Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
مؤسسة مورخين مصر للثقافه ( المجموعة 73 مؤرخين ) المشهره برقم 10257 لسنه 2016 **** تم فتح باب العضوية للمجموعة - في يناير 2017 **** 13.5 مليون زيارة منذ 2013 - 25 مليون زيارة منذ 2009 **** نرحب بكم في مقر المجموعه بميدان حدائق القبه ***** **** ننتظر تعليقاتكم علي الموضوعات ولا تنس عمل لايك وشير لما يعجبكم علي تويتر وفيس بوك **** **** ****

أسرار في حياة المشير الجمسي

 

 

 

 جزء من مذكرات وسيرته الشخصيه

 

 

 

موضوع منقول

 

لعلنا نتذكر أننا كنا نلعق جراحنا منذ حرب يونيو 1967 ، هذه الحرب التي خسرناها لأخطاء سياسية وعسكرية ارتكبناها ، وانتهت باستيلاء إسرائيل على سيناء والضفة الغربية وغزة والجولان. واتبعت اسرائيل سياسية “فرض الأمر الواقع” على العرب اعتمادا على قوتها العسكرية وعدم قدرة العرب على تحرير اراضيهم بالقوة، وبالتالي يجب أن يرضخوا لإرادتها السياسية. فرضت إسرائيل الامر الواقع في الارض المحتلة بالقوة العسكرية المتفوقة على العرب، الامر الذي قد يخلق الاحساس لدى العرب بالعجز واليأس من جدوى الصراع المسلح. وتحقق لإسرائيل هذا التفوق بمعاونة امريكا التي اصبحت حليفا مضمونا لها بشكل واضح وسافر تؤيدها سياسيا وتدعمها عسكريا واقتصاديا.

 

وكان الانعكاس الواضح لسياسة القوتين الاعظم ان امريكا كانت تغدق على اسرائيل الأسلحة بالأنواع والكميات وفي الوقيتات التي تضمن لها التفوق العسكري الدائم على الدول العربية مجتمعة. وكان الاتحاد السوفيني يقدم الدعم لمصر وسوريا بالأنواع والكميات وفي التوقيتات التي لا تسمح بسباق التسلح مع إسرائيل أو التفوق العسكري عليها.

 

فاجأناهم قبل أن يخدعونا


كان على قواتنا المسلحة ان تدخل حرب أكتوبر 1973 في ظروف عسكرية صعبة ومعقدة لهدم “نظرية الامن الاسرائيليالتي وضعتها اسرائيل لتكون ستارا لتحقيق اهدافها التوسعية وفرض الأمر الواقع على العرب.


كنا سندخل الحرب، بينما العدو له التفوق العسكري، والوضع الطبيعي ان يكون المهاجم متفوقا على المدافع. لذلك كان من الضروري إهدار التفوق العسكري في المرحلة الافتتاحية للحرب، وهي مرحلة الهجوم مع اقتحام قناة السويس.


وكنا سندخل الحرب، ونقدر ان اقتحام قناة السويس بقوات حوالي مائة الف مقاتل يعتبر من اصعب العمليات العسكرية حيث ان اصعب الموانع المائية لا ثالث لهما في العالم هما قناة السويس وقناة بنما.
وكنا سندخل الحرب بينما يستند العدو الى خط محصن على الضفة الشرقية للقناة (خط بارليف)، وله القوات الكافية المدربة في سيناء وكان لابد من نجاح عمليتنا الهجومية واختراق تحصيناته وتدميرها، وبذلك يتم تحدي نظرية الأمن الإسرائيلي.


 

وكنا سندخل الحرب ضد عدو لديه جهاز مخابرات اشتهر بكفاءته وتعاونه مع اجهزة المخابرات الأمريكية لمعرفة كل ما يدور في الوطن العربي. فإذا اكتشفت هذه الأجهزة نوايانا الهجومية، فإن إسرائيل ستبادر بتوجيه ضربة وقائية – ضربة إجهاض – تجعل عمليتنا الهجومية اكثر صعوبة وأشد تعقيدا، كما ان إسرائيل ستبادر ايضا بتنبيه الاحتياطي وإرساله للجبهتين المصرية والسورية خلال يومين.


ومن هنا، ولكل هذه الأسباب، كان من الضروري ان نبذل كل جهد ممكن لتحقيق المفاجأة حتى تكون المباراة لنا لأول مرة في الحرب ضد إسرائيل، وحرمان العدو من فترة الانذار اللازمة للتعبئة، وعدم اعطائه فرصة توجيه ضربة وقائية، وضمان نجاح الهجوم والعبور بأقل خسائر ممكنة حيث كنا قدرنا خسائرنا في جبهة قناة السويس باعداد كبيرة من الشهداء والجرحى والمصابين.

 

وقد اشترك في وضع خطة الخداع لتحقيق المفاجأة عدد محدود جدا من ضباط هيئة عمليات القوات المسلحة، وكتبت بخط اليد خطة العمليات تماما. واشتملت الخطة على اجراءات واعمال كثيرة متنوعة في مجالات مختلفة بحيث تتكون صورة متكاملة امام العدو ان قواتنا في مصر وسوريا ليس لديها نية الهجوم، بل نعمل لتقوية دفاعاتنا واستعدادنا ضد هجوم إسرائيلي محتمل.


المهندسون يعملون


طبقا لتخطيط العمليات، كان عدد من رجال المهندسين يعبرون ضمن الموجات الأولى للاقتحام في قوارب يحملون اسلحتهم ومعداتهم الفنية.


كانت اهم هذه المعدات مضخات مياه تندفع منها المياه بقوة شديدة تشق الساتر الترابي العالي على الضفة الشرقية للقناة لعمل فتحات (ممرات) فيه تسمح بتشغيل المعدات وإقامة الكباري. وكان على المهندسين ان يستخدموا 350 مضخة مياه في مواجهة الجيشين الثاني والثالث للقيام بهذا العمل.


تمكن هؤلاء الرجال من فتح اكثر من ثلاثين ممرا خلال عدة ساعات منذ بدء القتال، يتهايل من كل ممر (فتحة) 1500 متر مكعب من الرمال. وعندما وصل عدد الممرات التي تم انجاز العمل فيها الي ستين ممرا، كان المهندسون قد قاموا بتجريف 90000 متر مكعب من الرمال. كان هناك إصرار تام من جانبنا على فتح الممرات التي يستتبعها تشغيل المعديات وإقامة الكباري حيث تتدفق عليها القوات.


ومما يستحق التسجيل لرجال المهندسين بالقوات المسلحة أنهم استخدموا مضخات المياه في هذا العمل الهام على ضوء الخبرة التي اكتسبوها من العمل في انشاء السد العالي.
ويقول الجنرال اليعازر رئيس الأركان الإسرائيلي في مذكراته تعليقا على هذا العمل.


كانت أخطر الإشارات التي وصلتنا حينئذ، هي التي أفادت أن المصريين بدءاوا في عمل ممرات في السواتر الترابية السميكة باستخدام قوة دفع المياه عن طريق مضخات كانوا يستخدمونها تحت ستار كثيف من نيران المدفعية والمشاه، كما بدءوا يسقطون معديات ومعدات عبور امام رؤوس الكباري. وفعلا كانت تلك الاشارة هي أخطر الاشارات لانها تعني ان اي تقدير للعمل العسكري الذي تقوم به مصر وسوريا اصبح تقديرا متأخرا“.

 

ومما يذكر لرجال المهندسين ايضا انهم حققوا حتى الساعة العاشرة والنصف مساء يوم 6 أكتوبر اي بعد ثماني ساعات من بدء القتال فتح ستين ممرا في الساتر الترابي واتمام انشاء ثمانية كباري ثقيلة واربعة كباري خفيفة وبناء وتشغيل ثلاثين معديه. وبذلك نجح عمل عسكري عظيم في الخطوط الامامية بالجبهة تحت تهديد نيران العدو، وتحت ستر نيران قواتنا، وكان ذلك عاملا رئيسيا وحيويا لنجاح العملية الهجومية مع اقتحام قناة السويس.


تحديد يوم الهجوم


في اوائل عام 1973 قمنا في هيئة عمليات القوات المسلحة بعمل دراسة طويلة وعميقة لتحديد يوم الهجوم خلال ذلك العام بحيث يحقق احسن وانسب الظروف لنجاح العملية الهجومية، ويحقق اسوأ الظروف لإسرائيل.


وضعنا هذه الدراسة على ضوء الموقف العسكري، وفكرة العملية الهجومية المخططة، والمواصفات الفنية والطبيعية لقناة السويس من حيث المد والجزر وسرعة التيار واتجاهه، وساعات الظلام وضوء القمر، والأحوال الجوية، وحالة البحرين الأبيض والأحمر، وعوامل اخرى.
ودرسنا كل شهور السنة لاختيار افضل الشهور لاقتحام القناة حيث ان فرق المنسوب بين اعلى مد وادنى جذر هو 80 سنتيمتر في القطاع الشمالي للقناة (الإسماعيلية-بورسعيد) بينما فرق المنسوب في القطاع الجنوبي (الإسماعيلية-السويس) هو متران. كما ان سرعة التيار في القطاع الشمالي هو 18 مترا في الدقيقة، بينما سرعته في القطاع الجنوبي هو 90 مترا في الدقيقة. اما اتجاه التيار فإنه يتغير دوريا كل 6 ساعات من الشمال إلى الجنوب وبالعكس. كانت كل هذه الظواهر الطبيعية مطلوبا معرفتها لتحديد تأثيرها على وسائل العبور بالقوارب وانشاء المعديات والكباري.

 


وكان من الضروري ايضا دراسة حالة الأرصاد الجوية المناسبة لعمل القوات الجوية وحالة البحرين الابيض والاحمر لمعرفة انسبها لعمل القوات البحرية.

واشتملت الدراسة ايضا على جميع ايام العطلات الرسمية في اسرائيل بخلاف يوم السبت وهو اجازتهم السنوية، حيث تكون القوات المعادية عادة اقل استعدادا للحرب. وجدنا ان لديهم ثمانية اعياد في السنة منها ثلاثة اعياد في شهر أكتوبر 1973 هي عيد الغفران (يوم كيبور) وعيد المظلات وعيد التوراة. وكان يهمنا في الموضوع معرفة تأثير كل عطلة على اجراءات التعبئة في اسرائيل التي تعتمد اعتمادا رئيسيا في الحرب على قوات الاحتياطي. وجدنا ان يوم عيد الغفران – يوم كيبورهو يوم سبت، والاهم من ذلك هو اليوم الوحيد خلال العام الذي تتوقف فيه الإذاعة والتلفزيون عن البث لانه يعتبر يوم سكون كامل في إسرائيل. أي ان استدعاء قوات الاحتياطي بالطريقة العلنية السريعة غير مستخدمة، وبالتالي يستخدمون وسائل اخرى تتطلب وقتا اطول لتنفيذ التعبئة.

 

 


ثم انتقلنا في الدراسة الى عامل اخر هوالموقف الداخلي في اسرائيل” فقد كانت تجري انتخابات اتحاد العمال (هستدروت) في سبتمبر، وتجري انتخابات البرلمان الاسرائيلي (الكنيست) يوم 28 اكتوبر 1973. والمعروف ان الحملة الانتخابية تجذب افراد الشعب لها، علما بأن أغلب الشعب يشكل الجيش الاحتياطي مع تعبئة الدولة اثناء الحرب.
وعن الوقت المناسب للهجوم في الجبهة السورية ، فقد كان لا يجب ان يتأخر بعد شهر أكتوبر 1973 حيث ان حالة الطقس والجو تصبح غير مناسبة نظرا لبدء تساقط الجليد.
ووصلنا من هذه الدراسة المستفيضة في هيئة عمليات القوات المسلحة الى تحديد انسب الشهور خلال عام 1973 للقيام بالعملية الهجومية ، وهي مايو أو اغسطس او سبتمبرظ اكتوبر. وكان افضلها شهر أكتوبر. وحددنا في هذه الدراسة اليوم المناسب للهجوم في كل شهر وقع عليه الاختيار. وكان يوم السبتعيد الغفران – 6 أكتوبر 1973 (10 رمضان 1393 هـ) هو الذي وقع عليه الاختيار حيث توفرت فيه الشروط الملائمة لاقتحام القناة والهجوم.


سلمت هذه الدراسة بنفسي – مكتوبة بخط اليد لضمان سريتهاللفريق أول أحمد إسماعيل وزير الحربية والقائد العام حينئذ الذي قال لي انه عرضها وناقشها مع الرئيس السادات في برج العرب (غرب الاسكندرية) في اوائل ابريل 1973.


وبعد عودته اعادها لي باليد ونقل لي انبهار واعجاب الرئيس السادات بها.


وعبّر الفريق اول احمد اسماعيل عن شكره لهيئة العمليات لمجهودها في اعداد هذه الوثيقة الهامة. وكتب تعليقه عليها يقول “لقد كان تحديد (يوم الهجوم) عملا علميا على مستوى رفيع. ان هذا العمل سوف يأخذ حقه من التقدير وسوف يدخل التاريخ العلمي للحروب كنموذج من نماذج الدقة المتناهية والبحث الأمين.

 

تعرف اكثر علي الجمسي

الفلاح جنرالا

 

 

بساطة الفلاح وعظمة الجنرال المنتصر هما وجهان لعملة واحدة لم يعرف المشير الجمسي غيرهما في حياته الطويلة التي لم يكن فيها سوى فلاح أو جنرال؛ ففي نهاية عام 1921 ولد الطفل محمد عبد الغني الجمسي لأسرة ريفية كبيرة العدد فقيرة الحال يعمل عائلها في زراعة الأرض في قرية البتانون بمحافظة المنوفية، ولفقر الأسرة المدقع كان الوحيد من بين أبنائها الذي حصل تعليما نظاميا قبل أن تعرف مصر مجانية التعليم، ولعب القدر دوره في حياة الجمسي بعد أن أكمل تعليمه الثانوي، حينما سعت حكومة مصطفى النحاس باشا الوفدية لاحتواء مشاعر الوطنية المتأججة التي اجتاحت الشعب المصري في هذه الفترة؛ ففتحت -لأول مرة- أبواب الكليات العسكرية لأبناء الطبقات المتوسطة والفقيرة التي كانت محرومة منها، فالتحق الجمسي ولم يكن قد أكمل السابعة عشرة بالكلية الحربية مع عدد من أبناء جيله وطبقته الاجتماعية الذين اختارهم القدر لتغيير تاريخ مصر؛ حيث كان من جيله جمال عبد الناصر، وعبد الحكيم عامر، وصلاح وجمال سالم، وخالد محيي الدين… وغيرهم من الضباط الأحرار، وتخرج فيها عام 1939 في سلاح المدرعات، ومع اشتعال الحرب العالمية الثانية ألقت به الأقدار في صحراء مصر الغربية؛ حيث دارت أعنف معارك المدرعات بين قوات الحلفاء بقيادة مونتجمري والمحور بقيادة روميل، وكانت تجربة مهمة ودرسا مفيدا استوعبه الجمسي واختزنه لأكثر من ثلاثين عاما حين أتيح له الاستفادة منه في حرب رمضان.

 

وعقب انتهاء الحرب واصل الجمسي مسيرته العسكرية؛ فتلقى عددا من الدورات التدريبية العسكرية في كثير من دول العالم، ثم عمل ضابطا بالمخابرات الحربية، فمدرسا بمدرسة المخابرات؛ حيث تخصص في تدريس التاريخ العسكري لإسرائيل الذي كان يضم كل ما يتعلق بها عسكريا من التسليح إلى الإستراتيجية إلى المواجهة. فكان الصراع العربي الإسرائيلي هو المجال الذي برع فيه الجمسي، وقضى فيه عمره كله الذي ارتبطت كل مرحلة فيه بجولة من جولات هذا الصراع منذ حرب 1948 وحتى انتصار 1973، وحتى بعد اعتزاله للحياة العسكرية ظل مراقبا ومحللا للوضع المشتعل، مؤمنا بأن أكتوبر ليست نهاية الحروب، وأن حربا أخرى قادمة لا محالة؛ لأن مواجهة مصيرية لا بد أن تقع، وأن الانتفاضة الفلسطينية هي السلاح الأفضل والأنجع حاليا لضرب العدو الصهيوني، ولا بد من تدعيمها بكل ما نملك.

 

وكانت هزيمة يونيه 1967 بداية تصحيح المسار في مواجهة آلة الحرب الصهيونية؛ حيث أسندت القيادة المصرية للجمسي مهام الإشراف على تدريب الجيش المصري مع عدد من القيادات المشهود لها بالاستقامة والخبرة العسكرية استعدادا للثأر من الهزيمة النكراء، وكان الجمسي من أكثر قيادات الجيش دراية بالعدو، فساعده ذلك على الصعود بقوة، فتولى هيئة التدريب بالجيش، ثم رئاسة هيئة العمليات، ورئاسة المخابرات الحربية، وهو الموقع الذي شغله عام 1972، ولم يتركه إلا أثناء الحرب لشغل منصب رئيس الأركان.

 

كشكول الجمسي

لم يضيع الجمسي يوما واحدا؛ فبدأ الاستعداد لساعة الحسم مع العدو الصهيوني، فكان لا يتوقف عن رصده وتحليله وجمع كل المعلومات عنه، وعندما تم تكليفه مع قادة آخرين بإعداد خطة المعركة أخذ يستعين بكل مخزون معرفته، وبدأ تدوين ملاحظاته عن تحركات الجيش الصهيوني، وتوقيتات الحرب المقترحة، وكيفية تحقيق المفاجأة. وللحفاظ على السرية التامة دوَّنَ كل هذه المعلومات السرية في الشيء الذي لا يمكن لأحد أن يتصوره؛ فقد كتب الجمسي كل هذه المعلومات في كشكول دراسي خاص بابنته الصغرى؛ فلم يطلع عليه أو يقرؤه أحد إلا الرئيس المصري أنور السادات والسوري حافظ الأسد خلال اجتماعهما لاتخاذ قرار الحرب!

واختار القائد المصري المحنك توقيت الحرب بعناية بالغة: الساعة الثانية ظهرا من يوم السادس من أكتوبر 1973 الموافق العاشر من رمضان 1393، وهو أنسب توقيت ممكن للحرب؛ نظرا لوجود 8 أعياد يهودية وموافقته لشهر رمضان. ولأن التنسيق بين الجيشين المصري والسوري كان من أصعب مهام الحرب، ويحتاج إلى قائد من طراز فريد؛ لم يكن هناك أفضل من الجمسي.

 

ساعات عصيبة

 

 

عاش رئيس هيئة العمليات المسئول الأول عن التحركات الميدانية للمقاتلين ساعات عصيبة حتى تحقق الانتصار، لكن أصعبها تلك التي تلت ما عرف بثغرة الدفرسوار التي نجحت القوات الصهيونية في اقتحامها، وأدت إلى خلاف بين الرئيس السادات ورئيس أركانه وقتها الفريق سعد الدين الشاذلي الذي تمت إقالته على إثرها ليتولى الجمسي رئاسة الأركان، فأعد على الفور خطة لتصفية الثغرة وأسماها “شامل”، إلا أن السادات أجهضها بموافقته على فض الاشتباك الأول عقب زيارة وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر للقاهرة!

 

وبانتهاء المعركة وتكريم اللواء الجمسي، وترقيته إلى رتبة الفريق، ومنحه نجمة الشرف العسكرية.. لم تنته الساعات العصيبة في حياة الجمسي؛ فقد عاش ساعات أقسى وأصعب؛ هي ساعات المفاوضات مع عدو ظل يقاتله طيلة أكثر من ربع قرن.

 

دموع وندم

اختار السادات الفريق الجمسي ليتولى مسئولية التفاوض مع الإسرائيليين فيما عرف بمفاوضات الكيلو 101، وكقائد تجري دماء العسكرية في دمه نفذ الجمسي أوامر القيادة التي يختلف معها، وإن كان قد قرر ألا يبدأ بالتحية العسكرية للجنرال “ياريف” رئيس الوفد الإسرائيلي، وألا يصافحه، وهذا ما حدث فعلا. وبدا الرجل مفاوضا صلبا مثلما كان عسكريا صلبا، حتى جاءت أصعب لحظات عاشها الفريق في حياته كلها، لحظات دفعته -لأول مرة في حياته العسكرية- لأن يبكي! كان ذلك في يناير 1974 عندما جلس أمامه وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر ليخبره بموافقة الرئيس “السادات على انسحاب أكثر من 1000 دبابة و70 ألف جندي مصري من الضفة الشرقية لقناة السويس!! فرفض الجمسي ذلك بشدة، وسارع بالاتصال بالسادات الذي ما كان منه إلا أن أكد موافقته؛ ليعود الرجل إلى مائدة التفاوض يقاوم الدموع، ثم لم يتمالك نفسه فأدار وجهه ليداري دمعة انطلقت منه حارقة؛ حزنا على نصر عسكري وأرواح آلاف الرجال تضيعها السياسة على موائد المفاوضات. وكانت مفاجأة لهنري كيسنجر أن يرى دموع الجنرال الذي كثيرا ما أسرّ له القادة الإسرائيليون بأنهم يخشونه أكثر مما يخشون غيره من القادة العسكريين العرب.

 

وأذكر أن آخر سؤال وجهته للمشير الجمسي في لقائنا الوحيد، كان عن القرار الذي ندم عليه في حياته، فصمت للحظات وقال بأسي: “اشتراكي في التفاوض مع اليهود”.

 

آخر وزير حربية

 

 

 

 

بعد الحرب مباشرة رُقي الفريق الجمسي إلى رتبة الفريق أول مع توليه منصب وزير الحربية عام 1974 وقائد عام للجبهات العربية الثلاث عام 1975، وواصل أثناء توليه للوزارة استكمال تدريبات الجيش المصري؛ استعدادا للمعركة التي ظل طوال حياته يؤمن بها، وكان قرار السادات بألا يخرج كبار قادة حرب أكتوبر من الخدمة العسكرية طيلة حياتهم تكريما لهم، إلا أن السياسة أفسدت هذا التكريم؛ فقد تزايدت مساحة الخلاف بين الجمسي والسادات بعد مبادرة الأخير بالذهاب إلى إسرائيل عام 1977.

 

 وتطورت الأحداث بما أدى لخروج الجمسي من وزارة الحربية عام 1978، واختلف الناس حول أسباب هذا الإبعاد، ولكن ظل السبب الأرجح هو رفض الجمسي نزول الجيش إلى شوارع مصر لقمع مظاهرات 18 و19 يناير 1977 الشهيرة، فأسرّها السادات له، وكان قرار قبوله التقاعد بناء على طلب الجمسي، وتغير اسم وزارة الحربية إلى وزارة الدفاع.

 

إلا أنه رقي عام 1979 إلى رتبة المشير، وحين خرج للحياة المدنية كان أول قرار له هو رفض العمل بالسياسة، وظل محافظا على ذلك، وكان دائما ما يردد: إن الرجل العسكري لا يصلح للعمل السياسي، وإن سبب هزيمتنا عام 1967 كان بسبب اشتغال وانشغال رجال الجيش بالألاعيب في ميدان السياسة؛ فلم يجدوا ما يقدمونه في ميدان المعركة.

 

النحيف المخيف

خرج المشير الجمسي من الحياة العسكرية، لكنه ظل محتفظا بنفس التقاليد الصارمة من الالتزام والانضباط والتزام الصمت بعيدا عن الأضواء، وحين بدأت موجة الكتابة عن حرب أكتوبر تنتشر في مختلف أنحاء العالم، كانت المعلومات تتكشف تدريجيا عن دور الرجل في الحرب، وتعددت معها الألقاب التي أطلقت عليه؛ فجرت المقارنة بينه وبين الجنرال الألماني الأشهر روميل؛ فسمي “ثعلب الصحراء المصري”؛ نظرا لبراعته في قيادة معارك الصحراء، ولُقب بأستاذ المدرعات التي احترف القتال في سلاحها منذ تخرجه في الكلية الحربية.. أما أحب الألقاب إلى قلبه فكان لقب “مهندس حرب أكتوبر”؛ نظرا لاعتزازه بالحدث وفخره به.

 

إلا أن أغرب الألقاب التي أُطلقت على المشير الجمسي؛ فكان ذلك الذي أطلقته عليه جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل إبان حرب أكتوبر، حين وصفته بـ”الجنرال النحيف المخيف”.

 

وداع صامت

 

 

وفي صمت رحل المشير الجمسي بعد معاناة مع المرض؛ العدو الوحيد الذي لم يستطع قهره، فرفع له الرايات البيضاء؛ استجابة لنداء القدر، وصعدت روحه إلى ربه في 7-6-2003 عن عمر يناهز 82 عاما، عاش خلالها حياة حافلة بالانتصارات، وبينما كنت أتابع جملة النياشين والأوسمة التي تجاوز عددها 24 وساما من مختلف أنحاء العالم في الجنازة المهيبة التي حضرها كبار رموز الدولة والعسكرية المصرية تكريما ووفاء لذكرى الرجل.. من كلماته الأخيرة: “انتصار أكتوبر هو أهم وسام على صدري، وليتني أحيا لأقاتل في المعركة القادمة”!

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech