاحات وإنجازات حرب أكتوبر وهو كشف حقيقة العدو في أول مواجهة حقيقية أمام بطولة الجندي المصري وأنه ليس الذي كنا نتصوره ويصور نفسه قبل الحرب، وبالرغم من إذاعة العدو للصور الصوتية لأسرانا وسمعنا بعض الزملاء من الكتيبة ولكن كنا نعلم أن موقف العدو ضعيف وأن الضربة كانت قاصمة.

أحداث يوم 22 أكتوبر 1973م:

مر ذلك اليوم مثل باقي الأيام نتابع فيه الأحداث بالراديو ونأكل ونشرب الشاي مستخدمين أقراص الوقود الجاف ونتابع أصوات الطائرات أثناء الاستطلاع وقد خططنا لنكون قوة تستطيع الدفاع عن نفسها بتحقيق أفضل استغلال للأرض إذا قام العدو بمهاجمتنا وخاصة بعد أن علمنا أسلوبه في مهاجمة الأفراد وعدم قدرته على المواجهة المباشرة وتعرضه لأي خطر وخاصة مع أفراد مثلنا لم يعد الموت يرهبهم بعد أن اعتادوا عليه ولكن كان أكبر همنا أن نستشهد أي لابد من فعل الكثير إذا هاجمنا العدو فلا سبيل أمامنا غير الاستشهاد، أي الدفاع حتى الموت.

أحداث يوم 23 أكتوبر 1973م:

كانت دوريات الطيران أقل في هذا اليوم وبدأ الطعام يتناقص وكذلك المياه واتفقنا على الذهاب إلى منطقة القتال لأخذ حذاء آخر غير الذي معي وبعض الذخيرة والطعام والمياه وبعض البطاطين لأن الجو أصبح باردًا ليلاً وأي شيء نستطيع الاستفادة منه وأعددنا أنفسنا للتحرك وتركنا عبد الرؤوف المصاب ومعه محمد عبد الرحمن وتقدم الرقيب سيد محمد علي في اتجاه المنطقة.

وصلنا إلى منطقة القتال بعد تحركنا بحوالي ساعة أو أكثر وكان يخيم على المكان هيبة الموت ورأيت الشهداء كل في مكانه وكانت الشمس قد غيرت لونهم وملامحهم ولم تكن لهم أية رائحة وكان الهدوء يسيطر على المكان وقرأنا الفاتحة على أرواحهم وتحركنا نتفقد المنطقة، وبين لي عبد الحميد أماكن تواجد قواتنا، وأماكن تواجد عناصر العدو، وأماكن إنزال طائرات العدو لعناصره على المناطق الحاكمة، وأماكن الطلقات التي أطلقت عليه وتفاداها، والمكان الذي اختبأ فيه هو وباقي الجنود أثناء تفتيش العدو للمنطقة، ومكان قائد السرية، ومكان قائد الكتيبة، وطريقه أثناء عودته لاستدعاء باقي الأفراد، وكنت أتساءل عن مكان النقيب سمير البهي عرفان قائد فصيلة الإشارة وأحد الرجال الأبطال وأشار إلى مكانه وأبلغني أنه كان مع الدكتور محمد شعراوي طبيب الكتيبة في هذه المنطقة والذي انضم للخدمة بالكتيبة في منطقة القصاصين وكان مثال يحتذى به في الخلق والانضباط وعلى الرغم من كونه طبيب كان يتمتع بشجاعة وروح قتالية عالية وحضر مع الكتيبة مأمورية تأمين ثورة الفاتح من سبتمبر بدولة ليبيا وكان من ضمن أفراد مجموعة وادي بعبع الذين تم أسرهم، وقد تبادلنا الزيارة بعد عودتي وتقابلت معه في الإسكندرية بعد حوالي 8 سنوات وأخبرني قصة استشهاد النقيب سمير البهي وكيف أصابه العدو غدرًا في ظهره أثناء تجهيزه قنبلة يدوية لمهاجمة العدو وقد أوضح لي أيضًا كيف حاصر العدو الكتيبة في منطقة وادي بعبع وفاجأها بالمدرعات والقوات من جميع الجهات وبالطائرات الهليكوبتر التي أنزلت أفراد على قمم الجبال لاستكمال الحصار وكيف كانت هناك مقاومات متفرقة ولكن مفاجأة العدو لقواتنا وإحكام حصارها وتفوقه في القوات والمعدات لم تعطي لعناصر الصاعقة فرصة تنظيم الدفاع الجيد وبالرغم من ذلك اشتبكت قواتنا وقاتلت ببسالة حتى أسر قائد الكتيبة ورئيس العمليات وعدد من الضباط والأفراد ولم نجد شيئًا غير بعض الجثث في أماكن متفرقة ولم يكن في الإمكان معرفة لمن هذه الجثث وكنا طوال مائتي يوم خلف الخطوط نتوقع مقابلة سمير البهي في أي منطقة بسيناء ولم نتوقع استشهاد هذا البطل العملاق، كان رحمه الله من رجال المنيا وكان وطنيًا لأبعد الحدود.

كنت عندما أسمع بعض الأغاني الوطنية قبل عمليات أكتوبر 73 أبكي سرًا تأثرًا لحال مصر وما وصلنا إليه، وكان سمير البهي يبكي جهرًا؛ لذلك كنت أعتبره أشجع مني وأقدر على مواجهة الناس، أما أنا فلم أجد نفسي إلا في ميدان القتال متحملاً المسئولية وكنت متأكدًا من بطولة سمير البهي التي ظهرت جلية على مسرح قاعدة عقبة بن نافع بالجمهورية العربية الليبية قبل عودتنا من مأمورية تأمين الثورة الليبية والتي كان مخطط لها أن تنتهي في شهر أكتوبر 1973 ولكن صدرت الأوامر بتغيير الكتيبة والعودة إلى مصر مع بداية شهر يوليو 1973م، وفي بداية حفل ترفيهي صعد سمير المسرح وبدأ في إلقاء خطبة وطنية قوبلت بفتور في البداية من كثير من الحاضرين، ولكن سرعان ما تغير الإحساس وألهبت الكلمات الناس وتأثر الجميع من إلقاء وصدق كلمات الشهيد التي كانت نابعة من القلب لتصل إلى كل القلوب، وكنت أتمنى أن تسجل تلك الكلمات التي لم أسمع ولن أسمع أصدق وأعظم منها، رحمه الله وأدخله فسيح جناته.

واصلنا التحرك في المنطقة وبدأنا البحث عن احتياجاتنا وبدأنا في تقليب الشدد ووجدنا أشياء كنا في حاجة إليها مثل ميكروكروم وشاش وقطن وملاعق وشوك وسكاكين وبعض الأطباق وخيط وإبره وصابون وكبريت وبعض الطعام وأقراص الوقود الجاف وذخائر ولكن لم يكن هناك أي أسلحة ووجدنا أيضًا بطاطين وأخذنا خمس بطاطين بمعدل كل واحد بطانية وبحثت في المنطقة حتى وجدت منطقة بها أفرولات وأحذية خاصة بالأسرى وأخذت أحد الأحذية التي لم تكن مقاسي ولكنها كانت أفضل من التي معي ووجدنا بعض الحجارة الجافة الخاصة بالراديو وبعض القنابل اليدوية ونظارة ميدان وبعض الجراكن الصغيرة الفارغة وكانت كلها أشياء هامة ومفيدة ولكننا أخذنا منها ما يمكن حمله لأننا لم نتصور أن تطول مدة بقائنا في جنوب سيناء.

وبعد أن حملنا احتياجاتنا وفي طريق العودة وبالقرب من المنطقة وجدنا أحد البدو يجلس القرفصاء بصورة تجعلنا لا نراه وهي جلسة شهيرة للبدو للترقب وكان شكله يبعث على الشك ويبدو أنه ليس من المنطقة، ولم نسترح لشكله ولكننا تحدثنا معه وقرأ عبد الحميد معه الفاتحة وتحركنا في اتجاه آخر غير المفروض أن نتجه فيه للتمويه والخداع لأننا شكينا في هذا الرجل ثم قمنا بعد ذلك بتعديل اتجاه السير إلى الاتجاه الصحيح لمكان إقامتنا.

سعد الجميع بالأشياء التي أحضرناها وقمنا بتطهير جرح عبد الرؤوف واستخدمنا البطاطين في تلك الليلة وكانت أول مرة أستخدمها منذ مدة طويلة وتابعنا الأحداث من الراديو بعد أن اطمأننا لموقف البطاريات ووضح لنا قرار إيقاف إطلاق النار وتأكدنا من عملية الثغرة التي كانت غير واضحة حتى الآن وبدأنا نعلم أن قواتنا وصلت حتى عيون موسى على خليج السويس كذلك تابعنا موقف القوات السورية على الجولان والتي كانت مخيبة للآمال.

أحداث يوم 24 أكتوبر 1973م:

بدأت المياه والتعيين في النقصان وكان لابد من العودة مرة أخرى لتوفير المياه وبعض التعيين المتيسر وذلك حتى يتضح الموقف وجلسنا طوال النهار نتابع الأحداث بالراديو أحيانًا ونتبادل الحديث أحيانًا أخرى حتى قبل آخر ضوء بحوالي ساعة ثم تحركنا عدا عبد الرؤوف ومحمد عبد الرحمن إلى منطقة الأكشاك ولكننا لم نستطع الوصول إلى تلك المنطقة وخيم الظلام على المنطقة فعدنا إلى مكاننا، وقللنا كمية الطعام والمياه حتى نستطيع مواجهة الموقف إذا عجزنا عن استعواض الطعام والمياه.

أحداث يوم 25 أكتوبر 1973م:

كان ذلك يوم العيد على ما أذكر وتمنينا جميعًا أن نكون في العيد الكبير مع أهلنا بإذن الله، وكانت أمنيات فيها كثير من الشك ولكنها كانت صادقة ومن القلب وكنا نسمع الأغاني الوطنية والأخبار التي أكدت لنا في النهاية أن الجيش المصري بخير والحمد لله.

قررنا التحرك مبكرين إلى مكان أكشاك البدو للبحث عنهم وفعلاً وصلنا إلى المكان وكان يختفي وراء تبة ووجدنا الأكشاك مقفولة بقفل ففتحناها لأننا كنا نعلم مكان المفتاح وأخذنا شوال البقسماط المعفن وبعض الدقيق والسكر و3 علب معلبات وحلة قديمة وأخذنا المياه وتركنا جنيهات قليلة كانت معنا وأغلقنا الأكشاك وتحركنا عائدين بأحمالنا فرحين بالطعام والمياه آملين أن تكون آخر مرة.

وصلنا إلى الزملاء وكانت فرحة كبيرة بعودتنا بالطعام والمياه واقترحت عليهم بمناسبة العيد عمل عصيدة بالدقيق والماء والسكر وعملها السيد علي ولكنها كانت كرات ظاهرها عجين وباطنها دقيق نيئ ولكننا أكلناها ولعقنا أصابعنا وحمدنا الله وقال لي عبد الحميد أن عون الله كان معنا دائمًا وأخذنا نتذكر المواقف الصعبة التي واجهناها وكيف نجانا الله من الموت المحقق أكثر من مرة وبفضله تعالى سخر لنا هؤلاء البدو لمعاونتنا وتعاهدنا على أن نصلي شكرًا لله وعرفانًا بفضله.

أحداث بقية أيام شهر أكتوبر 1973م:

تشابهت الأحداث خلال هذه الفترة في هذا المكان من سيطرة جوية للعدو تزداد أيامًا وتقل أيامًا أخرى وكنا نأكل البقسماط المعفن وكانت جافة جدًا ولكنها كانت لا بأس بها بالنسبة لنا وكنا نضحك أحيانًا على مصير الماعز عندما لا تجد البقسماط الخاص بها، وفي أحد هذه الأيام فتحنا علبة شطة نأكلها مع البقسماط وكانت حامية بصورة لم أر مثلها من قبل ولكن كان لابد من أكلها وعلمنا بعد ذلك من البدو أن ملعقة صغيرة منها كانت كفيلة لجعل حلة كاملة حارة جدًا ولكننا كنا في حاجة إلى شيء نأكله مع البقسماط وطبعًا أصبنا جميعًا بحرقان شديد ولكنه كان شيئًا عارضًا وبسيطًا.

كنا قد بدأنا نمل المكان الذي كان خطرًا وكنت قد تعودت على التحرك وأحسست أن وجودنا هنا لمدة طويلة فيه خطر علينا لاحتمال وشاية أي بدوي ضدنا وأخذ الطعام يتناقص خلال هذه الفترة وانتهى جوال البقسماط وبدأنا في عمل العصيدة بالدقيق ولابد من إعادة التفكير في موقفنا بعد أن طال بقاؤنا في المنطقة واحتمال استمرار تواجدنا حتى يتم الفصل بين القوات وسيطرة قواتنا على المنطقة التي كنا نتوقع أن تتم في خلال شهر أو اثنين وهي مدة كبيرة لابد فيها من الاعتماد على مصدر للإعاشة.

ليس أمامنا غير البدويين علي وصبحي اللذين حددا لنا مكان خيامهم القريبة من العشش الخاصة بهم والتي علمنا أن العشش مكان شتوي والخيام هي المنزل الصيفي لهم، ولكننا كنا نفكر كيف سنواجههم بعد أن أخبرناهم أننا مسيطرون على المنطقة وتركنا ذلك للظروف وقررنا أن نقابلهم ونوضح لهم احتياجنا لبعض الطعام والمياه.


أحداث أول نوفمبر 1973م:

تحركنا قبل آخر ضوء بحوالي ساعتين إلى منطقة خيام البدو وصعدنا جبل يشرف على المنطقة وراقبنا المنطقة بالنظارة المكبرة ووجدنا بعض نساء البدو يوقدون النار ويقمن بإعداد خبز لهم والبعض يجمع الحطب وشابًا يتحرك في المنطقة وبعض الماعز في فناء صغير، وظللنا نتابع وكان بعض البدو يخرجون من الخيام ويعودون مرة أخرى ولم نر عليًا أو صبحي حتى نتحدث إليهم وكدنا نعود إلى مكاننا ولكن وجدنا شاب من البدو يتحرك نحونا ويصعد الجبل في اتجاهنا وثبتنا في مكاننا ووصل إلينا وحيانا ورددنا تحيته وتكلم معنا في شك واضح ولكنه كان بشوش الوجه حلو الملامح صغير السن وكانت لهجته فيها ألفة واضحة، وسألناه عن علي وصبحي فأجاب أنهما موجودان وأضاف ببراءة أنه يريد أن يطمئن على أننا مصريون ولسنا يهودًا، لأنه غير مصدق لوجود مصريين بهذه المنطقة حتى الآن وكان يشك في شكلي بالذات لأنني كنت فاتح البشرة ولون شعري وذقني يميل للاصفرار وضحكنا، ومن كلامنا اطمأن وكان سعيدًا بنا وكان يريد التحدث معنا كثيرًا حيث أنه لم ير مصريين منذ فترة طويلة، وكررنا سؤالنا عن علي وصبحي فأجاب أنهم غير موجودين الآن وعند عودتهم سيبلغهم بحضورنا وسيكونون موجودين غدًا في نفس التوقيت والمكان وقال لنا أين مكانكم، ولكننا قلنا له بأننا سنحضر لهم هنا قبل هذا الموعد بقليل، وعدنا إلى مكاننا نتابع الأحداث ونأكل القليل وكنا نتذكر البدوي إبراهيم - والذي علمنا بعد ذلك أن اسمه عليان - وطريقة حديثه العفوية وإعجابه بنا.

أحداث 2 نوفمبر 1973م:

تحركنا من مكاننا قبل آخر ضوء إلى مكان قريب من مكان خيام البدو ووجدنا عليًا في انتظارنا وأشار علينا بالتحرك إلى أحد الأجناب البعيدة عن الخيام وكان الوقت قبل الغروب واستطعنا رؤية علي وصبحي وكان علي شاب في حدود الثلاثين أو أكثر قليلاً له ملامح البدوي المصري الأصيل يتحدث بسرعة وبلهجة تابعناها بصعوبة وكان يبدو المحرك لباقي إخوانه والأكثر خبرة ودراية وقوة الشخصية، أما صبحي فهادئ الطبع أسمر الوجه يشبه أبناء أسوان وكان يبدو عليه الكرم والطيبة، وكان يبدو على وجه علي الجدية والصرامة وتقدير الموقف الصعب، وبسؤاله عن توفير كمية من المياه والطعام وأننا سنحاول تعويض ذلك ببعض المال.

تحدث علي بصورة جدية مبتدئًا حديثه بكلمة صلوا على النبي، ثم تابع حديثه بأنه يقوم بمساعدتنا لوجه الله تعالى وباسم الإسلام والوطن مصر وأنه في غير حاجة للمال الذي معنا لأنه لو أراد المال لأبلغ عنا العدو الذي يحدد مكافآت مجزية ومغرية جدًا لأي بدوي يرشد عن أي مصري، هذا بالإضافة لتهديد العدو لأي بدوي يتستر على أي مصري بالتنكيل والحبس وأخذ ممتلكاته فأظهر لنا خطورتنا عليه، وقال إنه لا يريد أن يسمع مرة أخرى عن موضوع المقابل وأنه مصري وخدم بالجيش المصري في اليمن من قبل ولا يريد إلا عودتنا بسلامة الله وكذلك يريد أن يعيش بسلام بعيدًا عن بطش العدو فيجب التعاون معه حتى يوفر لنا المكان البعيد عن أعين العدو وأعوانه ونستطيع أن نجد به بعض احتياجاتنا.

ووجد هذا الكلام استحسانًا منا وزاد تقديرنا لهؤلاء البدو الذين لاقوا من ظلمنا وظلم جميع المصريين ووصفهم بالخيانة وبأنهم يبيعون المياه مقابل السلاح للجنود والضباط المصريين وعشرات القصص التي تظهر هؤلاء القوم بصورة خونة وسفاحين في الوقت الذي كنت أفكر فيه كيف يتخلى أي فرد عن سلاحه في سبيل شربة ماء في حين أنه بسلاحه يستطيع أخذ ما يريد إن لم يعطه هذا البدوي المياه بصورة ودية وتعاهدنا على الخير والحضور مرة أخرى في نفس المكان والتوقيت للانتقال إلى منطقة أفضل من التي كنا بها.

أحداث يوم 3 نوفمبر 1973م:

كانت دوريات الطائرات الهليكوبتر قد أصبحت قليلة ومحدودة وسريعة وفي بعض الأيام يتم تكثيف الدوريات فيها وأيام تقل فيها الدوريات ولكن الظاهرة العامة أنها دوريات روتينية ودون تركيز كما كانت من قبل، وكنا بالرغم من ذلك نأخذ الحيطة ونبقى طوال اليوم في أماكننا نتحدث ونتابع أخبار السياسة والموقف السوري على هضبة الجولان ثم تركنا المكان الذي ظللنا فيه مدة طويلة ولكنها كانت خطرًا وحملنا أمتعتنا إذا جاز هذا التعبير حتى وصلنا إلى المكان المحدد في الموعد المحدد ووجدنا علي وصديقه في انتظارنا للتحرك إلى المكان الجديد.

تحركنا ومعنا احتياجاتنا وساعدنا علي وزميله في حمل بعضها وكان عبد الرؤوف حزينًا لأنه لا يستطيع مشاركتنا في حمل شيء وتحركنا بصعوبة مع أحمالنا خاصة بعد أن تزودنا بالمياه والأكل وبدأنا في صعود جبل وعر جدًا ومعنا المسكين الجندي عبد الرؤوف المصاب وكان التحرك شاقًا والأرض وعرة والليل حالكًا وكنا نسير على مدق ماعز بصعوبة شديدة نسير حينًا ونستريح حينًا آخر ونحدث أحيانًا أصواتًا من أثر تحركنا مع حرصنا على أن لا يصدر منا أي صوت وخاصة في الأماكن المرتفعة ولكن كانت هناك لحظات يسقط فيها الفرد أو يختل توازنه فيضطر للسقوط على الجانب العالي للجبل حتى لا يسقط في الجانب الخالي واستمر ذلك حتى وصلنا إلى قمة أحد الجبال قبل الفجر.

سرنا حتى وجدنا مغارة كبيرة متسعة المدخل عميقة لا نهاية لها حيث يمكنها إخفاء كتيبة كاملة وسألناهم ما هذا فأجابوا أنها مغارة منجنيز قديمة مهجورة وهي مكان مؤقت للمبيت وأنهم سوف يتابعون السير للمكان المحدد الذي يكون أكثر أمنًا لنا والذي وصفته لهم سيدة عجوز تسمى أم حميدة وهي زوجة عم علي المتوفي ولها خبرة في خفايا المنطقة وهي ما زالت ترعى الغنم وتعلم هذه الأماكن من قبل وتعلم أن هذا المكان مأمون ولا يصله أي فرد بدوي أو غير بدوي حيث أنه منعزل وبعيد عن طرق القرى والأضرحة.

كان المكان مسيطرًا تمامًا ونرى منه مدينة أبورديس كاملة وكذلك شاطئ الخليج وكان كل شيء واضحًا رغم البعد الكبير الذي يصل إلى حوالي خمسة عشر كيلو متر إلا أن الارتفاع العالي كان يوضح لنا كل شيء، وتكلمت مع علي وكان يحب التحدث معي وكان شكلي يدل على بعض الرفاهية فكان يحاول مناوشتي بصورة فكاهية ولكنه كان لا يستطيع أخفاء إعجابه بنا وبلياقتنا وقدرتنا على مجاراتهم في التحرك رغم الأحمال التي كنا نحملها وكانت العلاقة تزداد ودًا مع استمرار الحديث ويطمئن كل طرف للآخر وبانتهاء اليوم كنا على يقين من أننا نتعامل مع أخوة مصريين لا يقلون عنا وطنية وحماسًا، ونمنا بعد أن أكلنا وشربنا.

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech