Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
مؤسسة مورخين مصر للثقافه ( المجموعة 73 مؤرخين ) المشهره برقم 10257 لسنه 2016 **** تم فتح باب العضوية للمجموعة - في يناير 2017 **** 13.5 مليون زيارة منذ 2013 - 25 مليون زيارة منذ 2009 **** نرحب بكم في مقر المجموعه بميدان حدائق القبه ***** **** ننتظر تعليقاتكم علي الموضوعات ولا تنس عمل لايك وشير لما يعجبكم علي تويتر وفيس بوك **** **** ****

هذه تفاصيل "خطـة الخداع" التي أذهـــــلت إســـرائيل والـعــالــم فــي أكتوبر 73

اللواء فؤاد نصار مدير المخابرات الـمصرية الأسبق يكشف أسرار الحروب العربية - الإسرائيلية 


هذه تفاصيل "خطـة الخداع" التي أذهـــــلت إســـرائيل والـعــالــم فــي أكتوبر 73

  

تاريخ النشر :٤ أكتوبر ٢٠٠٩


يستكمل اللواء فؤاد نصار مدير المخابرات العامة الاسبق في حواره، شهادته للفترة ما بين عام 1956، حتى تنفيذ "خطة الخداع" لاسرائيل في حرب أكتوبر المجيدة عام .1973


يستعرض اللواء نصار الحوار، الظروف التي أحاطت بقرار تأميم قناة السويس، وتحرك القوات المصرية الى سيناء في يونيو عام .1967 ويتناول أسباب اختيار الرئيس السادات له عام 1972 لتولي ادارة المخابرات الحربية لاعداد القوات المسلحة للحرب. وكيف تم استخدام العنصر البشري في اسقاط نظرية الأمن الاسرائيلية، وهو ما اتضح في انشاء "منظمة سيناء" وعدد من المجموعات الخاصة لاستطلاع التحركات على جبهة القتال.


}
سألت اللواء نصار عن قرار تعيين اللواء عبدالحكيم عامر قائداً عاماً للقوات المسلحة بعد الثورة.. هل لقي القرار ترحيباً من الضباط؟
-
فأجاب: في البداية كنا ضباطاً صغاراً، لم نرفض العملية في البداية. لقد كان هدفنا هو تأمين الثورة. وقرار تعيين "عامر" كان من ضمن قرارات التأمين والسيطرة.. كان ذلك ومحمد نجيب في الحكم.. ولكن مع مرور السنوات بدأت مساوئ عبدالحكيم عامر في الظهور وأصبح مرفوضاً، ولم يكن الرجل المناسب لقيادة القوات المسلحة.. لا مؤهلاته العسكرية.. ولا تصرفاته الشخصية كقائد.. ولكنه - بحكم موقعه - كان الرجل الثاني بعد عبدالناصر.
العدوان الثلاثي
}
أين كان موقعكم خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956؟
-
في عام 1956 كنت مدرساً بكلية أركان الحرب، ولم أشارك في معارك 1956 من قريب أو بعيد.
}
ولكن ما هو رأيكم كمعاصر لتلك الفترة في قرار تأميم القناة؟
-
في رأيي إذا لم تؤمم شركة قناة السويس في ذلك الوقت لكانت حتى اليوم تحت السيطرة الفرنسية. ولذلك فتأميم القناة كان تقديراً سليماً لدرجة كبيرة لأنه كانت هناك قوتان تساندان ذلك: الكتلة الشرقية ممثلة للاتحاد السوفيتي والكتلة الغربية ممثلة في أمريكا التي كانت تسعى لطرد فرنسا من الشرق. وكما هو معلوم فان إسرائيل بدأت وظهرت للوجود بواسطة انجلترا عن طريق وعد بلفور وظلت تساندها. وعندما بدأت انجلترا تفقد مكانتها كدولة عظمى لجأت إسرائيل الى انجلترا وفرنسا وهي فترة حرب .1956 وعندما بدأت أمريكا تقفز كقوة عظمى لجأت إسرائيل إليها ومازالت حتى الآن. إذاً هي دولة تقوم على تبعية دولة عظمى تحميها وبدونها لن تقوم لها قائمة.


التحرك الى سيناء


}
ولكن موقعكم تغير في حرب 1967،. أين كنت.. وكيف كانت اثار المأساة على نفوسكم؟
-
في عام 67 كنت مدرساً في كلية أركان حرب، واستدعاني كاتم الأسرار. وقال لي إن القوات ستتحرك وستبدأ الحرب ضد إسرائيل والمشير عبدالحكيم عامر عينك رئيسا للإشارة في القيادة الشرقية والسفر اليوم الساعة الرابعة، فقلت له هناك ضابط برتبة "عميد" في المنطقة الشرقية منذ ثلاث سنوات، ويعرف الناس والخطط. فقال لي ألن تذهب الى الحرب إذاً ؟  مصر تطلب منك الذود عنها، وترفض أنت.. فقلت له لا استطيع ان ارفض إنما أستطيع الذهاب كمساعد له فقال لي اذهب وذهبت بالفعل. ووجدت القيادة الشرقية تتحرك في طريقها الى الميدان وذهبت الى رئيس الإشارة وقدمت له نفسي وتوجهت الى الميدان.


}
هل كانت هناك استعدادات واقعية للحرب.. بمعنى أن القوات كانت مستعدة بالفعل لخوض هذه الحرب..؟
-
لا تجهيزات ولا استعدادات، لقد ذهبنا الى الحرب، ولم تكن لدينا خطة دفاعية نتحرك على أساسها ولا نعرف ماذا سيحدث ووجدت أوامر وتعليمات لم نتعلمها ولم نعلمها من قبل. وعلى سبيل المثال كانت هناك قوة من الصاعقة يقودها الشاذلي من المفترض ان تتوجه الى وسط سيناء لملاقاة اليهود. وكانت وسيلة الاتصال بهم هي اللاسلكي لكنني فوجئت بضابط من مكتب المشير يتحدث لي ويقول: المشير يريد ان يتحدث الى الشاذلي في التليفون.. فقلت له لا يمكن لأن هذا خط القيادة واذا تم شغله فلن نتصل بأحد.. فقال هذه اوامر المشير فقلت انا لا اخذ اوامري من المشير ولكن من قائد القوات، وذهبت الى قائد القوات في المكتب ورويت له ما حدث وانا عنده بالمكتب ضرب التليفون. وكانت الأوامر بمد هذا الخط وفعلاً قمت انا بمده وهذا الكلام كان يوم 1 أو 2 يونيو. وفي يوم 5 يونيو تم استدعائي لمقابلة المشير في المطار وذهبنا ونزلنا في المطار. وانطلقت شرارة الحرب وتم ضرب المطار. وفي هذه الفترة وخلال وجودي في القيادة الشرقية لم تكن لا قيادة ولا عسكرية ولا تخطيط ولا شيء مما تعلمناه، ولكن برغم كل هذه المآسي لن انسى مشهد القيادة الشرقية واقفة "طابور" قبل تحركها من الاسماعيلية "تصور رايحين نحارب وماشيين طابور".


عيوب عامر


}
متى بدأت تظهر عيوب عبدالحكيم عامر كقائد؟
-
عامر ظهرت عيوبه منذ ان تولى القيادة فلم يتخذ أي قرار عسكري بل كان ينظر الى الناحية الشخصية، فهو ليس قائداً. كان انساناً يخدم الناس ويجامل ولكنه ليس قائدا عسكريا. المهم اثناء سيرنا وتوجهنا الى سيناء سألت القائد احنا رايحين فين؟ فقال لي "احنا رايحين نحارب".. وهل عندنا خطط هجومية؟ فقال لي "لا" وسألته هل عندنا خطط دفاع؟ فقال: نعم فقلت وهل ستنفذ خطط الدفاع في الهجوم؟ فقال "لا اعرف" وسألته ما هي التعليمات؟ فقال التعليمات أن نتحرك. وعندما ذهبنا الى سيناء لم اجد أي شيء مما تعلمته او علمته لصغار الضباط.. كل هذه الأخطاء كانت سبباً في الانسحاب.


اعادة البناء


}
ماذا حدث بعد النكسة؟
-
بعد اقالة المشير عامر وتولية احمد اسماعيل قيادة الجبهة الشرقية، لم يكن هناك جيش أول وجيش ثان بل قيادة واحدة. وللحقيقة احمد اسماعيل له الفضل الكبير في الاعداد لنصر اكتوبر. وقد قام بتعيين عبدالغني الجمسي رئيسا للأركان لنجد القيادة كما تعلمناها.. وبدأ اعادة ترتيب القيادة الشرقية والقوات والتدريب. وكنت اخرج من بورسعيد الى السويس وانا ضابط الاشارة للمرور على كل المواقع واجد اللواء احمد اسماعيل والجمسي في انتظاري لأقدم لهما تقريراً عما يدور على طول الجبهة. وفي احدى المرات واثناء عودتي من بورسعيد حدثت معركة رأس العش بعد ايام قليلة من معارك يونيو. فقد حضرتها ولم اشارك فيها. ومن هنا بدأت حرب الاستنزاف وبدأت القوات تتشكل في التشكيلات الصحيحة وارتفعت الروح المعنوية في التدريب وكثرت العمليات الفدائية، وتم تقسيم الجبهة الى قسمين جيش اول وجيش ثان وانتقلت انا الى القاهرة وذهبت الى التدريب في اكاديمية ناصر لكن بعد فترة استدعاني المشير احمد اسماعيل في مكتبه واعطاني برقية مكتوبة باللغة الروسية التي أعرفها. وكان مكتوبا فيها ان اسراركم كلها عند اسرائيل ويعرفون كل محادثاتكم السرية اللاسلكية والتليفونية. واقترحت القيادة أن نقوم بانشاء ادارة تحافظ على سرية العمل في القوات المسلحة. وكان ذلك عام 69 وكلفني بانشاء هذه الادارة. واطلقنا عليها ادارة أمن السيطرة واصبحت مدير هذه الادارة. وظللت فيها من 69 حتى عام 72 وقد احضرنا اجهزة من المانيا لتشفير الحديث والمستقبل يقوم بفك هذه الشفرة اوتوماتيكياً. ومن الأشياء التي افادتنا جداً في الحرب اننا احضرنا جهازاً من المانيا يكشف على الخطوط ويعرف اذا كان عليها اجهزة تنصت ام لا فوجدنا الكوابل الموجودة في منطقة القناة عليها اجهزة تنصت اسرائيلية وهذه الأجهزة تأخذ الكلام من الخطوط التليفونية وتذيعه باللاسلكي وعندما وجدنا ذلك قمنا بعمل كوابل اخرى بعيداً عن هذه الأجهزة وتركنا الكوابل القديمة بالأجهزة واستفدنا منها في التخطيط وعمليات الخداع.


عواقب الحرب
}
رغم نشوب حرب الاستنزاف كانت هناك جهود دبلوماسية لحل النزاع بالطرائق السلمية.. هل تعتقدون انه كانت هناك آمال في حل النزاع سلميا.. وهل كان الرئيس عبد الناصر يتابع بنفسه ما يجري على جبهة القتال؟
-
الشكل الدبلوماسي لم نكن لنا علاقة به لأننا قادة عسكريون.. وفي اعتقادي ان حجم الهزيمة كان اكبر بكثير من أية مفاوضات تهدف الى الحل السلمي .. قوات العدو اكتسحت سيناء في ساعات بلا مقاومة.
أما موقف الرئيس عبدالناصر، فقد كان يقوم بزيارات دورية لجبهة القتال ويحرص على لقاء الجنود والضباط. ولكني - على المستوى الشخصي - كنت على ثقة من وجود جهاز قيادي على اعلى مستوى يقود القوات المسلحة الى الطريق الصحيح، ويضم خبرات مشهودا لها بالكفاءة منها احمد اسماعيل، والجمسي، والشاذلي، وحسن الجريتلي.
* * *
حالة من القلق وعدم الاتزان سيطرت على القيادة الإسرائيلية فى الساعات التي سبقت انطلاق حرب أكتوبر. كان هناك خلاف كبير حول الموقف على جبهة القتال هناك من يطالب باستدعاء الاحتياطي، بينما يرى فريق آخر عدم الحاجة لذلك.
وأمام تمسك كل منهما برأيه استقر الأمر أخيراً على عرض الموقف على رئيسة الوزراء جولدا مائير في اجتماع عاجل انتهى بتخويل رئيسة الوزراء سلطة استدعاء الاحتياطي والاكتفاء بإعلان حالة الاستعداد بين صفوف قوات جيش الدفاع.
لم تكن البلبلة القائمة بين قادة إسرائيل "وليدة" يوم وليلة، كانت خطة "خداع" محكمة بكل المقاييس قادها على الجبهة المصرية الرئيس الراحل أنور السادات بنفسه، فقد استطاع ورجاله خداع إسرائيل وجنرالاتها في وقت كانت تحركات الجيش المصري "مكشوفة" أمام الجميع إلا أن نتائج الاجتماعات الإسرائيلية كانت تنتهي دائماً بأنه "لا نية للحرب".
قرارات حاسمة
لم يكن ما شهدته الجبهة الداخلية في اسرائيل وجبهة القتال من خطة خداع وليد المصادفة.. بل كان نتاجا لفكر مصري صميم وارادة قوية تبحث عن النصر.. وقرارات صائبة تم اتخاذها في الوقت المناسب.
}
سألت اللواء فؤاد نصار عن أسباب اختياره مديرا للمخابرات الحربية في هذا الوقت الحساس والدقيق للغاية؟
-
فأجاب: اختياري لم يكن في الحسبان، فقد استدعاني وزير الحربية احمد اسماعيل. وقال لي: اننا سوف نحارب والرئيس السادات يريدك ان تتولى مسئولية المخابرات الحربية.. فقلت له: انني ليست لي أي علاقة بالمخابرات.. فقال هذه حرب وانت عندك معرفة كبيرة بهذه الامور وقد قرر الرئيس السادات ان تتولى المخابرات فقلت: انا لي طلب بما انني لم اعمل في المخابرات، ولا اعرف المعلومات المطلوبة عنها. واذا توليت الامر فستكون مسئولية كبيرة.. أريد ان اذهب مدة ثلاثة اشهر اعمل في المخابرات كفترة تجريبية.. واثناء الحديث تلقى المشير اتصالا تليفونيا. وكان المتحدث هو الرئيس الراحل السادات وأخبره المشير اسماعيل بما قلت.. وأعطاني سماعة التليفون فقال الرئيس لي: هل تضع شروطا..؟
فقلت له: يا أفندم مصر هي التي تشترط، لاننا سندخل معركة "نكون أو لا نكون" .. واذا توليت انا هذا المنصب ومصر انهزمت- لا قدر الله - فسوف اضرب نفسي بالرصاص في مركز القيادة. وسأكون اول مصري يفعل هذا.. فأنا خائف على مصر وخائف على نفسي.. وقام المشير احمد اسماعيل بابلاغ الرئيس السادات بهذا الكلام فرد الرئيس قائلا: اذهب وتسلم غداً.. فذهبت وتسلمت العمل وبعد ثلاثة اشهر بالضبط حدثني الرئيس بالتليفون وقال لي الثلاثة الأشهر مرت.. فما رأيك؟ قلت له ممكن يا أفندم تسمح لي بسنة لاعداد الجهاز للحرب.. فقال: 9 أشهر تكفي. فقلت: ما يعمل في سنة يعمل في تسعة اشهر .. فقال : على بركة الله.
مذبحة المخابرات
}
رغم ايمان الرئيس السادات بقدراتك.. فإن الأمر لم يخل من بعض الخلافات.. في العمل طبعاً.. ما هي؟
-
منذ ان توليت مهام عملي كمدير لادارة المخابرات الحربية، وقع بعض "الخلافات" في وجهات النظر حول العمل ومهامه.. وللأمانة كان السادات رحب الصدر ولا يتدخل في أي موقف الا بعد استشارة المسئول.. واذكر انني اصدرت نشرة تنقلات اطلقوا عليها "مذبحة المخابرات" واخرجت 30 فرداً مرة واحدة من الخدمة. وعندما علم الرئيس بذلك قال اتركوه يفعل ما يريد.. وكذلك كانت هناك كتيبة اسمها كتيبة استطلاع مؤخرة، وبها اناس مدربون على ان يكونوا خلف خطوط العدو. وهذه المجموعة كنا نهتم بها جدا لأنهم سبيلنا الوحيد الى الحصول على المعلومة فلا يوجد لدينا معدات فنية او استطلاع جوي او معدات الكترونية، وكان اعتمادنا على الانسان بالدرجة الأولى، لذلك اهتممت جدا بهذه الكتيبة، وفي يوم ذهبت الى زيارة هذه الكتيبة صباحا، فلم أجد القائد. وسألت عنه فقالوا انه في منزل الرئيس.. فأصدرت قراراً بنقله الى البحر الأحمر وتعيين "علي حفظي" خلفا له . وفي المساء جاءني اتصال تليفوني من الرئيس السادات. وقال لي ما رأيك في الضابط فلان.. الذي تم نقله؟ قلت له: ضابط ممتاز.. فقال لي: هل تعرفه وتعرف ما فعله؟ قلت له: نعم فقال لماذا نقلته الى البحر الأحمر؟ قلت له لاعداد المخابرات للحرب.. فقال لي افعل ما تريد.
وللأمانة التاريخية كانت هذه اهم مميزات انور السادات.. لقد كان يترك الكل في عمله طالما انه واثق في قدراتهم.
حروب المخابرات
}
للمخابرات دور رئيسي ومهم في الحروب.. أو كما يطلق البعض عليها "حروب المخابرات".. هل هناك موعد لبدء حروب المخابرات وفقاً لأي ظروف طارئة؟
-
أي حرب مهما كانت لها بداية ونهاية إلا حرب المخابرات. فحرب المخابرات حرب مستمرة ليس لها أي نهاية.. ولكن أسلوب عملها ووسائلها تختلف طبقاً للموقف والحاجة.. لأن مهمتها الرئيسية هي الحصول على معلومات عن العدو ومنعه - في نفس التوقيت - من الحصول على معلومات عن قواتنا. ومعنى هذا أننا بصفة مستمرة نحارب للحصول على معلومات، ونمنع العدو من الحصول على معلومات عنا. وهذا لا يتوقف على أن هناك حربا أم لا فرجال المخابرات يعيشون طوال حياتهم في حرب، ومع ذلك فإن المخابرات هي الجندي المجهول في أي حرب، فهي التي تعمل في صمت وسرية لجمع المعلومات عن العدو في مختلف المجالات وتدققها وتحللها للخروج باستنتاج عن قوة العدو وتسليحه واستخداماته بل نياته وردود أفعاله أي أن المخابرات تقوم بتقديم جميع المعلومات التي يتم على أساسها وضع خطط القيادة.
وليس هذا من مسئولية المخابرات فقط، بل من مسئوليتها منع العدو من الحصول على معلومات عن قواتنا ونياته فإذا نجحت العملية أدت المخابرات واجبها، وإذا فشلت أو تعثرت يلقى العبء على المخابرات لفشلها في الحصول على المعلومات في الوقت المناسب أو عدم دقة المعلومات. وهذا ما فعلته إسرائيل عقب هزيمة أكتوبر عام 1973 حيث قامت بتشكيل لجنة أطلق عليها اسم لجنة "اجرانات" للتحقيق في أسباب الهزيمة. وقالت هذه اللجنة فى تقريرها: ان من الأسباب الرئيسية في أسباب الهزيمة هو ايلي زعيرا مدير المخابرات العسكرية بالرغم من أن الهزيمة كانت هزيمة لكل مؤسسات الدولة وليس للمخابرات العسكرية فقط.. وهذا يقودنا إلى التطرق الى الظروف والإمكانات التي عملت بها المخابرات الحربية للحصول على معلومات أثناء التحضير لحرب أكتوبر.. لماذا؟.. لأن المخابرات الحربية تم فرض قيد رئيسي على عملها وهو عدم اختراق خط الجبهة قبل بدء تحضيرات الطيران والمدفعية أي قبل ساعة الهجوم وبذلك حرمت المخابرات من استخدام الاستطلاع الجوي أو القوات المسلحة نفسها في الحصول على معلومات قبل بدء المعركة.
ولذلك لم يعد متبقياً أمامنا سوى استخدام العنصر البشري بطريقة سرية.. وقد عقدنا عدة مؤتمرات لبحث كيفية التغلب على هذه الصعاب .. وقررنا إنشاء قاعدة داخل سيناء من أبنائها أنفسهم ترتكز عليها أعمال المخابرات خلال الفترة القادمة.
بصمة
}
ما هي بصمتك على ادارة المخابرات الحربية.. خاصة في تحديث الفكر والأسلوب؟
-
بصمتي الحقيقية كانت في البحث والدرس.. وتتلخص ببساطة في انني نظرت الى نقاط القوة الخاصة بالعدو وكيف يمكن تلافيها ونقاط الضعف وكيف استغلالها.. وكذلك عناصر القوة والضعف عندنا.. وكمثال لم أجد عندنا من الامكانات الفنية والتكنولوجية ما استطيع الاعتماد عليه للحصول على المعلومات الا العنصر البشري.. وفعلاً بدأت اعتمد اعتمادا كليا على الفرد. كانت هناك مجموعة يقودها الشهيد المقاتل ابراهيم الرفاعي ومعه مجموعة من الضباط ولديهم ايمان كامل بأداء المهمة او الشهادة.. هؤلاء عبروا قناة السويس وخط بارليف واحضروا معدات من هناك وجلبوا لنا معلومات عنه وقاموا بأكثر من 39 عملية قتال.. وهناك مجموعة ثانية كان اسمها "منظمة سيناء" هذه المنظمة عبارة عن مجموعة من ابناء سيناء لأن هؤلاء يعرفون سيناء بالشبر.
وعملت معنا مجموعة اخرى من المتطوعين من المدنيين والعسكريين، واقمت بيوتاً للمتطوعين يتعلمون فيها الشفرة وقراءة الخرائط والمعلومات التي نريدها والرموز الموجودة.. كل هذا في مدة شهرين حتى يتعلم الفرد كل شيء ويأخذ جهازا لاسلكيا يبلغنا من خلاله بكل المعلومات مهما كانت صغيرة، وبهذا غطينا سيناء كلها.
وبعد الحرب سألوا ديان كيف استطاعت مصر الحصول على كل هذه المعلومات بهذا التفصيل والدقة علماً بأنه ليس لديها اجهزة متطورة او معدات فنية تستطيع بها الحصول على هذه المعلومات وليست هناك دولة تساعدها بأقمارها الصناعية؟ فأجاب لقد غطت مصر سيناء برادارات بشرية ذات عقول ترى وتستنتج وترسل افضل مائة مرة من الرادارات الصماء وبذلك استطاعت مصر ان تحصل على كل المعلومات داخل سيناء.
منظمة سيناء
}
قبل التطرق إلى شرح أسلوب المخابرات الحربية التي قمت باتباعه أثناء الحرب.. أود التطرق إلى منظمة سيناء العربية.. وهي المنظمة التي تحدثتم عنها خاصة أعمالها ضد القوات الإسرائيلية في سيناء.. فما ظروف انشاء هذه المنظمة؟
-
بعد أن قررنا الاعتماد على العنصر البشري المتمثل في أبناء سيناء، قمنا بتدريب بعض الأفراد الذين حملوا بعد ذلك لقب "منظمة سيناء العربية" ولظروف إنشاء هذه المنظمة مواقف لا تنسى، فقد تم تشكيل هذه المنظمة من أبناء القبائل البدوية وقمنا بتغطية جميع أرجاء سيناء بمندوبين لنا لتنفيذ كل ما يطلب إليهم من أعمال.. ولا شك أن هؤلاء الرجال كانوا عاملا رئيسيا في إنجاح أعمال المخابرات الحربية في مسرح العمليات.
وللحقيقة ان هؤلاء الأفراد كانوا على درجة كبيرة من التفهم للموقف ومعظمهم كانوا من أصحاب المؤهلات المتوسطة وهذه العناصر قامت بإرسال 986 بلاغاً في الفترة من نوفمبر 72 حتى سبتمبر 1974 وتضمنت هذه البلاغات رصد جميع التحركات على محاور سيناء والدعم الأمريكي بالجسر في مطار العريش.. وبعد النجاح الذي قامت به منظمة سيناء في السيطرة على جميع الأعمال في سيناء.. دفعنا هذا النجاح إلى الثقة بإمكانية استخدام القوات المسلحة في مسرح العمليات بطريقة سرية.. وحصلت على ذلك بتصديق القيادة العامة بإرسال مجموعة للاستطلاع من القوات المسلحة.
الصفة العسكرية
}
يقودنا حديثكم إلى السؤال عن مقصد القيادة العامة - وقتها - من إضفاء الصفة العسكرية على عناصر الاستطلاع البشرية.. هل كانت تقصد بذلك إعلان الحرب؟
-
نعم. وتم إرسال 22 مجموعة وتتكون الواحدة من 3-4 أفراد وتم إنزالها بحرا وجوا باستخدام الهليوكبتر والتسلل على الأقدام.. وأهم من ذلك هو "مخازن الطوارئ" وهي بعض المخازن التي كانت تعدها إسرائيل للاستخدام لأن عدد الجيش قليل والدولة بأكملها جيش في وقت الحرب بمعنى أنها عندما تحس أن هناك خطراً ما تقوم على الفور بإعلان التعبئة العامة.. ولذلك فالمعدات موجودة داخل المخازن ويأتي الأفراد لاستخدامها مباشرة ويخرجون للقتال. ولذلك تأكدنا أنهم سوف لا يقدمون على الحرب من دون المرور على مخازن الطوارئ ولذلك كانت مخازن الطوارئ الإسرائيلية هي مقياس اشتعال الحرب لدينا.. بمعنى أن الإسرائيليين إذا قدموا لاستخدام هذه المخازن فمعنى ذلك أنهم علموا أن هناك حرباً تعدها مصر وكنا نعتبر مراقبة هذه المخازن من الأشياء المهمة التي لا يمكن تركها لحظات.
}
وماذا بعد مراقبة مخازن الأسلحة الرئيسية لدى إسرائيل؟
-
في يوم 5 أكتوبر أصدرت المخابرات رسائل عاجلة إلى قواتنا قالت فيها ان إسرائيل اكتشفت نياتنا في الهجوم وكان لهذه الرسائل مبررها وهو أن إسرائيل قامت بإغلاق الأجواء الإسرائيلية ومنع الحركة على الجسور المفتوحة. وقالت مجموعة استطلاع التابعة لنا إن العدو قام بنقل قواته وأخذوا في تسلم الأسلحة من مخازن الدبابات في منطقة "المليز" وتم نقل أفراد إسرائيليين إلى منطقة تمادا لتسلم أسلحتهم وأفراد آخرين من داخل إسرائيل إلى رفح وكل هذه التحركات معناها أن إسرائيل علمت بنية مصر في الحرب. ولذلك عملنا على الحصول على المعلومات الدقيقة عن تحركات القوات الإسرائيلية من خلال المجموعات التابعة لنا.
المعلومة والمفاجأة
}
هل كانت هناك قناة اتصال بينك وبين السادات؟
-
نعم باستمرار كان هناك اتصال مباشر لعرض الموقف اولاً بأول وبدقة متناهية وكلما توافرت معلومات ذات قيمة قمت بابلاغه بها.
}
قيل ان السبب في انتصارات اكتوبر كانت المعلومات.. قبل كل شيء.
-
لا .. بل عاملان أساسيان المعلومات والمفاجأة. وهذا كان اساس عملي وقد تعلمت درساً واخبرت به السادات وهو ان روسيا عندما ارادت ان تهاجم تشيكوسلوفاكيا أجرت مناورة على الحدود ودخلت عن طريق هذه المناورة.. ولذلك بدأنا اجراء مناورة كل سنة وقلنا يجب ان نستغل هذه المناورة لشن حرب من خلالها.. اما التخطيط وموعد الحرب فهذا ما كنا نحافظ عليه جدا لدرجة ان احداً لا يعرف الا المطلوب منه فقط.
المجموعة 39 قتال
}
بين ممثلي الأمة وقف المشير أحمد إسماعيل وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة يعلن في الجلسة التاريخية لمجلس الشعب في 19 فبراير عام 1974 قرار القائد الأعلى للقوات المسلحة بمنح البطل الشهيد عميد أ.ح إبراهيم الرفاعي وسام نجمة سيناء.. وقف الرئيس السادات بنفسه ليصفق لروح الشهيد الذي قاد غالبية العمليات الاستشهادية ضد المواقع الإسرائيلية منذ حرب 1956 حتى استشهاده في 19 أكتوبر عام 1973،. هل لنا ان نتعرف شخصية هذا المقاتل.. وهذه المجموعة التي كبدت العدو اكبر الخسائر..؟
-
لو كانت هناك موسوعة لتسجيل أسماء الحاصلين على الأنواط والأوسمة العسكرية لاحتل إبراهيم الرفاعي موقع الصدارة فيها، فقد حصل على أكثر من 7 أنواط وأوسمة في مدة تقل عن خمس سنوات بدأت بنوط الشجاعة العسكري من الطبقة الأولى في فبراير عام 1968 من الرئيس جمال عبدالناصر، تقديراً للعمليات التي قادها عقب معارك 1967 تلاه وسام النجمة العسكرية في أكتوبر من نفس العام، ثم وسام النجمة العسكرية مرة أخرى في أكتوبر 1969 عن العمليات البطولية في حرب الاستنزاف، ثم وسام النجمة العسكرية المرة الثالثة في 23 أكتوبر 1970، ثم نوط الواجب العسكري من الطبقة الأولى في ابريل عام 1971 من الرئيس أنور السادات، ثم نجمة الشرف العسكرية في أغسطس من نفس العام، وأخيراً نجمة سيناء بعد استشهاده.
لقد ارتبط اسم إبراهيم الرفاعي بمجموعة من الصاعقة عرفت باسم المجموعة "39 قتال" وهي المجموعة التي استطاعت أن تحفر اسمها بحروف من نور في انصع السجلات والموسوعات العسكرية العالمية. تكونت المجموعة أول مرة في يناير 1968 وضمت 12 ضابطاً من أكفأ وأمهر ضباط الصاعقة المصرية يقودهم الرائد إبراهيم الرفاعي وقبل أن يمر عام كامل على تكوين هذه المجموعة أصبحت تضم أكثر من 100 فرد ما بين ضابط وجندي وتتبع مدير المخابرات شخصيا وأمام الدوي الذي استطاعت أن تحدثه هذه المجموعة "الوليدة" في زمن قياسي ظل مدير المخابرات حائراً في تسمية المجموعة، لقد أتمت تنفيذ "39 عملية قتال" على خط النار وخلف خطوط العدو بكل نجاح واستقر الأمر أخيراً على تسميتها المجموعة "39 قتال" وهو نفس عدد العمليات التي قامت بها حتى وقت التسمية ولكن الذي غاب عن الجميع أن إبراهيم الرفاعي قد استقر هو الآخر على اسم للمجموعة منذ سنوات، كان للرفاعي مثل أعلى في الحياة العسكرية وهو البطل أحمد عبدالعزيز الذي اختار شعاراً لرجاله في حرب فلسطين على هيئة "رأس نمر" كانت صورة البطل أحمد عبدالعزيز وشعار "رأس النمر" لا يفارقان ذهن الرفاعي، لقد كان معجباً بالشعار الى أبعد الحدود ولذلك عندما أتيحت له فرصة قيادة مجموعة قتال من أفراد الصاعقة اختار لها شعار "رأس النمر" وتم تصميم الشعار ليوضع على قلب كل فرد من أفراد المجموعة "39 قتال" أو "رأس النمر".
دور مهم
}
ما هو حقيقة الدور الذي لعبته هذه المجموعة القتالية، التي كانت تخضع في جميع تحركاتها لأوامر قيادة المخابرات الحربية..؟
-
للأمانة التاريخية لعبت هذه المجموعة دوراً غاية في الروعة فقد تكونت من بعض شباب القوات المسلحة الفدائيين المتطوعين الذين وهبوا حياتهم فداء لمصر مع إنكار ذواتهم والعمل في سرية.. وكانت هذه المجموعات تختص بتنفيذ الأعمال الفدائية وبدأت عملها في الوقت الذي انسحبت فيه القوات المسلحة من سيناء عقب نكسة 1967 وكانت القوات بأسرها منسحبة من الشرق إلى الغرب بينما كانت المجموعة 39 تتقدم من الغرب إلى الشرق وذلك للقيام بأعمال هجومية فدائية وخاصة بعد أن تم تكليفها بتدمير مخازن الذخيرة التابعة للقوات المسلحة حتى لا تتمكن القوات الإسرائيلية من استخدامها. وبالفعل قامت هذه المجموعة بتدمير المخازن قبل أن يستولي عليها العدو. ومنذ ذاك التاريخ وهي تعمل بفدائية لتنفيذ مطالب القيادة على الجانب الآخر في جنوب سيناء وتم تكليف المجموعة بتدمير آبار البترول ولإتمام هذه العمليات كانت المجموعة تستخدم جميع الوسائل وكان شعار هذه المجموعة "تنفيذ المهمة أو الشهادة".. وطوال مدة حرب الاستنزاف قامت هذه المجموعة بغارات على جميع المواقع الإسرائيلية التي كان يعتقد أنه لا يمكن الوصول إليها ومنها غارات على مدن الطور ورأس محمد وكمائن عرضية فى عمق سيناء وتلغيم الطرق.. وما تكاد المجموعة تنتهي من مهمة إلا وتتبعها بمهمة أخرى وهذه المجموعة عبرت قناة السويس 72 مرة منذ نكسة 67 حتى أكتوبر 1973 وكذلك قامت هذه المجموعة بعمليات كبيرة ضد خط بارليف. وكان لها الفضل في الحصول على معلومات فريدة من نوعها عن الخط والتحصينات "الدشم" وأسلوب استخدامها مما ساعد على رسم صورة واضحة عن الخط وتفاصيله وسهل من مهمة تحطيمه في 6 أكتوبر عام .1973 ومن أصعب المهمات التي قامت بها هذه المجموعة كانت مهمة خاصة جدا عندما ظهر نوع جديد من الصواريخ لدى القوات الإسرائيلية وكانت موضوعة ضمن تحصينات خط بارليف فتم تكليف المجموعة بالحصول على صاروخ واحد من ضمن هذه الصواريخ وإحضاره إلى القيادة المصرية وبالفعل أحضرت هذه المجموعة "الصاروخ المحدد" بعد أن عبرت إلى الضفة الشرقية ليلاً واشتبكت مع كمين وتغلبت عليه وأحضرت الصاروخ وعادت مرة أخرى إلى الضفة الغربية.
}
ألا تذكر واقعة أخرى من المهام الخطيرة التي قامت بها هذه المجموعة؟
-
أذكر أيضاً مهمة من المهام الخطيرة وكانت عقب استشهاد الفريق عبدالمنعم رياض في مارس عام 69 وكانت النيران التي أودت بحياة الفريق رياض قادمة من منطقة لسان التمساح ولذلك كان رد الفعل عنيفاً من القيادة المصرية حين أمر الرئيس جمال عبدالناصر بالقيام بهجمة مضادة على الموقع الإسرائيلي وتدميره وقتل أفراده.. وبالفعل نجحت المهمة المكلفة بها المجموعة.
استطلاع جوي
}
في ظل الظروف التي قمتم بروايتها هل افتقرت عمليات الاستطلاع إلى الاستطلاع الجوي؟
-
حدث بالفعل أن قمنا بتكليف قوات الاستطلاع الجوي بتصوير عدة مناطق معينة داخل سيناء. وكانت هذه القوات تسمى "تحت الطلب" بمعنى أنه عند الحاجة إليها يتم تكليفها بالمهمة المطلوبة بمعرفة المخابرات. وقامت هذه الوحدات باستطلاع المحاور الرئيسية لجبهة سيناء اعتباراً من صباح 6 أكتوبر من الشمال عند العريش والقطاع الأوسط حتى "المليز" وجنوباً حتى منطقة "نخل". وكانت هذه الوحدات تحت أمر المخابرات وتقوم بالتنفيذ فور التكليف بالمهمة كما كانت هناك مهام أخرى منها تأكيد المعلومات عن الأهداف البحرية شمال وشرق بورسعيد. وقد قامت الوحدات بجميع المهام المطلوبة منها وكان عدد طلعاتها الجوية 20 طلعة لصالح المخابرات من يوم 4 حتى 28 أكتوبر وذلك بالرغم من تفوق العدو الجوي.
تشفير الخرائط
}
بعد عمليات الاستطلاع هل كانت هناك عمليات استطلاع أخرى بواسطة اللاسلكي مثلاً؟
-
كان الاستطلاع اللاسكي مصدراً مؤثراً خلال الحرب في الحصول على المعلومات عن طريق شبكات العدو بعد أن قامت إسرائيل "بتشفير" جميع خرائطها وقامت بتوزيعها على جميع القوات بحيث انها عندما تصدر الأوامر تعطيها طبقاً للأرقام الموجودة على الخرائط وليس وفقاً للمواقع المحددة.. ولذلك عندما قمنا بأسر عدد من الجنود الإسرائيليين حصلنا منهم على مجموعة من الخرائط "المشفرة". وكان صعباً أن تقوم القوات الإسرائيلية بتغيير أسلوب "الشفرة" وتوزيعه مرة أخرى على القوات من جديد.. فكانت خرائطهم وتعليماتهم كتاباً مفتوحاً أمامنا وذلك بواسطة الاستطلاع اللاسلكي.
الطيران والمخابرات
}
تطرقت معكم إلى حصول أفراد المخابرات على المعلومات ولكننا لم نتطرق حتى الآن إلى منع العدو من الحصول على معلومات عن قواتنا.
-
نظرية الأمن الإسرائيلية كان عنصرا القوة الموجودان بها هما الطيران والمخابرات الذي كان يشكل العنصر الأخير في نظرهم العنصر الرابع على مستوى العالم بعد المخابرات الأمريكية والروسية والإنجليزية. ونحمد الله أن انتصرت عليهم المخابرات المصرية في أكتوبر 73 فقد كنا نعلم أننا نعمل تحت ملاحظة العدو مباشرة من الضفة الشرقية علاوة على قدرة المخابرات الإسرائيلية في الحصول على معلومات بمعاونة بعض الدول الأخرى لها ولذلك قررنا أنه لا يمكن إخفاء تحركات القوات وحشدها وإنما نخفي "نية" الهجوم واثقين أن النيات إذا لم تظهر لا يعلمها إلا الله.. وهذا ما حققه عنصر المفاجأة.. كيف؟.. كانت تعليمات التخطيط أن تبدأ بأقل عدد من الأفراد وتتسع طبقاً لتطور التخطيط وأن يعلم كل فرد قدر ما يخصه من واجبات ومستويات وأن يكتب كل فرد التعليمات والوثائق بنفسه ولا تتم كتابتها بالآلة الكاتبة ولا يتم تداولها إلا بتصديق من القيادة ولمفاجأة العدو وخداع الجيش الإسرائيلي بعد دراسة قدراته في الحصول على المعلومات تبين أنه لابد من خداع الجيش المصري "نفسه".
لذلك كان على القيادة تنفيذ 3 شروط رئيسية أولها الحرص على أن يكون توقيت الحرب سراً دفيناً ولا يتم تحديده إلا في آخر لحظة وثانيها الحاجة إلى أعمال التخطيط التفصيلي في جميع المستويات وكذلك الاستطلاع المكثف وثالثها وضع خطة حرب بسيطة مبنية على ما هو موجود بالفعل التي تقوم القوات المسلحة بالتدرب عليها منذ عام .1971
ووجدنا أن روسيا عندما غزت تشيكوسلوفاكيا عام 1968 نفذت نفس الخطة ونفذت مناورة على الحدود وقامت من خلالها بالغزو وكان هذا درساً نفذناه في .73
}
كيف؟
-
تم اعلان قيام الجيش المصري بعمل مناورة عامة على غرار مناورات الخريف السنوية تبدأ أول أكتوبر وتنتهي 7 أكتوبر ولكي نقوم بتأكيد هذا الكلام قلنا ان الضباط الذين يريدون إتمام مناسك العمرة عليهم الاستعداد لذلك عقب المناورة ويبدأ تسجيل الأسماء يوم 9 أكتوبر ولابد أن تعلم إسرائيل كل هذا.. ويبدأ تسريح الاحتياطي المشترك في المناورة اعتباراً من 4 أكتوبر وتم اعلان كل هذا وكانت هناك خطة خداع أخرى حدثت في يوم 27 سبتمبر حيث تم اعلان تعبئة 120 ألف جندي ويوم 4 أكتوبر قمنا "بتسريح" 20 ألفا منهم على أن يتم تسريح العدد المتبقي تباعاً وليس من المعقول أن يرى أي جهاز مخابرات كل هذا ويعتقد أن هذه الدولة في طريقها إلى الحرب.. واعتباراً من 1971 كانت تجرى مناورات الخريف وموضوعها عبور قناة السويس واحتلال سيناء كان من مظاهرها استدعاء الاحتياطي وتقريب وحدات الكباري وتحرك وحدات من القاهرة إلى الشرق وهذه المناورات كانت تحدث سنويا بعلم إسرائيل.
وقد تم تنسيق خطة الخداع الاستراتيجي في جميع مؤسسات الدولة وخاصة وزارتي الإعلام والخارجية.. ففي يوم 2 أكتوبر قمت باستدعاء الجنرال الروسي "جودسكي" وكان كبير ضباط الاتصال في مصر وقلت له: إن لدينا معلومات أن إسرائيل تقوم بالإعداد لعملية إغارة على قواتنا شرق القناة فهل من الممكن أن تقوم روسيا بمساعدتنا على الحصول على معلومات إضافية؟ فلم يقم بالرد على السؤال.. وقمت باستدعائه مرة أخرى يوم 4 أكتوبر 73 وقلت له إن المعلومات الموجودة عن الغارة التي ستقوم بها إسرائيل تأكدت وستسبقها ضربة جوية.. فلم يجبني المرة الثانية.. وكنا نعلم موعد الحرب من قبل وبالتحديد منذ 21 أغسطس 73،. وهذا الموعد سبقه اجتماع مهم.
}
ما هذا الاجتماع المهم؟
-
في 21 أغسطس 1973 تم الاجتماع بين القادة السوريين والمصريين.. ولكي نخفي حضورهم فقد أحضرناهم بالملابس المدنية على إحدى السفن القادمة إلى الإسكندرية .. وتم خلال الاجتماع تحديد موعد الهجوم ما بين 5-11 أكتوبر وخاصة أن "عيد الكيبور" من بين هذه الأيام.
}
لكن ماذا قالت إسرائيل بعد الحرب؟
-
قالت ان العنصر الأساسي الذي وضع بذكاء ونفذ بكفاءة هو عملية الخداع المصرية التي أسهمت أكثر من أي عنصر آخر في عدم تفسير استعداد اسرائيل للحرب.. وقالت أيضاً إن روعة وعظمة خطة الخداع كانتا نصراً كبيراً.. في حد ذاته.
}
قلتم ان إسرائيل أحست أن هناك بعض النيات من جانب القيادة المصرية لشن حرب.. بدليل أنها قامت بإعلان التعبئة العامة في صفوفها.. ماذا كان تصرف القيادة المصرية؟
-
كانت هناك تكهنات وتضارب في الآراء بين القادة الإسرائيليين حول استعداد مصر للحرب وأخيراً قالت جولدا مائير كلمتها انه لن تحدث حرب وغادرت اجتماع القادة وسافرت بعده إلى رومانيا وفي هذا الاجتماع قال ديان: إن التعبئة تكلف إسرائيل ماديا وان هناك عدة تعبئات تمت من دون جدوى.. ونصح بإجراء تعبئة جزئية مع رفع كفاءة القوات الجوية إلى الدرجة القصوى.
وفي يوم 5 أكتوبر اتصل مدير المخابرات العسكرية الإسرائيلية بمدير الموساد الساعة الثانية بعد منتصف الليل وقال له إنني لدي معلومات أن العائلات الروسية يتم ترحيلها حاليا من مصر وسوريا وقال له رئيس الموساد ان نفس المعلومات عندي وأنا على موعد مع شخصية مهمة لتأكيد هذه المعلومة.. وتم عقد اجتماع مع موشي ديان وقال خلاله ان سحب العائلات الروس من مصر وسوريا ليس معناه أن مصر تعد للحرب.. واختلفوا بعدها في الرأي.. وانتهى الاجتماع على إعلان التعبئة العامة يوم 5 أكتوبر.. وبالفعل تأكد لديهم أن هناك نية للحرب من جانب مصر في فجر يوم 6 أكتوبر ولكن من دون تحديد الموعد.. وأجرت القيادة الإسرائيلية اتصالاً بأمريكا للاستفسار عن التصرف واحتمال توجيه ضربة جوية إلى مصر فنصحهم القادة الأمريكيون بعدم الدخول في مناوشات من دون التأكد من ذلك.. وبالفعل فقد وصلت خطة الخداع المصرية إلى القادة الأمريكيين أنفسهم.
}
من خلال موقعكم كمدير للمخابرات العسكرية في حرب أكتوبر ما أهم قرار صدر بعد وصول هذه المعلومات إليكم؟
-
للحقيقة كانت هناك عدة قرارات ومواقف مهمة.. ولكن كان ما يهمنا خلال الأيام السابقة للحرب هو التأكد من عدم معرفة إسرائيل استعداداتنا بالحرب.. ولذلك عندما وردت إلينا المعلومات التي تؤكد معرفة إسرائيل استعدادنا للحرب أخطرت المشير أحمد إسماعيل والرئيس السادات فوراً ووقتها قال لي: "كويس أنهم عرفوا دلوقت مش قبل كده". ولذلك كان الوقت صعباً بالنسبة لهم فمنذ إعلانهم حتى قدومهم إلى الجبهة فإن الوقت المحدد لذلك هو 72 ساعة ومن جانبنا لم يكن لدينا إلا ساعات قليلة وتبدأ الحرب.
}
وما أهم معلومة وصلت إليكم أثناء الحرب؟
-
المعلومات كثيرة ولكن تحضرني معلومة مهمة تلقيناها من مصادرنا وهو تحريك رؤوس الكباري الإسرائيلية ليلة 17 أكتوبر وقتها وردت لنا معلومات أكيدة حول وجود موشي ديان في إحدى المناطق بالضفة الغربية للقناة أثناء مروره على القوات وعلى الفور أخطرت الرئيس السادات بذلك فقال لي: "تقدر تحدد المنطقة".. وقمت بتحديدها في مساحة 200×200م2 وعلى الفور أمر السادات بتوجيه ضربة طيران إلى هذه المنطقة وقتل ديان.. وبالفعل قامت الطائرات المصرية بغارة على المنطقة وقصفتها قصفاً شديداً وعلمت من مصادرنا أن المنطقة احترقت بالكامل.. وبعدها جلسنا ننتظر نبأ مقتل ديان.. وفي اليوم التالي وصلت إليّ إحدى الصور الفوتوغرافية لموشي ديان وهو متعلق بإحدى أشجار النخيل ومن حوله النيران في منطقة تبعد قليلاً عن المنطقة التي تم توجيه الضربة إليها .. وقمت بوضع الصورة أمام الرئيس السادات وقلت له: "ربنا لسه كاتب له عمر".

 

 

ومن المواقف التي لا تنسى والتي تؤكد أيضاً عظمة الخالق ومساندته للحق هذه الواقعة وهي قيام مجموعة من القوات الخاصة التابعة لسلاح المهندسين في صباح 6 أكتوبر بالغطس في مياه القناة لإغلاق أنابيب "النابالم" وكانت خطورة العملية في أن إسرائيل كانت تقوم بعمليات تفتيش على هذه الأنابيب في صباح كل يوم وفي هذا اليوم تأخرت المجموعة المكلفة بالتفتيش حتى العاشرة صباحاً وقامت بالتفتيش ووجدت الأنابيب مغلقة فأدركت أن هناك من قام بذلك وأخطرت على الفور قيادتها التي قامت باستدعاء المهندس المتخصص بهذه الأنابيب.. ولكن مساندة الخالق لنا كانت في أن المهندس قد سافر إلى تل أبيب للاحتفال بعيد "الكيبور" وعندما طلبوا حضوره إلى الجبهة.. كانت الحرب قد انطلقت بالفعل.

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech