Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
رحلة في حب مصر لخط بارليف **** السبت 1 ديسمبر *** وزيارة متحف الجيش الثالث *** ومقابر الجيش الثالث *** للتواصل 01005132378

تفاصيل قتال الكتيبة 431 دفاع جوي في حرب أكتوبر

 

 

 

 

 

المحارب مصطفي بدر يكتب :تفاصيل الكتيبه ٤٣١ “الكرانتينه “ببورفؤاد فى

حرب أكتوبر ٧٣

 

 

أجمل أيام العمر ولاشك هو السادس من أكتوبر ١٩٧٣ …تفاصيله مازالت محفورة في ذاكرتي وبإذن الله ستظل ..تفاصيل موقع الكتيبة ٤٣١. بالكرانتينه في بورفؤاد مازال ماثلا أمامي …صوت المقدم منير عبد الحي قائد الكتيبة مازال في أذني …الثاني يا مصطفى ….الهدف تدمر …الله اكبر الله اكبر ….طاقم عمال التتبع الذي لم يخذلني لحظة. …ثابت فهمي تادرس

.ابن ملوي عامل الزاوية ومحمد إسماعيل عامل المسافة ومحمد عبد الرازق البلدوزر عامل الاتجاه ….ياله من يوم

رحم الله الشهداء

 

 

الخامس من أكتوبر

 

؛مدرسة الراعي الصالح ببورفؤاد؛

انهينا التهام وجبه الإفطار الرمضانية بسرعة بحثا عن التدخين فلقد مر اليوم بطيئا على غير العادة فطائرات المشروع التدريبي لم تقلع كما قالو واستمر رفع الحالة …كل شيء هادئ وها نحن نستمر في الموقع لمدة قاربت على الشهر …

ولذا قرر الطاقم القديم والخالي من الخدمة قضاء السهرة ببور سعيد …

مصطفى درويش ضابط الهوائيات مجدي يسري ضابط القواذف واحمد فؤاد قائد فصيلة الضبع الأسود ومراد يوسف ضابط إرسال أوامر التوجيه….وتوجهنا سيرا على الأقدام وآخذتنا المعدية غربا فى زمن ست دقائق ونصف …وتسامرنا ولم يكن أحدا غيري من المجموعة متزوجا فشبعت تريقه حتى عدنا إلى المدرسة بعد وجبة سحور شهيه من المشويات….

وعلى البوابة وجدت عربة قائد الكتيبة في الانتظار وأبلغت بان المقدم منير ينتظرنا جميعا سعت تاريخه ( في أسرع وقت ) .

.الموقع الحربي …الكرانتينه …بورفؤاد؛

 

أشرفت الساعة على الثالثة صباح السادس من أكتوبر عندما أعطيت تمام للقائد بأننا جميعا متواجدين وكان القائد قد امضي ليلته بقيادة اللواء ….

مصطفى اعملوا ” المين بارامتر” عايز الكتيبة مضبوطة على الشعرة ..

فيه جديد يافندم …طائرات المشروع حتطلع بكره ؟ …

خلص يا مصطفى ومنتظر تمامك.

لم يكن ذلك غريبا على المقدم منير فهو هادئ الطباع …قليل الكلام .. وبدأنا وانتهينا فى ساعة زمن وبطلنا المعدات وهى بحالة فنيه كأنها خارجة من المصنع …وصلينا الفجر جماعة وأشفقت ان أقوم بإيقاظ المقدم منير ….ودخلنا جميعا للنوم …وحاولت بشتى السبل ان أنام ولكن النوم رفض زيارتي …ناديت على محمد البزل وكان مستيقظا ..معاك حته جراية ..ففهم ان مقصدي هو ان أتوجه للصيد …فسحبت صنارتي وتوجهنا إلى الحوض القريب من الكتيبة ب ٢٠٠ متر ليس إلا ..ولم يكن نور الصبح قد شاع وكانت هناك ظلمة خفيفة تغطى الجو مع قليل من شبورة الصباح …وبدأت في الصيد ومع أول شرغوشه سمعت قدما ثقيلة تقترب …ممنوع الصيد هنا …وكنت ارتدى ستره بدون كتافات ورتبه …

من أنت وبتعمل إيه هنا ..؟

أنا ضابط امن كتيبة المدفعية اللي فتحت امبارح هنا ؟ ..

ونظرت خلفي ومع اشراقة الصباح وجدت أن المسافة بين الحوض والموقع الحربي مليئة بالمعدات المغطاة بشباك التمويه قمت واقفا وعرفته بنفسي وتصافحنا وأدركت في قراره نفسي أن هناك شئ غريب …وعلى أن احصل على ساعتين من النوم لمواجهة ما هو آت

 

السادس من أكتوبر

سعت600 ( السادسة صباحا )

؛ألقيت بظهري على سريري المواجه لباب الغرفة الطويلة والتي كنا جميعا ننام فيها وهى جزء من الموقع النصف محصن وتتحمل ما يتحمله …وكان الجميع غارق في النوم عدا من كان منوبا بالغرفة …وانتابتني مشاعر عدة …هل هو المشروع أم إنها الحرب …؟ 

حرب مين ..بالنضارة ممكن أشوف العلم الاسرائيلى اللي في نقطة رأس العش …يعنى الهاون بتاعهم ممكن يكوم الهوائيات …صحيح عملنا البدع بشباك التمويه وغيرنا الشكل …وساتر الشكاير كفايه حواليها …

وتذكرت ماحدث بيني وبين اللواء حلمى عفيفى قائد الفرقة بعد تمام احتلالنا الموقع فى ١٧ أغسطس ١٩٧٢ وبعدما شكرنا على سرعة ودقة احتلال الموقع …فيه حد عنده اسئله ..واعطانى الإذن …

سيادتك المسافة بينا وبين نقطة رأس العش خمسه كم ؟…..

ولم يدعني أكمل ….عليكم السلام ورحمة للله وبركاته …وهب واقفا …أنت بتشتغل إيه …؟ 

ضابط توجيه يافندم ….بتكلم على العدو الارضى …

دا له ناسه …أنت شغلتك العدو الجوي …قدامى على الهوائيات ورينى العدو الجوى يجيلك منين …..

وأخذت الأفكار تدور في رأسي …حتى تشكيل قتال اللواء…وكيف انه هش وكيف أن قدوم العدو من فوق بحيرة المنزلة سيمثل مشكله فى الكشف ..و…و….وسقطت في النوم وولدي على في مخيلتي

 

سعت 1330 ( الواحدة والنصف ظهرا ) 

 

؛يافندى اصحي …المقدم عايزك فى الكابينة …بجالى ساعة بنصحي فيك -اجوله أيه ؟

….الساعة كام ياوله  ؟…

تيجى تلاته ولا أربعة

قمت واقفا ونظرت في الساعة وجدتها تخطت الواحدة والنصف بخمس دقائق ….

فيه ميه يامحمد … جهز ألصابونه والميه لغاية مااجى …استنانى على باب الدشمة وتوجهت لقضاء الحاجة فى االادب خانه الميداني الموجودة فى الاتجاه الشرقي وعدت الى الدشمة وبعدما أنهيت الوضوء أحسست بثقل راسي فقررت ان اغسلها بالماء والصابون …وبدأت فى ترغية ألصابونه على شعري الكث الطويل ..وإذ بى اسمع صوتا لم اسمعه من زمن طويل …انه صوت طائرات

ورفعت رأسي فإذا بتشكيل من الطائرات السوخوى المصرية فوق راسي مباشرة ….جرىت إلى أعلى الدشمة ..وجدت أربع طائرات تتجه جنوبا وأربعة شرقا …وبعد برهة لم اخذ فيها نفسي تحولت النقطة القوية في رأس العش إلى كتل متلاحمة من النار والدخان والاتربه …وعندما نظرت شرقا رأيت على بعد انفجارات كثيفة في منطقة قطع بور فؤاد …أخذت اردد في هستيريه ..الله اكبر …الله اكبر …ونزلت سريعا وفتحت باب الكبينة ودخلت …يافندم طياراتنا تضرب اليهود …ولأول مرة أرى بسمة على شفاه المقدم منير …نزل الصابون اللي على راسك وتعالى يومنا طويل

 

سعت1530 ( الثالثة والنصف عصرا )

 

عدت سريعا الى مكاني المفضل …كرسي ضابط التوجيه وفى عجاله سأحكى ماذا تفعل الكتيبة عن طريق الهوائيات

يتم إرسال نبضات كهرومغناطيسية تنعكس من الأجسام كالطائرات والمنازل والجبال ونستقبلها ونستطيع تحديد إشارات الطائرات وتتبعها وعند دخولها مناطق التدمير يتم إطلاق حتى ثلاثة صواريخ ويتم توجيهها طبقا لمعادلات خاصة وتفجيرها على مسافة قريبة من الطائرة فتغطى الشظايا الطائرة وتدمرها ..

دا في منتهى البساطة ما تقوم به الكتيبة وعلى الواقع فالعملية في منتهى التعقيد …

 

عندما تطير الطائرات على ارتفاعات منخفضة يصعب اكتشافها راداريا لانحناء الأرض ولكثرة السطوح العاكسة عند استخدام العدو للصواريخ المضادة للرادار” الشرايك” فانه يجبرك على إغلاق المرسل وإلا دمرك الصاروخ عند استخدام العدو للإعاقة الرادارية فانك لن تتمكن من رؤية الهدف والخلاصة أن العرق في التدريب يوفر الكثير من الدماء …والحمد لله وعن طريق خبرات القتال مع الطيران الإسرائيلي تعرفنا على أساليبه وبتنا جاهزين ومرحبين بلقائه………………….

 

وكان رد الفعل الأول السريع هو التدخل لتدمير القوات القائمة بالعبور وعلى الشاشات اكتشفنا هدف معادى مقترب من اتجاه الجنوب الشرقي وتم التقاطه على مسافة٢٤ كم وتم تتبعه وتم إجراء التزامن وتم التعامل معه على انه حامل للشرايك…وأصبحت قريبا من إطلاق الصاروخ الأول في حياتي …وراجعت كل المفاتيح …الهدف داخل منطقة الإطلاق المضمونة …دمر الهدف ٣ صاروخ بفاصل ٦ ثانيه …

استعد للإطلاق ..الأول ….ولم اسمع صوت انفجار وراجعت بعيني كل أوضاع المفاتيح سلميه …إلا انه أبى أن ينطلق …وافقت على لمسة المقدم منير لكتفي …التانى يا مصطفى …استعد الثاني ..ومددت اصبعى وأطلقت الثاني …وانطلق …ثم الثالث وانطلق …المسافة ١٠ كم ….شظايا الصاروخ تغطى الهدف والثاني أيضا .. والهدف تدمر …الله اكبر …الله اكبر …وبين التكبير والتهليل والبكاء أحسسنا بان النصر قريب….وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى …صدق الله العظيم

 

2230  العاشرة والنصف ليلا 

؛بعد رد الفعل الأول ومحاولة الهجوم على القوات القائمة بالعبور وقوات قطاع بورسعيد المهاجمة لرأس العش وقطع بور فؤاد لم يكرر العدو ذلك ..وتأكدنا من تدمير طائرة أخرى بواسطة فصيلة الحية الملحقة على الكتيبة وكانت فرحتنا الأكبر بتدمير حصينات النقطة القوية في رأس العش أما نقطة القطع فقد كبدت المهاجمين خسائر كبيرة لطبيعة الأرض وضيق طريق الوصول إليها و استمرت الكتيبة بالتفتيش على الطائرات باستخدام كل الوسائل المتاحة …سواء رادار أل ب١٢ أو المحطة ….وتم اكتشاف هدف مجموعة حوالي العاشرة مساءا قمنا بالاشتباك به وإطلاق ثلاثة صواريخ واشتبكت كتيبة منطقة بلاج الأطفال البتشورا بالهدف الأخر وتم تدمير الهدفين ….وهكذا مضى اليوم الأول من أعظم الأيام في حياة الإنسان يوم استرداد الكرامة

 

 

السابع من أكتوبر..

فجرا؛

-خرجت الكتيبة من الخدمة لمدة أربع ساعات وذلك لإراحة المعدات حيث إن الدوائر الكهربية كلها تعمل بالصمامات وبالتالي فإنها تشع حرارة وتسخن ويجب إراحتها كل فترة…وجلسنا نتناقش وسألت مجدي يسرى قائد سرية النيران…لماذا لم ينطلق الصاروخ الأول…الصاروخ كان عاطلا…أحنا مختبرين مجيب كل الصواريخ بالأمس وكان سليما…

الكتيبة الفنية ستحدد العطل وتصلحه ولقد أرسلناه إليهم …

وحاولنا النوم ولكن كم الإثارة حرمنا النوم ….وجلست قبلها مع عمال التتبع وطلبت منهم ضرورة النوم ولم يكونوا ثلاثة فقط لقد أصبحوا خمسه بانضمام عاملي كابينة المنظور إليهم وهى كابينة اعلي الهوائيات يمكن منها تتبع الهدف في حالات الإعاقة…وعمال التتبع هم أساس نجاح أي اشتباك بدقة تتبعهم للهدف وكنا نختبر مستواهم يوميا ولذا وجب العمل على راحتهم واستبدالهم كل فتره ولاحظت أن الرائد عبد العزيز العابد رئيس عمليات الكتيبة ودفعتنا فهو أساسا من المكلفين .

قليل الكلام ومتجهم قليلا …فيه إيه يافندم ..وكانت صغيرته قد توفيت منذ فتره قليله وحسبت أنها قد وردت على خاطره ..

اليهود حافضين الموقع دا ..وتذكرت انه كان احد ضباط الكتيبة ٤٢٩ التي احتلت هذا الموقع في بداية عام ١٩٦٩ وكان الموقع ميداني وغير محصن واستشهد قائد الكتيبة الرائد رجب عباس وعدد غير قليل من الأفراد وشاهد ذلك بأم عينه ( قد تخونني الذاكرة في بعض أرقام الكتائب) فنظرت إليه بنظره حنان …ربنا معانا وماتقلقش …ونعم بالله

 

وكان البشر والفرح يكسو وجوه الجميع مع سماع أنباء نجاح العبور وتدفق قواتنا شرقا وكنت أكثر الناس سعادة بسقوط رأس العش مما يعنى إننا لن نتعرض لأسلحة الضرب المباشر والمدفعية المعادية وبدأنا تشغيل المعدات قبل أول ضوء وتأتى الرياح بما لا تشتهى السفن …ابلغ مراد أن حاكم التردد الأوتوماتيكي للمرسل عاطل …وبحثنا عن قطعة الغيار في المخزن فلم نجدها ضمن مكوناته وطلبناها من اللواء فابلغونا أنها ليست متواجدة وسيتم إرسالها فورا من مركز قيادة الفرقة في دمنهور ….يا خبر اسود …ما فيش صرفة يا مراد …حنقعد نتفرج ع الطائرات وهيه بتضرب فينا …

وفجأة هب مراد واقفا ..أنا جاهز يافندم …جاهز ازاى …حضبط المرسل يدوى أثناء الاشتباك …يعنى تفتح  باب المرسل وتمسك البورمه بأيدك وتعرض نفسك للإشعاع ….ماحدش ليه دعوة ..أنا المسئول وأنا اللي حتعرض للإشعاع ..الكتيبة جاهزة …واتصل القائد بكبير المهندسين الذي أكد خطورة هذا العمل على من يقوم به وأمام إصرار مراد ابلغنا أن الكتيبة صالح تلاته ستة ( ثلاث قواذف من ستة )

 

؛وصمدت مجموعة المواقع الحصينة بقطع بورفؤاد لمجموعة الهجمات المصرية المتتالية وساعدهم في ذلك طبيعة الأرض وضيق المواجهة وكانت طائرات المعاونة المباشرة المعادية تقترب على سطح الأرض لمهاجمة قواتنا ..وكانت فرصتنا لتصيدها والاشتباك بها..وكان الاشتباك بها يمثل صعوبة بالغة لطيرانها على ارتفاع منخفض وبارامتر  كبير مما يعنى أن زمن بقائها في منطقة الإطلاق والتدمير صغير جدا .

ويحتاج إلى مهارة عاليه في تحديد توقيت الإطلاق لضمان تدمير الهدف.قطع بور فؤاد على مسافة ١٩ كم …وكانت الطائرات تقترب من اتجاه الجنوب الشرقي حتى تصل إلى للبحر وتقوم بعمل مناورة حادة إلى اتجاه الغرب للتعامل مع قواتنا المهاجمة ثم التخلص في اتجاه البحر وكان عدد الطائرات لا يزيد عن طائرتين في المرة الواحدة وفى الساعة السابعة والنصف تم اكتشاف طائرتين وتم تتبعهم واتخاذ الإجراءات المضادة  للصاروخ المضاد للرادار”للشرايك” ..

وتم التأكيد على مراد بأننا سنقوم بالاشتباك وتم إطلاق ثلاث صواريخ وتدمير الهدف …ونجح الاشتباك بفضل إصرار مراد…وتكرر ذلك أربع مرات خلال اليوم ليبلغ عدد اشتباكاتنا إلى خمسه اشتباكات بخمسة طائرات أول ثلاثة بتسعة صواريخ والأخيرين بأربعة لطلب قيادة اللواء الاقتصاد في الصواريخ ……

وقبيل المغرب وصلت قطعة الغيار وتم تركيبها …كان كل افراد الكتيبة فى سعادة بالغة …لقد نجحوا فى إسقاط سبع طائرات معادية حتى ألان …من كان يحلم بذلك …وأخذنا قسطا وافرا من الراحة …من يدرى ماذا تخبأه الأقدار …العدو لم يهاجمنا حتى ألان …هل سيستمر مركزا على القوات التي عبرت وعلى المعابر .

 

..يعلم الله …وما علينا سنؤديه بإذنه سبحانه وتعالى

 

ليلا؛

وأصبحنا ستة بمصطفى عبد اللطيف ونقل أبو بكر لطفي وتولى قيادة كتيبة بتشورا ( سام 3 ) ونقل احمد فؤاد رئيسا لعمليات كتيبه ونقل مصطفى عبد اللطيف وتحرك مع كتيبته الى ليبيا وبقيت أنا وتم تحويلى إلى ضابط عامل وكنت برتبه الرائد أيام العمليات وبقى مصطفى درويش ومراد يوسف كضباط مكلفين …أردت بهذه المقدمة أن اذكر ما تناقشنا فيه مساء ذلك اليوم وما هو السبب الذي دفع مراد لتعريض نفسه للإشعاع طوال خمسة اشتباكات …هل يبحث عن مجد …كان طالبا مميزا بالكليه وطالبا مرفها من أسرة قاهريه وكان والده وكيلا لوزارة استصلاح الأراضي وكان لوكيل الوزارة وقتها ثقل كبير ….كانت أخلاقه عاليه ..ولعشرتنا المستمرة ست سنوات كنت اعرف دوافعه لفعل ذلك …كنا شبابا فى السادسة والعشرين عشنا سويا أكثر ما عشنا مع أهالينا …

 

ولم يرتضى مراد ان يكون تقصير الكتيبة بسبب تخصصه وهو ما يأباه ضميره الغض ولا يمكن ان يتعايش معه وأنا واثق ان تفكيره خارج الصندوق كان عبقريا وكلف العدو خمسة طائرات وواثق لو أن هذا الأمر عرض على اى شريف مصري لنفذه …وعلمت ان الملازم عبد المعطى قمر وهو من كان معه بنفس التخصص كان يصارع مراد لأخذ مكانه وتركه فى الاشتباك الأخير …

لم يبحث مراد عن اى تكريم من اى نوع فهو مكلف ولو قدر له العيش ووضعت الحرب أوزارها سيعود إلى عمله المعين فيه في وزارة الصحة ….وبعد تناول الإفطار مساءا جلسنا نتسامر ..ونتضاحك …

خلفتك يا واد حتبقى كلها بنات إذا كنت حتخلف من أساسه …كل اللى يجيبوا ربنا كويس هوه فيه أحلى من البنات اقله مالهومش  جيش ….وعندما سمع منير ذلك ضحك بصوت عالي …أنا عندي بنتين اجدع من أيتها راجل …ياله ناموا الحقوا ساعتين قبل الفجر وكنت كضابط توجيه أفكر كثيرا فى العدو وخاصة قبل النوم ..كيف سيأتي ..وكان مستقرا في وجداني من دراسة المنطقة وطبيعة تضاريسها ان اتجاه الجنوب الغربي هو الأمثل حيث تحجب مدينه بورسعيد الرؤيه في هذا الاتجاه ..ولذا كنت دائم التدريب مع عمال التتبع على ان العدو سنكتشفه على مسافة بسيطة جدا وعلينا حفظ شكل الكسرات حتى نستطيع التعرف عليه ..وانه يمكننا الإطلاق قبل تمام التتبع ….وغرقت في سبات عميق على هذه الأفكار

 

الثامن من أكتوبر

..الساعة التاسعة؛

 بدأنا قبل أول ضوء وقمنا بعمل الماين بارامتر وضبطنا كل شئ على الشعرة وكانت معدات الكتيبة كالعروس يوم زفافها…كل شئ لامع ومبشر وبدأنا الروتين اليومي بالتفتيش عن الأهداف ولكن كان كل شئ حولنا ساكن إلا بعض خطوط السير في عمق سيناء واغلبها كانت طائرات نقل ومواصلات معاديه …وفى حوالي التاسعة والربع وصلت بلاغات بإقلاع طائرات من مطار العريش وأكدتها بعض بلوتات ( نقاط ) على شاشه ال ب١٢ فى اتجاه الشمال ثم اختفت …ونظرا لان بلاغات لوحة الموقف العام والتي ترد عليها بلاغات المراقبة بالنظر وبلاغات الإنذار فيها تأخير يصل إلى دقيقتين فكان الاعتماد عليها في التيقظ والاحتراس …وظهرت بلاغات مراقبه تؤكد وجود ٨ أهداف على ارتفاع منخفض غربي بورسعيد وتكرر ذلك البلاغ ثانيه ..مما أكد احتمال مهاجمة التشكيل من اتجاه الغرب والجنوب الغربي وفتشت والتقط هدف مجموعة منخفض على مسافة ٢٠ كم وتم إطلاق اول صاروخ عليه ووصل بلاغ من قيادة اللواء ان الهدف متحاب ( مصري ) وعلينا إلغاء الاشتباك …سحبت المناجل للخارج وحركت الاتجاه حوالي ٢٠ درجة ثم حولت الهوائيات على مكافئ وفى نفس التوقيت انطلقت رشاشات الكتيبة لأول مرة لتنفذ مهمتها فى الدفاع عن الموقع ضد طائرتين معاديتين اعتقد أنهم من قمنا بالاشتباك بهم ..واسقطوا حمولتهم على الكتيبة من قنابل .فقمت ثانية بفتح الإرسال على هوائي والتقطت الأهداف وهى مبتعدة واشتبكنا وتمكنا من إسقاط إحداها …وهكذا دخلنا فى المعمعة …وأبلغت سرية الرشاشات بوجود قنبلة لم تنفجر أمام الفصيلة الثانية بمسافة عشرون مترا …وبمبادرة من قائد السرية ولتأكده أنها قنبلة زمنيه يمكن أن تنفجر فى اى لحظة جمع أفراد السرية الخاليين خدمه وحركوا القنبلة بعيدا عن الفصيلة بمائة متر وأحاطوها بشكاير الرمل.إلى ان حضرت جماعة المهندسين المختصة بتفجير القنابل وفجرتها .وتبين ان العدو استخدم قنابل البلى والقنابل المضادة للأفراد والمحرمة دوليا على نطاق واسع ..ووقفت طبيعة ارض الموقع الرملية المشبعة بالمياه إلى جانبنا حيث امتصت كثيرا من قوة الموجة الانفجارية للقنابل الثقيلة وامتصت كثيرا من شظاياها …وكان للاشتباك الدقيق لسرية الرشاشات اكبر الأثر في ألقاء الحمولة بعيدا عن الموقع …ولم نخسر في هذه الهجمة سوى الادب خانه الميداني الشرقية وقامت فصيلة الضبع الأسود ( سام 7 محمول علي الكتف ) بإسقاط طائرة أخرى من الطائرات المهاجمة…كان بلاغ ان الهدف صديق من اللواء وفقدان اشتباك مسببا للضيق والإحباط ولكن الأخطاء واردة حتى في الحرب … لايحس بما يجرى من نتائج اشتباكات وتحليل أعمال قتال كل الناس فقط من يعملون فى مركز القيادة …وعندما سالت منير عما حدث ..هدى نفسك ..عدت على خير …استعد لما هو آت

الساعة ١٢ ظهرا

 

بإلقاء نظرة على خريطة الموقف العام وبمراجعة أعمال قتال العدو الجوى خلال الساعة الماضية تأكد بما لايدعوا مجالا للشك ان العدو استهدف مهاجمة كتائب صواريخ قطاع بورسعيد …وطالما بدأ في هذه المهمة فانه سوف يستكملها دون شك …وعلى الرغم من ذلك فانه استمر في تقديم المعاونة الجوية لمواقعه الحصينة في قطع بور فؤاد واعتقد انه كان يستخدم طائراته القديمة نوعا فى تنفيذ ذلك وقمنا بتنفيذ اشتباكين كل بعدد ٢ صاروخ مع هذه الطائرات قبل منتصف النهار …وكان الرائد عبد العزيز العابد مركزا فى الغرفة على ظهور اى بلاغات مراقبه وركز منير على شاشة الناقل الإلكتروني للرادر ب١٢ وكنا نتوقع مهاجمتنا في اى لحظه واستمريت في التفتيش المتقطع وأكدنا على المراقبين الجويين بسرية الرشاشات بسرعة الإبلاغ عن اى أهداف ..وطلبت من عمال المنظور التركيز فى التفتيش ….وكنا جميعا فى حالة تأهب وانتظار…وكنا ننتظر ان يكون هجومه تحت ستر الإعاقة الإلكترونية واستخدام الصواريخ المضادة للرادار. باتت المواجهة قريبة والله المسلم من كيد المعتدى ….وكانت الصواريخ المحملة كلها محضرة وجاهزة ..وعمال التتبع قمت بتغييرهم وعمل بلدوزر على الاتجاه ومحمد إسماعيل على المسافة وثابت فهمي تادرس على الزاوية ..كنا مجموعة متآلفة متوالفه نفهم بعض برمشه العين ..خمس سنوات وتزيد سويا …وكانوا يفهمون ويعرفون تكتيكات العدو الجوى وأعماله المنتظرة كما اعرفها …كنا أسرة ..أخوة يربطهم مصير واحد وهدف واحد ..وطلبت هذه المجموعة لأنها لاتدخن ..اي ان السيجارة لن تطلب من احدهم التغيير …وكان الباقي على نفس مستواهم … ومن راديو بعيد فى الغرفة سمعنا وردة تشدو …وأنا على الربابة بغنى…..واناااااا ….

بلاغات مراقبة ٨ منخفض فى اتجاه الجنوب …

٨ منخفض في اتجاه الغرب نفذ خطة الحماية المتبادلة

٨ منخفض اتجاه الجنوب الغربي أزيز اتجاه الشمال

أزفت الآزفة …ونكون أو لا نكون إنهم يستهدفون كتائب اللواء بما لايقل عن أربعين طائرة طبقا لبلاغات الموقف العام هدف …

هدف اتجاه ١٩٠ مسافة ١٥على الهدف دمر الهدف ٢ صاروخ الأول …ع الهدف المسافة ١٠ كم …الهدف تدمر بلاغ من عامل المنظور .

هدف على اليمين قمت بتحريك الهوائيات والتقطنا الهدف وتم الإطلاق وتدميره على مسافة ٨ كم ولم تنقطع أصوات طلقات المدفعية المضادة للطائرات الخاصة بقطاع بورسعيد والوحدات البحرية ..ولم تشتبك سرية رشاشات الكتيبة خلال هذه الهجمة …

 

وتنفيذا للحماية المتبادلة استمريت في التفتيش والتقطت هدف في اتجاه الشمال الغربي وقمت بالإطلاق عليه وقبل إطلاق الصاروخ الثاني لاحظت كسره صغير سريعة تتجه نحو الهدف فأيقنت انه صاروخ لأحد الكتائب فاكتفيت بما أطلقت وتقابل الصاروخان على الهدف وتدمر وتأكد تدميره بواسطة عمال المنظور….

استغرقت هذه الهجمة ما يقارب النصف ساعة..مرت كأنها دهر ….وكانت الكبائن تهتز بالتكبير عند تدمير كل هدف ..والذي أعطى لكل واحد فينا حياة حتى لو استشهد فى مكانه .. .ومرت الثانية ….فهل تكون التالتة تابته

 

الثالثة ظهرا؛

؛علمتنا خبرة القتال أنهم ينقضون على الكتائب الطرفية أولا ويستكملون بالباقي ويعيدون التأكد للإسكات …وبصوت خفيض وبعد حديثه الطويل مع قيادة اللواء الذي لم استطيع التعرف على كلمة منه …سألته موقف بقيت الناس إيه يافندم انحنى على أذني حتى لا يسمع احد شد حيلك لغاية الباقي ما يستعيد موقفه …خفق قلبي سريعا وأحسست بهول المسئولية وللتأكد وبدرجة اقل يعنى مفيش غيرنا …فقال بصوت جهوري …مصطفى …

فانتبهت وبدأت في التركيز على التفتيش …وكان كل شئ ساكن ..لا صوت حتى لإنسان …سكون غريب أو هكذا خيل لي …إلى أن سمعت صوت عبد العزيز قادما من الغرفة …هدف اتجاه ١٧٠ مسافة ٣٥.. وطلب من منير التفتيش عن الهدف …والتقطته سرعته لا تزيد عن ١٠٠ م/ ث وارتفاعه واحد كم …انه عابر ولن يدخل منطقة التدمير إلا إذا ناور فجأة…وعندما وصل إلى اتجاه الشرق تماما قام بعمل تداخل ايجابي بشدة متوسطة على المستويين ….الهدف إعاقة …احتمال دخول أهداف أخري يافندم٨ منخفض اتجاه٢١٠٨ منخفض جدا اتجاه٢٧٠وبسرعة حركت الهوائيات الى اتجاه الجنوب الغربي..وابلغ بلدوزر وإسماعيل هدف يافندم آما ثابت فلا توجد أهداف …

 

وأمرني منير بالإطلاق الفوري … الكتيبة تهاجم قمت برفع الزاوية وعامل الهوائيات يبلغ أربع أهداف في الغرب وعامل المنظور يبلغ عن أربعة أخرى في اتجاه الجنوب …وتسمع صوت طلقات المدفعية والرشاشات .وقمت بالضغط على زر الإطلاق ولكنى سمعت صوت ارتطام شديد وارتفعت الكابينة بالكامل لتصطدم بسقف الدشمة وترتد إلى الأرض وتفصل القوى الكهربائية وتعلو الاتربه وتظهر رائحة غريبة للغاية ..

يسمع معها صوت ينادى …غاز …غاز ويرتدى الجميع الأقنعة الواقية ولا تنقطع أصوات طلقات المدفعية والرشاشات وتعلو همهمة داخل وخارج الكابينة وكلنا بشر ولابد ان يزورنا الخوف فهو غريزة بشرية خلقها الله فينا لبقاء النوع ولكن السيطرة عليه مطلوبة …وفى ظل هذا الجو والدخان والتراب والغاز …

ظهر لي أبى …لو هتموت موت راجل وأوعى تموت جبان …فيه رجاله في رقبتك ….وكان الكتيبة لم تقصف .. وهذا لم يأخذ ثانية ووضعت يدي على ركبة منير الذي نادي بصوت جهوري ماحدش يقلق مافيش حاجة …اجري يا بلدوزر خليهم يشغلوا الديزل ..كل الضباط تقابلني تحت فى الدشمة عوزين نحصر الخسائر….دا مش غاز ….دا مؤكسد أنا متأكد ….وفتح باب الكابينة وأنا خلفه …لم اعد ضابطا للتوجيه ورائي سريه مطلوب منها الكثير وعلى لملمته .

 

الساعة الخامسة عصرا؛

النفس البشرية كم هي سهلة بسيطة وصعبة معقدة ..مرضها الكره والحقد وشفاؤها الحب والثقة ….واحمد الله على تلك المجموعة النبيلة التي تواجدت كواحد من أعضائها فى بور فؤاد ….حيث بدأنا في أسوان من يوليو ١٩٦٨ ونحن سويا من أيام ما كانت إجازة المجند كل ١٢٠ يوم عشرة أيام والمتطوع كل سبعين أسبوع والضابط كل ٥٣ ىوم سبعة…شباب وشه في وش بعض فتعارفنا وتصادقنا وأصبحنا إخوة كلنا نذوب في بوتقة الكتيبة ٤٣١ احترام متبادل ومعلوم ما هو الصح والغلط وصقلتنا تجارب الأيام …ولكن لم نمتحن مثل هذا الامتحان القاسي ودعوت الله كثيرا ان يلطف بنا فى هذا اليوم …وعندما خرجنا من الكابينة وجدت عددا لا باس به من الأفراد والضباط داخل الدشمة المحصنة ..وبعض المستجدين من حفظة القرآن بدءوا يقرئون ويكررون آية الشهادة …ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون …وكأننا في مقابر ..وكان هناك كارثة في الخارج ..وناس تقرأ القرآن لن تستطيع أن تقول لهم بطلوا …وخرجت خلف منير إلى الخارج متصورا مصيبة بجميع المقاييس …وعندما خرجت وجدت الهوائيات صامدة لم تمس ووجدت نفسي ابكي فرحا …لم تمس وتوجهت الى الديزل فوجدت الفريد شفيق قديس ورجالته السعودي ومحمد نجحوا في أطفاء حريق جزئي في احد الديازل …ولاحظت أن أكثر التدمير قد أصاب الصواريخ التي مازال المؤكسد تتصاعد أبخرته منها ووجدت مجدي يحاول تفريغ احد الصواريخ الغير مصابه وبدا جهاز رادار ال ب١٢ على بعد سليما الحمد لله يا مانتا كريم يارب ….وناديت على محمد إبراهيم حكمدار السرية …اجمع الناس وعايز تمام هنا دلوقت فى الدشمة وبينما كان يجمع الناس اشتغلت الديازل وتم تشغيل المحطة ووجدناها عروسه زى الصبح …وجاهزة ثلاثة قناة …واعطانى محمد إبراهيم تمام بالسرية ولا يوجد مفقودين …أحمدك يارب ….وللأسف ابلغنا مجدي يسرى قائد سرية النيران ان جميع القواذف عاطلة وأصيبت بشظايا ومنها ما هو غير قادر بإمكانيته على تفريغ صواريخها ويحتاج الكتيبة الفنية للمساعدة العاجلة ….ومن الغريب انه بمجرد زن المعدات وتشغيلها عادت البسمة للوجوه ..وعاد الجميع سعيدا وطلبوا من المقدم منير أن يذهب بتقرير إلى قيادة اللواء …ونادي على قادة السرايا وسألنا على طلباتنا وركز على مجدي يسرى …ولما سألنى …يافندم لو اللواء مش هيوفر قواذف الليلة الهوائيات دى لازم تبات مفكوكة ومخبأه في اى مكان في بور فؤاد ومن ألان ولازم نستغل الليل في كده …العدو لن يرحمنا صباحا…… ولا تنسي ان عندنا اكتر من عشرين آلف شكارة رمل عايزة تشال …سيادتك أنا منتظر منك تليفون …..وكان الرائد عبد العزيز أصابه صداع شديد ودخل ريح شوية….يا رب عدى ألليله دى على خير

 

الساعة السابعة مساءا

؛موقع الكرانتينا أو مصنع الملح موجود جنوب مدينة بور فؤاد ..اى في قارة أسيا اى في الضفة الشرقية للقناة …في سيناء ..قناة السويس غربه بمسافة ٤٠٠ متر وقناة مصنع الملح شرقه ب ٣٠٠ متر وعلى امتداده شرقا مزارع أبو ذكرى للأسماك على مساحة شاسعة وارتفاع الماء لا يزيد عن نصف متر …اى أن الموقع يمكن بسهولة التسلل إليه وتخريبه ولذا كان واجبا علينا اتخاذ إجراءات الدفاع الأرضي ولم تكن عرفت اوعممت في هذا التوقيت فى قوات الدفاع الجوي وكان يجب علينا الحذر ….وخاصة بعد ورود بلاغ بأنه شوهدت عناصر متفرقة تتسلل في اتجاه بور فؤاد …وكانت لي طبيعة خاصة في التعامل مع الضباط …أحب أن يختار الضابط بنفسه مهمته الإضافية حتى يؤديها بتفوق ذاتي ..وإذا لم يكن فاختار الأكفأ من وجهة نظري لأدائها …وكان كل الضباط فى الدشمة وعرضت عليهم ..عايزىن ضابط يشكل فصيلة بالسلاح ويقوم بعمل كمين ومراقبة الاتجاه الشرقي للكتيبة …وانتظرت دقيقتين ونظرت لمن هم أقدم ..ولكن اليوم كان شديد الوطأة على البعض وفوجئت ان أوسم ضباط الكتيبة ومن يعتقد البعض انه خلق للفتيات دون الأعمال القتالية ينتصب واقفا …أنا حنفذ يافندم …لقد كان مجدي فؤاد صادق ضابط الهوائيات وأول دفعته الدفعة ٥٩ …واخذ معه الملازم أول عبد المعطى قمر ….وهكذا المواقف تخلق الرجال ….وفعلا في هذه الليلة تم القبض على عناصر متسللة تبين أنها مصريه كانت تعمل خلف خطوط العدو وأمرت بالعودة وانتظرت طويلا تليفون قائد الكتيبة ولكنه عاد فى العاشرة وقال لقد أمر قائد الفرقة ببقاء الحال على ماهو عليه لحين وصول اللواء مجدي سليمان رئيس أركان الفرقة غدا نعم …

.وهوة إيه اللي يعمله قائد الدفاع الجوى لو جه ؟…شدوا حيلكم يا رجاله وانتشروا لغاية ما ندبر الحاجات الناقصة….لماذا لم يفكر احد خارج الصندوق …لماذا لم يعرض الأمر على قائد الفرقة بالأسلوب الصح …..اهدأ يا مصطفى …قطاع بورسعيد جيله كتائب من بره تحتل ونستعيد الموقف وندى تمام يوم عشرة الصبح …طب ليه نسيب الهوائيات تدمر …هيه دى الأوامر يا سيادة الرائد وما علينا سوى التنفيذ…ولم يغمض لي جفن طوال هذه الليلة ..وماذا إذا وعندما بلغ بي الضيق مبلغة خرجت أنا والفريد ومجدي ودرويش وجلسنا ندخن بجوار الهوائيات……

 

التاسع من أكتوبر

فجرا؛

؛قائد القوات وقائد الفرقة وكل القوات يرسلوا ليكم الشكر على مجهودكم الرائع في قتال العدو الجوى …و. ….و…..و……وعيزينكم توجوا مجهودكم الرائع بان تستعيدوا الموقف مع الكتائب اللي دخلت وجاءت من العمق ..فيه قواذف توصل لكم النهاردة …والاهم أنكم تحركوا الهوائيات وتعملوا انتشار فى بور فؤاد لان العدو أكيد سيعاود الهجوم …..وتمنياتي لكم بالتوفيق ……قال كلماته في عجالة وكأنه على قدر يغلى وركب سيارته ومعه المقدم احمد بلال رئيس أركان اللواء …غادر اللواء مجدي احمد سليمان رئيس أركان الفرقة الموقع وقولوا لعين الشمس ما تحماشى أحسن حبيب القلب صابح ماشى …ونظرت نظرة طويلة الى منير أدرك معناها ونادي على الضباط …دا طبعا أسهل من أي تحرك لان الكباين اللي فى الدشمة مش حتتحرك الهوائيات والديازل واللي نقدر نحركه من القواذف وطبعا كل عربيات النقل والتحميل وسنعمل انتشار فى الشوارع الموازية لشارع مدرسة الراعي الصالح …نص سرية الرشاشات هينضم عليك يا مصطفى عشان الشكاير وربنا يوفقكم …..وبدأ أطول يوم في تاريخ حياتي ..بدأنا حزينا على ١٢ ساعة محمية بالظلام فقدناها لأسباب لا اعلمها وحاولت أن أجد لها سببا طوال أعوام عمري السابقة فلم أجد …

 

 

وحتى يكون القارئ في الصورة سأروى قليلا عن الهوائيات تتكون كابينة الإرسال والاستقبال من الكابينة ووزنها ١٢ طن وتحمل هوائي مكون من ثلاثة أجزاء كل منها يزن طنا وهى الشبكة وهوائي الزاوية وهوائي الاتجاه والذي يتصل به هوائي إرسال أوامر التوجيه ….وبالقطع فانه يتم استخدام ونش ومجموعة كبيرة من الأفراد لفك الهوائيات وتحميلها على المقاطير وهذه الكابينة محاطة بساتر دائري من شكاير الرمل لحمايتها من شظايا القنابل ولتثبيت الونش وفك الهوائيات لابد من إزاحة ساتر المدخل وهو عبارة عن سبعة آلاف شيكاره يجب وضعها جانبا بحيث لا تشكل إعاقة لحركة الونش أو المقاطير وكان مطلوبا أيضا تحريك مولدات القوى ولها ساتر من أربعة ألاف شيكاره وأعطيت جنود سرية الرشاشات لفريد لإزاحة ساتر الشكاير ..وصعدت بقوة السرية وكل ضباطها إلى دشمة الهوائيات …كلنا واحد ضابط أو صف او عسكري الهوائيات دى مش أول مره نفكها بس دى أهم مره أول مانسمع  الرتاله ..يعنى فيه هجوم جوى حنجري على الدشمة أو الحفر ..ومع الرتاله الثانية نطلع نكمل شغل …وتوجهت بشخصي ورفعت أول شكارة وناولتها لمن هو جواري ..وبدأ العمل وبدأ الساتر يتلاشى….إلى أن بدأت أصوات دانات المدافع ال٣٧ مم والرشاشات تظهر وسمعنا الرتاله وجرى الكل ليأخذ ساترا

 

الثامنة صباحا؛

وصلنا في التدريب وكثيرا من التحركات التي نفذنها قبلا أن نصف الكتيبة في قول تحرك كاملة بجميع سراياها وعرباتها في ٣٤ دقيقة وكان الاحتراف في التدريب أن وصلنا إلى إجراءات تنفذ أوتوماتيكيا دونما تفكير وذلك من كثرة التعود …وكنا نستغل الظلام في تجميع اكبر عدد من الأفراد للعمل مع الشكاير ..أما في النهار فلا استغناء عن سرية الرشاشات مصدر النيران والحماية الوحيد المتوفر لنا وعبرت طائرتين ميراج من فوق الكتيبة وطلقات الرشاشات والمدفعية تحاول على استحياء الاقتراب منهما ولم يقوما بأي قصف للقنابل أو استخدام للصواريخ المثبتة تحت أجنحتها وقاما بالدوران شرقا بمحاذاة ساحل البحر وعلى ما يبدو أنهم كانا في مهمة استطلاعيه وتساءلت مع نفسي ..أين قواتنا الجوية …أين مقاتلاتنا ..أليس هناك احتياطي يوفر الحماية لبورسعيد لحين استعادة كفاءة الصواريخ …على ما يبدو أنهم يدخرونها لشئ آخر أو يخشون من فقدها …وكان ذلك يسبب مرارة في نفسي …فما بالكم بضباط وجنود القطاع والذين يحاصرون نقط قطع بور فؤاد …والطيران لم يتوقف عن مهاجمتهم بمجرد خروجنا من واجب العمليات ….ما علينا.. وبمجرد اختفاء الطائرتين استكملنا تحريك الشكاير وتحرك الونش ونجحنا في فك هوائي الزاوية وقطره ودفعه مع مولدات القوى إلى منطقة الانتشار واثناء فك هوائي الاتجاه بدأت المدفعية في الاشتباك وضربت الرتالات وبدأت سرية الرشاشات في الاشتباك وهرولنا جميعا إلى الدشمة ولم يستطع سائق العربة الكراز الذي كان صاعدا على الرامب قاطرا مقطورة هوائي الاتجاه الفارغة أن يسيطر على العربة عندما رأى هرولة الأفراد إلى الدشمة فانحرف إلى الجانب الرملي من الرامب وانقلبت العربة على جانبها وخرج منها ليلحقنا …وعندما راني كان يبكى كالطفل والله غصب عنى ..انا طفيت الماتور قبل ما اطلع منها …والنبي ماتزعل يا فندى ح نعدلها ..وكان شابا طنطاويا من عزبة ستوتة  نسيت اسمه ومازالت ملامحه الشبابية امامى.

وسمعنا صوت انفجار شديد وانفجارات أخري مكتومة ورأيت صاروخا ينفجر فى القاذف القريب من باب الدشمة وسقط جزء من ساتر الشكاير على المدخل ..واستمرت سرية الرشاشات في الاشتباك ..

 

الثالثة عصرا

؛استمرت الغارة طويلا او حسبنا ذلك ..واستمرت الانفجارات المكتومة زمنا وبانتهاء الغارة استكشفنا مكان العمل خوفا من وجود قنابل زمنيه وأبلغتنا سرية الرشاشات عن وجود بعضا منها ولكن على مسافة غير مؤثرة …ونجحت الغارة في هدفها فأصيب هوائي الاتجاه بكثير من الشظايا إحالته وهو معلق في الونش إلى قطعة من الخردة …وأصيبت كابينة التوزيع أصابه مباشرة تحتاج معها النزول للورشة …وحمدنا الله على عدم إصابة احد وبقاء الونش صالحا للعمل …وأمرت سائق الونش بتنزيل الهوائي المعطوب إلى احد اجتاب الرامب وجمعنا اكبر قدر من الأفراد وطلبت من سائق الونش تعليق الواير في جانب الكراز المعاكس للجانب التي قلبت عليه وركب السائق وأخذنا في زق للعربة اعتمادا على ميل الدشمة واعتدلت بوجهها ودارت وعاد فاطرا الشبكة وفى خلال عشرة دقائق كانت الهوائيات والكابينة متوجهين للانتشار وهكذا خسرنا كابينة التوزيع وهوائي الاتجاه وأصبحنا غير قادرين على الاشتباك أو استعادة الموقف …مالم تدبر هذه المعدات وللأسف اكتشف مراد ان كابل مرسل الأوامر الذي يحمل أوامر الصاروخ إلى الهوائي قد تمزق نتيجة أصابته بشظايا وابلغ منير الخسائر الجديدة لقيادة اللواء أن الهوائي والكابل موجودين في الاحتياطي وقيادة الدفاع الجوى أرسلت كابينة التوزيع ويحتمل وصولها قبل أول ضوء وتأجل استعادة الموقف يوما كاملا وتم وصول أربعة قواذف من الكتيبة ٤٣٤ وونش ضخم من هيئة قناة السويس لاستخراج قواذفنا المدمرة …وعند استخراج القاذف الأخير تم اكتشاف جثة شهيد بدأت في التحلل وتبين أنها لمجند مستجد في سرية النيران وصل الكتيبة يوم ١٠/٣ وأسف أن ذاكرتي لم تسعفني لذكر اسمه وقبل منتصف الليل كان هناك أربعة قواذف صالحة حول الدشمة ….وبذل مجدي يسرى ورجال سرية النيران مجهودا كبيرا في تغطيتهم بشباك التمويه …وأصبح شكل الموقع يوحى بعدم الحياة ……….

 

بعد صلاة العشاء

بلغ الإجهاد مداه وكان الجميع مرهقا ومرهقا للغاية واحدث تدمير الهوائي وكابينة التوزيع اثر نفسي سلبي ..نفسية المقاتل متى بدأ القتال تدور صعودا وهبوطا مع قدرته على القتال …دفعني ذلك إلى الجلوس مع السرية وفك طلاسم بعض الوجوه العبوسة ….ولا يمكنك تنفيذ ذلك دون أدارة حوار …..وبدأت بالانجازات وأخذت اسأل ..عملنا كام اشتباك أطلقنا كام صاروخ …دمرنا كام طياره …تفتكروا دول لو اتسابو كانوا عملوا إيه …أترمى علينا قد إيه قنابل …كام واحد مات …كام واحد اجرح …شايفين ربنا واقف معانا ازاى ….وكان بينهم مجموعة من الجامعيين الذين ساعدوا إلى حد كبير في إزالة الإرهاق النفسي للمتعبين….نعمل إيه بكرة ورد على عبد ألحى ابن أجا وهو عامل هوائيات …هوة أحنا ورآنا غير الشكاير …وضحك الجميع …

مين يرد عليه …إسماعيل عبد المبدي بتاع الإحداثيات ..والنبي لولا الشكاير دى لكنا في خبر كان …

اما ناصف عامل أنتاج الأوامر ..ياريت فيه قدها تلات مرات …هوة أحنا يهمنا شكاير …اهى علقة تفوت وماحد يموت …

واستودعتهم الله وهم يضحكون بعدما بينت المهام الرئيسيه للغد ….وألقيت بنفسي على السرير وتذكرت أنى مازلت مرتديا للخوذة وبذلت جهدا مضنيا لخلعها وأنا مسطح ووضعتها بجوار السرير وعلى ما يبدو انه أغمى على من الإرهاق وفيما يشبه الحلم سمعت صوت المدفعية ال م.ط بكثافة ..فقلت لنفسي الطائرات مازالت بعيدة …وعندما سمعت الرشاشات جلست على السرير ووضعت الخوذة على رأسي وإذا بصوت رجة شديدة وباب الحجرة يطير من مكانه ويرشق في الخوذة .التي حمتني من القتل ….وتبين أن طائرتين هاجما الموقع الشبه خالي وكأنهم وجهوا قنابلهم إلى احداثى معين بصرف النظر عن محتواه

 

العاشر من أكتوبر

فجرا.

هرول الجميع إلى خارج الحجرة بعد ذلك الانفجار العظيم وحمدنا الله انه لم يصب احد ووجدنا أن السواتر الرملية قد سقطت ..وجلس الجميع لالتقاط الأنفاس ..وفى الخارج وجدنا حفرة عميقة مملوءة بالمياه مكان سقوط وانفجار القنبلة ….وجمعنا الأفراد وأكدنا عليهم جميعا بضرورة الراحة نهارا لان العمل الشاق سيبدأ بعد أخر ضوء وعلمنا أن هوائي الاتجاه وكابينة التوزيع قد وصلا إلى منطقة الانتشار ولم يبقى غير كابل إرسال الأوامر والذي أكد كبير المهندسين الرائد الحفناوى انه موجود في الاحتياطي …واستمرت الغارات طوال النهار ولكن ليست بكثافة يوم١٠/٨ حيث تبين انه تم الهجوم في ثلاث موجات الأولى بقوة ٢٠ طائرة والثانية والثالثة بقوة ٥٥ طائرة واعتقد أن الهدف كان عزل بورسعيد واستغلال النقاط التي لم تسقط فى قطع بور فؤاد في عمل إنزال بحري أو إسقاط جوى والاستيلاء على المدينة كرد اعتبار للعبور المصري العظيم ولرفع الروح المعنوية المنهارة للشعب الإسرائيلي …ولكثرة الخسائر والاستعادة الجزئية للصواريخ المضادة للطائرات جعلته يستبدل هذه المهمة بثغرة الدفرسوار …

 

هذا من محض تفكيري بعد كل هذه السنوات الطوال علمت أيضا أن كتيبة عصمت بشير والتي كان رئيس عملياتها قد وصلت إلى بورسعيد وقد تم استبدال قائد الكتيبة بالرائد الحسيني عبد الحميد قائد الكتيبة ٤٣٤ وسيقوموا باحتلال موقع قطع بور فؤاد وهو شرق المدينة بعشرة كيلومترات وطريق الوصول إليه غاية في الصعوبة وتبعد فقط عشرة كم عن المواقع المحصنة المعادية …كما أن موقع المزرعة في مقابر بورسعيد والذي كان محتلا بواسطة الكتيبة ٤٦٣ كتيبة صلاح عامر ومحمد عبد العظيم واحمد سعد تم احتلالها بواسطة كتيبة احتياطي قائد القوات ..الكتيبة ٤١٨ بقيادة الرائد أيمن سيد احمد حب الدين …وفقهم الله جميعا في حماية سماء هذه المدينة المصرية الباسلة وقولة حق وشكر أتوجه بها إلى الأطقم الإدارية فبرغم كوننا شرق القناة فلم يتأخر التعيين يوما ورغما عن الغارات المستمرة لم ينضب أو يقل الماء لحظة …أنهم جنود مجهولون ولولاهم ما كانت مهمة ستنفذ أو انتصار يتم الحصول عليه …

اشكر الملازم أول احتياط مصطفى كامل ابن الشرقية وضابط شئون إدارية الكتيبة …وشكر خاص لعبد الله عبد الستار ومحروس أبو التسعة …وضباط ٤٣١ بالقطع سيعرفون من هم ….

 

وقبيل العصر اعددنا بناء سواتر الشكاير داخل الدشمة وتأكد مجدي يسرى من سلامة توصيل الكابلات وراجعنا دشمة الهوائيات حتى نتأكد انه لا توجد موانع للاحتلال وكانت الوجوه باسمة مشرقة وكانوا يتبادلون القفش والنكات سعادتهم لاتصف كأنهم يجهزون لحفل عرس لأحد الأحباب ……

 

أخر ضوء

انتهى الصائمون من الإفطار والمدخنون من التدخين وصلى الجميع المغرب أمام الدشمة وانضمت إلينا سرية الرشاشات بكامل رجالها الا أطقم قتال مخفضة وأطقم الحراسة ..وتحت قيادة عبد العزيز العابد رئيس عمليات الكتيبة وصل رتل الهوائيات ومن خلفه المولدات وكابينة التوزيع وكان إحساسي واعتقد أحساس جميع الضباط والأفراد هو السعادة وأدخلنا كابينة الهوائيات مكانها وصعد على ظهرها مصطفى درويش ومجدي فؤاد وإبراهيم وعبد الحي ومصلحي شباب زى الورد ..واكتملت الصحبة بوصول الونش وبعده مقطورة الشبكة وبدأ العمل كما تعودنا وانتهى الفريد وارتينا وسعودي سريعا من إدخال معداتهم وبدأ توصيل الكابلات وفى خلال ربع ساعة كانت القوى موصلة إلى كابينتي القيادة والتوجيه والمعلومات …الحلم أصبح حقيقة …وانهي رجال السرية بمعاونة سرية الرشاشات رص شكاير فتحات دشمتي مولدات القوى ..ووصل مندوب من اللواء وسلم الكتيبة عدد ٢ مولد دخان لإطلاق ستارة دخان وإعماء العدو عن الكتيبة وسلمهم أيضا عدد كبير من قنابل الدخان وشرح لضابط حرب كيمائية الكتيبة كيفية عمل خطة الدخان ….وبعد الانتهاء من تركيب الهوائيات صعد الأفراد واخذوا يرصون ساتر الشكاير وكأنهم يبنون قصرا لأنفسهم …لا يمكن إلا أن تلاحظ ذلك..وجوه مرهقة للغاية وسعيدة بإرهاقها…سعيدة بتعبها …لان فرحة إسقاط طائرة تساوى الكثير

 

…وتم توصيل الكابلات إلى الإرسال والاستقبال وقمت بإجراء الاختبارات الوظيفية والحمد لله المحطة جاهزة ثلاثة قناة وأربعة قاذف …وأخذنا نستعجل الكابل الذي تم إرساله على عربة كراز …وحلنا على متوصل المعدية ..وتعدى ويعلم الله …كان لازم أحنا اللي نروح نجيبه …كنا حنركبه طيارة يعنى …الساعة لسه عشرة …مستعجلين على أيه ….لسه بدري …بدري من عمرك ….كان القلق سائدا …لدرجة أن مراد مسك بالكبل القديم واخذ يلعن فيه واخذ يبحث عن طريقة للحامه دون جدوى ….ولمحنا ضوء صغير مقترب عن بعد ميزناه بأنه ضوء الكراز ….واخذ الأفراد يهللون كان العريس الذي جهزوا لزفافه قد حضر ……

 

سعت٢٣٠٠؛-

واحضروا الكبل الموجود في صندوق خشبي فكرني لحظيا بصناديق الموتى في الأفلام الأمريكاني …وفتح الصندوق ..وإذا الكبل غير الكبل …يا ليلة غبرة …وكان كبير المهندسين موجود ..جاء مع العربة …دا أنا جايبة بنفسي ومفيش كابلات غيره ومكتوب عليه رقم العينة نفسها ….دا كابل بيوصل بين ال ب١٢ وكابينة القيادة والتوجيه …يافندم دوروا اعملوا حاجة…….

وانقلب العرس إلى مأتم يافندم أحنا عملنا كل حاجة وجاهزين …هاتوا الكابل من الكتيبة ٣٤ …دى كابينة الإرسال والاستقبال بتاعتها أخذت إصابة مباشرة ….انه مصاب جلل أحسست أن جسدي يخور وقواي تضمحل …..بعد كل هذا المجهود والعمل المستمر يضيع عرق الرجال ويخسر الدفاع الجوى عن بورسعيد ثلث قوته ….عجز تفكيري وأصيب بالشلل لفترة ليست بالقليلة …وجلست أدخن كثيرا وأنا على باب الدشمة وتخلصت من كل من حاول الوقوف معي …لم يكن لدى ما أقوله …لدى جند. أود استمرار حبل الثقة بيني وبينهم …وفجأة لمعت مجموعة من الطلقات الكاشفة في السماء …ما هذا …وكأنه دلو من الماء البارد قد سقط على رأسي وجسدي ….نحن نقترب من الفجر ولادعى لتكرار ما حدث قبلا وعلينا فك المعدات ونشرها قبل أول ضوء وألا كان دمارها أكيد وجريت إلى المقدم منير اسكنه الله فسيح جناته على صبره وجلده وحسن قيادته للرجال …وابتسم عندما راني …فاكر أول صاروخ حبيت تطلقه …لم ينطلق يافندم ….طيب فاكر آخر صاروخ حبيت تطلقه ..لم ينطلق يافندم ….دى مشيئة الرحمن الأول والأخير ما يطلعوش وبينهم ٢٧ صاروخ ناجح …ربنا عايز كدا …طاقم الدفاع الجوى جاى في الطريق …وإحنا نجهز للتحرك والانتشار لكل المعدات عدا الكابينتين اللي في الدشمة…..وجمعنا له الكتيبة بالكامل ….شكر الرجالة وسألهم …حد فيكم قصر في حاجة …حد فيكم حاسس بتأنيب الضمير …انتم عملتم في ٤٨ ساعة اللي محدش عمله …و….و…..إحنا ننتشر وننتظر أوامر القيادة …أتوفر الكبل ندخل واجب العمليات …كل واحد أيده في أيد زميله فات الكثير وباقي القليل   …..

الحادي عشر من أكتوبر

؛وفى اقل من ساعة زمن كانت المعدات المحددة خارج موضعها القتالي ومقطورة وجاهزة للتحرك …وقبيل آذان الفجر تحرك القول للانتشار في مدينة بور فؤاد انتظارا لمفاجئات جديدة …وحضر ألينا كثير من ضباط الوحدات المجاورة يتمنون أن نبقى وكأن الأمر بأيدينا…ورفض غالبية الضباط قضاء ساعات الراحة في غرفة الدشمة وكأنها أصبحت مسكونة …وامتلأت الدشمة عن أخرها بالإفراد للراحة وطلبا للامان من السماوات المفتوحة خارجها …وتم التنبيه عليهم بعدم الجلوس أو النوم قريبا من الشكاير التي قد تنهار عليهم …ووجدت الفريد ومصطفى درويش قد انتخبا مكانا عجيبا للراحة وقضاء اليوم …ولا اعرف كيف وجداه…دشمه خراسانيه قديمه يحتمل أنها كانت مخزنا للذخيرة .مكعب ينقصه سطح ومغطى تماما بالرمال والأتربة عدا فتحة الدخول ..وكان يمكن لعشرة أفراد الجلوس فيه بحرية …وكان واضح أن الملل قد بدأ يتسرب إلى نفوس الشباب .. وفى حوالي السابعة صباحا تم استطلاع الموقع بواسطة طائرتين على ارتفاع منخفض ..حاولت سرية الرشاشات الاشتباك معهما…..وأرسل منير في طلبي مع باقي قادة السرايا ورئيس العمليات حوالي منتصف النهار واخبرنا أن الكبل غير متوفر وأننا سنتحرك إلى المصنع في القاهرة لرفع الكفاءة فور صدور الأوامر سنتحرك دون جهاز ال ب١٢ وسيتم تحرك الإداري بجميع عناصره … وبالطبع لم نكن نستطيع إجراء اى تحرك ألا ليلا ولكن يمكننا التجهيز واخبرنا أن معدية واحدة هي التي يمكن استخدامها للعبور غربا إلى بورسعيد وعلينا البدء بعد أخر ضوء حتى يتثنى عبور كل المعدات والأفراد والتحرك خارج بورسعيد قبل أول ضوء

 ……

ملاحظة عامه اللامركزية مطلوبة في كثير من المواقف وخاصة تلك الغير متعلقة بعناصر أخرى أو وحدات فرعية أخرى والتي لاتتخطى حدودا أو تكسر قيودا ….ولكن النظام الأبوي المصري الضارب بجذوره في التاريخ سيطر على أسلوب صنع القرار وحد من مرونة القادة المحليين في اتخاذ القرار …والمشكلة ليست فى إعطاء السلطة المشكلة في تركيب العقلية وفقا للمعطيات السابقة وعدم قدرتها على التفكير خارج الصندوق مما جعل كل مستوى يفكر للمستوى الأدنى منه ويتخذ القرار مستوى أو مستوين أعلى أقول ذلك حانقا وبائسا ومغتاظا …ماذا لو فككنا الهوائيات وانتشرت هي والمولدات يوم ١٠/٨ بعد أخر ضوء …؟؟؟؟

لا تقولوا لي أن لو من عمل الشيطان أنا لا أقولها اعتراضا على المشيئة الهية وإنما أقولها اعتراضا على أسلوبنا المركزي في التفكير …وقدر الله وما شاء فعل. …ويكفى ما ر زقنا الله من اشتباكات وحفظه لأفراد الكتيبة واستشهاد فقط جندي في الحربي وستة آخرين مستجدين في الإداري سقط عليهم سور المدرسة أثناء الضرب المساحي ..عليهم رحمة الله جميعا…كما أثبتت هذه الفترة وبما لا يدع مجالا للشك أن التفكير في المشاكل التي قد تعترض العمل القتالي والتفكير في حلول مناسبة لها مقدما يحول تصرفاتك إلى أفعال مدروسة وليس مجرد ردود فعل قد تحتمل الخطأ قبل الصواب نتيجة الظروف المحيطة من إجهاد وتوتر ..اقصد بذلك موضوع كموضوع الشكاير والذي قد يقول مراقب …ما هذا الذي يفكر فيه ….وهناك مشاكل كثيرة تحدث عند التحركات ويجب على القائد الواعي تربية ضباطه على مثل هذه الموضوعات …ما هو تصرفك إذا حدث كذا …..؟؟؟؟؟

 

 

ليلة الوداع

؛ كانت الكتيبة ٤٣١ هي أولى كتائب الدفاع الجوى دفينا التي عبرت قناة السويس استعدادا لحرب أكتوبر وكان ذلك يوم السابع عشر من أغسطس 1972حيث عبرنا إلى بور فؤاد في وثبة واحدة وباستخدام معديتان من معديات هيئة قناة السويس واستطعنا بالكاد أن نعبر في ليلة واحدة ونجهز قبل أول ضوء …فهل تستطيع معدية واحدة تنفيذ هذه المهمة …لن ادخل معكم في حسابات لا أود ذكرها ألان ولكن لن نستطيع التنفيذ ألا إذا بدأ الإداري بالتحرك من الآن وهذا أيضا لا يمكن الجزم به لأنهم يحتاجون وقتا للتجهيز للتحرك من جهتي بدأت في تجهيز الكابينتين للتحرك وإزاحة ساتر الشكاير بعد صلاة العصر وكنا على الطريق بعد صلاة المغرب وانتشرنا في احد الشوارع المؤدية إلى المعدية ..وتقابلنا جميعا في المدرسة والتي أصبحت خالية من أي تجهيزات بعد تحميلها وعبورها إلى الغرب..وانتظرت طويلا حتى اعبر إلى الغرب بآخر معدة من معدات سرية الرادار وقضيت هذا الوقت متجولا في الشوارع لتتميم على المعدات والرجال وسؤالهم أن كانوا بحاجة لشئ ..واثر في كثيرا ضابط ال ب١٢ والتي قررت القيادة بقائه واستمراره في الموقع …وبعد الانتهاء من التحميل على المعدية فوجئنا بطائرتين قادمتين من الجنوب ودانات المدفعية المضادة تتابعهم …واختفوا في اتجاه الشمال …وبدأت المعدية في التحرك وفى نصف المسافة عادت الطائرتان وأسقطت كل منهم قنبلة على مسافة ليست بالبعيدة وسبب انفجارهما أمواج عاليه وعدم ثبات للمعدية ..ولكن الله سلم ولم يرد أن تكون نهايتنا في قاع القناة …وانضممنا على باقي القول والذي فضل منير أن يسير على دفعات كل من خمس عربات الفاصل بينها ربع ساعة …على أن تكون وقفتنا الأولى بعد عزبة البرج وأثناء مروري على الطريق حاولت ان استكشف موقع الكتيبة ٤٦٣ .فلم أجد سوى دخان …وتيقنت ان الكتيبة ٤١٨ التي احتلت حديثا تستخدم الدخان .. وفوجئت بطيران صاروخ منها ..ودعوت لهم بالتوفيق لم يكن تركنا لبورسعيد سهلا على النفس ..ولم يكن مستساغا ان نعود قبل أن تضع الحرب أوزارها ولكنها مشيئة الله -

لمشاهدة فيلم حربي عن أعمال الكتيبة 418 دفاع جوي أضغط هنا

 

 

 

الثاني عشر من أكتوبر

؛كان الشعور الغالب لدى الرجال وأنا منهم هو الكسوف المشوب بالحزن ..وعلى قدر ما كان التوجه إلى دمياط هو السعادة بعينها لأننا متوجهين أجازة وسنرى ذوينا وأحبابنا كان توجهنا هذه المرة كئيبا …الرجال تقاتل شرقا ونحن نتجه غربا …هل سيفهم المدنيين ما نحن فيه والى أين نحن متجهين …واقتربنا من عزبة البرج وإذا بعشرات النساء تزغرد والرجال والأطفال يهللون ويكبرون …الرجالة اللي وقعوا الطيارات أهم ..وكان هتافهم هو من انتشلنا من بئر الحيرة الذي كنا فيه….وهتفوا لمصر …لم يكن هناك وقتها هتاف لجيش مصر فعندما تقول تحيا مصر فمعناها المستقر في الوجدان هو شعب مصر وجيش مصر وارض مصر…..النصر لمصر ..وعلى طول الطريق من دمياط إلى المنصورة هتف الناس وكبروا في كل قرية مررنا بها على الطريق ….وعندما توقفت بضع عربات لشراء سجاير رفض الفلاح الفقير اخذ ثمنها ولكن الجنود أصروا وراضوه بان اخذوا بعض التوفي  والارواح بدلا من السجاير الوجوه كانت غير الوجوه ..الإشراق سمة كل الوجوه رجالا ونساء وأطفالا السعادة موجودة أوجدها رجال قدموا أنفسهم وأرواحهم ودمائهم فداءا لبلدهم ولاستعادة كرامة سلبت دون حرب في ٦٧ولاحظت أن أعصابي متوترة فوق الحدود ..

وأعصابي مشدودة للغاية ..لم ينعكس هذا على تصرفاتي وتعاملاتي بل انعكس على تحركاتي …اى صوت عالي يؤثر في وكأنك تقرع طبول بجوار أذني …إذا غفوت عيني للحظات وضرب السائق كلاكس فأنى أقوم واقفا في العربة …وكنا على مشارف القاهرة في الخامسة عصرا…..

 

 

الثالث عشر من أكتوبر

وجدته على سرير جده ..وجده يلاعبه …ولدى الصغير على ابن العشرة شهور …بتدور على ولا عليه ..أنا كنت لسه بقوله مش هتتربى يتيم …جاى بدري ليه …لسه ولآد الكلب ماسلموش ….وأمسكت بيده الكريمة وقبلتها دموعي قبل شفتاي …كم أحس بالفخر لانتمائي لهذا الرجل الذي لم يتوقف لحظه عن حب مصر ..وهو الوفدي الأصيل والمدافع الدائم عن عبد الناصر حتى في عز ظلام النكسة …هوة الراجل لما يضرب عصاي شديدة ينخ ….مصر عمرها ما تنخن لحد …وكانت ثقته دائمة أن مصر ستحرر أراضيها…وفى يوم ١٠/٦ أرسل آخى الأكبر إلى القاهرة واحضر زوجتي وولدي ليكونوا بجواره مطمأنين امنين…ما أجمل الأسرة …ولن أتحدث عن لقاء والدتي وآخى وأولاد آخى فهي لحظات ستتعصى على النسيان ..وكيف جعلوني أضاعف الإحساس باني قدمت شىء.وكم كانت دموع والدتي حارة وكثيرة وكم كان حضنها مخلصا لكثير من التوتر ..وكانت الفرحة في عين زوجتي تستحق أن أخوض الحرب بكل ما فيها من ثانية….ولقد كان على السفر إلى القاهرة في نفس اليوم ..العمل في أصلاح المعدات سيبدأ من الغد

المصدر

http://elfarmanews.com/?p=14709

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech