Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

جاء إلي الدنيا ليحارب من أجل الوطن

 

وبعد تقاعده حارب
 من أجله في السلم أكثر مما أقدم عليه في الحرب..


بقلم الاستاذ جمال الغيطاني - جريده الاخبار - 16 أبريل 2014

ليلة مهيبة
هذا ما ترسخ عندي أثناء مغادرتي المبني التاريخي الذي تستقر فيه مكتبة القاهرة الكبري، القاعة الكبري امتلأت تماماً، الوقوف أكثر من الجلوس، الجانب الأيسر خصص لرجال القوات الجوية الموجودين بالخدمة، سبعة عشر ضابطاً من مختلف الأفرع جاءوا بالزي الرسمي، وضابطان برتبة عميد ممثلين عن الفريق يونس المصري قائد القوات، القاعة امتلأت بأدباء وسياسيين ودبلوماسيين وأسر شهداء، أطياف شتي من المجتمع المصري، كلهم جاءوا من أجل الحاضر الغائب اللواء طيار محمد زكي عكاشة، لا أريد أن أصف الحفل بالتأبين، بل بالاستحضار، استحضار روح الفقيد العظيم الذي رحل عن دنيانا منذ أسابيع قليلة،

الحفل بمبادرة من المجموعة 73 مؤرخين والتي أسسها الصديق أحمد زايد وزملاؤه،

والتي تقوم بما لم تقم به الدولة، التأريخ لحروب الجيش المصري وكلها وطنية ولهم موقع مهم علي الانترنت أشرت إليه من قبل في اليوميات، علي المنصة العميد متقاعد خالد عكاشة نجل الفقيد وممثل قائد القوات وياسر عثمان مدير المكتبة وكاتب هذه السطور.
صديقي وأخي، الطيار الشجاع، الوطني الجسور، الإنسان الجميل الرائع محمد زكي عكاشة، لو أنك سبقتني إلي دار الخلد منذ عشرين عاماً أو أكثر لتمكن مني الجزع ولنال مني الفزع واستنزفني الحزن العميق، أما وقد جري أمر الله وقد بلغت مرحلة متقدمة من العمر فإنني أتلقي فراقك راضياً، هادئاً، مستكيناً، إذ أنني الآن لا أخاف الموت ولكنني أهابه، وفرق عظيم بين الخوف والهيبة، غير أن الهيبة لا تمنعني من ذرف دموع عليك إذا ما خلوت إلي نفسي، فإني محزون لفراقك، أستعيدك منذ أن تعرفت بك في الثمانينيات، كنت أعرف اسمك قبل أن ألقاك من خلال عملي كمحرر عسكري لجريدتنا »الأخبار« أثناء حربي الاستنزاف وأكتوبر، كان اسمك يذكر مقروناً بعبارة »دا لعبته الهوك..« والهوك لمن لا يعرف صاروخ أمريكي الصنع، زودت به إسرائيل دفاعها الجوي، صاروخ ذو إمكانات كبيرة خاصة ضد الطيران المنخفض، باستطاعته إصابة طائرة علي ارتفاع خمسة عشر متراً، كنت واحداً من قلة فريدة يمكنها الطيران بالمقاتلات علي ارتفاع ثلاثة أو أربعة أمتار، كنت خبيراً بزوايا الاقتراب من الهوك وإصابته مباشرة بطائرة الميج 17 التي ظهرت لأول مرة في الحرب الكورية عام 1949، طائرة بإمكانات الخمسينيات تحارب تسليح السبعينيات المتقدم، كنت فذاً في شجاعتك، تضرب وتصيب وتعود لتضرب، شجاعتك المعنوية علي نفس قدر شجاعتك القتالية، ألم تقف لترد علي المشير عبدالحكيم عامر القائد العام، وزير الحربية قبل حرب يونيو بأيام، عندما زار إحدي قواعدنا الجوية في سيناء وتحدثت عن تصدي الميج17  للميراج الاسرائيلية فوقفت طالباً الكلمة لتقول بشجاعة: »لا يا سيادة المشير، إمكانات الميج17 لا تكفي لمواجهة الميراج«، شجاعته الفذة جزء من شخصيته، مارسها كطيار مقاتل وكإنسان وطني مهموم بما يتجاوز شخصه، في معركة عنيفة نشبت بيني وبين الدكتور عبدالعظيم رمضان من خلال يوميات الأخبار »رحمه الله« فوجئنا بمقال نُشر في الأهرام للواء طيار محمد زكي عكاشة يساند وجهة نظري المدافعة عن الجيش المصري وحرب الاستنزاف التي بدأت تتعرض لنقد غير بريء منذ تولي أنور السادات حكم مصر، وصل الأمر إلي ساحة المحاكم، وفي مشهد فريد مهيب، جاء قائدان عظيمان من أنبل جند الكنانة للشهادة في جانبنا القائدان هما: الفريق أول محمد فوزي والمشير محمد عبدالغني الجمسي..  وثلاثون ضابطا برتبة لواء يتقدمهم محمد زكي عكاشة، هكذا بدأت صلتنا واستمرت إلي آخر أيامه.
بدأت علاقتي الشخصية بك، وعندما لاحظت أنك حكّاء مصري أصيل اقترحت عليك أن تكتب ما مررت به من تجارب، خاصة أن الحرب تجربة نادرة جداً، إحدي ثلاث لا يمكن للإنسان أن يعبر عنها إلا إذا عرفها، الثانية الحب والثالثة السجن، أذكر إجابتك: »أنا لست بكاتب«، فقلت لك: اكتب ما يرد عليك، لديك التجربة والصدق والتفرد. بعد مدة، ربما عدة شهور دخلت عليّ مكتبي، لم تكن تخطو، إنما تسري، بقدر ما خضت من معارك، بقدر ما واجهت الهول، بقدر ما كان لديك من سلام مع النفس وبشاشة داخلية، لا أستعيدك إلا مبتسماً، راضياً مرضياً. كان هدوءك يتسرب إلي روحي القلقة فتغمرني سكينة بحضورك أيها الجميل، مازلت أذكر قراءتي لنصك الأول »الصندوق الطائر« ويتضمن قصصاً واقعية عن تجربتك كطيار، دفعت به إلي المطبعة، لم أنقص منه حرفاً ولم أزد، لتصدر في سلسلة أدب الحرب التي تطوعت بالإشراف عليها لتكون عوناً في تنمية والحفاظ علي الذاكرة الوطنية، في السنوات التالية توالت مؤلفاتك »قصر في الجنة، بطولات أكتوبر، خفايا الصراع العربي الإسرائيلي من بازل إلي كامب ديفيد، جند من السماء، الحروب المصرية ـ الإسرائيلية، الاستنزاف، أكتوبر« ثم أخيراً »حديث النسور« هذا الكتاب الصادر عن دار العين التي تديرها الدكتورة فاطمة بودي الناشرة الوطنية، الذكية.
أعرف أنك أسست بعد تقاعدك مشروعاً خاصاً لتواجه أعباء الحياة، وعندما اطمأن حالك علي العزيزين خالد وشريف أنهيته وتفرغت تماماً للعمل الوطني، شاركت في تأسيس حركة كفاية، وفي وقفاتها الاحتجاجية طوال السنوات الثماني السابقة علي الثورة، ودخلت التحرير مع الثوار لوجه الله ولوجه الوطن، لم تدخله لتكتسب مشروعية للآتي، ولا لتغسل سمعة قذرة، إنما كنت جزءاً من الجانب النقي في ثورة يناير، التي شابها جوانب أخري تروع لسماع بعضه ولعلك مثلي، وعندما انتهي الأمر إلي الحكم الفاشي الإخواني، انتفض فيك الطيار المقاتل، نظمت الوقفات الاحتجاجية عند المنصة وشاركتك فيها، لم تهدأ ولم تكل، كنت تتصدي للفاشيين بنفس جسارتك في الهجوم علي الهوك الاسرائيلي، لم تكن متقاعداً، كنت محارباً دائماً.
يا أخي الحبيب الأجل، يا من أحببت حبك لمحمد ابني الذي عرف الجيش المصري العظيم من أبطاله، منذ أن تفتح وعيه علي الدنيا، قادة وضباطاً وجنوداً، أنت تعلم حبه واحترامه لك، وعندما انتقلت وقف إلي جانب خالد وشريف يتقبل العزاء فيك.
يا من قرنت بين الموقف والفعل، في تقاليد الجيش المصري الذي عرفنا أمجد مراحله، أنت كمحارب وأنا كشاهد، في تقاليده ما يشبه الشعر، إن مصطلح »نوبة رجوع« ينفذ إلي أدق خلجاتي، عندما يبدأ الاستعداد لمواراة الشهيد الثري، تعزف الموسيقي نوبة رجوع، ما أروع المعني وأرقه، رجوع إلي الحق، إلي الدار الباقية، تعزف روحي نوبة رجوع أنشدها لك في خشوع أثير.
وعندما دعاني الدكتور أحمد مجاهد إلي ندوة اللقاء الفكري وكانت مخصصة لي اعتذرت، لكنني عندما علمت بمناقشة كتابك قبلت علي الفور.
مكتبة القاهرة الكبري
السبت مساء
يتوالي الصحب ورفاق السلاح، يبدأ ممثل قائد القوات، يهدي إلي خالد عكاشة درع القوات الجوية، أحمد زايد مؤسس المجموعة 73 يكشف سراً، المجموعة أشارت إلي نضال الراحل قبل ثورة يناير وبعدها، إنه الأب الروحي لهؤلاء الشباب المخلصين، الذين آمل في دعم الدولة لهم، يتحدث اللواء طيار متقاعد سمير عزيز أحد أساطير القتال الجوي، كان طياراً علي الميج21، يقول »كنا ننطلق من مطار المنصورة هو علي الميج17 وأنا في الميج21، أطير فوقه، أحميه حتي يعود ويلامس الأرض، هو من الدفعة 13 وأنا في الدفعة 14، اللواء مجد الدين رفعت يقول إنهم لم يطيروا مع الضربة الجوية الأولي، ذهب بصحبته إلي قائد القاعدة متسائلين: لماذا لم نطير للمشاركة؟ قال لهما مهدئاً: المهمات القادمة أكثر، كان اللواء محمد زكي عكاشة يقول دائماً: »البلد اللي ما يعرفش تاريخه مش حيعرف مستقبله«، خالد عكاشة الابن، كان الوالد يصف الشهداء دائماً »دول سبقونا للأحسن«، تحدث عن دور له في المرحلة المؤدية إلي ثورة يونيو النقية، كان يقول »لازم نتراجع من المشهد عشان الشعب يعرف انه قادر يعمل« وكان يقول مخاطباً المعنيين بالتاريخ »الحقونا، خدوا منا قبل ما نرحل..«، كان بذلك يلمس جرحاً غائراً في النفوس، فالجيش الذي حارب وقدم مئات الألوف من الشهداء ابتلي بسياسيين ضربوا علي ذاكرته ستاراً من التعتيم فأفقدوا الذاكرة الوطنية مراحل مهمة كانت النتيجة جهل أجيال كاملة بما جري فهتفوا ذلك الهتاف المشين »يسقط حكم العسكر«. لن تمر سنوات إلا ويفني كل من شارك في حروب مصر من 48 إلي 73، هذا موضوع دقيق سأعود إليه مفصلاً، تحدث المناضل المفكر الدكتور أحمد بهاء الدين شعبان أحد قيادات الحزب الاشتراكي المصري، قال إن الراحل رمز من رموز الوطنية المصرية، مصر تتعرض لمؤامرة لا عاصم منها إلا الوطنية، الجيش هو الذي رفع رايتها وحماها، من العراق تحدث اللواء طيار علوان العبوسي، تعلم في مصر وحافظ علي صلته بالراحل حتي أن المخابرات استدعته لتستفسر منه عن هذه المكالمات الهاتفية المتعددة مع مصر، الطيران العراقي شارك في معارك أكتوبر علي الجبهتين المصرية والسورية، اللواء طيار نصر موسي، قال إن حرب أكتوبر لم توثق، كلنا حنموت والأجيال القادمة لابد أن تعرف ما جري، الراحل كان يقول ما لم توثق حرب أكتوبر ستذكر في سطر واحد،   الأديب الروائي والمحارب المتقاعد عصام دراز قال إن اندثار الجيل يعني تزوير التاريخ، لابد من الحفاظ علي الذاكرة الوطنية، اللواء طيار حسين القفاص كتابك لبيت رغم تضعضع أحوالي الصحية وقتئذ،

وكانت ندوة عامرة تقدمتها ابنة الفريق سعد الدين  الشاذلي بطل مصر وقائد حرب أكتوبر، هذا الكتاب أشمل مرجع عن حروب مصر والصراع العسكري المصري ـ الإسرائيلي، وحربي الاستنزاف وأكتوبر، ولكم أتمني، بل أطالب، بل أقول إنه من الضروري تدريسه في المرحلة الإعدادية فهناك ثغرات في الذاكرة الوطنية خلال العقود الأربعة الأخيرة، أعلم أنها كانت تقض مضجعك كما تقلقني.

اللواء أيمن حب الدين »دفاع جوي« تحدث عن تخرجهما معا عام 59، افترقا، هو ذهب إلي الدفاع الجوي، واللواء عكاشة إلي الطيران، عاشوا حرب اليمن، و 67 و 73 في عام 1981  تزاملا في هيئة العمليات، تقاعد، دافع عن مصر في السلم أكثر مما دافع عنها في الحرب، قال إن الوطنية عند البعض تعتبر تخلفا الآن، ما من مدرسة تحيي العلم الآن، الموت كان قريبا منه في كل لحظة حارب فيها، غير ان فيروس سي نال منه بعد اجراء عملية القلب، رحمه الله.
خرجت ليلا من المكتبة إلي شوارع القاهرة، الوجود كله عامر بروح الانسان المخلص، الرائع لواء طيار محمد زكي عكاشة.

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech