Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

يوميات 200 يوم خلف خطوط العدو - الجزء الثالث

أحداث يوم 4 نوفمبر 1973م:

استيقظنا متأخرين من النوم وشاهدنا المغارة صباحًا وكانت كبيرة ومتسعة ومتشعبة وتحول لوننا إلى الأسود من أثر تراب المنجنيز وجلسنا نتناول فطورنا ونحن نشاهد مدينة أبورديس أسفل الوادي والخليج أمامها وتمنيت لو استغللنا هذه المغارات بعد نزول الطائرات على قمم الجبال التي على شكل هضاب كبيرة تصلح للإبرار بكل أمان ويتم منها الاستطلاع وتشوين الاحتياجات في هذه المغارات ثم النزول لتنفيذ المهام والعودة لتلك الأماكن التي يصعب على العدو مهاجمتها أو معرفتها إذا تم دخولها والخروج منها بعد وقبل آخر ضوء ولكن فات وقت التمني وعلينا أن نتعايش مع الواقع.

تحركنا متأخرين قليلاً ولم نتحرك كثيرًا في هذا اليوم ولكن كان واضحًا أن البدو قد اختلط عليهم الطريق وبعد تحرك عدة ساعات بعدنا فيها عن المغارة الكبيرة، وصلنا إلى مغارتين صغيرتين وكانتا غريبتي الشكل وكانت بهم آثار نار قديمة وبعض الآثار لتواجد البدو وقضينا اليوم والليل فيهما نواصل الحديث.

أحداث يوم 5 نوفمبر 1973م:

تحركنا مبكرين في ذلك اليوم وكان التحرك شاقًا وطويلاً وكنا نعبر أراضي مختلفة الشكل واللون والطبيعة نصعد ونرتفع وننزل دون نهاية وأحسسنا أنهم غير واثقين من المكان وكانت إجابتهم نحن المفروض في الطريق الصحيح ولكن لا نستطيع أن نصل إلى المكان وكان ذلك قبل نهاية اليوم وكنا كلما قطعنا مسافة يتحرك أحدهم وينظر إلى المكان حوله ويعود مرة أخرى وهكذا حتى لا يحملونا مشقة المتاهة وخاصة ومعنا عبد الرؤوف المصاب الذي كانت حالته لا توصف من التعب والإرهاق ولكن لم يكن أمامنا غير هذا السبيل وكان يتحمل فوق ما يتحمله البشر حتى لا يشعرنا بأنه عبء علينا وكنا نشعر به ويجب أن يتحمل كل منا حتى نصل في النهاية إلى مكان آمن يمكننا الاستقرار فيه.

استمر بحث علي وصبحي عن المكان المحدد وشعرنا بمدى المجهود المبذول منهم لأجلنا وكادوا يصلوا إلى مرحلة اليأس وبدأوا يصفون السيدة العجوز بأنها جنت وخرفت ولا يوجد مكان يصلح بهذه المنطقة، وجاء أحدهم يهرول مهللاً وقال لقد اقتربنا، وصعدنا إلى أعلى بضعة أمتار ووجدنا سطح مستوي كبير المساحة كالمطار وطبعًا أصابنا اليأس لأنه مكان مكشوف وعال جدًا فكنا نرى الخليج بوضوح، ولكنه أشار إلى مكان ذهبنا إليه وفوجئنا بوجود حفر عميقة صناعية لا نعرف إلى أين تصل وعلمنا بعد ذلك أنها حفر للتهوية لمغارات المنجنيز ولم تستخدم لعدم جدواها وكان ذلك منذ زمن بعيد ولا يوجد أي حواجز عليها بمعنى أنه إذا تحرك أحد ليلاً في هذا المكان وسقط في هذه الحفرة فهو هالك لا محالة، وأخيرًا عثروا بمعجزة على المكان المخفي أسفلنا وفرحوا جدًا لعثورهم على هذا المكان الذي يصعب اكتشافه وسط الجبال، ونزلت بضع خطوات إلى أسفل في اتجاه الوادي ووجدنا مدقًا جانبيًا مخفيًا يؤدي إلى منطقة متسعة أمام مدخل مغارتين واحدة كبيرة وعميقة وفتحتها باتساع حوالي مترين تقريبًا وكان أي منا يستطيع المرور منها ومعه زميلان وبها عروق خشب تدعم الجدران والسقف والمغارة متشعبة لعدة اتجاهات يصعب العودة منها إذا استمر أحد في الدخول فيها بالإضافة للظلام التام بعد حوالي خمسة عشر مترًا من مدخلها حيث تبدأ الممرات الجانبية، كانت المغارة الأخرى صغيرة الحجم وعمقها يصل إلى سبعة أمتار تقريبًا بالإضافة إلى أن مدخلها كان بارتفاع حوالي 120سم، ووضعنا أحمالنا في المغارة الكبيرة وأكلنا وشربنا وقام عبد الرؤوف بالتغيير على الجرح، ونمنا جميعًا في تيار من البرد القارص نتيجة فتحات ودهاليز المغارة.

أحداث يوم 6 نوفمبر 1973م:

استيقظ البدو صباحًا وأوصونا بعدم التحرك بعيدًا والاقتصاد في استخدام المياه ولا داعي لاستخدامها في غير أغراض الشرب وعلمونا طريقة عمل الفراشيح وهو الخبز البدوي، وأحضر أحد البدو صفيحة مياه قديمة من المغارة وقطعها وتم تنظيفها لنخبز عليه ووضعه على الصفيحة التي كانت النار تشتعل داخلها وكان الخبز في بداية الأمر به كثير من الدقيق النيئ ولكنه كان جميلاً جدًا وكان معنا بعض المعلبات من الفول والخضار وكنا نفتحها بحساب ودقة حتى إنه كانت علبة الفول توزع علينا نحن الخمسة كوجبة كاملة طوال اليوم ولابد من الاستفادة من العلبة الفارغة لتكون كوب شاي فارغ (علبة الفول كانت صغيرة الحجم وهي جزء من وجبة الفطور للجندي).

وأوضح لنا البدويان بأنه لابد من الاستعانة ببعض الأعشاب الجافة والجذور لاستخدامها كوقود لأن أقراص الوقود الجاف التي معنا لن تكفي وسيحددون لنا أقرب مكان للمياه في المنطقة في الزيارة القادمة وكذا مكان الملح بالجبل، وكذلك أبلغناهم عن بعض احتياجاتنا الضرورية مثل الملح والكبريت وكنا نخجل من طلب أي شيء لعلمنا مدى فقرهم وضعف إمكانياتهم وكان لابد من أن نعيش بأقل القليل حتى لا نكون عبئًا على مثل هؤلاء المساكين، وتم الوداع والوعد بلقاء قريب وعادوا أدراجهم من حيث أتوا.

كان أول شيء فعلناه هو انتقالنا من المغارة الكبيرة التي بها تيارات هوائية كبيرة إلى المغارة الصغيرة لأنها أدفأ وأفضل، ودخل عبد الرؤوف في آخر المغارة ثم محمد عبد الرحمن فالرقيب السيد محمد علي ثم أنا وعبد الحميد متجاورين أثناء النوم أما في النهار فنجلس في مدخل المغارة في شكل دائرة وداخل المغارة مكان يصلح لوضع الصفيحة (المخبز) وبدأنا في وضع احتياجاتنا وترتيبها بالداخل وجلسنا نتحدث ونحن حامدين الله وشاكرين فضله بهذا المكان وحريصين في بداية الأمر ولكن قبل آخر ضوء خرجت لاستطلاع المكان وكان عبارة عن أرض ممهدة أمام المغارة لمسافة حوالي مترين ثم انحدار للأسفل في اتجاه الوادي ويبدو أنه ليس عميقًا ولكنه في الحقيقة عميق جدًا ثم جبل يواجهنا وجبل على الجانب الأيمن ثم مجرى سيل من هذه الجبال يختفي وراء هيئات أسفل الوادي، وكان المنزل إلى الوادي عبارة عن مجاري سيول مرعبة وحجارة وصخور كبيرة الحجم ومختلفة الشكل يصل بعضها لحجم عربة نقل، وكان الهدوء والسكون يسود المنطقة لا صوت ولا حركة غير بعض الطائرات التي اكتشفنا بعد ذلك أننا في اتجاه الممر الجوي للطائرات القادمة إلى أبورديس وخاصة طائرات النقل القديمة مثل نور أطلس وستراتوكروز وكان مرور الطائرات يزعجنا في بداية الأمر ولكننا تعودنا عليه بعد ذلك.

تحدثنا عن وطنية ورجولة هؤلاء البدو وكم كنا ظالمين لهم ولوطنيتهم وقررنا التقشف إلى أبعد حد حتى يستطيع هؤلاء الرجال تحملنا وخاصة وإننا علمنا أنهم ليس لهم أي عمل الآن بعد الحرب حيث أنهم يعتمدون على ما كانوا يخزنوه قبل الحرب وأن المعونات والإمداد بالدقيق والسكر والأرز قد توقف بعد بدء الحرب وكانوا يتكلمون عن ذلك بعفوية تامة، وكان الماء أول شيء قررنا الاقتصاد في استخدامه وعملنا له معدلاً هو علبة فول صغيرة صباحًا وثلثي كوب شاي لكل فرد وكان المتوفر قليلاً من الدقيق الذي لا يكفي فردًا واحدًا فكنا نخبز منه ثلاثة أرغفة رقيقة ويقطع ويضاف إليه ماء وقليل من الملح ليكون فتة بدوية نلتهمها في ثوان، وكان الأكل جميل المذاق بصورة غير عادية وحتى الشاي كان مذاقه رائعًا.

أحداث الفترة من 7 إلى 15 نوفمبر 1973م:

لم يصل إلينا علي وأصحابه خلال هذه المدة وكانت كمية الدقيق والمياه تتناقص وبدأنا نشعر بأن هناك شيئًا ما حدث لهؤلاء البدو كتعرض العدو لهم كما حدث مسبقًا يوم قاموا بتفتيشهم وإهانتهم لاعتقادهم أنهم يتسترون علي بعد أن رأى العدو آثار أقدامي متجهة إلى الوادي وكنا نقضي اليوم في جمع الجذور الجافة والتعرف على المكان وتجهيز الطعام والتكلم عن الطعام والأكلات الدسمة التي كنا نأكلها، وكان العمل قد توزع علينا بصورة تلقائية أنا وعبد الحميد للبحث عن الجذور وجمعها، ومحمد عبد الرحمن إشعال النار في الجذور وتجهيز النار، والسيد محمد علي إعداد الطعام.

وكان اليوم يمر بطيئًا طويلاً وكنا نتابع الأحداث السياسية وأصبحنا على دراية كبيرة بالأحداث السياسية في ذلك الوقت حتى أصبحت أتوقع الأحداث مسبقًا وكان الجو بدأ في البرودة وكنا نحمد الله على كل حال على وجودنا أحياء سالمين حتى الآن، ولكني كنت أفكر في والدي ووالدتي وماذا يكون حالهما الآن وأنا أكبر أولادهم وحبهم الكبير وكنت المثل الأعلى لأخوتي الستة والمعاون لوالدي على تربيتهم وهم ما يزالون في التعليم الجامعي والثانوي، وكيف يتقبل والدي ووالدتي هذا الوضع وليس لديهم أخبار عني ولكن حصار الجيش الثالث وقوة كبريت بالبحيرات ربما يعطيهم بعض الأمل ويلهمهم الصبر ويتعلقون بأنني ما زلت حيًا في إحدى هذه المناطق، وكان عبد الحميد يفكر في حال أسرته وكذلك باقي الأفراد مثلي تمامًا.

وبينما نحن جلوس ننتظر قدوم علي وزملائه الذي طال كثيرًا سمعنا فوقنا أصوات أقدام كثيرة وحجارة تتساقط وجلبة عالية وأيقنا في الحال مهاجمة العدو لنا في مكاننا وكان لابد من عمل أي شيء وبسرعة ناديت على الرقيب السيد محمد علي ليناولني بندقيتي بسرعة وقذفها لي في الهواء وفي ثوان معدودة كنت خارج المغارة وموجهًا سلاحي إلى صوت اتجاه تقدم العدو وكنت مستعدًا ومتحفزًا للاشتباك مع ظهور أولى أفراد العدو ولكن فجأة سمعت صوت عنزة تلاها أصوات ماعز وجلبة قطيع رعي مما هدّأ من حالة تحفزي، ثم بدأ ظهور قطيع كبير من الماعز وسمعت أصوات بدو ينادون على الماعز وكان موقف صعب للغاية، وأخبرت الزملاء بوصول البدو وذلك بعد ظهور علي وامرأتان (فاطمة زوجته وأم حميدة زوجة عمه المتوفي) وطفلة صغيرة (حميدة) أصغر أبناء السيدة أم حميدة التي توفي زوجها عم علي قبل سنوات وكانت فاطمة سيدة تفوق الوصف في الخلق وعفة النفس والأصالة والرزانة والشخصية رغم بساطتها وجسدها الضعيف ولكن كان لها من رجاحة العقل وحسن التصرف واللباقة ما يجبر المرء على احترامها وكانت في بداية الأمر صامتة تهز رأسها إجابة أو نفيًا ونشعر بضحكتها من عينيها حيث كانت تخفي أنفها وفمها بحجاب على طريقة البدو وكذلك كانت أم حميدة التي كانت أكثرهم كلامًا وحديثًا وضحكًا بطيبة وعفوية وكانت تدخن السجائر اللف البدوية وعرضت علينا السجائر فاعتذرنا، وكانت ابنتها حميدة تنظر إلينا منزعجة بعد أن تغير شكلنا بفعل تراب المنجنيز إلى أشباح سوداء وطالت ذقوننا وكانت تجيب بصوت أجش عن أسئلتنا لها وكانت عيوننا جميعًا متعلقة بقطعة الخبز التي بيدها متمنين أن تتركها لنا أو جزء منها.

كانت فاطمة تحمل عنزة صغيرة تم ولادتها في الطريق وكانت جميلة الشكل وأسماها علي (زبيدة) وكانت بعض الماعز تقف أمامنا وضرعها مليء باللبن الذي سال لعابنا من التفكير في إمكانية شربه ولكن لم نبح برغبتنا تلك حتى لا نحرم البدو من هذا اللبن لشدة حاجتهم إليه وأعطانا علي بعض المياه والدقيق وعلبة سمن وسكر وبعض بقايا أكل العدو التي كان يرميها في منطقة مخلفات ويجلب البدو الفقراء الصالح منها كغذاء للماعز وأربع أو خمس تفاحات في حالة تعفن وكيس من الحلوى علمنا من علي أنها توزع عليهم بصفة دائمة، كذلك بعض معلبات الخضروات المسلوقة المحفوظة والتي لا يضاف لها أي شيء على أن يتم تجهيزها بعد ذلك بالإضافة إلى بعض علب الكبريت والملح.

أسعدتنا جدًا هذه الزيارة ورفعت معنوياتنا ليس بسبب الطعام والمياه فقط ولكن لتعاطف البدو الكبير الذي وضح من كلامهم وتصرفاتهم، وسألنا عن أقرب بئر للمياه نستطيع الحصول على مياه منه ونوفر عليهم مشقة إحضار المياه لنا طول هذه المسافة فوصفت لنا أم حميدة أقرب بئر مياه بوادي بعبع ووعدنا علي أنه في الزيارة القادمة سيحدد لنا المكان بالضبط ويصفه لنا إن شاء الله وكان ذلك يسعدنا سعادة بالغة لإحساسنا أننا يمكننا الاعتماد على أنفسنا مع إمكانية زيادة حصة المياه لكل فرد وقبل أن يترك المكان أشار إلى منطقة قريبة بها عرق ملح أسفل سطح صخرة محفورة بفعل المياه طوال الزمن وكانت هامة بالنسبة لنا لأن الملح أصبح من الضروريات ويضعه البدو على جميع أنواع الأكل حتى التي بها سكريات لابد من إضافة قليل من الملح، وكنت متخصصًا لإحضار الملح الصخري حيث كان يتطلب استخراجه الرقود على الظهر واستخدام السونكي الروسي الصلب في كسر هذه البلورات القوية وأضع ضلع الهايك أسفلها لأجمعها بعد ذلك وكان يتعلق بالملح أحيانًا بعض التراب فنذيبه في الماء ويتم ترسيب التراب ثم نستخدم الماء المملح، وكان هذا المكان قريب من المغارة.

بعد زيارة البدو قررنا الصيام خلال ما تبقى لنا في هذا المكان وخاصة إننا كنا فعلاً لا نأكل غير مرتين باليوم أو مرة واحدة وكان ذلك هو الغالب وقررنا مداومة الصلاة بالتيمم وكانت فكرة صائبة أعانتنا كثيرًا لاحتياجنا للجانب الروحي وكان ذلك بالإضافة إلى قراءة القرآن خلال اليوم بتبادل المصحف الكريم الموجود معنا وبذلك كان ينتهي اليوم بصورة أسرع وأفضل كثيرًا بين الصلاة والإعداد للطعام والصيام وقراءة القرآن ومتابعة نشرات الأخبار والأحداث والتكلم عن الأكل الشهي حيث كنا جائعين بصفة مستمرة حتى بعد تناولنا للوجبات.

أحداث الفترة من منتصف شهر نوفمبر حتى نهاية الشهر:

قام البدو بزيارتنا بعد حوالي عشرة أيام من الزيارة الأخيرة وجاء معهم هذه المرة زائر لم نره من قبل اسمه حسين، أسمر اللون، وهو زوج حامدة أخت صبحي، وكان شابًا خفيف الظل هادئًا ويحترف صيد السمك بالإضافة للعمل مع العدو في الأعمال اليدوية مثل معظم البدو في المنطقة كإعادة إنشاء الطرق في حالة تدميرها بواسطة السيول وكان العدو يدفع لهم أجر أقل بكثير مما يدفع لمواطنيه ولكنه يعتبر أجر عالي بالنسبة للبدو ويحقق لهم حياة كريمة إذا استمر مثل هذا العمل، ولكن معظم أعمالهم كانت موسمية مؤقتة، كذلك كانت أموالهم تضيع في الكماليات والمأكولات الغالية الثمن والتي ازداد ثمنها كثيرًا جدًا وخاصة بعد الحرب.

وكان معهم أيضًا عليان أخو علي الأصغر من أبيه وكان قد أخفى اسمه الحقيقي أول مرة خشية أن نكون من العدو ونحاول الإيقاع به، وكان شغوفًا جدًا بنا وأكثر البدو كلامًا ومرحًا، ووصف لنا طريق البئر وأشار عليه خارج المغارة في أسفل الوادي وبدا لنا ذلك شيئًا بسيطًا سيخلصنا من مشكلة المياه وزودنا بكمية قليلة من المياه وقضينا يومًا سعيدًا معهم قصوا علينا بعض تصرفات العدو وكيف تم حبس حسين في غرفة حبس انفرادية بسبب قذفه لأحد الجنود الإسرائيليين ببراد شاي مغلي بعد أن سبه هذا الجندي مازحًا ولم يتحمل حسين ذلك فقذفه ببراد الشاي أثناء إعداد الشاي له وكانوا يسردون هذه القصص بطريقة عفوية ويضحكون على حسين وكيف كان في الحبس ومعه جردل يقضي فيه حاجته وكان يضحك بخجل وكنا سعداء بسماع مثل هذا الكلام العفوي وأصبح التقارب والألفة أكثر وأكثر.

وتحدثنا مع حسين عن صيد السمك وهل يمكننا الصيد في أماكن بعيدة عن العدو فأوضح لنا أن الصيد ممنوع من بعد الحرب ولا يستطيع أحد أن يقترب من الشاطئ وأخذ يتحدث معنا عن الأسماك الشهية الوفيرة بالمنطقة والتي كانت تحقق له دخلاً لا بأس به، وأعطانا علي بعض الجلاليب البدوية والصنادل والشباشب لنلبسها خلال اليوم بدلاً من الأحذية التي كانت تترك أثرًا في كل مكان نتحرك فيه، وتركنا البدو وتركوا لنا بعض الدقيق والملوخية الناشفة والسكر والشاي ونزلوا في اتجاه الوادي وليس من الطريق العلوي (الذي قدمنا منه إلى المنطقة).

استعددنا ثاني يوم لإحضار مياه من البئر الذي تم وصفه لنا وأخذنا جراكن المياه الفارغة ونزلنا أنا والرقيب السيد علي ومحمد عبد الرحمن ونزلنا لمسافة طويلة حتى وصلنا الوادي أسفل المغارة نظرنا في منتصف الطريق إلى المغارة ولم نجد المغارة ظاهرة، وتقدمنا أكثر حتى وصلنا الوادي ووجدناها مسافة كبيرة تختلف عن المسافة التي قدرناها من أعلى الجبل وصعدنا جبلاً صغيرًا لنصل إلى المنطقة التي أشار إليها علي وفوجئنا أننا فوق جبل آخر ويظهر الوادي أسفل على مسافة بعيدة جدًا وبدأنا التحرك على مدق ماعز يلتف حول بعض التباب حتى وصلنا إلى مكان يسمح لنا بالنزول إلى وادي بعبع وبدأنا النزول إلى الوادي وكانت الأرض صخرية صعبة جدًا وتعاونا في التحرك حتى لا يسقط أحد وفرحنا في بداية الأمر، وخوفًا من دخول الليل علينا أسرعنا بالنزول في أرض صعبة للغاية ولكننا تعودنا على ذلك تمامًا ووصلنا إلى الوادي اللعين قبل آخر ضوء بأقل من ساعة وتم تقسيم الأفراد بأن أقوم أنا ومحمد عبد الرحمن بالبحث عن البئر، على أن يقوم الرقيب السيد علي بتغطيتنا بالسلاح وكان معنا جميعًا سلاحنا وجاهزين للاشتباك الفوري، وبحثنا في كل مكان عن المياه ولم نجد ذلك البئر الذي تصورناه في براءة مبني بطوب ومحفور بعمق كبير وبه كمية كبيرة من المياه وظاهر الشكل بالوادي، ولم نجد مثل هذا البئر ووجدنا الوادي ينتهي داخل الجبل وبه آثار عربات وهو غير مجهز إلا للعربات الجيب والتراك لوجود أماكن رملية وعرة في بعض أماكنه، وكذلك مناطق صخرية في الأماكن الأخرى والجبال حول الوادي عالية تسيطر عليه تمامًا وبحثنا عن ذلك البئر ولم نجده ووجدنا بعض المياه المتناثرة على شكل برك وتذوقنا بعضها فوجدناها مرة الطعم وغير مستساغة ولكن كان علينا إحضار هذه المياه حتى ولو لغسيل الأطباق والنظافة والشرب إذا لزم الأمر.

وصعدنا مرة أخرى إلى الجبل وكان الطريق سهلاً ثم وجدنا صعوبة في التحرك في المنطقة المتوسطة والموصلة للوادي الخاص بالمغارة وبعد جهد شاق استطعنا الوصول إلى الوادي وصعدنا بعد ذلك الجبل الذي توجد به المغارة ووجدنا صعوبة في تحديد مكان المغارة وبعد أن نادينا على الزملاء أجابوا وحددنا مكانهم وصعدنا إليهم وكانوا قلقين علينا جدًا لأنهم كانوا يعتقدون أن المسافة قصيرة كما قال البدو ولكني أوضحت كل شيء وقد أصابهم الحزن لعدم توفيقنا في الوصول للبئر وقررنا الذهاب في اليوم التالي في توقيت مبكر حتى نجد فرصة في البحث عن البئر.

حضر البدو ثاني يوم صباحًا وكان يبدو عليهم الانزعاج وأبلغونا أننا نزلنا أمس للوادي وأن آثار أقدامنا موجودة في كل مكان بالوادي وهو ما يعرضنا للخطر أذا ما شاهد أي بدوي خائن هذه الآثار ولذلك أمر نساء البدو أقاربهم بالرعي في منطقة آثارنا وأبلغونا أنه يفضل لبس الصنادل والشباشب خلال النزول للوادي كما يجب أن تتوخوا الحذر أثناء النزول لتحرك العدو والبدو في هذا الوادي، وسألنا هل وجدتم البئر؟ فأبلغناه بأننا لم نره وأننا لم نترك شبرًا إلا وفتشنا به وأبلغناه بوجود مياه مالحة مرة الطعم فنصحنا بعدم شربها لأنها تسبب الإسهال.

وصف لنا على مكان البئر مرة أخرى وحدده من مكان المياه المُرة ثم تركنا بعد أن شرب الشاي وكان معه صبحي الذي كان على موعد مع سيدة يحبها وسبق لها الزواج من ثلاثة قبله توفوا جميعًا وكانت على جانب كبير من الجمال وتسكن بإحدى القرى المجاورة وكان صبحي يخشى أن يموت مثل أزواجها السابقين وأصبحت مادة فكاهة نضحك لها، وسألنا علي عن إمكانية وجود حيوانات بالجبل مثل الغزلان أو الأرانب فأبلغنا أن بالمنطقة تياتل وهو نوع من الماعز الجبلي الشهي الطعم وكثير اللحم ولكنه نادر وصعب الصيد وتمنينا أن نجده ونقوم بدعوة البدو ردًا لبعض جميلهم وظللنا نحلم بهذا الصيد طوال مدة بقائنا ولم نعثر له على أثر ولم نر في هذا الجبل غير طائر بحجم الفراخ الصغيرة ويطير لمسافات قصيرة ويظهر فجأة لتشابه لونه بالمنطقة وحاولنا الإمساك به كثيرًا ولكنه كان حلمًا أصعب منه حقيقة.

تحركنا بالفعل في اليوم التالي مبكرين وكان معنا عبد الحميد هذه المرة وتركنا السيد علي مع عبد الرؤوف وطبعًا كانت المسافة وصعوبة الأرض مفاجأة لعبد الحميد وتحركنا إلى مكان البئر ووصلنا أخيرًا للمكان الذي وصفه علي وأخذنا نبحث وندقق لوقت طويل وأخيرًا عثرنا على حفرة صغيرة بها ماء. بعمق 75 سم وهذا هو البئر، وتذوقنا المياه فوجدناها صالحة للشرب فشربنا وملأنا الجراكن، وكنا كلما أخذنا من المياه ترتفع مياهًا مكانها في البئر وبمعدل يمكننا الانتهاء من ملء الجراكن في وقت قصير، وسعدنا جدًا لعثورنا على البئر وهو أول شيء يمكننا من الاعتماد على أنفسنا وأعددنا أنفسنا للعودة وكنا قد تركنا أحذيتنا قبل نزولنا الوادي وحفظناها في مكان محدد قبل الوادي مباشرة حتى لا تدل على مكاننا وعدنا إلى هذا المكان وارتدينا أحذيتنا وعدنا إلى المغارة بعد رحلة عناء من أحمالنا وصعوبة الصعود ووعورة الجبل وفقدان الطريق ووصلنا حوالي منتصف الليل.

كانت رحلة ملء جراكن المياه شاقة جدًا وكنا نفطر في يوم ملء الجراكن وكنا أحيانًا لا نفطر طبقًا لكمية الطعام المتبقي لهذا قررنا الاقتصاد في استخدام المياه بأقل كمية ممكنة وخاصة وأن الطقس أصبح باردًا ولا نحتاج إلى كميات كبيرة للشرب فكان استهلاكنا للمياه في حدود نصف زمزمية للفرد على الأكثر بالإضافة إلى الشاي وإعداد الطعام وكان أكبر استهلاك للمياه هو أثناء ملء المياه وإحضارها فكان جزءًا كبيرًا من المياه يتسرب من الجراكن نتيجة الضغط عليها أثناء التحرك به وكذلك نتيجة للشرب لتعويض ما فقدناه نتيجة المجهود المبذول وكانت ملابسنا تبتل تمامًا من المياه والعرق وعند وصولنا كانت تجف من حرارة أجسادنا وتعرضنا للهواء أثناء الطريق وكنا أحيانًا نصل وملابسنا مبتلة من العرق في الشتاء القارص لسرعة تحركنا رغبة في الوصول السريع إلى الكهف للاحتماء به.

وفي نهاية هذا الشهر كان ذكرى ميلادي السادس والعشرين، وكنت متفائلاً معظم الأوقات رغم كل الظروف حولنا التي تبعث على اليأس وكان ما يشغلني فقط هو والدتي وأخوتي الصغار وكنت عندما أشعر بالضيق أتذكر الأيام واللحظات السعيدة مع عائلتي خلال أجازتي عندما يتجمع أخواتي ويحكوا لي حكاياتهم في المدرسة مع بعضهم وكانوا خفاف الظل ويحبونني جدًا وكنت أحاول أن أكون قدوة حسنة ومثلاً طيبًا لهم وكانوا يتركون واجباتهم ويتجمعون حولي لساعات طويلة، وكنت مؤمنًا بعودتنا لوطننا وأهلنا لأننا بوطننا فعلاً.

أحداث شهر ديسمبر 1973م:

تحسنت حالة عبد الرؤوف وأصبح يتحرك في حدود المنطقة وكان هزيل الجسم جدًا ولكنه لم يفقد روحه المرحة وهدوء أعصابه وحمده لله دائمًا ويتمتع بضبط وربط عالٍ، خجول جدًا ودائم الابتسام في أصعب المواقف، وكنا نأكل في إناء واحد وبسرعة كبيرة من آثار الجوع وقلة الطعام وكان هو أقلنا أكلاً وكنا نحثه على الأكل السريع ولكنه كان يحمد الله دائمًا، وكنا ننتهي من الأكل جياعًا وأعتقد أنه كان أكثرنا جوعًا، هذا هو الحال مع قلة كميات الطعام وكمية الدقيق التي نعلم مدى مشقة البدو في إحضارها لنا من طول المسافة ووعورة الأرض وضيق ذات اليد وكان يبدو ذلك عليهم أثناء زيارتهم لنا.

كانت زيارات البدو تنتظم أحيانًا وتطول فتراتها أحيانًا وبالسيطرة على الطعام الموجود واجهنا أي تأخير والبدو يأتون رجالاً ونساءً ولم يأت أحد لا يعرفونه غير حامدة زوجة حسين وهي أخت صبحي في نفس الوقت، ومرة أخرى زارتنا زوجة محمد أخو علي وهي سيدة طويلة القامة وتخشى أن تأتي كثيرًا لأن محمد زوجها كان حريصًا أن يكون بعيدًا عن المشاكل والمخاطر ولكنها كانت عندها رغبة في رؤية هؤلاء الغرباء، ولم نر محمد إلا عند رحيلنا وكان الوحيد الذي على علم بنا ولم يأت خوفًا من بطش العدو، وكان نساء البدو ينظرون إلينا كمخلوقات جاءت من كوكب آخر يستحقون الشفقة وكانوا دائمًا يحاولون تسليتنا وتشجيعنا بعفوية وبساطة وأصالة يصعب أن تجدها إلا في أعماق القرى وأقاصي الصعيد حيث الإنسان على فطرته وأصالته التي لم تلوثها ماديات الحضارة الحديثة.

أصبح البرد قارصًا ولم تعد تكفي البطانية الواحدة لكل فرد واستفدنا من كل شيء قد لا يكون له أي قيمة في نظر أي  فرد في الظروف العادية، حيث استفدنا بعروق الخشب التي كانت داخل المغارة المجاورة كوقود، كما استخدمنا برميل مياه قديم لتخزين المياه وأغلقنا المغارة من الخارج بقطعة صاج كبيرة حتى تمنع بعض البرودة والرياح وكذلك تمنع الضوء أثناء الليل إذا قمنا بإشعال النار لشرب الشاي. كنت أنام أنا وعبد الحميد على بطانية وفوقنا بطانية وكنا ننام وظهورنا متلاصقة من شدة البرودة والبطانية صغيرة الحجم نتبادل جذبها طوال الليل ومع ذلك لم يصب أحدنا بأي برد أو زكام خلال هذه المدة بالرغم من كوني شديد الحساسية للبرد الذي كنت أصاب به كثيرًا في حياتي العادية لأتفه الأسباب وما زلت إلى الآن ولكن خلال فترة تواجدي بجنوب سيناء لم أصب بأي برد أو زكام أو تلوث من أي جرح حيث كنت عادة أصاب بتقيح بصورة سريعة ومزعجة وكان ذلك لاستخدام البنسلين ومشتقاته لمواجهة أي جرح أصاب به مهما بلغت ضآلته وكانت نقطة ضعفي وخوفي من أن أصاب بأي جرح يتقيح ويتلوث، ولكن جرحت كثيرًا جدًا أثناء ملء المياه ولم يتقيح لي أي جرح طوال هذه الفترة بل كانت تشفى الجروح بسرعة كبيرة واعتقدت أن ذلك بسبب المنجنيز وكان لطف الله بنا عظيمًا وتحصنت أجسادنا وأرواحنا ضد كل المصاعب وقلة المياه والطعام وتقشفت وجفت أجسامنا وأصبحت أسير دون حذاء أو نعل على الصخر، وكان يتفتت تحت أقدامي كأي بدوي وكان تحركي بدون حذاء في بداية الأمر صعبًا جدًا وكأني أسير فوق أشواك حادة بسبب الصخور الحادة.

وفي أحد أيام الشهر وعند النزول للتزود بالماء وكان معي الرقيب السيد علي وعند اقترابنا من الوادي سمعنا صوت طلقات رصاص متقطعة وقمنا بإعداد سلاحنا والتقدم بحرص لمعرفة ما يحدث ومكانه ومن يقوم به وأكملنا النزول في الوادي المتعرج ومازالت الطلقات وصداها يدوي في المكان، وفجأة ظهر عدد من الجنود الإسرائيليين يقومون بالرماية داخل الوادي وبجوارهم عربة جيب ودفعني الفضول للاقتراب لرؤيتهم أكثر، وتقدمت بحرص وخلفي الرقيب السيد علي، ولكن فجأة وأثناء تحركنا سمعنا صوت العربة تدار وتتحرك بصورة مفاجأة، وتيقنت أنهم لاحظوا تحركنا وتركوا المكان فجأة.

لم نشأ أن نستكمل النزول خشية عودتهم بقوات كبيرة وطائرات وعدنا وتوقعت حدوث رد فعل خلال هذا اليوم أو اليوم التالي وكنت أنا وعبد الحميد ندرس موقف الأرض وتوزيع الأفراد في حالة هجوم العدو من أسفل الوادي أو من أعلى الجبل وكيف نستغل الأرض والمكان الذي أصبح معلومًا لنا ويحقق مزية كبيرة للمدافع وكنت واثقًا لو حاول العدو مهاجمتنا لخسر الكثير أمام قوتنا الصغيرة، وتوالت الأيام والأسابيع بعد هذا الحدث ولم تظهر أي عدائيات بالمنطقة حتى أصبحنا بعد ذلك نحمل بندقية واحدة فقط ليسهل علينا حمل المياه.

كنا ننتظر هطول الأمطار بشغف كبير وندعوا الله أن تأتي الأمطار سريعًا وننتظر أي سحابة قاتمة قد تأتي ببعض الأمطار ونسأل البدو عن المطر وكيف يكون الحال بعد هطوله فكانوا يجيبون بأنه خير وأنهم جميعًا في انتظاره وعندما يأتي المطر يتحول لون الجبل إلى الأخضر وتتواجد المياه العذبة في كل مكان وتنموا الخضرة التي يمكن أكلها مثل اليهج (نوع من الجرجير البري) وكنا نحلم بذلك اليوم الذي نملأ به بطوننا بذلك الجرجير ونملأ المياه من أقرب مكان لنا ويرحمنا الله من ذلك المشوار الطويل إلى الوادي، وكنا نحلم وننتظر وكانت تتلبد السماء بالغيوم ولكن دون مطر وكان البدو دائمًا يقولون أن المطر لا يأتي عندما تأتي الغيوم والسحاب من خلف الجبل (من الاتجاه الشمالي الشرقي) ولكن عندما تنعكس تأتي الغيوم والسحاب الذي ينزل المطر بإذن الله، وكان الأمل عندنا أن تمطر من أي اتجاه.

وفي أحد مرات نزولنا للتزود بالمياه الذي كان يتم بوجودي أو وجود عبد الحميد أو نحن الاثنين معًا، وفي هذه المرة كنت وعبد الحميد ومعنا أحد الأفراد وكان يومًا فيه الرياح شديدة عاتية عند نزولنا وعندما عدنا إلى الوادي قبل المغارة زادت الرياح بشكل لم أشهده من قبل وكان الوقت ليلاً والظلام حالكًا ونسمع بعضنا بصعوبة بالغة وكان البرد قارصًا وحاولنا الوصول إلى المغارة وفقدنا اتجاهنا بمكان كنا نعلمه جيدًا لشدة الريح والصقيع وأخذنا ننادي بأقصى ما يمكننا على زملائنا ولكن كان يصعب سماعنا، ويأسنا في النهاية وكان لابد أن نتوقف في مكاننا في أقرب منطقة تسترنا من شدة هذه الرياح ودعونا ربنا أن يمر هذا اليوم بسلام دون أن نتجمد من البرد، وبعد حوالي ساعة وجدنا نور ينبعث من أعلى وبزاوية من مكان المغارة الصحيح فصعدنا فورًا في اتجاهه وعند اقترابنا سمع الزملاء صوتنا وفرحنا باللقاء الدافئ وعلمنا قيمة المغارة بعد أن أغلقنا الباب الصاج علينا.

استمر تتبعنا للأحداث السياسية وشعرنا بتحسن الأوضاع والأمل في الحل السياسي السريع في خلال شهر أو شهرين والإذاعات أحيانًا تبالغ في جو الود بين قواتنا والعدو وأن الأمور تسير على ما يرام وفي يوم سمعت راديو طهران يذيع نبأ إقامة مباراة كرة قدم بين الجانب الإسرائيلي والجانب المصري العسكري على الحدود، وطبعًا كان تأثير هذا الكلام سلبيًا على الجنود حيث كنا نحرم أنفسنا من كل شيء ونعيش حياة قاسية لا يتحملها أي بشر، وقوات العدو تلاعب قواتنا كرة القدم فلماذا هذا العذاب؟ ولماذا لا نسلم أنفسنا لعدونا ليوصلنا إلى أهلنا سالمين بعد هذه العلاقة الطيبة وكما يعمل مع جميع أسرانا حسب ما سمعنا من الإذاعات الأجنبية من قبل؟ ولكن كنت وعبد الحميد نتناول هذه الموضوعات من الناحية الفكاهية ونذكر بأن العدو إذا وقعنا في يديه سيدمر هؤلاء البدو المساكين الذين وقفوا معنا وقفة أبطال إلى أقصى مدى، هذا بالإضافة إلى كرامتنا التي لا تسمح بهذا مما جعلنا نتكبد هذا العناء.

وفي نهاية شهر ديسمبر وبعد المغرب مباشرة قام علي وصبحي بزيارتنا ومعهم بعض الدقيق وقطعة لحم ماعز صغيرة وهذا شيء بهيج أن نتذوق اللحم بعد هذه المدة الطويلة وسألنا عن السبب فقالوا أن عجوزً بالقرية قد أصابها المرض وعادتهم أن يذبحوا جدي بهذه المناسبة لتأكل منه السيدة فتشفى أو تتذوق اللحم قبل وفاتها وهو شيء من الفكاهة ودعونا للعجوز بطول العمر وسعدنا باللحم وتم سلقه ونحن حوله نشم رائحته بسعادة بالغة ومع أن قطعة اللحم صغيرة في حجمها عظيمة جدًا في مغزاها ودعونا عليًا وصبحي ليأكلوا معنا فقبلوا مشاركتنا ولم يأكلوا كثيرًا واكتفوا بالنظر إلينا ونحن نأكل بصورة غير متحضرة وبنهم شديد، وكانت مفاجأة لي عند نهاية الأكل وبعد وقت قصير أصابني إسهال شديد ولم تتحمل معدتي اللحم بعد حرمانها منه مدة طويلة وحزنت جدًا لفقداني هذا الغذاء الذي لا يأتي بسهولة.

بليت ملابسنا بمرور الوقت وأصبح لونها داكنًا ومجلدة من آثار العرق والمنجنيز والقذارة ولكن كانت رائحتها جيدة بسبب تعرضنا الدائم للشمس بالإضافة إلى عدم وجود أي ملابس داخلية أخرى غير الملابس الداخلية التي بدأت في التمزق، أخذت في التنسيل عند الركبة والكوع والمقعدة وخلعنا الجيوب لنرقع بها أماكن التمزيق وقرر البدو إحضار بعض الأفرولات لنا والتي تخص الأسرى المصريين، وفعلاً في زيارتهم التالية أحضروها وقمنا بفحصها لنعرف لمن تكون وبالفعل وجدنا أفرول يخص الشهيد البطل عادل عبد الفتاح نجم، الذي استشهد نتيجة اصطدامه بلغم بعد أن عاد من الأسر للوطن وكانت تربطني به صلة صداقة قديمة وكنت أحبه كثيرًا لما له من قدرات كبيرة وذكاء وخفة دم ورجولة وفرحت جدًا عندما علمت أنه ضمن الأسرى ومعنى ذلك أنه ما زال حيًا يرزق وسوف أداعبه بهذا الأفرول ضاحكًا إذا كتب الله لي النجاة بإذنه وحده، ولذلك لم ألبس الأفرول إلا في نهاية المدة وعند تحركي للعودة وقضيت المدة كلها بأفرول واحد، وكان مقاس عادل صغيرًا جدًا لأنه رفيع الجسم بشكل ملحوظ ووجدت أن أفروله جيد وعلى مقاسي لأن وزني نقص كثيرًا وزملائي جميعًا بصورة ملحوظة وخاصة عبد الحميد الذي كان ضخم الجسم فوضح عليه ضعف الجسم وكنت أداعبه دائمًا بقولي بأنه أصبح رشيقًا ويجب عليه المحافظة على هذه الرشاقة على قدر المستطاع وأصبح معجبًا بجسمه الهزيل، ومع هذا الهزال كنا نشعر بضعف شديد خاصة عند وقوفنا بعد الجلوس حيث كنا نشعر بدوار شديد وضعف عام.

وفي أثناء هذا الشهر أخبرنا البدو بتأخر وصول إمدادات الدقيق لهم وارتفاع الأسعار وكنا نطرح عليهم أفكارنا للحصول على طعام فكنا نسأل عن إمكانية الصيد بقوارب أو بالشباك ولكن علمنا أن العدو  ما زال يمنع الصيد منذ بداية الحرب، وسألنا عن إمكانية العمل في مغارات الفيروز لاستخراجه وبيعه ولكن البدو مانعوا ذلك بحجة أن ذلك قد يعرضنا للوشاية من قبل البدو وخاصة أن هناك عدة قبائل تعمل في استخراج الفيروز بالإضافة إلى سماعهم أنه تم القبض على أحد المصريين في هذه المنطقة، وكنا نفكر في العودة السريعة لتخفيف العبء على هؤلاء البدو ولكن الحالة الصحية لعبد الرؤوف وخوف البدو الشديد من وقوعنا في أيدي العدو مما يسبب لهم المشاكل الكبرى كان ذلك يجعلهم دائمًا حريصين على استبقائنا حتى تهدأ الأمور ويحين الوقت المناسب.

أحداث شهر يناير 1974م:

توطدت العلاقة بيننا وبين البدو كثيرًا وأصبح شعورنا نحوهم شعورًا أخويًا مصريًا حميمًا ويزداد إعجابنا بهم يومًا بعد يوم لبساطتهم في كل شيء وازدادت صراحتهم معنا وكانوا يأتون إلينا كلما سنحت لهم الفرصة وتمنوا لو تم اشتراكهم في معاونة قواتنا في بداية العمليات لأصبح تأثير قواتنا أكثر وأشد لما لهم من خبرة بالمنطقة ومعلومات عن العدو كان يمكن أن نحقق مبدأ أصب واهرب، ولكنهم كانوا غرباء في أرضهم لا يعلمون أي جانب سيضربهم بل كانوا يأمنون العدو أكثر لأنهم يعرفونه على الأقل.

كان علي يداعبني أنا وعبد الحميد أحيانًا ويقول هل تعلم أن العدو أكثر نفعًا لهم من المصريين وكنت أسأله حتى يسترسل لماذا؟ فيقول أن العدو قام بالتعمير ورصف الطرق وصيانتها، كما يقوم بتوزيع الغذاء والمياه عليهم كما أنه يجزل لهم العطاء عندما يعملون معه، بينما لم يفعل المصريين ذلك بل إنهم كانوا يعاملون كل من يعبر سيناء من البدو وكأنه مهرب مخدرات وكانت معاملتهم لنا كأننا غير مصريون معاملة مهينة غير إنسانية فأداعبه وأقول له إذن سوف تعود لكم المعاملة السيئة والمهينة فهنيئًا لكم، فيقول إنني مشتاق لها حيث أشعر بأنها من أخوة مسلمين مهما كانت ولكنها تكون قاسية جدًا على النفس أن أقبل أقل مهانة من العدو الذي كنا نشعر بها بمجرد وجوده على أرضنا.

كان أكثر البدو أسئلة وكلامًا وحماسًا الغلام عليان وكان خفيف الظل متحمسًا وأذكر أنه سألني يومًا عن نوع العربة التي أملكها فأجبته أنني لا أملك عربة وقال لي كيف ذلك والجندي اليهودي الذي يهاجر من روسيا يحصل على سيارة فولفو أو أي ماركة أخرى وكيف تكون نقيبًا وليس عندك سيارة فأبلغته أنه ليس لي حاجة لسيارة حيث المواصلات متوفرة كذلك هناك سيارة مخصصة لي في العمل (وطبعًا كان ذلك غير الواقع) وكنا نسأله عن العدو وقوته وتدريبه وكانت إجابته أنهم خائبون وأن البدو يفوزون عليهم في الكرة دائمًا وهذا يثير غيظهم وكانوا ثقلاء لا يجيدون الجري ومنهم أصحاب الأوزان الضخمة جدًا وكنا لا نعرف كيف قبلهم الجيش وكيف يحاربون وكنا نسخر منهم دائمًا، وكان عليان يحب سماع قصص البطولة وكيف حاربنا العدو وكان سعيدًا لذلك جدًا ومعجبًا بنا.

وأكلنا اللحم للمرة الثانية يوم العيد ولا أذكر أي يوم كان ولكن كان تأثيره هذه المرة أقل ثم أكلنا اللحم للمرة الثالثة عند وفاة العجوز وهي عادة عندهم عندما يموت أحد البدو، وأصبح خبز السيد محمد علي أفضل بكثير كذلك كنا نحاول التنويع في الأكل نغلي بعض الملوخية الناشفة وإضافة بعض الملح وفص ثوم وملعقة مسلى وكان ذلك غذاءً جيدًا لنا مع استخدام الفراشيح (الخبز) والشاي هو الحلو وطعمه جميل لدرجة كبيرة ونحرص على كل فتات خبز لقلة الطعام ولا نستطيع أن نفعل شيئًا غير الشكر لله ثم لهؤلاء البدو الذين شعروا باقتصادنا الشديد في الطعام وكثيرًا ما شجعونا على الأكل ولكننا خزنا كمية من الطعام لمواجهة ظروف طارئة وأحضروا لنا علب خضار مسلوق لنأكلها بمعدل علبة كل عشرة أو خمسة عشر يومًا ومع سوء طعمه كان غذاء نقتات به من حين إلى حين وكان أكثر الأكل فتة بالملح وإذا كانت هناك مناسبة سعيدة جدًا كنا نأكل الفتة وعليها بعض السكر.

لم يسقط المطر حتى الآن وشعرنا أنه لن يسقط هذا العام وكنا مؤمنين بقضاء الله وقدره ننتظر دائمًا على أمل وصول المطر، وخلال هذا الشهر أمطرت السماء قليلاً من المياه لم نستطع الاستفادة منها بجمعها ولكنها كانت مفيدة للزرع البري.

كنا نبحث عن جذور الأشجار الجافة لاستخدامها كوقود لإشعال النيران وكانت بدأت في الانتهاء من المنطقة حولنا فاضطررنا للتحرك إلى مسافات بعيدة لجمعها وأصبح كل منا يأخذ اتجاهًا بعد أن كنا نبحث عنها معًا وكنت قبل الغروب أصعد فوق الجبل وأتحرك لمسافة حوالي مائتي متر أو أكثر حتى أصل إلى خور أجلس على حافته أنظر إلى الخليج والشعلة المضاءة على الجانب الآخر من الخليج وأفكر وأتمنى أن نصل إلى الشاطئ الآخر، وكنا دائمًا نفكر كيف نصل إلى قواتنا هل نسبح أربعين كيلومترًا إلى الشاطئ الآخر من الخليج وكيف يكون ذلك وأنا أسبح أربعمائة متر بصعوبة هل نعود إلى داخل سيناء حتى نصل إلى شرم الشيخ ونعبر المسافة القليلة وهي خمسة كيلومترات تقريبًا ولكن كيف نصل إلى شرم الشيخ، هل نصل إلى إيلات ونتسلل برًا إلى الأردن أفكار كثيرة والإمكانيات غير متوفرة لتحقيقها.

علمنا من البدو أن هناك طائرة مصرية بالقرب من مدخل وادي فيران قد سقطت نتيجة اصطدامها بسلك الضغط الكهربائي العالي وأن أحد أفرادها استشهد وهو ممسكًا بالسلك وكذلك علمنا منهم بالطائرة التي غرست بالقرب من أبورديس وكيف قام العدو بتحريكها وأخذها من مكانها بعد عدة أيام، وعلمنا أيضًا بأن هناك مجموعات وأفراد تم أسرهم من وادي النقب وفي مغارات الفيروز.

كان على وزوجته فاطمة أكثر البدو قربًا لنا وكذلك أكثرهم تأثيرًا ولم يكن عندهم أولاد رغم زواجهم الذي مر عليه حوالي ثماني سنوات وهي ابنة عمته وحملت منه من قبل ويسقط الجنين قبل أن يكتمل أو يموت صغيرًا، وأخذنا ندع الله لهما دائمًا أن يرزقهما بطفل، وكان علي دائمًا يمازح فاطمة بأنه يبحث عن امرأة أخرى تلد له فتضحك بثقة وتقول له أسرع في البحث عن هذه الزوجة ونضحك كثيراً ونقول له إنك لن تجد مثل فاطمة أبداً وكان يعلم ذلك جيداً.

كانت فاطمة ضعيفة الجسم لا تأكل كثيراً تصحو مبكرة وكلها نشاط وتخرج لترعى الغنم طوال النهار وتجمع جذور الأشجار الجافة وتجمع الملح وتأتى بالماء وتعد الطعام لزوجها ووالده وأخيه وتربى بعض الدجاج وتقوم بأى أعمال يدوية مثل صناعة الخيام أو الملابس ثم النوم حتى الصباح الباكر- أما بالنسبة للرجال البدو فهم كسالى جداً يأكلون ويشربون وينتظرون زوجاتهم طوال اليوم- ويعملون فى المواسم وعندما يحتاجون للمال.

وفى نهاية هذا الشهر أبلغنا البدو استعدادهم للرحيل إلى إيلات للعمل هناك لكسب المال لمواجهة المعيشة الصعبة التي أصبحت بعد الحرب أسوأ ما يكون وقمت أنا وعبد الحميد بإبلاغ البدو بأننا سنقوم بالرحيل قبل رحيلهم ونطلب منهم إرشادنا لأول الطريق الصحيح وسنقوم نحن بمواصلة المشوار بإذن الله وظهر عليهم الانزعاج ورفضوا مغادرتنا المنطقة قبل عودتهم التي ستكون لمدة شهر بإذن الله أو أكثر قليلاً وأبلغونا أنه ما زالت الكمائن على الطرق وأنه لا داعي للمخاطرة وأن الطريق طويل وصعب ويجب معاونتهم لنا ويمكن أن يتم ذلك بعد تحركهم في الطريق وجمع الأخبار عنه مسبقا ولا يمكن أن يتم الآن لضيق الوقت وترددنا كثيراً وحاولنا أن نطمئنهم بأننا إذا لم يقدر الله لنا بالوصول للوطن سيكون موتنا مؤكداً لأننا لن نقبل الاستسلام بأي حال بعد كل ما حدث لنا وأنهم في جميع الأحوال في أمان ولكنهم أصروا على تأجيل رحيلنا حتى عودتهم وحتى تتضح الأمور ويتم شفاء عبد الرءوف الكامل وأبلغونا بأن الدقيق سيصلنا عن طريق الحريم والمياه سرعان ما تملأ المنطقة من المطر وستمر الأيام ويعودون ومعهم بعض المال يمكن به إصلاح العربة التي يملكونها (عربة جيب روسي قديمة) وقاموا بتوديعنا وداعاً حاراً وتمنينا لهم العودة سالمين وأوصونا أن نتوخى الحذر أثناء إحضار المياه من البئر والحركة بعيداً عن المنطقة ورحلوا وهم يبكون متأثرين.

أحداث شهر فبراير 1974م:

رحل أشقاؤنا البدو وأحسسنا بفراغ أكبر بفراقهم وكنا نتذكرهم بالخير دائما ونتمنى لهم التوفيق جزاءً لما قدموا لنا من معروف وتحملت نساؤهم مسئولية إحضار الدقيق والطعام بانتظام بمعدل مرة كل أسبوع أو عشرة أيام وكانوا يبلغوننا بأخبار رجالهم التي تصلهم من البدو زملائهم في العمل ويحضرن جميعا ويقضون بعض اليوم معنا ويرجعن. وفى مرة أحضرن لنا بيضاً من فراخهم وقمنا بقلي البيض في المسلى وأكلت يومها بيضة كاملة تقريباً ولم أشعر في حياتي بمثل هذا الطعم اللذيذ والرائع للبيض حتى أني كنت أشعر بأن الأكل وطعم البيض لا يمر على معدتي بل يصل إلى رأسي مباشرة وقد تخيلت أن نوع المسلى أو نوع البيض هو السبب ولكن كان الجوع وعدم وجود أي نوع من الغذاء هو السبب في إحساسي بهذا المذاق العجيب.

كانت البدويات يتمسكن بملابسهن البدوية صغاراً وكباراً وأسلوبهن البدوي في إخفاء وجوههن فيما عدا العينين وكنا نعرفهن من أعينهن وأطوالهن وكانت أم حميدة تدخن السجائر التي كان معظمها من الأعشاب البرية وكانت تدخن من خلف الحجاب أيضا وكانت مرحة ومتفائلة دائما ولم تعد ابنتها حميدة تخاف منا رغم مظهرنا الذي أصبح أسوأ كثيراً حيث طالت ذقوننا وأصبح شعرنا طويلاً وبليت الأفرولات واسودت وأيضا وجوهنا من أثر المنجنيز ومن لفحة الشمس نهاراً وضعفت أجسادنا ضعفا بالغاً.

كنا نتابع الموقف السياسي عن طريق الراديو وأحسسنا بأن طريق المفاوضات طويل وأن العدو يناور ولن يترك الأرض بسهولة ولولا شبح حرب أكتوبر وخوفه من تكراره لأصر على التمسك بالأرض، كما كنا نتابع الأغاني الوطنية الجديدة وكانت مشكلة حجارة الراديو مشكلة كبيرة حيث كان معظم الحجارة فارغة وكنا نبدلها بعد وضعها في الشمس ونقتصر على سماع نشرات الأخبار المصرية والعالمية وبعض الأغاني القليلة لرفع المعنويات، كذلك كان الكبريت الخاص بالإشعال مشكلة لعدم توفيره لأن الحطب يحتاج لأكثر من عود حتى يشتعل وقد حاولنا استخدام الطرق المبتكرة من استخدام عدسات النظارة المكبرة لتركيز ضوء الشمس على بعض الأعشاب ولكن لم تنجح هذه الطريقة لصعوبة استمرار بؤرة العدسة في مكان واحد بأيدينا المرتعشة ضعفاً.

كنا حتى ذلك الوقت نأتي بالمياه من الوادي بالجراكن وأصبح الطريق معروفاً لنا ولكنه ما زال شاقا ونتحرك فيه بحرية وثقة أكثر حتى كاد أن يرانا بدوياً يركب جملاً في أحد المرات لولا أن توارينا في اللحظة الأخيرة ليتوقف مصيرنا على مدى وطنية هذا الرجل إذا كان قد رآنا، وكنا نستغل نزولنا كل عدة مرات ونقوم بالاستحمام ليلاً في أحد أركان الوادي ونستخدم بقايا صابون غسيل تركه بعض البدو وهو قليل الرغوة لرداءة نوعه وملوحة المياه ولكنه يؤدى الغرض ونلبس نفس ملابسنا لعدم وجود غيرها وكانت مهلهلة ونعود أدراجنا في طريق شاق وعر يعرضنا للموت في أي وقت ولولا ستر الله وجلدنا فقد تعددت مرات سقوطنا ونحزن على فقد المياه التي تسقط منا ولا نهتم بكسر عظامنا التي أصبحت في قوة الصخر.

وفي مساء أحد الأيام بدأت الأمطار تهطل بغزارة بعد طول انتظار وفرحنا بذلك المطر ودعونا الله أن يستمر أطول فترة ممكنه ونخرج من الكهف أحيانا لنرى مدى أثره، وكان صوت خرير الماء واضحاً وأزداد الصوت لنسمع صوت السيول وصوت تحرك الصخور بفعل قوة السيل ولم نستطع الانتظار فخرجنا ومعنا الجراكن للخارج فور انتهاء المطر ووجدنا تجمعات المياه في كل مكان أسفل وأعلى الجبل وذهبنا لأقرب الأماكن وملأنا الجراكن وعدنا وفرغناها في البرميل حتى ملأنا البرميل وكل الجراكن وأي شيء يحتفظ بالمياه واغتسلنا وصلينا ونمنا نوماً عميقا، وكان مذاق المياه مذاقاً عذباً وأخذنا في التخيل بسرعة نمو نبات اليهج الذي سنأكله قريباً بعد أن بدأت بشائره تنبت في أماكن متفرقة من الجبل.

حتى ذلك الوقت حافظنا على الصلاة والصيام وقراءة القرآن ونفطر أحيانا في المناسبات وأكلنا لا يتعدى الوجبتين وجبه صباحاً ووجبه مساءاً وبينهما شاي وذلك في أيام الإفطار أو وجبة الإفطار مساءاً وبعدها شاي ثم السحور الذي يكون غالبًا شرب مياه، والنوم في أيام الصيام وكانت إجمالي كمية الخبز الذي نأكله جميعًا لا يتعدى كمية أكل فرد واحد في الظروف العادية بل أقل بالتأكيد ولم أشعر مرة واحدة بالشبع العادي أثناء هذه الفترة وبعد الأكل نتحسس أي فتات نأكله وكنا إذا زارنا البدو ومعهم أبناؤهم الصغار ننتظر بفارغ الصبر ترك أحد الصغار لقمة (لبة) بعد أن يشبع ونتقاسمها وكانت اللبة خبز يتم خبزه تحت الرمل الساخن بعد إشعال نار وإزاحة الرمل ووضع العجين داخل الرمل الساخن وهو خبز بدوى جميل الطعم ولكنه يتطلب كمية كبيرة من الدقيق وهو إسراف لم نكن نستطيع تحمله، وكان مظهر الماعز في تلك الفترة هزيلاً لقلة المرعى وعدم سقوط الأمطار وكثيراُ ما تمنينا بعض اللبن القليل.

وقبل نهاية شهر فبراير أمطرت السماء عدة مرات أخرى بعضها شديد وبعضها بسيط وبذلك أصبحنا لا ننزل إلى الوادي بعد أن توافرت المياه حولنا وأخذنا نتابع نمو اليهج ونبحث عن أطول أعشابه في المنطقة ونقطفها للأكل وكانت صغيرة جداً ولكنا جياعاً وفى نهاية الشهر توفر اليهج بكميات كبيرة فنافسنا الماعز في أكله وكان له طعم الجرجير لاذع المذاق ونأكل منه بقدر ما نستطيع ونحمد الله دائما على ما نحن فيه وندعو الله أن يمنح أهلنا الصبر وخاصة بعد أن تم فك اشتباك قوات الجيش الثالث مع عناصر العدو وبدأ تنظيم نزول الأجازات للضباط والجنود وسيكون ذلك آخر أمل للأهل في بقائنا أحياء.

وأخذنا نتذكر أهلنا وما فعلوه من أجلنا وكان عبد الحميد يحكى لي عن أبيه العمدة الصعيدي وإخوته والعادات والتقاليد الصعيدية وكان آخر موقف أنه أحضر تليفزيون هدية لأبيه من ليبيا أثناء تواجدنا هناك قبل الحرب وكذلك بعض الهدايا وبعض أطقم الملابس الصوف الداخلية لوالده وكيف سعد عندما سمع والدته تنقل له إعجاب والده به لإحضاره تلك الأشياء ورضاه عنه وتذكرت ما أحضرته من الكماليات للمنزل عندنا وهدايا لجميع إخوتي وكنت أعاون والدي اعترافا بجميله علي هو ووالدتي ولم أفكر في نفسي كما كان ينصحني الكثير بتوفير شيء لي لأنني شببت ووجدت أبى يكافح بشرف وكد حتى يوفر لنا معيشة كريمة شريفه والأعباء تزداد عليه مع نمونا ودخولنا المدارس في مراحل التعليم المختلفة فكان يتفانى في عمله أملاً في أن يحقق الله له البركة وكان الله يوفقه دائما لأنه يعمل بنشاط وحيوية ووطنية بارزة فرشحه رؤساؤه للأعمال الصعبة والمهام الخاصة ورشح للسفر للخارج بتشيكوسلوفاكيا للدراسة لمدة سبعة أشهر وزار كل من الجزائر وروسيا في مهام خاصة سريعة لمدد بسيطة وكنا نشفق عليه والجميع ينصحه بأن يعمل كما يعمل الجميع بالطرق الروتينية ولكنه كان يحب أن يتميز عن الجميع وكنت أحكى لعبد الحميد بأنني قبل الحرب قضيت أسعد أيام حياتي حيث أكلت جميع أنواع الفاكهة وأنواع الأطعمة احتفالا بي بعد عودتي من ليبيا ونجحت أختين لي في الثانوية العامة ودخلتا الجامعة وجميع إخوتي نجحوا والحمد لله، وكأن الله أراد أن يهبني كل ما تمنيت قبل أن أموت (كما كان شعورنا معظم الوقت) وكنا نضحك أحياناً رغم كل الظروف الصعبة وعدم وجود أي أمل لنا في انسحاب للقوات والعودة كما كنا أحياناً نتكلم عن الزواج وأخذ عبد الحميد يتحدث عن بعض من كان يفكر بالزواج منهن وأسباب عدم تقدمه للزواج منهن بأسباب تتعلق بالعادات والتقاليد الخاصة بأهلهن والتي لا تتناسب مع طباعه وأهله، وهذا شيء غير مرغوب في قرى صعيد مصر وكنا نعرف بعض جيداً ولكن لم يكن أحد باح للآخر بأسراره الخاصة جداً إلا في هذه المنطقة ورويت له أيضا عن عدم تفكيري في الزواج بسبب قراري للوقوف بجانب والدي متحملاً بعض أعباء المعيشة حتى تتزوج بعض أخواتي البنات وبذلك يمكن التفكير في الزواج، ولكن حفاظاً على أنفسنا إذا أراد الله لنا العودة سوف أفكر في الزواج إن شاء الله، وذلك بعد إتمام زواج الأختين المخطوبتين حيث كان في ذلك الوقت قد خطبت إحدى أخواتي والأخرى تمت قراءة الفاتحة لها.

انتهى شهر فبراير وتابعنا خلاله حفل توزيع الأنواط والنياشين وسماع أسماء المكرمين الأبطال لعلنا نسمع أسماء نعرفها وبالفعل سمعنا أسماء بعض من نعرفهم وكنا نتخيل أن يكون الحل وانسحاب العدو بعد الاحتفال وتعود الأوضاع كما كانت وحتى ذلك الحين لم يفكر أحد منا إلا في العودة سالماً إلى أهله وهو أعظم تكريم من الله سبحانه وتعالى.

أصبح منظر الجبل في نهاية شهر فبراير مائلاً للخضرة وانتشرت المياه في كل مكان وكانت حفر المياه في الأماكن المرتفعة تتبخر أولاً ثم تجمعات المياه في أماكن أكبر وهكذا حتى تنتهي في تجمعات مياه كبيره قرب الوادي وكانت كلما نفذت المياه تأتى الأمطار من جديد وتمتلئ ويرتوي الزرع، وظهرت خلال هذه الفترة أعشاب طويلة بالوادي كانت جافة جداً وأصبحت خضراء ولها رائحة الشيح وبناء على نصيحة أحد البدو قمنا بجمعها وصعدنا بها الجبل واستخدمناها كمراتب للنوم عليها وكانت عالية في بداية الأمر ثم تهبط شيئًا فشيئًا وكنا نجمع المزيد لوضعه عليها لنشعر بالراحة أثناء النوم وكانت فكرة جميلة سعدنا لاكتشافها رغم وجودها من فترة طويلة وشعرنا بنوم هادئ جميل على هذه المراتب رغم وجود بعض الأشواك الصغيرة بها ولكنها كانت أكثر راحة من أرض المغارة ذات الصخور البارزة.

وفي أحد المرات التي كنا نجمع فيها العشب وأثناء جمعنا له تقابلنا مع سيدة ترعى الغنم وتعرفنا عليها وهي زوجة محمد أخو علي والتي زارتنا مرة واحدة فقط قبل ذلك وبعد لحظات حضرت ستيت الشقيقة الكبرى لحميدة وقد انتهزنا هذه الفرصة لشكرهم على كل ما يفعلونه من أجلنا.

أحداث شهر مارس 1974م:

مرت الأحداث على ما يرام وبشكل روتيني وبدأ شعورنا بالضيق ورغبتنا في العودة للأهل وخاصة بعد أن أتم الله شفاء عبد الرءوف وأصبح يتحرك ويحضر الماء معنا مثلنا تماماً وكان تحركنا في المنطقة أعطى لنا الثقة في التحرك، وبدأنا نسأل السيدات متى يعود علي وأصحابه؟

أصبح اخضرار الأعشاب التي كنا نستخدمها للوقود مشكلة تواجهنا وتأخذ وقتاً ومجهوداً كبيرا للبحث عن أعشاب جافة واضطررنا للدخول لمنجم المنجنيز المجاور لإحضار بعض عروق الخشب لاستخدامه في إشعال النار مع تقديرنا لخطورة سقوط المنجم علينا وخطورة أن نضل الطريق داخل المغارات المنشقة والمتشابهة في الظلام الحالك في سبيل الحصول على العروق الخشبية (وفي أول زيارة لي لهذا المكان بعد تسلم مصر أراضي سيناء وجدت المكان كما هو إلا المغارة المجاورة من التي كنا نعيش فيها قد هدمت وأغلق مدخلها فحمدت الله أن ذلك حدث بعد أن تركنا المكان).

وكانت دائما تراودنا أفكار عديدة للعودة كيف نعود وبأي طريق؟ هل نعود عن طريق دولة السعودية والأردن بعد عبور سيناء للشرق أم نتجه شمالاً حتى نصل إلى عيون موسى، وكان طريق الشمال محفوفاً بالمخاطر فالعدو في كل مكان في طريق التقدم ثم العدو وقواتنا في منطقة عيون موسى وكذلك البوليس الدولي في المنطقة الفاصلة، وكذلك طريق الشرق كان مجهولاً لنا وصعبا لكن البدو يمكنهم مساعدتنا إذا تحركنا في هذا الاتجاه ولكن ماذا سنفعل في الخليج؟ وهل نعبر عن طريق إيلات متسللين؟ ومدى خطورة ذلك؟ وماذا لو تمكن العدو منا بعد كل هذه المدة، كان الجواب واضحاً أنه لن يتمكن العدو منا إلا شهداء.

وكان شهر مارس حاراً وبدأت المياه تجف في المناطق العليا من الجبل فتنزل كل فترة لتعويض المياه ورأينا أحيانا ديدان في بقايا الماء المتجمع واستخدمناها في الشرب بعد إزاحة تلك الديدان وتعودنا على ذلك لأننا مضطرين ولم يشكل لنا أي مشكلة أمام توفير الجهد واستغلال أي تجمع مياه في المنطقة كما بدأ نبات اليهج يتحول إلى نبات به أشواك وطعم غير مستساغ ومع ذلك أكلنا وأصبح الدقيق هو غذاؤنا الرئيسي سواء بالملح في كثير من الأحيان وعلى شكل فتة أو بالسكر أحياناً قليلة في المناسبات.

وتمكن الهزال والضعف منا وأصبحنا نشبه الهياكل العظمية ووضح ذلك من ملابسنا المهلهلة ووجوهنا الشاحبة وكنا نرى وجوهنا على صفحات المياه أثناء ملء الجراكن أو في البرميل داخل المغارة، وأصبح شعر رؤوسنا طويلاُ جدًا وطالت لحانا جداً فطلبنا من البدو مقصاً وقمنا بتهذيب شعورنا وذقوننا بطريقة عشوائية لعدم معرفتنا أصول الحلاقة ولكن شيء خير من لا شيء.

وكان السيد علي مقتضبًا أحيانًا ساهمًا معظم الوقت يفكر في عروسه وقريبته وكذلك كان الجندي محمد عبد الرحمن والذي كان مكتئبًا أحيانًا ومرتفع المعنويات أحيانًا أخرى، أما عبد الرؤوف جمعة فكان دائمًا مبتسمًا ابتسامة الرضا بقضاء الله وقدره خجولاً عند المزاح جادًا عند الشدة، وكان دورنا أنا وعبد الحميد المحافظة على الروح المعنوية لهم ولنا، بحكايات الذكريات العائلية وذكريات الكتيبة وذكر الأصدقاء وكنا نضحك كثيرًا من قلوبنا راضين، ولو أنا هناك من يشاهد بؤسنا وجوعنا وبردنا ومعاناتنا مع الطبيعة لظن أن الجنون قد مسنا.

حافظنا على نظافتنا الشخصية قدر الإمكان كما حافظنا على نظافة سلاحنا لشعورنا بأهمية استخدام ذلك السلاح في الوقت المناسب، وكنا قد جمعنا بعض القنابل اليدوية والطلقات ونقوم بتنظيفها كل فترة كما كنا نحافظ على الصلاة والصوم ولم تنقطع دعواتنا إلى الله بأن يحقق أمنيتنا في الوصول لأهلنا سالمين، وكان ذلك أقصى أمنية لنا أن نصل سالمين ونأكل ما نحبه وما حرمنا منه وننام في أمان ولم يتجاوز تفكيرنا أبعد من ذلك وكان شاغلنا الحقيقي هو موقف أهلنا الآن بعد هذا الوقت وكان الأمل في العودة يراودنا دائما مع تأكدنا من قدراتنا على مواجهة الصعاب بعون الله ثم بإرادتنا الحديدية.

علمنا من البدو في بداية الأمر بوجود مركب تتحرك بين ضفتي قناة السويس منذ حرب
يونيو 67 إلى الآن لنقل بدو سيناء إلى ذويهم في مصر والعكس وذلك بتصاريح من مخابرات الجانبين وكان العدو يستغل هؤلاء البدو في الحصول على المعلومات منهم بالصفة الودية أو الغير ودية حتى امتنع الكثير منهم من السفر إلى مصر لما يلاقونه من عذاب بسبب هذه الزيارة ومنهم علي بركات بالرغم من وجود عمته وأم زوجته فاطمة وكذلك أخت فاطمة وعمه بالسويس والذي هاجر إلى القاهرة بعد ضرب السويس وغيرهم من الأقارب، وكنا على أمل أن تستمر تلك الرحلات حتى يمكننا إرسال ما يطمئن أهلنا وطبعاً ليس خطاباً أو ما شابه ذلك لأن العدو يقوم بتفتيش المسافرين تفتيشاً دقيقاً.

وفي نهاية هذا الشهر وصل الإخوة البدو من إيلات وقاموا جميعا بزيارتنا وأحسسنا بفرق كبير حيث ازدادوا وزناً وارتدوا الملابس الجديدة وظهر عليهم البهجة والسرور، وسعدنا بلقائهم وسعدوا هم كذلك، وقصوا علينا ما حدث وما رأوا خلال زياراتهم والأعمال التي مارسوها وهى أعمال يدوية بسيطة ولكن كان العدو يجزل لهم العطاء بالنسبة لحالتهم وهو يستفيد منهم تماماً لأن مرتباتهم قليلة جداً بالقياس لمرتبات الإسرائيليين في نفس العمل، وأحضروا معهم بطاريات جديدة للراديو وبعض أنواع الحلوى والفاكهة بالإضافة إلى الدقيق وعلبة سمن، وبالطبع قضينا وقتاً سعيداً وكانوا سعداء بأننا ما زلنا بخير وأن الأمور تسير على ما يرام وطبعا كان ملحوظا لهم ضعف أجسامنا ونحافتنا وسوء حال ملابسنا وعاتبونا بأننا لا نأكل جيداً وأننا نقسوا على أنفسنا وعلينا أن نأكل الموجود والله عليه الرزق وشكرنا لهم مودتهم وأبلغناهم أننا والحمد لله بخير ونأكل ولا ينقصنا شيء غير الرحيل، وحاولوا إقناعنا أن نؤجل هذه الفكرة حتى يتم الحل السلمي الذي يقال أنه قريب على حد قول العدو في كل مكان بإسرائيل وهو أفضل لنا ولكم ولكن عندما وجدوا إصرارنا قالوا إن ذلك الأمر يحتاج إلى دراسة وتجهيز وسيتم المناقشة فيه خلال الزيارة القادمة ويكونوا قد قاموا بمعرفة موقف العدو حولهم في المنطقة لأنهم بعيدون عن المنطقة منذ فترة.

وخلال زيارتهم الثانية أبلغونا بأنهم لن يستطيعوا التحرك معنا خلال رحلة العودة التي تصل مسافتها حوالي مائتي كيلو متر وهي رحلة طويلة ومحتمل أن نقع في كمين للعدو أو تعثر علينا دورية أو يرانا أحد العملاء فيبلغ عنا، وأفهمناهم أننا لا نريدهم معنا ولكننا نريد أول الطريق الصحيح وسنحاول نحن العودة وربنا يوفقنا وأنه إذا حدث لنا أي مكروه فلن نمكن العدو من أسرنا فسوف نقاومه حتى الموت الذي لم نعد نخشاه وكذلك لن نبيح بسرهم مطلقا حتى بعد وصولنا إلى مصر خوفاً من تسرب أي معلومات للعدو عنهم ولن نبلغ بأسمائهم أو مكانهم لأي جهة مصرية حتى يتم الجلاء الكامل، وشعرنا بالقلق من عيونهم وقدرنا كيف يحس هؤلاء المساكين بالرعب من العدو في الظروف العادية فما بالك لو علم العدو أنهم يعاونون عناصر صاعقة بالمنطقة وهناك شيء هام بالنسبة لنا وبالنسبة لي شخصياً في هذه الزيارة حيث أبلغني أحد البدو نقلاً عن مجموعة بدو أخرى كان يستخدمها قوات الصليب الأحمر الدولية والبوليس الدولي والقوات المسلحة المصرية والقوات الإسرائيلية في البحث عن الجثث في مناطق القتال وقد تشكلت اللجان من العناصر المقاتلة لكلا الطرفين وتم البحث عن الجثث وأن العدو نقل كل جثث ضحاياه في جنوب سيناء بعد القتال مباشرة وسمع أحد البدو حديثا بين جنديين إسرائيليين في منطقة جبل وتر التي تمت فيها معركتي مع العدو، بوجود قتلى إسرائيليين قتلهم المصريون بعد معركة قاتل فيها المصريين بشراسة غير متوقعة، وسعدت سعادة بالغة لسماعي هذه الشهادة من العدو وسعد كل رفاقي وشعرنا بالفخر أمام البدو الذين كانوا يشعرون بالسعادة بترديد هذا الكلام بينهم وشعرنا بمدى سعادتهم عند إصابة العدو بأية خسائر.

وأمام إلحاحنا على الرحيل طلب البدو إعطائهم الفرصة للإعداد لذلك واختيار الوقت المناسب وإصلاح عربتهم الجيب الروسي القديمة لتوصيلنا بها ليلاً لأطول مسافة ممكنه حيث التحرك بها ليلاً أقل خطورة ويكونون أيضاً تحركوا في المنطقة عدة مرات لاختيار طريق أمثل سواء بالعربة أو على الأقدام طبقا لمناطق نقط تفتيش العدو على الطريق، وكنا نسألهم عن الطريق وطبيعته ومناطق تواجد العدو فكانت إجاباتهم غير واضحة وغير مؤكدة لعدم تحركهم في ذلك الطريق منذ زمن بعيد كذلك لتحركهم بالعربات من تلك المناطق وعدم اهتمامهم بأماكن العدو بالإضافة إلى أن هناك تغييراً كبيراً بعد الحرب وأصبح للعدو مناطق تواجد غير مرئية للمتحركين على الطرق بالعربات.

وظللنا نتابع الموقف السياسي وبدأنا في إعداد أنفسنا معنوياً لرحلة العودة وحاول البدو إقصاءنا عن فكرة العودة في هذا الوقت فرددنا عليهم بأننا الآن لا نجد سببًا لعدم الرحيل وسنعود بإذن الله إلى أهلنا قبل أن يحدث لهم أي مكروه بسببنا، وقمنا بقص شعرنا وازداد معدل الأكل قليلاً وكنا نحلم بعودتنا جميعًا سالمين وكنا نفكر إذا قامت مجموعة من العدو باعتراضنا وكيف سيتم مباغتتهم وضربهم بإصرار حيث لا مفر لنا إلا القتال حتى الموت وهو أصعب أنواع القتال الذي يصعب أن يواجهه أي عدو وكنا على ثقة بالله سبحانه وتعالى ثم أنفسنا ولكن كنا نفكر أحيانًا في الموت الذي هو قريب منا واستمرت صلاتنا ودعواتنا للعودة سالمين، وأصبحنا في انتظار إشارة البدو ببدء رحلة العودة.

وقام البدو بزياراتنا مرة أو اثنتين وكانوا يقولون أن الوقت ليس مناسبًا وقريبًا سيتم التنفيذ بإذن الله، وأثناء وجود عبد الحميد فوق الجبل لإحضار بعض الأعشاب سمعنا صوت طائرة هليكوبتر تحلق على ارتفاع منخفض جدًا وحلقت فوق المغارة وخشينا أن يكونوا قد رأوا عبد الحميد وخاصة أن الجبل مكشوف من قمته التي تشبه المطار المستوي وعاد عبد الحميد يلهث ويقول أن الطائرة كانت قريبة منه جدًا ولكن الحمد لله فقد استغل العشب الكثير الذي كان يحمله معه واختفى أسفله ومرت الطائرة دون أن تراه، وقلقنا بعدها ليوم أو يومين وأعددنا أنفسنا للقتال لو هاجمنا العدو في هذه المنطقة، وانتهى شهر مارس وكنا مستعدين ومنتظرين إشارة البدو.

أحداث شهر أبريل 1974م:

في بداية شهر أبريل قام البدو بزيارتنا وأبلغونا بأن المعلومات التي جمعوها قليلة عن الطريق وأن الموقف غير واضح لهم وأن هناك أقوال متضاربة عن تواجد العدو في أماكن عديدة حاولوا توضيحها لنا ولكن كان ذلك يعتبر شيئًا خياليًا حيث يتكلمون عن أماكن وأسماء لا نعلم عنها شيئًا وأبلغونا أنهم ما يزالوا يحاولون إصلاح عربتهم الجيب، وبدأت كميات الدقيق تزداد مع زياراتهم وكثرت الزيارات وبدا لنا أن الوداع قريب، وأصبح الحديث مع البدو يدور عن المستقبل والتفاؤل ودائما نقول بإذن الله إذا أراد الله لنا السلامة سوف نراكم ونزوركم فقد أصبحتم أهلنا الآن وكانوا خائفين علينا وحاولوا مرارًا أن يبعدونا عن فكرة العودة في هذا الوقت ولكننا كنا مُصِرِّين على تنفيذها مهما كانت النتائج.

وفي أحد هذه الزيارات أحضروا لنا أمواس الحلاقة فقمنا بحلاقة ذقوننا التي أصبحت مخيفة وملفتة للنظر وحلقنا رؤوسنا كما أحضروا قطعة صابون للاستحمام وبعض الصنادل حيث بليت أحذيتنا عدا حذاء عبد الحميد الذي أحضره من ليبيا وكان أمريكي الصنع قويًا لم يتمزق ولم تنقطع خياطته طوال مدة بقاؤنا وكان مصدر إعجابنا وهو من الدروس المستفادة وكذلك الأفرول الأمريكي الخاص بالعمليات وبدأنا بمراجعة كل شيء وإعداده فقمنا بتنظيف السلاح والذخيرة وقياس الملابس التي أعددناها لهذه المناسبة وتنظيفها من التراب، وكانت المياه قد قلت في المنطقة القريبة وبدأنا ننزل لها في الأماكن السفلى رغم تخيلنا أن هذه التجمعات التي كانت تشبه حمام السباحة الصغير سوف تبقى مدة طويلة ولكنها جفت سريعًا من تأثير حرارة الجو التي بدأت في الارتفاع خاصة نهارًا.

حضر علي وأصحابه وأبلغونا بالاستعداد فقد تم إصلاح العربة وأنه سيتم التحرك خلال يومين أو ثلاثة إن شاء الله، وبالفعل قمنا ثاني يوم بالنزول إلى بركة مياه كبيرة وحلقنا ذقوننا وصعدنا إلى المغارة وقمنا بخبز كمية الدقيق الموجودة معنا وكثر معدل أكلنا حتى تتحسن صحتنا ونستطيع التحرك في رحلة العودة ولكننا لم نشعر بالشبع وكنا نحلم وكلنا أمل بتحقيق أمنية الوصول بسلام جميعًا ولم نحاول التفكير في المخاطر التي يمكن أن تواجهنا والتي كنا نعلم أننا مقبلون على مجهول.

اليوم الأول للتحرك في طريق العودة:

استيقظنا مبكرين في اليوم الأول الذي حددناه للتحرك في طريق العودة وكلنا عزم وتصميم على هذا القرار رغم علمنا بكل المشاق والمخاطر واحتمالات النجاح والفشل التي تحيط بهذا القرار.

وقد وصل الأخ علي بركات حوالي الساعة التاسعة وسألنا هل أنتم مصرون على الرحيل فضحكنا وأبلغناه عن قرارنا فقال عليكم بالاستعداد للرحيل فورًا، وفي دقائق قليلة كنا نحمل سلاحنا والخبز وجميع جراكن المياه وصلينا ودعونا الله بالتوفيق ونظرنا نظرة وداع للمكان وقرأنا الفاتحة ونزلنا مع علي إلى الوادي عند أحد الأماكن التي بها "مَسْك" مياه لم نتخيل وجودها حتى الآن، وكان هذا المسك – كما يطلق عليه البدو وهي كلمة من المَسْك والاحتفاظ بالمياه داخلها- في طريق وعر جدًا لم نسلكه من قبل، وفوجئنا بحجم المياه وجمال المنظر حولها وتخيلنا أنفسنا نقفز في هذه البحيرة الصغيرة للسباحة واللهو ولكن الوقت كان غير مناسبًا بالطبع، ووجدنا فاطمة بانتظارنا ومعها الجدي( زبيدة)، الذي ولد أول يوم وصولنا إلى المغارة وكان قد كبر ومع فاطمة صفيحة مياه فارغة نظيفة، وطلب منا علي أن نستريح وقام بذبح الجدي وأشعلت فاطمة النار وتم سلق الجدي وإعداد لبة خبز وقمنا بأكل الجدي الصغير الذي كان علي بركات قد وهبه لأهل الله الغلابة وقد كانت لفتة جميلة منه، وبعد شرب الشاي ودعنا وحدد لنا مكان اللقاء في نهاية هذا الوادي قبل الغروب وكان النزول صعبًا للغاية بصورة لم نكن نتخيلها وقدرنا مدى معاناة هؤلاء البدو للحضور إلينا ومعهم الدقيق كل هذه المسافة حتى أننا أشفقنا عليهم ولو نعرف المجهود الكبير الذي تحملته نساؤهم لإحضار الطعام لنا لنزلنا نحن لإحضاره، وعرفنا لماذا كانوا يحضرون كميات صغيرة من الدقيق حتى يستطيعون حملها وإحضارها كل هذه المسافة الطويلة الصعبة الشاقة في التحرك الذي يشبه المستحيل.

وواصلنا التحرك حتى وصلنا إلى مدخل الوادي في الوقت المحدد ووجدنا علي ينتظرنا وسعدنا لرؤياه وكان معه أخوه محمد بركات يقود العربة الجيب وتحركنا وكان الليل قد خيم على منطقة خيامهم والتي ظهرت من بعيد وتحركنا لنتفاداها وأثناء التحرك روى لنا علي أنه أخبر والده الشيخ بركات بمعاونته وإخفائه لمجموعة من الجنود المصريين وقال لنا أن والده نهره وغضب منه واعتقدنا أن سبب غضب والده تحمله للمخاطرة وأنه ما كان يجب أن يفعل ذلك، ولكنه تعجب وقال نهره لأنه لم يبلغه حتى يستطيع مشاركته ومساعدته في معاونتنا بخبرته الطويلة بالأماكن التي يستطيع أن يخبئنا بها وبالطرق التي تصلح للسير وأشياء أخرى كان يود الشيخ العجوز القيام بها لمعاونة الجنود المصريين ضد أعداء الوطن وأعداء الدين، وعلمنا من علي أن والده أخبره عن الموعد المناسب للتحرك وأن الفرصة مواتية هذه الأيام لأن العدو يحتفل هذه الأيام بأحد أعيادهم كما أوصاه بالتحرك ليلاً.

وكنا نحن الخمسة نركب العربة ومعنا الماء والفراشيح والسلاح مخفي ولكنه جاهز للاستخدام في أي لحظة، ودارت العربة وتحركت من داخل الوادي إلى خارجه وكان الليل قد خيم ولا شيء حولنا إلا الجبال العالية وكأنه ليس لهذا الوادي مخرج، وأكدنا لعلي أننا لن نكون صيدًا سهلاً للعدو وأنه لابد أن يطمئن على نفسه وعلي عشيرته من أي مكروه لأن العدو لن يصل إلينا أحياء وكان علي ينزعج لذلك ويقول: ولماذا كل هذا ارجعوا معنا ولا داعي للمجازفة وكنا نضحك لأن ذلك أصبح مستحيلاً.

كانت معنوياتنا جميعًا عالية ومتفائلين رغم القلق الداخلي على مصيرنا المجهول ولكننا كنا مصممين أن نصل أو لا نصل جميعًا، وكنا متحمسين جدًا وأخذت العربة تتحرك ببطء داخل الوادي لوعورة الطريق حتى بدأت في الوصول إلى أول الإسفلت في بداية الوادي وتذكرت وقت دخولي لهذا الوادي وظهرت أضواء مدينة أبورديس ومررنا على المنطقة التي دخلتها، وأشرت إليها وشرحت للزملاء كيف دخلت الوادي، وتركنا الجبل وبدأنا نتحرك في أرض مفتوحة نسبيًا وحولنا صخور كبيرة جبلية (طرش جبل) وكان كل شيء هادئًا، وقطعنا حوالي أربعة كيلومترات حتى وصلنا لمدق مخفي وكان كل كيلومتر نتجاوزه بالعربة نشعر بسعادة بالغة لأن ذلك سيوفر جهدًا كبيرًا علينا وأصبحنا متفائلين جدًا، وعبرنا ممرات جبلية مخفية لا يعرفها إلا البدو، وتجاوزنا أخطر المناطق صعوبة وهو كمين أبوزنيمة والذي كان يتخذه العدو كموقع مثالي لتنفيذ الكمائن والسيطرة على التحركات على الطريق الساحلي، ولكن البدو بطريقهم المخفي والموازي لهذا الطريق استطاعوا المناورة وقطع الطريق ولكنهم كانوا لا يعلمون أماكن العدو بعد ذلك، وكانوا خائفين من هذه المنطقة ويتحركون بحذر حتى اجتزنا هذا المكان ودخلنا في منطقة جبلية أخرى ضيقة وتصلح للكمائن والسكون يخيم على المنطقة ولم نر عربة واحدة تتحرك بسبب قلة حركة عربات البدو في هذا التوقيت وكذلك وجود العدو في أيام أعياد ولا يتحرك فيها كعادته إلا للضرورة القصوى.

كنا بملابسنا العسكرية دون رتب وسرنا حتى تركنا تلك المنطقة الجبلية وقطع محمد بنا حوالي من عشرة إلى خمسة عشر كيلومترًا وبدأ يتكلم مع علي بأن هذه هي المنطقة التي لا يمكن التحرك بعدها وطلب علي منه أن يتحرك قليلاً ففعل ثم تناقشا ثانيًا واقتنع علي بأن هذه آخر نقطة لا يمكن التحرك بعدها ووقفت العربة وترجلنا وحملنا أحمالنا وقمنا بوداع الأصدقاء وتمنوا لنا السلامة ووعدناهم بأننا لن نروي أي شيء عنهم حتى يتم تحرير الأرض وذلك خوفًا من أن يصل ذلك لعملاء العدو، وتحركوا عائدين وتحركنا على الطريق الإسفلت الذي قطع الطريق (المدق) الذي سلكناه، كنت أنا وعبد الحميد في المقدمة والباقي في الخلف وكنا نسرع الخطوات ولكن دون أي صوت وبعد تحرك لمدة ساعة وجدنا أنفسنا نمر بمنطقة وادي كثيف الشجر ويبدو أن المنطقة بها سكان وتحركنا بحذر لأن المكان يصلح لعمل الكمائن إلى أن لاحظنا شيئًا أمامنا وتوقفنا فجأة وأخذنا استعدادنا ولكن لم يكن هناك شيء إلا الأشجار الكثيفة التي لم نتعود عليها وبدأنا في الالتفاف والتحرك حتى وجدنا جدارًا وقد تخيلنا أن هناك أشخاص خلفه ولكن لم نجد شيئًا ووجدنا المنطقة خالية، أو أن هناك من يعيش بها ولا نراه لأن مثل هذا المكان لابد من أن أحد يعيش به حيث الأشجار الكثيفة والتي تدل على وجود مصدر مياه دائم، وواصلنا السير مسرعين رغم أحمالنا الثقيلة ولم نعبأ بشيء لأن المكان كله أشجار وبعض المباني المهدمة ولو تحركنا بحذر لن نتقدم بضع مئات الأمتار فتوكلنا على الله وأسرعنا الخطى دون إحداث أي صوت ومتيقظين لأي حركة، وكنا نعتقد أننا سنصل خلال أيام قليلة لو استمر تقدمنا بهذا المعدل والطريق أمامنا لا ينتهي وقبل أول ضوء وجدنا أنفسنا في منطقة فسيحة مكشوفة يصعب الاختفاء بها إذا فاجأتنا أي عربة في الصباح وقمنا بتغيير مسارنا في اتجاه موازي للطريق وبعيدًا عنه وكانت الأرض مفتوحة بصفة عامة وتحركنا بعيدًا عن الطريق حتى وصلنا لتبة من الأرض بها بعض الخيران الصغيرة وكنا نشعر بالإجهاد وحاجتنا لأخذ قسط من الراحة وكان هذا المكان يصلح للراحة وإخفائنا حتى اليوم الثاني.

اليوم الثاني للتحرك في طريق العودة:

استيقظنا حوالي الساعة الثانية ظهرًا وقد استعدنا نشاطنا وبعد تناول وجبة خفيفة وشرب الشاي بدأنا في مراقبة الطريق من على بعد وكان على الطريق تحركات محدودة لعربات العدو وحددنا اتجاه الطريق لنسير بموازاته ولم يكن الخليج قد ظهر بعد وقررنا استكمال نهار هذا اليوم في الراحة لنكون جاهزين للتحرك مع آخر ضوء.

وقبل الغروب وبعد تناولنا الطعام حملنا أمتعتنا وبدأنا التحرك في اتجاه السير الذي كنا قد حددناه نهارًا وكانت حركتنا أبطأ من ليلة أمس كذلك كانت الأرض وعرة أحيانًا ورخوة أحيانًا أخرى حتى خيم الليل علينا وأثناء تحركنا ظهرت أمامنا أنوار فجأة وبدأت تقترب وانبطحنا أرضًا واستعدينا للقتال وكانت الأنوار سريعة، كيف ظهرت هذه العربات فجأة هكذا؟ ثم وجدنا العربات تتحرك في اتجاه آخر واكتشفنا أننا قربنا جدًا من الطريق الذي ينحرف بشدة قبل أن يصل إلينا ولكننا لم نشعر بذلك إلا بمرور العربات من خلف بعض التباب أمامنا وبدأنا في التحرك بعيدًا عن الطريق وتابعنا التحرك حتى وصلنا إلى منطقة مكسرة من الأرض واكتشفنا وجود بعض الخيام في المنطقة وكان الوقت ليلاً متأخرًا والتعب قد حل علينا بالرغم أننا لم نتحرك مسافة طويلة كما كان ينبغي فقمنا بالمبيت في المنطقة على أمل أن نقوم بتعويض المياه التي فقدناها وكنا نستهلك كمية مياه كثيرة نظرًا لمجهود التحرك سيرًا على الأقدام في أراض يصعب السير بها وقد أحسسنا بالإجهاد والتعب ووجدنا أحد الخيران بالمنطقة والتي تصلح للمبيت وقررنا المبيت بها.

اليوم الثالث للتحرك في طريق العودة:

استيقظنا صباحًا على صوت البدو وحركتهم وكنا قد قررنا أن نمكث في أماكننا حتى ينتصف النهار ثم نأخذ ما نحتاجه من المياه والطعام منهم ونواصل التحرك حتى لا يستطيعون الإبلاغ عنا وإذا أبلغوا نكون قد تركنا المكان وتحركنا ليلاً، وكنا نحتاج البدو أيضًا لتصحيح تحركنا وتأكيد خط السير والحصول على معلومات عن العدو والمنطقة إن أمكن والتأكد من أننا في الاتجاه الصحيح للتحرك وجلسنا قليلاً ولكننا لم نستطع أن نخفي أنفسنا أكثر من ذلك وقمنا بمحادثة البدو وقد انزعجوا جدًا في البداية ولكننا هدأناهم وأبلغناهم أننا جنود مصريون ونريد أن نعرف مكاننا واتجاه عيون موسى ونحتاج لبعض المياه والطعام، وكانوا يبدون فقراء جدًا ويبعدون كل البعد عن المدنية والتحضر وأحضروا لنا بعض المياه وأشاروا إلى اتجاه عيون موسى وفهمنا كلامهم بصعوبة وكانوا يتكلمون بطريقة غير ودية خائفين منا، وانزعجنا من أمرهم وأبلغناهم بأننا سنظل النهار معهم ثم نتحرك ليلاً، وقمنا بمراقبتهم حتى لا يتحرك أحدهم ليبلغ عنا وكنا قلقين منهم جدًا.

ثم قررنا التحرك قبل آخر ضوء في الطريق الذي أشاروا إليه وكان واديًا طويلاً موازي لاتجاه الشمال ويحيط به كتفي هضبة صغيرة على امتداد الوادي الطويل وكان بالوادي أشجار كثيفة على امتداد التحرك وكانت تقل أحيانًا وتكثر أحيانًا أخرى وكان الجبل الصغير يقترب أحيانًا ليصبح واديًا ضيقًا وأحيانًا يتسع وتحركنا كثيرًا في ذلك اليوم حتى أصبحنا في منطقة متسعة ثم تقدمنا في اتجاه الشمال وليس هناك أي دلائل عن وجود عربات بجوارنا أو أي حياة، وقد انقضى الليل ونحن نتحرك حتى وجدنا مكانًا يصلح للراحة والمبيت فترة الليل.

اليوم الرابع للتحرك في طريق العودة:

وبظهور ضوء الصباح استيقظنا وتناولنا طعام الإفطار وأخذنا قسط للراحة حيث قررنا التحرك قبل آخر ضوء لاستغلال الظلام في إخفاء تحركنا وقبل الغروب بساعتين بدأنا في التحرك شمالاً وبدأت الوديان تتفرع فسرنا طبقًا لحاستنا، وتابعنا التحرك حتى وجدنا أنفسنا نخرج من وادي صغير إلى ساحة كبيرة جدًا وبها منطقة سكنية بها كثير من العشش والخيام وكانت بها حركة كبيرة ومدقات عربات وأغنام وجمال، وتحركنا في اتجاه المنطقة محاولين الوصول إلى أحد الأكشاك المتطرفة لأخذ بعض المياه والطعام ومواصلة التحرك وتسللنا حتى وصلنا إلى أحد الأكشاك الكبيرة وكان البعض قد أحس بنا ولكنهم كانوا يراقبوننا في ذهول وكأنهم يسألون أنفسهم أي نوع من الرجال هؤلاء، يحملون سلاحًا ويتحركن في ملابس الجيش المصري وأين كان هؤلاء الرجال؟ فهل هم إسرائيليون يتخفون في ذلك المظهر وضلوا طريقهم؟.

وجدنا أنفسنا أمام امرأة ضخمة البدن وهذا أمر جديد علينا أن نرى امرأة بدوية بدينة، وكان مظهرها يدل على الاحترام وأبلغناها أننا جنود مصريون ونحتاج لبعض الماء والطعام ونظرت إلينا نظرة استغراب وشك وقالت سأحضر لكم الماء والطعام ولكنكم لستم مصريون وحاولنا أن نفهمها أننا مصريون ولكنها كانت تشكك في ذلك بصورة واضحة وجلسنا وشربنا وأخذنا نتحدث ثم رأينا فجأة أمامنا إناءً كبيرًا بحجم الطشت الخاص بالغسيل مملوءً بالخبز ووضعت فوقه كمية من السكر والماء الساخن وقطعة من السمن وأصبح طبق فتة شهيًا وأكلنا بنهم وانزعجت السيدة لذلك المشهد الذي كان كفيلاً بأن تصدقنا بأننا مصريون فقد أنهينا على الإناء كاملاً ولم تصدق أن نأكل مثل هذه الكمية التي وضعتها من قبيل الكرم والفخر بما عندها وبالرغم من ذلك لم نشعر بالشبع.

وأثناء تناولنا الطعام حضر شابين صغيرا السن بملابس بدوية عليها سترة سبور ومعهما راديو وأخذا يتحدثان معنا وأثناء حديثهما أبلغانا بأن بعض شباب القرية قد قاما بتوصيل بعض الضباط والجنود المصريين إلى عيون موسى وكان ذلك شبه حلم لنا، وتلقفنا هذا الخيط بسرعة وسألتهم عن كيفية ذلك ومتى كان وقلنا لهم هل تستطيعون أن تدلونا عليهم، فترددوا قليلاً وقالوا سنحاول ولكنهم أكدوا لنا بما قام به هؤلاء الشباب وذكروا بعض الأسماء لزملاء لنا في الصاعقة كنا نعرفهم وكان ذلك مفاجأة لنا، وتحرك الشباب ثم عادوا وقالوا إنهم غير موجودين الآن وكنا قد فكرنا ووجدنا أن ذلك شيء من الخيال فكيف يغامر بعض البدو بأرواحهم في سبيل إرشاد بعض الجنود المصريين على الطريق، ولكن من الجائز أن يحدث ذلك إذا كان هؤلاء الشباب مؤمنين بذلك وتدفعهم إليه وطنيتهم وتبادلنا النظرات أنا وعبد الحميد بظهور هذا الأمل.

وتحدثنا مع السيدة التي عرفنا بأن الجميع يناديها باسم "الحاجَّة" (والتي أتمنى أن تكون على قيد الحياة حتى الآن) وكانت ما زالت بين الشك واليقين وطلبنا منها معرفة الطريق الصحيح فأبلغتنا بأن علينا التحرك في اتجاه هذا المدق ولكن علينا أن نعلم أن هناك منطقة قبل وادي سدر سيصعب التحرك بها لأن العدو قام بترحيل البدو من تلك المنطقة حتى يكتشف أي تحرك بها عن طريق الدوريات بالطائرات الهليكوبتر والدوريات السيارة التي تتتبع الأثر وأن محاولتنا عبور هذه المناطق شيء خيالي ومستحيل ولكننا قلنا لها أن ذلك لابد أن يكون وأن الله معنا، ودعت لنا بالتوفيق وأعطت لنا بعض الفراشيح والمياه وشكرناها واستمرينا في التحرك على المدق الذي أشارت إليه الحاجَّة لمدة حوالي ساعة، وكان التحرك على المدق شيئًا صعبًا حيث تتفرع المدقات بعد فترة ويصعب تتبعها وفقدنا طريقنا واختلفنا على أي طريق نأخذ وقررت التحرك من طريق وقرر عبد الحميد وسيد التحرك من طريق آخر فقمت بالتحرك معهم حتى وجدنا أنفسنا نصعد جبلاً فعدنا مرة أخرى وتحركنا في الطريق الآخر ساعات قليلة أخرى في طرق صعبة ومختلفة حتى وجدنا أنفسنا بالقرب من أحد الخيام التي تضيء مصباحًا وقررنا المبيت حتى نستطيع التحرك نهارًا في هذه المنطقة لصعوبة تحركنا ليلاً.

اليوم الخامس للتحرك في طريق العودة:

وفي الصباح ذهبنا إلى أحد الخيام فوجدنا بدوية جميلة الوجه والعينين بدرجة كبيرة وكانت تتزين بملابس جميلة ويبدو أنها وزوجها من الأثرياء، وانزعجت كالعادة عند رؤيتنا وطمأناها وتحدثنا معها حتى اطمأنت لنا وسألتنا عن موقفنا الغريب وأنها تتمنى النصر لمصر، وعلمنا أن اسمها سلمى وتبادلنا الحديث لفترة وطلبت استضافتنا وأن زوجها بالطريق – وبهذه المناسبة
أطلق عبد الحميد خليفة اسم سلمى على نجلته الأولى وأطلق عبد الرؤوف جمعة اسم فاطمة على ابنته الأولى- وطلبنا منها بعض المياه فأعطتنا، وعند سؤالها عن الطريق أشارت لنا عليه، ويبدو أن الخيمة التي بجوارها لأختها وتعجبنا كيف يبيت مثل هؤلاء البنات والسيدات في هذه المناطق دون رجال يقومون بحمايتهم ولكنها الأعراف في هذه المناطق والحفاظ على الحرمات، وأحسسنا أننا قد نسبب لهم إزعاجًا فقررنا أن نبتعد عن المنطقة وتحركنا بالفعل ولكن ببطء نظرًا لعدم وضوح الاتجاه الصحيح فنتحرك تارة ونستريح بعض الوقت وهكذا حتى قابلنا سيدة معها طفل ويبدو على مظهرها الفقر الشديد وسألناها عن الطريق وأشارت لنا على الطريق وهي تنظر إلينا خائفة.

وواصلنا التحرك في اتجاه الشمال عمومًا حتى وصلنا إلى وادٍ يعترض طريقنا به شجر سنط كثير وخلفه وفي اتجاه تحركنا جبال عاليه على شكل سلسلة مخيفة لا يستطيع أحد أن يخترقها إلا أذا كان يعرف الطريق جيدًا وإلا هلك داخلها وهنا أيقنا جميعًا خطورة الموقف وكان المفروض أن يكون هذا الوادي هو آخر وادي مسموح للبدو التحرك فيه وشمال هذا الوادي ممنوع التحرك.

ونزلنا إلى ذلك الوادي محاولين رؤية أي بدوي في المنطقة التي هي آخر ملاذ لنا ووجدت عبد الحميد ينطلق مسرعًا مذعورًا في الوادي وينادي بأعلى صوته بشكل وصورة أفزعتني وجعلتني أخاف أن يحدث له شيء وأن يصاب بالانهيار فجريت وراءه أحاول اللحاق به وتهدئته وظل باقي الأخوة واقفين منتظرين وناديت عبد الحميد ونظر وراءه ووجدته يجري نحوي عائدًا رافعًا يده ووقفت لأجده يتخطاني فظننت أنه حدث له شيء وعندما نظرت ورائي وجدت أصواتًا عالية وبدوي طويل القامة علمنا أنه يدعى سلمان قادمًا نحونا وتأكدت أن عبد الحميد ما زال واعيًا والتقى الرجل بنا بالأحضان والقبلات وكان ودودًا للغاية، وكان أسود اللون طويل القامة نحيف الجسد وأحسسنا أن الله أرسل لنا ملاكًا في هذا الوقت العصيب في هذه المنطقة وأراد الله أن يمدنا بالأمل من جديد، وقال الرجل إني أبحث عنكم منذ فترة طويلة وقد قابلت زوجتي وأخبرتني عن وجهتكم وتابعت آثاركم حتى وصلت لكم وأنه سمع من الشباب ومن الحاجة عنا فقرر تتبعنا حتى يساعدنا كما فعل من قبل مع زملائنا وأخذ يذكر بعض الأسماء منها الرائد إبراهيم زيادة وأسماء ضباط آخرين مثل محمد حسن كانوا في كتائب أخرى ولكننا كنا نعرفهم وسعدنا لسماعنا هذه الأخبار منه، وأخذنا نسأله عن كل واحد وأخذ يقص علينا كيف قام هو وأصدقاؤه بمساعدة عناصر الصاعقة في المنطقة وكيف قامت الصاعقة بتدمير عناصر العدو والسيطرة على وادي سدر لمدة طويلة وكنا سعداء وفخورين بسماع هذه الأنباء.

وأشار الرجل إلى مكان نستطيع أن نقضي فيه اليوم ويوجد بالقرب منه نبع مياه صغير حيث أنه لن يستطيع عمل شيء اليوم وكنا في لهفة لما يمكنه عمله لنا من مساعدة لعبور هذه الجبال الوعرة، فسألناه عما يمكن تقديمه لنا من عون، فأجاب بأنه سيذهب معنا ليدلنا على الطريق حتى عيون موسى، وكانت مفاجأة لنا أن يقدم لنا هذا العرض ولماذا يعرض نفسه للخطر والمغامرة وكان ذلك شيئًا محفوف بالمخاطر، وتحدثنا معه بصراحة ولماذا هذه المساعدة التي يمكن أن تكلفك حياتك فأجاب بصراحة أنه عمله ويأخذ عنه مقابلاً من المخابرات المصرية وأن هناك عناصر من المخابرات موجودة فعلاً خلف الخطوط ويعلم أماكنهم وكل شيء عنهم ولكنهم لا يعلمون عنا شيئًا وهي مفاجأة كبرى له ولزملائه وأنه كان يشك فينا في بداية الأمر ولكنه بعد تتبع خطواتنا علم أنه لا شك في أننا مصريون.

وتحركنا حتى وصلنا إلى منطقة جبلية قريبة من هذا الوادي وجلسنا نشرب الشاي وتحدثنا كثيرًا عن كيفية معاونتنا بالتفصيل، وقال أن هناك بعض الزملاء سيتم مشاورتهم لتحديد موعد الرحيل وسيكون ذلك خلال يوم أو اثنين على الأكثر وأن هناك مجموعة من رجال الاستطلاع خلف الخطوط سيعودون وإننا سنعود جميعًا معًا وتحدثنا عن بعض الزملاء الذي أخذ يصف لنا أشكالهم وطباعهم حتى يثبت لنا بأنه على حق وكيف قام البدو في المنطقة بمساعدتهم ثم أبلغنا بأنه سيأتي غدًا ليحضر لنا بعض المعلبات والطعام ويخبرنا بموعد التحرك وأشار لنا على المكان الذي سنقوم بالمبيت فيه وودعنا ورحل.

وقمنا بإخلاء المكان واخترنا مكانًا آخر يطل على المكان الذي أشار لنا بالمبيت فيه وبعيدًا عنه لكي يمكن مراقبة المكان من خلاله وكان ذلك تحسبًا واستعدادًا لأن يكون عميلاً ويرشد العدو علينا مع أن هذا احتمال بعيد ولكننا كنا حريصين على أن نحافظ على أنفسنا بعد هذه المدة وخاصة وأننا على بعد أيام قليلة من أهلنا ولا داعي للثقة الكاملة في أي شخص.

وتحركنا فعلاً ونحن سعداء إلى المكان الذي وجدناه مناسبًا لإخفائنا وأخذنا نتحدث غير مصدقين أنه يمكن لهؤلاء البدو مساعدتنا وتعريض أنفسهم للخطر لإرشادنا إلى الطريق والتعاون مع رجال المخابرات المصرية لتوصيلهم من وإلى داخل سيناء، وحمدنا الله على إعادة الأمل لنا بعد يأس وأحسسنا بأن الله معنا وأنه بعد العسر يسر، ومرت بضع ساعات حتى خيم الليل على المكان وقد نالنا الإجهاد وخلدنا للنوم.

اليوم السادس للتحرك في طريق العودة:

استيقظنا متأخرين في هذا اليوم وتناولنا طعامنا وشربنا الشاي وكنت أنا وعبد الحميد نتذكر أيامنا في فرقة الصاعقة والتدريبات الشاقة وخاصة دوريات المناطق الجبلية والتي أفادتنا كثيرًا في كل تحركاتنا وأمضينا باقي النهار في انتظار وصول البدو.

وبعد آخر ضوء بحوالي ساعة سمعنا صوت تحرك في المنطقة ودققنا السمع فوجدنا بعض الأفراد يتحركون ويبحثون في المنطقة التي كان يجب أن نتواجد بها ونزلنا من مكاننا في اتجاه هذه المنطقة واقتربنا وانتظرنا حتى سمعناهم ينادون على أسماءنا بصوت مرتفع وهم يتحدثون إلى أنفسهم بأننا يبدو تركنا المكان ورحلنا، وأثناء اقترابهم ظهرت لهم  وقام زملائي بحمايتي وتحدثنا وفرحوا وتصافحنا وظهر الباقي وكانوا سعداء بنا جدًا وأحضروا معهم بعض المعلبات وتعرفنا عليهم: سليمان الأسود، وراشد الأعراج، وعواد، وأخذوا يتحركون معنا وهم فرحين وأبلغونا بأن هناك عناصر استطلاع مصريين موجودين بالعمق وهم يعرفونهم ويعرفون أماكنهم ولكنهم لا يعرفون عنا شيئًا وأنهم غير مصدقين أننا على قيد الحياة وأحسسنا بأنهم سعداء بنا كما لو كنا هدية ثمينة لهم وسيكون ذلك شيئًا له قيمة، وحاولوا أن يعرفوا مَن كنا معهم من القبائل وأي منطقة وأبلغناهم عن المنطقة عمومًا بأبورديس واعتذرنا عن اسم من كنا معهم وزاد احترامهم لنا وشربنا الشاي وأكلنا وأبلغونا بأنه علينا أن نتأخر عدة أيام حتى يأتي بعض أفراد الاستطلاع من قواتنا ويتم التحرك سويًا وظهر علينا الضيق عندما علمنا أنها عدة أيام ولكنهم قالوا ليس هناك أي قلق في هذه المنطقة والمياه موجودة وأشاروا عن مكانها ووصفوا لنا المكان بدقة وقالوا إنه لن يصعب عليكم الوصول إلى المياه حيث يحيط بها أعشاب وأشجار كثيفة في المنطقة وبوصولكم لهذه الأشجار التي ستكون واضحة في الصباح من هذا المكان وسيكون سهلاً عليكم الوصول إلى المياه، وبعد أن تحدثوا عن زملائنا في المنطقة وذكروا لنا أسماء كل الكتيبة 143 تقريبًا بالاسم وودعونا ورحلوا، ونمنا وكلنا سعادة وأمل بعد أن استولى علينا اليأس عصر اليوم السابق قبل مقابلة البدوي سلمان والذي كنا نشك في تنفيذ ما قاله ولكن بعد أن قابلنا هؤلاء الشباب أحسسنا بالجدية والنية الصادقة لهم.

اليوم السابع للتحرك في طريق العودة:

وفي صباح هذا اليوم استيقظنا وذهبنا إلى مكان المياه وكان مكانًا جميلاً فالأشجار في كل مكان والمياه في المنطقة في شكل برك صغيرة متناثرة والجبال حولها شاهقة وكان طعم المياه ليس عذبًا تمامًا ولكنه يؤدي الغرض وتعجبنا كيف كانت المياه قريبة ولم نكن نراها أو نعرف مكانها وكانت المياه دائمًا مصدر إزعاجنا خوفًا من أن نفقدها، وبالتالي ستكون العواقب وخيمة فكنا بجوار المياه نحس بالأمان وأكلنا وشربنا ناظرين إلى تلك الجبال المتراكمة والتي تشبه السدود المتتالية وكأنها لا تنتهي وشعرنا بفضل الله علينا سبحانه وتعالى بأن نلتقي في طريقنا بهؤلاء الشباب وأمضينا اليوم في تنظيف السلاح وإعداد الطعام والحديث وكان الأمل يملأنا وكنا نضحك من قلوبنا ولكننا شعرنا بالقلق عندما حل المساء ولم نر أحد من البدو ولكننا اعتقدنا أنهم مشغولون في أي شيء ونمنا في المنطقة ليلة أخرى.

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech