Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

ذكريات مجند في سلاح الخدمات الطبية اثناء حرب 73


نقلا عن صفحه ابطال منسيون علي الفيس بوك

***********

من أين ابدأ كلماتي ..
ترى منذ أن كانت التجمعات مزدحمة و متلاطمة فى مركز تجميع المجندين فى أوائل عام 1971، حيث كنت ضمن دفعة الخريجين من زملائي بالكلية، و قد أعلنت نتيجة البكالوريوس منذ أيام قليلة .. و فيه لم يكن التعارف سهلا، المكان مكتظ بكل الأشكال و الأديان و من كل محافظات البلاد، من قبلي و بحري.

أم أتحدث عما كان بعد أن تم ترحيلنا نحن خريجي كليات الطب بأنواعها، إلى مركز تدريب الخدمات الطبية .. الطريف أنني شعرت و كأن دفعتي من الخريجين بالكلية تجمعنا ثانية، و كأننا مازلنا بين جدران الكلية، إلا من الآنسات أو الطالبات.
و لكن المؤكد أننا تعرفنا على خريجين من كليات طب الأسنان و الصيدلة، فتعرفت على "بطرس" طبيب الأسنان، و "قزمان" و "ظريف" خريجا كلية الصيدلة .. و هم من انتقلوا معي بقية الرحلة (دون غيرهم) طوال فترة تجنيدي لمدة أكثر من أربع سنوات .. ضمن أفراد المستشفى الجراحي، تحت الأرض رقم 5 (هذا هو اسم الوحدة الميرى).

لن أثرثر فيما كان و تشاركنا جميعا فيه، و مع "محمد نوفل"، و "محمد" آخر لا أتذكر بقية اسمه الآن، مع رفقاء "القروانة" من أصدقائى القبط. و تعبير "القروانة" مصطلح يعرفه كل من خاض تجربة التجنيد، حيث كثيرا ما يتشارك الجنود فى وعاء واحد لتناول الطعام، و هى "القروانة".

ربما من المناسب أن أتوقف مع أحرج خمسة أيام في حياتي ...
لقد خرجت سيارة مياه الوحدة أو المستشفى، لتزويد الوحدة بالمياه, بما يلزم لإعاشتنا نحن الجنود، و لإعدادها كي يتم تطهير و غسل الجروح و الأدوات الطبية لعلاج الجرحى من الجنود المصابين المكتظة بهم عنابر المستشفى، و منهم من وصل منذ دقائق من ارض المعركة.

وصلت السيارة و دخلت الوحدة، بينما المياه تتسربل من الخزان، و السائق يصيح على من يقابله، بضرورة إحضار اى عبوات بلاستيكية لتجميع المياه التي ستفقد بسرعة.
لقد أطلق جنود العدو، و قد احتلوا جزء من طريق القاهرة - السويس، و تمركزوا أمام المستشفى ! و كما أطلق الجنود الإسرائيليين رصاصهم على سيارة المياه, أطلقوا النيران خرجت سيارة إسعاف في اتجاه القاهرة لنقل بعض المصابين, عادت و هى محملة بمصابين آخرين, و السيارة مرشوقة برصاص الأعداء !

و كانت أحداث الثغرة, حيث احتل العدو حتى الكيلو 101 طريق القاهرة – السويس. خرجنا للاطلاع على الأمر, عرفنا الحقيقة .. حصار إسرائيلي لوحدتنا، بات مؤكدا ! بينما لم تعد بالوحدة مياه للشرب و لا لغسيل الجروح و لا لشيء ألبته, علينا بإسعاف الثمانين مصابا بأقل خسائر ممكنة.
لم يعد يصلنا مصابا جديدا, و لن نتمكن من نقل المصابين بعد إجراء الإسعافات اللازمة إلى القاهرة !

هكذا قضينا الأيام و المصابين تساء حالات البعض منهم بدرجة كبيرة, خصوصا إصابات الحروق, و لا حول و لا قوة إلا بالله.

هنا و فى تلك الأزمة، تولى صديقنا "بطرس" مهمة إعداد الإفطار (حيث كنا خلال شهر رمضان) و لم يكن يأكل إلا معنا مع آذان المغرب .. حيث يقف أمام الدشمة المسئول عنها، و يصيح نادينا نحن مجموعة الرقباء الطبيين، لتناول الإفطار الذي أعده .. و ما أعجب ما أعده و نحن نعيش الحصار، و العدو على أبواب وحدتنا ! كل ما أمكنه أن يفعل, أن يسد رمقنا باستخدام زجاجات الجلوكوز 5%, تولى بطرس (طبيب أسنان- من جرجا) المهمة بإخلاص.
كان يحضر الجلوكوز و يرش اللبن البودرة الذي اكتشفه بعد ضرب مخازن وحدة المستشفى، ثم يبس فيه البسكويت الذي أطلقنا عليه "خشب اسكو" بدلا من "بسكو مصر".. يا لها من نعمة سدت الرمق و جعلتنا نتنفس بانتظام لعدة أيام.

بينما كانت أوامر قائد المستشفى, الانتظار و الصمود حتى يتضح الأمر أكثر. أما و قد انقطعت الصلة بالقيادة الأعلى و بالوحدات المجاورة, و تأكدنا من عدم القدرة على تقديم خدمة طبية .. فلا حيلة إلا التحرك السريع عن طريق جبل "عتاقة", نحو القاهرة.
الشرط الوحيد, بل المشكلة الوحيدة: كيف سنتصرف مع المصابين ؟
انتهى الأمر بإصلاح سيارة نقل عاطلة بالوحدة المجاورة, بالإضافة إلى السيارة الظل التي بوحدتنا مع سيارة الإسعاف التي مازالت قادرة على الحركة.
يمكن إذن نقل المصابين إلى السويس و عن طريق جبل عتاقة أيضا.
كان ذلك في ظهيرة اليوم الرابع من الحصار.

بدأنا المهمة, أنا و بطرس و قزمان و سعد الصعيدي .. و هى حمل المصابين إلى السيارات.
استمرت تلك العملية منذ الثانية عشرة ظهرا حتى الرابعة و النصف. فلا نحن بقادرين على الحمل السريع , و لا المصابين يملكون القدرة. لكننا انتهينا من المهمة على كل حال.
فجأة و على غير توقع رأيت طائرتين, أحدهما في تلابيب أخرى يتصارعان في السماء, و قد عبرا أجواء الوحدة على ارتفاع منخفض.
أسقطت رأسي, إذا بالاستبن مصابا على الأرض ! نعم, مجهود الساعات الماضية على الأرض ... رفعت الخوذة, وضعتها على الأرض, جلست فوقها, ربما أستطيع التفكير .. لم أجد سوى القائد الذي حضر حالا و أمر الجميع بضرورة تحميل السيارات بالمصابين, على أن يسعى كل فرد بقدر طاقته على معاونة نفسه و مساعدة أفراد الوحدة.

انتهينا في الثامنة مساء .. تحركت السيارات ناحية جبل عتاقة, و قد صنعنا علما من الشاش العريض الأبيض, و رسمنا ب "الميكروكروم" الهلال لعل الأعداء لا يعتدون عليهم.

بدأنا مرحلة جديدة إذن: على كل من يرغب في التحرك الآن عليه بالتحرك, و من لم يرغب عليه الانتظار حتى الفجر.
قلت في نفسي إن لم يقتلنى اليهود سوف يقتلني المصريين في تلك الظلمة, خصوصا أننا الآن في ليلة بلا قمر.
الغالبية فضلت الانتظار حتى الفجر.

منذ تلك اللحظة و حتى الفجر كانت الأحداث غريبة و غامضة, و مرعبة في بعض اللحظات.
لن أذكر منها إلا ذلك الموقف الذي يصيبني بالقشعريرة كلما تذكرته و لكنها الحرب أيضا.
ما أن تجمعنا معا أمام دشمة الجراحة, و قد غلبنا الصمت من الإجهاد و قلة الأكل و النوم, و قلة كل شئ .. حتى صاح الدكتور نبيل مسيحه و كنا نرى أنفسنا أشباحا بلا ملامح, قال: تعالى يا سيد معي .. سألته إلى أين, ببساطة قال: حتى ندفن الشهداء !

لم أجد ما أعقب به, لم يحدث أن شاركت في مثل تلك التجربة, و فى الظلمة .. يا خبر أسود !
انتظر طويلا و لم يسمع ردى. إذا اختارني هذا الصديق .. لكن ليس معنى هذا أن يقتلني .. حقيقة لا أستطيع التنفيذ, لا أقدر.
لكنني لم أستطع أن أبوح بضعفي علنا هكذا.
انتبه بطرس طبيب الأسنان, و تقدم أحمد الجندي غير المؤهلات (يحمل لقب حامل نقالة كتخصص في العمل) .. قالا معا: "نحن معك".

تلبستني القشعريرة من رهبة الموت و ليس الخوف منه. فلا الموت مخيفا و لا هو مطروحا عند الجندي المقاتل, هذه حقيقة.
في الحروب الكل لا يفكر إلا في الحياة, كيف يحقق هدفه و لا يموت, و ليس العكس!
آخر ما تابعته حتى غافلني النوم بعدها .. أن سمعت أحمد يلقى بالشهيد في الحفرة معهم ثم يردد "الفاتحة ".. بينما سمعت نبيل و بطرس يرددان "أبانا الذي في السماوات".. حيث لم نكن نعرف أن الشهيد المطلوب أن يقبر مسلما كان أم قبطيا.

لعلها كلمة أخيرة أقولها, قبل تجربة حرب 73 لم أكن أعرف الكثير مما قرأت عن حقيقة معدن الإنسان المصري, و ماذا تعنى مقولة أنه يحمل تراث حضارة عمرها سبعة آلاف سنة.
و الآن و بعد تلك التجربة عرفت المعنى, المعاني الغامضة كلها !
تلك المعارك التي لم يفرق فيها العدو فى إطلاق نيرانه بكل أنواعها، على أي مصري كان .. تلك المعارك التي لم يقصر فيها مصري عن أداء دوره و الذود عن ترابها، و الهلاك دونها.

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech