Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

رؤية إسرائيلية لحرب تشرين 1973 على الجبهة المصرية


المصدر: مجلة الفكر الإستراتيجي العربي، العدد 2، ص205-251

 

رؤية إسرائيلية لحرب تشرين 1973 على الجبهة المصرية

أبراهام أدان

عرض: عبدالحفيظ محارب

أبراهام أدان، المعروف باسم (برن)، قائد سلاح المدرعات الإسرائيلي على مدى السنوات الخمس السابقة لنشوب حرب 1973، وقائد إحدى الفرق المدرعة الثلاث التي شاركت في تنفيذ عملية ثغرة الدفرسوار على الجبهة المصرية خلال الحرب المذكورة، نشر في العام 1979 كتابا باللغة العبرية ضمنه قصة الحرب كما خبرها، من موقعه فيها كقائد للفرقة المدرعة التي قادها. وللكتاب أهميته الخاصة بالنسبة إلى القارئ العربي رغم ما لدينا حياله من ملاحظات سنوردها فيما بعد، نظراً لأنه يبرز، ضمناً، مدى الكفاءة والشجاعة التي قاتل بها جنود وضباط الجيش المصري خلال مختلف مراحل الحرب التي فضحت أسطورة التفوق العسكري الإسرائيلي المطلق، ومن ثم كشفت أيضًا كيف تم إهدار هذه التضحيات والقدرات القتالية العربية على مذبح الاستراتيجية العليا والسياسة التي حكمت الحرب ووصلت بها، في نهاية المطاف إلى اتفاقيات كامب ديفيد.

يتضمن الكتاب - 333 صفحة من الحجم الكبير - سبعة فصول تحمل عناوين:

1- المفاجأة

2- كيف فوجئنا

3- فشل الهجوم المضاد في الثامن من أكتوبر

4- دفاع وحشد قوي.

5- معركة العبور

6- تطويق الجيش الثالث

7- من وقف إطلاق النار إلى فصل القوات.

وقبل التطرق إلى مضامين هذه الفصول يجدر بنا تسجيل الملاحظات التالية:

إن الكتاب لا يتطرق إلى حرب تشرين الأول (أكتوبر) من منظور شمولي، فقد قصر الكاتب حديثه على جبهة واحدة فقط، بشكل عام، وعلى عمل قواته في هذه الجبهة بشكل خاص. لذا، فإن الجبهة السورية غائبة تماماً عن الكتاب باستثناء حضور بسيط لا يتعدى بضعة سطور. كما وإن عمل الفرق الإسرائيلية الأخرى في الجبهة المصرية لم ينل تغطية لتلك الدرجة التي يمكن أن يتأتى عنها رسم صورة لعمل فرقته على ضوء عمل الفرق الأخرى وعمل قوات العدو. فالصور التي يعرضها الكاتب لعمل الفرق الإسرائيلية صور سريعة ومجتَزَأة، يبرز فيها الجوانب النقدية وخصوصاً بالنسبة لصورة عمل قوات (شارون)، في حين يحاول إبراز صورة عمل قوات اللواء (كلمان ماغين) بشيء من التقدير.

هذا فضلا عن ضبابية صورة عمل القوات المصرية سواء لجهة التشكيل أو الخطط. وباختصار فإن الكتاب هو عبارة عن قصة أوغداة (فرقة) على لسان قائدها، يرويها بإسهاب وتفصيل مع شيء من الحديث العام حول ما دار في الجبهة على قناة السويس.

وكما اتسم الكتاب ببهوت الأضواء على جبهات الفرق الأخرى، فقد افتقر أيضا إلى تصوير العوامل السياسية للحرب مع تعقيداتها الدولية. إذ أن القارئ لا يجد لهذه الأمور أثرًا كبيرًا، سواء على الصعيد الإسرائيلي أو العربي أو الدولي.

وهناك مسألة أخرى تتعلق بالحافز الكامن وراء ظهور الكتاب. فبالإضافة إلى الدوافع المألوفة لدى الكتّاب لإبراز إنتاجهم، نجد حافزًا قويًا لدى أدان، ناجمًا عن الصراعات بين جنرالات الجيش حول حقيقة دور كل منهم في المعارك. ويلحظ القارئ هذا الحافز، بوضوح، في جميع فصول الكتاب، ويجد تعبيراته الواضحة في محاولة الكاتب تحجيم دور زميله (شارون)، وسعيه للتقليل من شأنه والانتقاص من قدره في بعض الأحيان، اعتقادًا منه أن وسائل الإعلام الإسرائيلية قد أحاطت (شارون)، عقب انتهاء الحرب، بهالة ليست في محلها، وعلى حساب قادة آخرين - والكاتب على رأسهم - كان لهم دور أهم في مسار الحرب في مرحلتيها، مرحلة الصد ومرحلة العبور غرب القناة.

ولا يخفي الكاتب هذا الحافز حتى في مقدمة كتابه التي يؤكد فيها على أنه يجد لزامًا عليه الكتابة حول معارك فرقته، خصوصًا بعد أن (انتُقِصَ من دورها وطُمِس أثرُها في الروايات والكتابات التي راجت بعد انتهاء الحرب).

مع أن الكتاب اتسم بطابع سردي ووقف على كل كبيرة وصغيرة في مجال عمل الفرقة وقائدها، سواء شرق القناة أو غربها، فإن المؤلف عمد في نهاية بعض الفصول إلى إجراء تقويمات تحليلية، ودراسة أخطاء القيادة الإسرائيلية، دون إغفال أخطائه هو. ولكن من الملاحظ في أخطائه أنها تكون عادة أقل - لجهة الخطورة - بكثير من أخطاء الآخرين (شارون - بالأساس -، وغونين) فمعظمها من نوع: لو أنه تمسك برأيه وأصر على فرض هذا الرأي على القيادة.

إن العيب الأساسي في الكتاب، وهو عيب لا يقتصر عليه وحده وإنما يشمل جميع الأدبيات الإسرائيلية التي تعالج الحروب العربية الإسرائيلية، يتعلق في موضوع الخسائر في الأرواح أو الآليات، إذ يتعذر على القارئ، بعد الوقوف على وصف دقيق لهذه المعركة وتلك، معرفة الحجم الحقيقي للخسائر في الأرواح، لتغاضي المؤلف عن ذكر أرقام الخسائر في معظم الأحيان. ومن المرجح أن السبب في ذلك يعود إلى التناقض بين الرقم النهائي المعتمد للخسائر البشرية، وبين الخسائر الفعلية. فأرقام الخسائر الرسمية الإسرائيلية تقتصر على 2222 قتيلاً و 5596 جريحًا في كلا الجبهتين المصرية والسورية. ومن هنا فإن تحاشي الكاتب ذكر عدد المصابين أو القتلى في فرقته، لا يعود إلى جهله بالرقم وإنما خشية الدخول في المحظور. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الكاتب قد لامس، في بعض الأحيان، دائرة المحظور، حين تطرق إلى دوره بُعيد انتهاء الحرب في ترميم سلاح المدرعات الذي (تأذى كثيرًا، وفقد آلاف الرجال، من بينهم مئات القادة. وأحسست أن الواجب يقتضي مني البقاء لإعادة بناء السلاح ) (ص321).

لقد فضلت تقديم الكتاب على شكل قراءة له وليس على شكل مراجعة، لسبب بسيط يتمثل في واقع صدور الكتاب باللغة العبرية. ومن نافل القول أن المراجعة في هذه الحالة لا تفي بالغرض.

لذا، فقد حرصت على أن تشمل القراءة المفاصل الأساسية للكتاب، والوقوف أيضًا على أمور لم يسبق لها إن نشرت أو أضافت جديدًا إلى ما نُشر، وكذلك على وجهة نظر الكاتب تجاه الخلاف في القيادة المصرية بين السادات وأحمد إسماعيل من جهة وبين الشاذلي من جهة أخرى.

المفاجأة والأخطاء:

في فصلي (المفاجأة) و(لماذا فوجئنا)، يركز أدان، كالكثيرين غيره، على تقصير الاستخبارات الإسرائيلية في مجال تقويمها لإمكانية اندلاع الحرب. ويتطرق إلى استدعائه بواسطة رئيس الاستخبارات إلى القيادة العامة في الساعة السادسة من صبيحة (يوم الغفران) (6/10/1973) ليجد هناك (ايلي زعيرا) رئيس الاستخبارات يبلغ القيادة العامة بتلقيه معلومات من مصدر (موثوق به) تفيد بأن الحرب ستندلع في ساعات المساء. الأمر الذي فاجأ أدان وأثار دهشته لا سيما وأن خبر اقتراب موعد اندلاع الحرب يأتي على لسان قائد الاستخبارات الذي سبق له، خلال فترة الأسبوعين الماضيين، أن أكّد أكثر من مرة على استبعاد احتمال نشوب الحرب، لأن "الجيوش العربية لازالت غير مستعدة للحرب" (ص15)، على الرغم من توارد معلومات كثيرة حول حشود مصرية سورية على الحدود. ولم يتغيَّر رئيس الاستخبارات من تقويمه هذا إلا عند صبيحة يوم الغفران. ففي اليوم السابق، فسر رحيل العائلات السوفياتية، من القاهرة ودمشق بأنه دليل على اتساع هوة الخلافات العربية السوفايتية. ومما زاد من خطورة المفاجأة أن قيادة الجيش لم تكن بعيدة في تصوراتها عن تقويمات رئيس الاستخبارات.

ويعتقد المؤلف أن نجاح المفاجأة العربية المتمثلة في الضربة الأولى، يعود في جزء كبير منه إلى الطرف الإسرائيلي ونظرته تجاه العدو وفهمه له؛ فقد اتسمت النظرة بالاستخفاف (لقد استخففنا بالعدو. ومنذ مدة طويلة ونحن لا نولي أقواله وأعماله كبير اهتمام. لقد ساد إسرائيل جو من الشعور بالأمن المبالغ فيه. كنا غير مبالين. وعلى الرغم من جهود التستر فقد كان الجيش الإسرائيلي يملك معلومات ودلائل تشهد على الاستعدادات الحربية الآخذة بالتكامل، ورفضنا الاعتراف بها. وادعى رئيس الاستخبارات العسكرية أن "معقولية" اندلاع الحرب ضئيلة، دون أن يطعن أحد من رجال القيادة العامة، وأنا من ضمنهم، في ادعائه، ووافق كل من رئيس هيئة الأركان ووزير الدفاع ورئيسة الوزراء على وجهة نظره ...) (ص62) التي تفيد بان الحرب غير متوقعة الحدوث طالما أن العرب يفتقرون إلى أسلحة جوية بوسعها مواجهة سلاح الجو الإسرائيلي، وطالما أنهم لا يملكون صواريخ أرض - أرض بعيدة المدى تردع الجيش الإسرائيلي، من استخدام طائراته في عمق الأراضي العربية.

كما وأن الإحساس العام بقدرة إسرائيل على مواجهة العمل الفدائي و(التعايش معه)، ودخول حرب الاستنزاف وإجبار الطرف الآخر على إيقافها، كانت بمثابة عوامل تعزيز للشعور بالتفوق على العرب في جميع الطرق والوسائل الحربية، مما ساعد على تعميق الفكرة القائلة باستبعاد نشوب الحرب.

إلى جانب نظرة الاستخفاف، يضيف المؤلف مسألة أخرى يعتبرها "أعمق بكثير" ترتبط - حسب اعتقاده - في العجز الإسرائيلي على فهم الذهنية العربية. وبغية تأكيد وجهة نظره، يستشهد بتصريح "ديان" عقب انتهاء حرب 1967 القائل بأنه "ينتظر مكالمة هاتفية من العرب" وبرسالة بعث بها "غونين" عقب انتهاء الحرب نفسها إلى ابنه تنص "إنني آمل بأن لا تضطر بعد الآن لخوض الحرب. إن الحرب، يا بني، انتهت إلى الأبد" (ص65). ولا شك بأن أدان، في اعتقاده هذا، لا يشكل نشازًا في الفكر الصهيوني الذي اعتاد على ترداد كلمة "الذهنية" العربية بشكل يبدو معه وكأنها ذات خصائص فريدة تتميز بها عن ذهنيات كثيرة في العالم. ولو أن المؤلف عكس الأمر وتحدث عن "الذهنية" الصهيونية، التي لم تضع في حسابها إمكانية قيام المقهورين بعمل ما، لما حاد عن الصواب.

وبعد أن يتحدث مطولا حول أثر المفاجأة وضرورة تجنبها مستقبلاً، يخرج أدان باستنتاج مفاده أنه لا يتوجب تحسين الجهاز الاستخباري وجهاز الإنذار المبكر، فقط، وإنما أيضًا " تحسين قدرتنا للخروج للحرب، وحتى تحت ظلال المفاجأة..." مع تأكيده على ضرورة الاحتفاظ بحدود "آمنة" دون أن يحددها "... المقصود حدود تمنحنا المكان والزمان اللذين يمكنان جيشنا النظامي من إعاقة العدو المهاجم، وتغطية تعبئة الاحتياط وتحركه إلى الجبهات !" (ص68) وكأن الحدود عشية حرب 1973 لم تمنح الجيش النظامي هاتين الميزتين.

وعلى الرغم من أن "المفاجأة" لم تكن مفاجأة بالمعنى الكامل للكلمة، بسبب بطلانها صبيحة يوم الغفران نتيجة كشف مصدر "موثوق به" اعتزام كل من سوريا ومصر شن الحرب، يرى الكاتب أن هنالك "أخطاء استراتيجية" عبرت عن نفسها في عدم توصل القيادتين العسكرية والسياسية إلى حل سريع لمواجهة الأمر، إذ ضاعت ساعات ثمينة وذهبت ضحية الجدل حول وجهتي نظر كل من رئيس الأركان ووزير الدفاع، فقد كان رأي "دافيد اليعازار"، يدعو إلى استدعاء كامل الاحتياط وأمْـر سلاح الجو بالاستعداد لتوجيه الضربة الأولى. وأخذ هذا السلاح بالفعل يستعد للضربة في الوقت الذي لم يقتنع فيه "موشى ديان" - بصفته وزير الدفاع - بالدعوة للتعبئة العامة، خشية من تأزيم الوضع. كما وعارض توجيه الضربة الجوية تحاشيًا للوم إسرائيل دوليًا، وخصوصًا في الولايات المتحدة، بأنها البادئة في الحرب. وقبل أن تبت رئيسة الحكومة غولده مئير في وجهتي النظر، وتعتمد دعوة الاحتياط وتستبعد الضربة الجوية، كانت النقاشات العقيمة قد أهدرت أربع ساعات كان الجيش الإسرائيلي في أمس الحاجة لاستغلالها. ويُرجع الكاتب سبب ضياع هذه الساعات وإلغاء الضربة الجوية إلى "الإحساس المفرط بالأمن" (ص69). ومع ذلك فإن الكاتب يشكك في نجاعة الضربة الجوية الاستباقية، فيما لو تم إقرارها، بسبب استعداد العرب لاحتمال كهذا، ويميل إلى الاعتقاد بأن فاعلية الضربة ستكون محدودة (ص69). ويذكر في هذا السياق أن تأثير الضربة الجوية المصرية يكاد يكون معدومًا.

وفي مجال تطرقه إلى الأخطاء التكتيكية وتوزيع القوات يذكر عدم توزيع قوات أوغداة (فرقة) سيناء المدرعة بما يتلاءم وخطة "برج الحمام" (الموضوعة مسبقًا قبل نشوب الحرب)، كما وأن "غونين" لم يصدر أوامره، بل أمر بانتشارها في الساعة الخامسة مساء انسجامًا مع التقرير الذي أفاده بأن الحرب ستندلع "مساء". وعندما بدأت الحرب في الثانية من ظهر اليوم نفسه، بلغ عدد الدبابات المنتشرة على امتداد خط بارليف 100 دبابة، في الوقت الذي كانت ترابط فيه 200 دبابة في عمق سيناء على مسافة مئة كيلومتر عن الخط. وكان من نتيجة هذا الانتشار، وعدم حشد الدبابات في تجمعات ضاربة، أن مرت فرقة سيناء المدرعة بتجربة مريرة قاسية. فقد تعرضت جميع مواقع خط بارليف، إلى جانب القصف المدفعي، لهجوم شامل قامت به وحدات المشاة المصرية عقب اجتيازها السريع للقناة بواسطة الزوارق، وأخذت هذه القوات تحكم حصارها على المواقع، ويتقدم جزء منها مزودًا بالأسلحة المضادة للدروع، في حين كان العمل يجري على قدم وساق لبناء جسور على القناة، تمهيدًا لعبور القوات الرئيسية بغية بناء رؤوس جسور في الضفة الشرقية وتطوير الهجوم فيما بعد. وكان على الدبابات المنتشرة على امتداد الخط مواجهة الوضع. فالمواقع كلها معرضة للهجمات، وليس موقعًا أو موقعين يمكن حشد قوة ضاربة لحمياتها. وقد عملت هذه الدبابات كمجموعات صغيرة، يتراوح عددها بين 2 - 8 دبابات خاضت معارك مع المشاة المصريين المزودين بالأسلحة المضادة للدروع. وعلى الرغم من الخسائر التي لحقت بهذه المجموعات إلا أن القيادة الإسرائيلية، لم تستفد من الدرس واتبعت نفس الأسلوب بالنسبة للقوات المتواجدة بعيدًا في عمق سيناء، حيث عمدت إلى تجزئة القوات بعد وصولها، وإرسالها نحو المواقع بنفس الطريقة، الأمر الذي جعل من الدبابات لقمة سائغة لحملة الأسلحة المضادة للدروع، مما أفقدها الجزء الأكبر من قوتها. فمع إطلالة شمس السابع من تشرين الأول (أكتوبر)"اتضح لقائد المنطقة أنه بقي من مجموع 290 دبابة تابعة لأوغداة سيناء 110 فقط كانت لا تزال تعمل" أي أن عدد الدبابات التي تم تدميرها أو إعطابها خلال حوالي 14 ساعة، بلغ 180 دبابة (ص71).

ولكن، حتى لو تم توزيع القوات المدرعة وفق خطة "برج الحمام"، فهل كان بإمكان الجيش الإسرائيلي منع العبور المصري؟ يجيب الكاتب بالسلب بقوله:"لقد كنا - حسب تقديري حتى لو استبقنا بضربة جوية، وحتى لو كنا منتشرين في تشكيل أمامي وفق خطة "برج الحمام" حسب الوقت المحدد، وحتى لو تلافينا الأخطاء المتعلقة بتجزئة الدبابات وانتشارها - لا نزال عاجزين عن منع المصريين من التمركز في مناطق كثيرة من الضفة الشرقية ..." (ص71) معيدًا ذلك إلى البنية غير المتزنة لقوات "برج الحمام" والافتقار إلى مشاة ومدفعية بالكمية اللازمة للتعامل مع قوات المشاة المصريين.

فشل الهجوم الإسرائيلي المضاد في الثامن من تشرين الأول (أكتوبر).

بعد أن يغطي الكاتب أحداث يومي 6 و7 تشرين الأول (أكتوبر) ونجاح المصريين في التمركز على امتداد الضفة الشرقية للقناة، ينتقل إلى الهجوم الإسرائيلي في الثامن من الشهر نفسه، حيث تم استكمال وصول القوات الاحتياطية إلى جانب توزيع قوات الجبهة الجنوبية في ثلاثة تشكيلات عسكرية، يطلق على كل تشكيل اسم "أوغداة" وهذه التشكيلات هي:

1- أوغداة[1] أدان (الكاتب)، وتضم خمسة ألوية: لواء "نتكا" المدرع، لواء "أريه" المدرع، لواء "رامي" الميكانيكي (Fedale )، لواء "بدله" الميكانيكي، لواء "غابي" المدرع، إلى جانب وحدة الاستطلاع وكتيبة مدفعية تمتلك كلها حوالي 200 دبابة.

2- أوغداة "شارون"، وتضم لواءين مدرعين: لواء "طوبيا" ولواء "حاييم" إلى جانب وحدة الاستطلاع ووحدات مدفعية، ولديها حوالي 180 دبابة.

3- أوغداة "مندلر"، وتضم ثلاثة ألوية مدرعة هي: لواء "دان" ولواء "بيرو" ولواء "يوآل" إلى جانب وحدات مدفعية. ولديها حوالي 150 دبابة.

ومن الجدير بالذكر أنه تم فيما بعد تعزيز هذه الفرق (الأوغدات) بفرقتين أخريين، فرقة "ساسون" وفرقة "ماغين".

كانت هذه التشكيلات الثلاثة ترابط مساء السابع وصبيحة الثامن من تشرين الأول (أكتوبر) على امتداد معظم الخط العرضي الموازي للقناة على بعد قرابة 30 كم. وتركزت قوات أدان في المنطقة الشمالية، وقوات "شارون" في المنطقة الوسطى، بينما احتلت قوات "مندلر" أماكن لها في المنطقة الجنوبية. وقد تبلورت لدى قيادة المنطقة الجنوبية برئاسة "شموئيل غونين"، خطة تنص على تطهير الضفة الشرقية من القوات المصرية وتدميرها، وإنقاذ قوات إسرائيلية في مواقع خط بارليف، والاستعداد للانتقال إلى الضفة الثانية للقناة، وكلفت قوات أدان بمهاجمة الجبهة من الشمال إلى الجنوب، واجتياز القناة "حسب السهم المرفق بالخطة" (ص84) في الوقت الذي شكلت فيه قوات "شارون" قوة احتياطية لها، في حين كلفت قوات "مندلر" بالتصدي للقوات المصرية ودحرها إلى الضفة الغربية، على أن يبدأ الهجوم في الساعة الثامنة من صباح الثامن من تشرين الأول (أكتوبر).

وفي الوقت المحدد، هاجمت الفرق الإسرائيلية الثلاث القوات المصرية التي كانت تمتلك في الضفة الشرقية في ذلك الحين، قرابة 600 دبابة (وفقًا لتقدير المؤلف، في حين أن الفريق الشاذلي يقول في مذكراته أنه كان يوجد ألف دبابة في الضفة الشرقية في اليوم المذكور). وهنا يدخل المؤلف في الإسهاب عن تفاصيل تحرك قواته، واتصالاته مع "شارون" لإحداث تغييرات على الخطة وفق متطلبات المعركة.

استمرت المعارك بين قوات أدان والقوات المصرية قرابة ساعتين، أحرزت فيها القوات الإسرائيلية تقدمًا على الأرض دون اشتباكات خطيرة مع القوات المصرية. ويبدو أن هذا التقدم قد دغدغ آمال القيادة الإسرائيلية التي سارعت، على ضوئه، وأصدرت بيانًا إلى أدان، يتضمن معلومات تشير إلى دلائل بدايات انكفاء القوات المصرية "لذا، فإنه من المهم جدا، الوصول بأقصى سرعة. مع كافة القوات على امتداد محورك من شمال القنطرة حتى أسفل. يجب أن تحدث اتصالا وتبيد، وإلا فإنهم قد ينصرفون !" (ص96).

في هذا الوقت كانت القيادة قد أحدثت تعديلات على الخطة، وأمرت قوات "شارون" بالتحرك نحو الجنوب، وارتأت أن تقوم قوات أدان باحتلال مواقع كان احتلالها مناطاً أصلاً بقوات "شارون". إلا أن قوات أدان كانت في هذا الوقت بالذات قد دخلت بداية معارك جدية بالقرب من مدينة القنطرة. وكان من الصعب عليها تلبية الأمر. فقد كان لواء "غابي" يخوض معركة مع القوات المصرية، ويطالب أدان بتعزيره بكتيبة دبابات، تابعة للقوات "شارون"، ليست بعيدة عن المكان. إلا أن قائد الكتيبة رفض مساعدة لواء "غابي" بحجة أنه لم يتلق أمرًا بذلك من "شارون"، على الرغم من أن "غونين" كان قد وافق على طلب أدان. ويفهم من سرد الكاتب أن "شارون" كان على علم بأمر "غونين" دون أي اتصال مباشر بينهما، ولكنه رفض إصدار أمر لقائد الكتيبة بالمساعدة، وفضل التغاضي عن الموضوع، اعتقادًا منه بحاجته إلى الكتيبة. كان "غونين" في هذا الوقت يسعى لإقناع القيادة العليا بقبول مبادرته باجتياز القناة، واحتلال مواقع في الضفة الغربية، وتعديل مهمة "شارون"، بحيث تناط به مهام التقدم جنوبًا واجتياز القناة واحتلال مدينة السويس (ص99). وتمّ له ما أراد، وأصبحت المهمة الأساسية للقوات الإسرائيلية، منذ الآن، اجتياز القناة، في وقت لا تنم فيه معطيات ساحة المعركة عن القدرة على تحقيق هذا الهدف. ويعلق الكاتب على ذلك بقوله:"... لم يخطر ببال دافيد أليعازار أن غونين يطلب منه التصديق تلو الآخر دون أن يطرأ أي تغيير في الميدان. وعندمت اتضحت لي جميع هذه الأمور عقب الحرب، خرجت بانطباع بأن غونين واجه الأمر وكأنه "مناورة خرائط"، مناورة ليس فيها جيوش، سواء بالنسبة لنا أو بالنسبة للعدو، وليست فيها ساحة قتال حقيقي..." (ص100).

مع اقتراب تشكيلات فرقة أدان إلى القناة، أخذت تواجه مقاومة ضارية بلغت من العنف تلك الدرجة التي أصبح معها من الصعب عليها التقدم أو الانسحاب. فبعد أن تمكنت إحدى الكتائب (كتيبة عديني) من الوصول مسافة 800 متر من القناة بالغرب من جسر فردان ووجهت بصواريخ "ساغر" (موليتكا) وقذائف "آر بي جي" إلى جانب قذائف الدبابات والمدفعية من ضفتي القناة، و"خلال دقائق شاهد قائد الكتيبة دباباته وهي تصاب الواحدة بعد الأخرى، إلى أن أصيب هو نفسه في ذراعه إصابة تسببت بكسره..." (ص103) ولم يكن أمامه إلا تسليم قيادة الكتيبة لمساعده وإصدار أمر بالإنسحاب. وبعد أن تمكنت الكتيبة من تنفيذ ذلك وجدت أنه لم يبق لديها سوى سبع دبابات من مجموع 25 دبابة، في حين بلغت خسائرها في الأرواح عشرين قتيلا، من بينهم اثنان من قادة السرايا بالإضافة إلى عشرات الجرحى.

وفي غضون ذلك كان لواء "غابي" التابع للفرقة ذاتها يعاني من ضغط القوات المصرية، ويطالب بدعم جوي "بأقصى سرعة... فالدبابات تشتعل... والجنود يُقتلون" (ص104) كما وأن لواء "نتكا" كان هو الآخر يخوض معارك عنيفة، تسببت باشتعال دباباته واحدة بعد الأخرى، الأمر الذي دفعه لاستعجال الدعم الجوي. وهنا يصل الكاتب إلى قصة تدمير كتيبة "يغوري" ووقوع قائدها في الأسر المصري، فقد تقدم "نتكا" قائد اللواء مع الكتيبة التي يقودها "أساف يغوري" في هجوم سريع نحو القناة. وعندما وصلا إلى مسافة 1500 متر منها، وجدا نفسيهما بالقرب من مواقع المشاة المصريين المزودين بأسلحة مضادة للدبابات. وخلال لحظات اتضح للكتيبة أنها وقعت في المصيدة. بعدها إنهالت عليها صواريخ "ساغر" وقذائف "الآر. بي. جي." وقذائف المدفعية والدبابات، وأضعلت عدد من دبابتها مما دفع الجنود للقفز منها. وقد أصدر "نتكا" على الفور أمرًا بالانسحاب، ولكن "وخلال دقائق" تم إعطاب 14 دبابة. ولم يتمكن من الهرب والنجاة سوى أربع دبابات من بينها دبابة قائد اللواء "نتكا" ووقع معظم أفراد الكتيبة وضباطها بين قتيل وجريح وأسير، وفي طريق العودة أخذ "نتكا" معه 5 دبابات كانت قد تعطلت لأسباب فنية. وهكذا بقيت 9 دبابات فقط من أصل 25 دبابة كانت لدى الكتيبة. ويصف أدان أحاسيسه في تلك اللحظات تجاه هزائم قواته هنا وهناك بالقول "من الصعب علي وصف مشاعري وما مرّ علي في تلك الساعات الطويلة" (ص106).

وقد واجه أدان أثناء العلميات المذكورة صعوبات في توجيه قواته بسبب التشويش المصري على شبكة الاتصالات، وتعرض مجموعة قيادته إلى قصف مدفعي مصري يصفه بالمخيف "انفجارات وسط وسائط نقلنا، ورمال ودخان يتطاير نحو وجوهنا، نيران غزيرة! استبد بي وبأصحابي الخوف. انثنيت إلى الداخل وانطويت وتقوقعت على نفسي... كنت مدركًا تمامًا - من تجاربي الكثيرة السابقة تحت نيران من هذا النوع - مدى إمكانية النجاة، وتخوفت على مصير استمرار قتال الأوغداة بدوني... إننا بحاجة إلى قسط كبير من الحظ..." (ص107).

كانت نتيجة القصف إعطاب آلية شبكة الاتصال ومصرع ضابط الاتصالات وإصابة عدد من الجنود بجراح. ولم يكن أمام أدان إلا تغيير وضع مجموعة قيادته وإصدار أمر إلى لواء "آريه" بالانسحاب لشدة الضغط المصري عليه. وفي غضون ذلك كانت القوات المصرية تقوم بهجوم مضاد وتقدمت مسافة 15 كم شرقي القناة، واحتلت "النقطة 101" التي يطلق الإسرائيليون عليها اسم "حموطال"، وبذلك أصبحت كالإسفين بين ألوية أدان التي تخوض قتالا تراجعيا بدون انتظام ودون أن يتمكن أدان من بسط سيطرته عليها. ويصف ذلك بقوله: "شاهدت من مكان مراقبتي قواتي في وضع غير منظم. فقد شوهدت دبابات تسير إلى الخلف، ودبابات تتجمع في مواقع غير قتاليه. وحاولت إبلاغ قادة الألوية بذلك ولكن دون جدوى. فكل واحد اعتقد بأن الدبابات ليست تابعه له. لذا، أرسلت ضابط شعبة العمليات للسيطرة على الدبابات وإلحاقها باللواء الأم. وأحسست، بسبب صعوبات الاتصال، أنني لم أنجح في رسم صورة لوضع مجريات الأحداث. وبدا لي، من خلال ما شاهدته عيناي في المنطقة، أن عدم النظام يسود الوحدات بشكل كبير" (ص 108) في الوقت الذي كان قادة الألوية يلحون فيه على دعم جوي لقواتهم.

في حوالي الساعة الخامسة من بعد ظهر اليوم نفسه، اتضح أن ألوية أدان أخذت تعيش أسوأ لحظاتها، فبدل إحراز تقدم نحو القناة واجتيازها واحتلال مواقع على الضفة الغربية منها، كما كان مقررا في الصباح، وجدت نفسها عصر ذلك اليوم تتقهقر تحت ضغط وحدات من الجيش المصري الثاني، تابعة لفرقتي المشاة 2 و16 . ولم يكن أمامها إلا الانسحاب، "كانت تلك اللحظة صعبة" وفق قول أدان الذي يضيف "الاتصال مع آريه مقطوع، ولكنني أعلم أن العدو يقوم هناك بهجوم، وأن آريه يمر في حالة انسحاب ويطلب إخلاء الجرحى، في حين يواجه كل من غابي ونتكا هجومًا ويطلبان بدعم جوي، ويعلنان عن افتقارهما إلى القوة الكافية لوقف تقدم العدو. الأوغداة كلها تخضع لهجوم من اتجاهين، من الغرب تهاجم قوات من الفرقة "2" ومن الجنوب قوات من الفرقة "16". من كل اتجاه آلاف من المشاة وعشرات من الدبابات. ونحن مستنزفون، قلة [خمسة ألوية] وغير منظمين. كان معي في حاملة الجنود المدرعة غلعاد ضابط شعبة العمليات ودوبيك مساعدي. تبادلنا النظرات... صمت. فكرت، هل أصدر بالفعل أمر بالانسحاب ؟ لا خيار، وأصدرت: يجب الانسحاب!" (ص 109).

ومما زاد الطين بلة أن لواء من فرقة "شارون" كاد، في هذا الوقت، يدخل في معركة مع لواء من قوات أدان بالقرب من مرتفع "حموطال".

كان "شارون" قد تحرك في الصباح نحو الجنوب بهدف احتلال السويس وفق الخطة، وعند وصوله إلى منتصف الطريق صدرت إليه الأوامر بالتوقف بفعل تغير مسار المعركة التي تخوضها فرقة أدان، كما وصدرت إليه تعليمات بالاستعداد لإعادة احتلال مواقع في المنطقة الوسطى من القناة في الساعة الخامسة مساء، وإرسال لواء لمؤازرة قوات أدان في استعادة "حموطال". وعند وصول لواء "حاييم" التابع "لشارون" بالقرب من الموقع، فوجئت به قوات "أريه" وكادت تنشب بين الطرفين معركة وسط تلقيمها ضربات من الوحدات المصرية التي أفلحت بإحكام سيطرتها على الموقع.

ومع غروب نهار الثامن من تشرين الأول (أكتوبر)، وهدوء الجبهة، أخذت ألوية أدان تعيد تنظيم نفسها على أثر ما لحقها من إصابات جسيمة يصفها قائدها بقوله: "لقد تكبدنا إصابات جسيمة في ذاك اليوم الطويل من القتال. صف القادة تضاءل، قتل قائد الكتيبة دان سبير، وأسر قائد الكتيبة اساف يغوري، وأصيب قائد الكتيبة عديني بجراح... ولقي قادة سرايا، وضباط، وقادة دبابات، وأعداد من أطقم الدبابات، مصرعهم. دبابات كثيرة أعطبت في ذلك اليوم... لقد شرعت بالقتال في صبيحة الثامن من تشرين الأول (أكتوبر) بـ 170 دبابة وخرجت منه بـ 100 " (ص 115).

لا يعفي أدان أحدًا من مسؤولية هزيمة الثامن من تشرين الأول (أكتوبر)، وإن كان قد حمّل "غونين" قائد المنطقة الجنوبية القسط الأكبر من المسؤولية، مرجعًا ذلك إلى عدم تفصيل خطة الهجوم، وعدم سيطرته على القوات، وعدم ملائمة تعديلاته على الخطة مع الأوضاع المستجدة في ساحة المعركة، واتخاذه قرارات بتحريك قوات "شارون" ومن ثم إيقافها وإعادتها دون تساهم في شيء يذكر. ويحمل القيادة العليا، وعلى رأسها رئيس الأركان - على الرغم من تعاطف أدان معه - بعض المسؤولية لموافقته على خطط "غونين"، ولكن مع محاولة تبرئة ساحة "دافيد أبعياز" على أساس انه كان يمنح ضباطه حرية التحرك والمبادرة، فوقع - بتصديقه على خطط "غونين" - ضحية الصور المتفائلة والمضللة التي كان قائد المنطقة الجنوبية يرسمها له، دون معارضة من جانب ضباط "غونين" الذين تعودوا على موافقته على كل شيء خشية بطشه بهم، ويروى من ذلك كله أن خطأ رئيس الأركان يكمن في موافقته على تعيين "غونين" قائدًا للمنطقة الجنوبية.

ويحمّل "شارون" قسطًا من مسؤولية ما حدث، وذلك بتحريكه قواته صوب الجنوب وترك المنطقة الوسطى دون حماية، الأمر الذي تأتى عنه تعرية جناح قوات أدان، إلى جانب تلكئه في نجدة هذه القوات. وكذلك عدم قيامه - قبل تحريك قواته - بمهاجمة القوات المصرية في منطقته والضغط عليها غربًا. والأسوأ من ذلك عدم احتفاظه بالمنطقة بالشكل المطلوب، وعدم وضع القيادة في صورة نشاط القوات المصرية في المنطقة (ص 118). أما خطأ الكاتب الأساسي فيكمن - حسب رأيه - في قبوله خطة اجتياز القناة "خطئي الأكبر يكمن في كوني قد هاجمت باتجاه القناة..." (ص 119) إلى جانب اعترافه بعيوب إدارته للقتال، وعجزه في بعض الأحيان عن بسط سيطرته على القوات والتنسيق فيما بينها.

من التاسع من تشرين الأول (أكتوبر) وحتى العبور:

كان لفشل هجوم الثامن من تشرين الأول (أكتوبر) تبعات كبيرة على مسار تفكير القيادة الإسرائيلية، فبعد أن كان تفكيرها منصبًّا على الهجوم ونقل المعركة إلى أراضي العدو (غرب القناة) أصبح يهيمن على تفكيرها الدفاع في خط جديد إلى الشرق من القناة. وبذلك تُرك موضوع العبور رهن تطور مجريات القتال.

مع انتهاء معارك ذلك اليوم، عقد اجتماع في قيادة المنطقة الجنوبية حضره كل من "ديان" و"أليعازار" و"ياريف" إلى جانب قادة الفرق بما في ذلك أدان، ولخص خلاله رئيس الأركان استراتيجية القوات بقوله:"الوضع في حقيقته هو أننا تكبدنا، منذ اندلاع الحرب، خسائر كبيرة. سلاح الطيران أيضًا لا يتمتع بحرية العمل التي كنا معتادين عليها. وهذا يعني أننا لا نستطيع القيام بهجوم في الجبهتين في آن واحد. في الشمال سنستمر في الهجوم، في حين سننتقل إلى الدفاع في الجنوب. مشكلتنا في الجنوب تتمثل في منع استنزافنا، والحيلولة دون إحراز العدو أية إنجازات. إلى جانب ذلك يتوجب حشد القوى بغية الانتقال إلى الهجوم. الفرق تتضاءل والجنود منهكون، لذا سنتحاشى الاتصال بالعدو ولن نبادره بمعارك. وإذا ما حاول العدو الاختراق شرقًا فسنحاول صده دون أن نُستنزَف وشريطة أن لا نمكنه من التقدم شرقي الخط العرضي. وعلينا، في غضون ذلك، أن نستريح وننظم أنفسنا طالما يكون الأمر بمقدورنا، وعلينا إصلاح المزيد من الدبابات وجلب إمدادات بهدف تعزيز القوات، استعدادًا لشن الهجوم. أن فرقتي "ألبرت" و"برن" مقلصتان، في حين أن فرقة "شارون" هي الوحيدة التي كادت تخرج بدون خسائر. لذا، يتوجب عليها الاستعداد للعبور خلال يوم أو يومين، باتجاه بور سعيد - بور فؤاد" (ص 127).

ومع قيادة المنطقة الجنوبية التزمت بالخطوط الأساسية لخطة رئيس الأركان الذي يكن له الكاتب تقديرًا في كتابه ويحاول تبرئة ساحته من "التقصير"، خلافًا لتقرير "لجنة أغرانات"، فقد أبرز المؤلف في كتابه موقف "ديان" واستنتاجاته المتشائمة، في محاولة منه لإحداث مقارنة بينه وبين "أليعازار" تكون لصالح الأخير. فقد ذكر أن "ديان" رفض فكرة العبور في منطقة بور سعيد، ودعا على ضرورة تركيز الجهد على سوريا، أولاً لكي يكون بالإمكان إعداد هجوم في المنطقة الجنوبية. وأوضح أن هناك نحو 400 دبابة فقط في الجبهة الجنوبية هي القوة الوحيدة الموجودة وقتئذ بين الجيش المصري وتل أبيب، ولذلك يجب الاقتصاد في القوى لحين وصول تعزيزات. كان تقدير "ديان" لا يختلف في ذلك كثيرًا عن وجهة نظر رئيس الأركان، ولكنه يختلف عنه في تشاؤمه الذي انعكس في التوصية التي قدمها لرئيسة الحكومة "غولده مئير" والداعية إلى تجنيد الشبيبة الإسرائيلية من أبناء السابعة عشرة وتدريبهم، وضرورة الحصول على أسلحة من الخارج، وإمكانية الانسحاب إلى خط في عمق سيناء يمتد من شرم الشيخ مرورًا بسانت كاترين وحتى العريش (ص 129).

مع إطلالة صبيحة يوم 9/10/1973 أخذت القوات المصرية تعزز من إحكامها على مواقع خط بارليف، وتطور هجمات نحو الشرق بهدف تعميق رؤوس الجسور. وهنا يسهب الكاتب في تفاصيل معارك صغيرة جرت في الجبهة بمبادرة من جانب القوات المصرية التي أحرزت فيها بعض التقدم إلا أنها أوقفت هجماتها عند عصر اليوم نفسه، في الوقت الذي كانت فيه قوات أدان تعاني من ضبابية صورة المعركة، كما يتضح من قول قائد اللواء "غابي" لأدان بواسطة اللاسلكي:"لا أعرف متى اندلعت الحرب وكم يومًا مر علينا ونحن نقاتل. إننا لا نملك صورة عما يجري بشكل عام ؟ ماذا يجري إلى الشمال منا ؟ وماذا يدور عند جيراننا من الجنوب ؟ أين يتواجد المصريون ؟ إلى أين وصلوا ؟ أين يرابط الجيش الإسرائيلي وما هو الوضع في الجبهة الشمالية ؟ هل من الممكن تلقي معلومات ؟ هل من الممكن معرفة أين نحن وماذا يحدث لنا ؟!".

لم يكن الوضع بالنسبة لقوات "شارون"، في ذلك اليوم، أفضل من وضع قوات أدان فقد قرر "شارون" احتلال موقعي "حموطال" و"مخشير". وأفرز لكل منهما لواء مدرعًا، وكلف لواء حاييم باحتلال الموقع الأول بينما أنيطت مهمة احتلال الموقع الثاني على كاهل لواء "طوبيا".

تقدم لواء "حاييم" نحو هدفه، وتمكنت كتيبة "عامي" من اختراقه، إلا أنها ما لبثت أن دخلت في معارك عنيفة مع حملة القذائف المضادة للدبابات التي أخذت تحدث بين صفوفها خسائر كبيرة. وقد حاول أفراد الكتيبة المدعومون بكتائب أخرى، اقتحام خنادق المشاة المصريين لدفعهم للهرب، إلا أن هؤاء صمدوا في خنادقهم وخاضوا معركة عنيفة مع الدبابات التي اقتحمتهم وواصلوا ضربها من الخلف، الأمر الذي تأتى عنه وقوع خسائر أكبر في صفوف الكتيبة، فقد أصيب قادة السرايا الثلاثة، إلى جانب ضباط وقادة دبابات مع أطقم بجراح، وأعطبت أيضًا دبابة قائد الكتيبة. ولم يكن أمام قائد اللواء سوى إصدار أمر بانسحاب الكتيبة مع جرحاها. وقد عادت إلى موقعها بسبع دبابات سليمة من مجموع 24 دبابة.

في الوقت نفسه كان "طوبيا" قد استعد لاحتلال الموقع الآخر، ودفع كتيبة نحوه، بيد أن هذه عانت، وهي في طريقها، من نيران المدفعية الثقيلة التي ألحقت بها خسائر كبيرة. فقد أصيب قائد الكتيبة، وأصيب أيضًا مساعد قائد اللواء بعد أن أرسل لاستبداله. ولذلك فشلت محاولة الهجوم. وربما كان ذلك من بين أسباب قيام المصريين بهجوم مضاد، حين قدمت نحو 60 دبابة من الواء المدرع "14" باتجاه "حمدية" ووقعت في كمين للدبابات الإسرائيلية تمكن من صدها بعد أن أعطب منها حوالي 35 دبابة (ص 137). وليس هنالك شك بأن "شارون" تشجع من كسر الهجوم المصري المضاد، فقام بعد الظهر بهجوم معاكس هو الآخر، من الشرق إلى الغرب، بواسطة لواء "طوبيا" وُوجه بمقاومة عنيفة من قبل الوحدات المصرية المرابطة في منطقة "حموطال"، كان من نتيجته تدمير 25 دبابة، بقيت 13 منها مع عدد من المفقودين في مناطق الجيش المصري. وربما كان التعويض الوحيد لخسائر "شارون"، في هذا اليوم، اكتشاف وحدة استطلاع تابعة لقواته، خلو منطقة تقع في الطرف الشمالي من البحيرات المرة بالقرب من موقع إسرائيلي سابق يحمل اسم "متسماد"، مقابل الدفرسوار، من تواجد قوات مصرية. وقد حاول "شارون" إقناع القيادة العليا بالموافقة على اختراق القناة من هذا الموقع، وأمر وحدة الاستطلاع بالبقاء في مكانها (انسحبت في اليوم التالي) إلا أن القيادة العليا لم تستجب لطلبه، إذ كان تفكيرها حتى ذلك الحين منصبًّا على إحداث خرق في منطقة بور سعيد.

كان الوضع مختلفًا بالنسبة لفرقة "مندلر" في المنطقة الجنوبية فقد أحرز الجيش الثالث في ذلك اليوم تقدمًا ملموسًا على الأرض، وواجه في تقدمه ثلاثة ألوية تضم 145 دبابة تخص "دان" وأبراهام" و"بير" موزعة لحماية ممري الميتلا والجدي. وقد واجهالمصريون صعوبة في التقدم نحو ممر الجدي، خلافًا لمنطقة ممر الميتلا التي أحرزوا فيها تقدمًا على أثر ضغط على قوات "دان" التي اضطرت للتراجع، بعد ان أعطبت للقوات المصرية قرابة عشرين دبابة، مكنتها من السيطرة على منطقة مرتفعة. كما وأحرزت القوات المصرية تقدمًا آخر في منطقة "عيون موسى"، ووصلت إلى "رأس سد" على شاطئ البحر الأحمر. ولكنها ما لبثت أن اضطرت للتراجع نتيجة تكبدها خسائر كبيرة من جراء القصف الجوي.

وفي معرض إجماله المعارك الصد في يوم 9/10 يؤكد أدان أن "الصورة في الجبهة لم تكن مشجعة". ويذكر أن القوات الإسرائيلية نجحت في صد القوات المصرية في جبهة الجيش الثاني، لكنها فشلت في منع الجيش الثالث من إحراز بعض التقدم. ومع ذلك، فإن "حجم الاستنزاف كان كبيرًا للغاية، وخصوصًا عقب هجمات فرقة شارون. ففي معارك الصد أصيبت لنا حوالي 80 دبابة (من جملة نحو 400 دبابة كانت لدى القوات الإسرائيلية) من بينها 15 في فرقتي، بيد أن هذه بقيت في منطقتنا وسيتم إصلاحها. في حين فقدت فرقة شارون حوالي 50 دبابة تركت 18 منها في منطقة العدو، وسقطت معظمها في الهجمات". وهنا لا يفوت المؤلف فرصة إجراء مقارنة بين فشله هو في الثامن من تشرين الأول (أكتوبر) وبين فشل "شارون" في التاسع منه، ويبدو فيها بوضوح تحميل "شارون" المسؤولية الكاملة للفشل، في حين يتقاسم هو والقيادة مسؤولية فشل قواته:"بالنسبة لي، فقد اندفعت للهجوم بضغط من القيادة، وبدون رغبة، غداة وصولنا إلى الجبهة وقبل وصول مدفعيتي، بينما خاض شارون هجمات بمبادرة منه بعد حصوله على فترة زمنية أطول للتنظيم، وقوات ودعم مدفعي أكبر. ون ناحية ثانية هنالك ثمة تشابه كبير بين هجمات الثامن والتاسع من تشرين الأول (أكتوبر)، فقد تم تنفيذ هذه وتلك بواسطة كتائب منفردة، دون حشد كافٍ للقوات ودون توافر استخبارات ميدانية بشكل كافٍ ..." (ص 140).

تميز اليوم العاشر من تشرين الأول (أكتوبر) بامرين: (1) ضغط مصري على الفرق الإسرائيلية، وقد نالت فرقة أدان حصة الأسد من هذا الضغط. (2) تعيين "بارليف" قائدًا للمنطقة بدلاً من "غونين" الذي أصبح مساعدًا "لبارليف".

ففي المنطقة الجنوبية من الجبهة حاولت قوات الجيش الثالث التقدم نحو "رأس سودار" إلا انها رُدت على أعقابها بواسطة فرقة "مندلر" وسلاح الجو الإسرائيلي. وفي المقابل فشل لواء تابع لفرقة "مندلر" في محاولة له للتقدم. وفي أقصى الشمال تمكنت قوات تابعة لفرقة "ماغين" من إحداث اتصال مع موقع إسرائيلي محاصر يحمل اسم "بودابست"، وبقي هذا الموقع حتى نهاية الحرب بيد الإسرائيليين. أما "شارون" فقد فشل في الوصول إلى منطقة "حموطال"، وفقد عددًا بسيطًا من الدبابات التي قدمت إلى المنطقة في محاولة لإنقاذ جرحى بقوا في المنطقة منذ اليوم السابق.

وبالنسبة لقواته يذكر المؤلف أنه واجه ضغطًا شديدًا جداً، ويرجع سبب ذلك إلى احتمالين: عدم إحراز المصريين مكاسب كبيرة على الأرض في منطقته، وشخصية ندّه الجنرال "سعد أبو سعده" قائد فرقة المشاة "2".

عند الساعة التاسعة والنصف هاجمت كتيبتان مصريتان، الأولى مشاة والثانية دروع، موقعي "زركور" و"هفرغاه". وقد جرت حول الموقعين معارك طاحنة، غدا فيها من الصعب تحديد هوية الأطراف المتقاتلة بسبب غزارة النيران وكثافة الدخان، وتداخل القوات المتصارعة "كان الجميع يخوضون قتالاً عنيفًا، من مسافات قريبة، ضد دبابات وآلاف المشاة المصريين الذين دعموا بصواريخ مضادة للدبابات. لقد أصيبت في جانبنا دبابات، وأصبحت شبكات الاتصال "عصيبة" عند الموقع الأول. وبعد حوالي ساعتين تمكن قائد اللواء غابي من صدّ القوات المصرية عن الموقع بعد أن ألحق بها خسائر كبيرة ولحقت به بعض الخسائر، ولكن في الوقت نفسه كانت تدور معركة شرسة في المنطقة الواقعة بين الموقعين. أمام بصر أفراد كتيبة ناحوم بدت المنطقة على مدى 80 - 200 متر مكتظة بالمشاة المصريين. وقد حاولت دبابات العدو الإغارة من الأجنحة، إلا أن دوريات استطلاعنا... أبلغتنا عن تحركاتها. وتقدمت دباباتنا ودمرت دبابات العدو، ولكن ضغط المشاة المصريين استمر، وأخذت المسافات تتضاءل وسط غزارة نيران رشاشات الدبابات. أصيب مساعد قائد الكتيبة، كما وأصيب مساعد قائد سرية، ومن بين الذين تم إخلاؤهم قائد كتيبة "ك" بعد أن لقي مصرعه. وقد أطلقت صواريخ ساغر من مسافة بعيدة وأطلقت صواريخ الأر بي جي من مسافات قصيرة، وأخذت تصيب دباباتنا. كان الوضع حرجًا، وطلب غاني المساعدة" (ص145). وقد فشلت الهجمة المصرية بعد مضي ساعات طويلة وإثر وصول بطاريات مدفعية أطلقت قرابة خمسة آلاف قذيفة، الأمر الذي أتاح الفرصة للقوات الإسرائيلية لإعادة تنظيم نفسها.

وفي غضون ذلك عادت القوات المصرية عند الظهر لتشدد من ضغطها على لواء "غابي". وكان من نتيجة ذلك أن تم تدمير عدد من دباباته وإصابة مساعده بجراح ومصرع ثلاثة من ضباط أركانه، الأمر الذي أدخل الروع في نفس أدان من إمكانية تفاقم الوضع لتلك الدرجة التي يجد الجنود فيها أنفسهم يقاتلون بدون قادة. ومما زاد من تخوفه استغاثات "غابي"المتكررة "الوضع هنا ليس جيدًا. في الهفرغاه وسائط نقل معطوبة ... مشاة.. صواريخ ساغر. إنهم يتقدمون على الطرف الأيمن الشمالي..." (ص147)، وتمكن "غابي"من الصمود بفعل دعم لوائه بكتيبة ومؤازرته بقصف مدفعي، في الوقت الذي كان فيه لواء "آريه" مشتبكًا مع قوات مصرية، ولا يكف هو الآخر عن المطالبة بدعمه، أسوة بزميلة "نتكا" الذي كان يلح على المطالبة بدعم جوي. وهنا، يكشف الكاتب عن ظاهرة انسلاخ أعداد من الدبابات عن ألويتها وكتائبها بانسحابها من ميادين المعركة، معيدًا ذلك إلى مصرع ضابطها، ممّا استدعاه لإقامة نقاط مراقبة خلف خطوط القتال بغية إيقاف الدبابات وإعادتها إلى وحداتها.

وفي معرض إجماله لخسائر فرقته في هذا اليوم يذكر أن 22 دبابة من مجموع 130 دبابة كانت بحوزة فرقته قد تعطلت، إلى جانب خسائر في الأرواح وبخاصة في صفوف الضباط. ومع ذلك فإن الفرقة ستتعزز غداة اليوم غداة اليوم التالي، حيث سيصبح لديها 160 دبابة.

كان رأي قيادة المنطقة الجنوبية لا يزال يدعو إلى مواصلة التصدي وحشد القوى بهدف العبور. وكانت بور سعيد لا تزال تشكل الهدف بالنسبة "لبارليف" على الرغم من انتقاد أدان للخطة باعتبارها "غير واقعية، وبسبب عجزنا عن تنفيذها" (ص 158).

غداة اليوم التالي (11/10/1973) جرت معارك بين مجموعة ألوية أدان وبين قوات مصرية، شبيهة في نتائجها بنتائج معارك اليوم السابق وإن كانت أخف حدة. ولعل ظهور الطائرات المصرية في سماء المعركة - لفترة قصيرة وبأعداد قليلة - كان العامل المميز لهذا اليوم. فقد أغارت عند الظهيرة طائرتان مصريتان على إحدى كتائب "نتكا" وأوقعتا في صفوفها بعض الخسائر. في حين أغارت طائرتان أخريان على سرية متقدمة من وحدة التسليح التابعة للفرقة، نضم قرابة مئتي عنصر إلى جانب أعداد من الآليات المحمّلة بالذخيرة وصهاريـج الوقود. وبسبب الإحساس المفرط بالأمن، الناجم عن التفوق الجوي الإسرائيلي، لم يحترس أفرادها بما فيه الكفاية اتقاء خطر القصف الجوي، الأمر الذي جعل الجنود يذوقون طعم الغارات الجوية "لقد كان ذلك بمثابة خطأ جدي دفعنا ثمنه غاليًا. شاحنات وقود اشتعلت، وشاحنات ذخيرة تفجرت، وأصيب ثمانون من رجالنا... كان المنظر مخيفًا، والمأساة كبيرة" (ص162).

ويبدو أن أخبار تقدم القوات الإسرائيلية في الجبهة الشمالية لم تخفف من "مأساة" أدان، فقط، وإنما أخرجته عن طوره، فعندما بلغه خبر تقدم القوات الإسرائيلية في الجبهة الشمالية، أخذ يردد، عن طريق شبكة الاتصال الخاصة بالفرقة، الخبر على مسامع ضباطه، ويكيل أقذع الشتائم والسُّباب للمصريين اعتقادًا منه أنهم يرصدون شبكة اتصالاته ( ص164).

وفي اليوم التالي (12/10/1973) واصلت القوات الإسرائيلية، كالأيام السابقة، امتصاص الهجمات المصرية وتبادل الاشتباكات معها وفق خطة التصدي وحشد القوات تأهبًا للعبور.

كان من أبرز أحداث هذا اليوم سقوط موقع اللسان بعد أن استسلم جنوده الإسرائيليون، ومصرع "ألبرت مندلر" قائد الفرقة المكلفة بالوقوف في وجه الجيش الثالث وحماية ممري الجدي وميتلا، نتيجة تعرضه لقصف كثيف أثناء تفقده لأحد ألويته، وقد حل محله في قيادة الفرقة "كلمان ماغين". وبسقوط موقع اللسان استكملت القوات المصرية إحكام سيطرتها على خط بارليف، بيد أن الوضع بقي على ما هو عليه دون أن يطور المصريون هجومهم، ودون أن ينفذ الإسرائيليون خطة العبور في منطقة بور سعيد.

الهجوم المصري يوم 14/10/1973:

في هذا الوقت، كانت القيادة الإسرائيلية تعكف على دراسة موضوع العبور لاتخاذ قرار حاسم بشأنه. ووجدت القيادة نفسها منقسمة الآراء حوله. فقد وقف قائد سلاح الجو إلى جانب ضرورة اتخاذ قرار بالعبور سريعًا، قبل أن يفقد سلاح الجو مزيدًا من طائراته مما يؤثر - في حال حصوله - على فاعليته وقدرته، ويصبح عاجزًا عن تقديم الدعم لقوات الاختراق. في حين عاض "يسرائيل طال" مساعد رئيس الأركان التوجه السابق بشدة بحجة أن "العبور مرتبط باختراق صعب وتضحيات كبيرة. ومن الأفضل انتظار هجمة مصرية وخوض معارك دبابات في الضفة الشرقية" (ص 199)، بينما حبذ "بارليف" القيام بعملية العبور في الوقت الذي مال فيه رئيس الأركان إلى الأخذ بها. وبسبب التباين في الآراء أحيل الموضوع إلى القيادة السياسية للبت فيه. وفي غضون ذلك وصل إلى علم القيادة معلومات عن بوادر احتمال هجوم مصري، الأمر الذي أرجأ الحسم في مسألة العبور وقاد تفكير القيادة إلى التصدي للهجوم المحتمل الذي بدأ - قرابة الساعة السادسة من صباح الرابع عشر من تشرين الأول (اكتوبر) بعد وقفة تعبوية (عملياتية) استمرت أيامًا - بقصف مدفعي كثيف على امتداد الجبهة، مشفوعًا بطلعات جوية للطيران المصري (يؤكد الكاتب على عدم فاعليته في ميدان المعركة) تمهيدًا لتقدم ألوية الدبابات التي حاولت بعد ساعة إحداث خروق في تسعة محاور. ولم يكن نصيب هذا الهجوم الواسع بأفضل من نصيب الهجوم الإسرائيلي في الثامن من تشرين الأول (أكتوبر).

ففي جبهة الجيش الثالث تقدمت ألوية مصرية على ثلاثة محاور ووصلت إلى الطريق العرضي، متجاوزة حدود غطاء الصواريخ المضادة للطائرات، وخاضت معارك مع ألوية "ماغين" المعززة بطلعات جوية إسرائيلية، أسفرت عن وقف الهجوم وتدمير حوالي سبعين دبابة.

أما الجيش الثاني فقد واجه في هجومه مجموعة فرق "شارون" و"أدان" و"ساسون"، وصدت هجماته في منطقة "شارون" بعد أن خسرت القوات المصرية حوالي أربعين دبابة. كما وصدت قوات "ساسون" لواء مصريًا على طريق القنطرة - بالوظة بعد أن دمرت له ما يقارب الثلاثين دبابة. أما في منطقة قوات أدان فقد كان الوضع أصعب، ووقعت في جانبه خسائر في الدبابات تفوق خسائر الفرق الإسرائيلية الأخرى، ومع ذلك فقد تمكن من صد الهجوم المصري بعد إعطاب حوالي أربعين دبابة مصرية.

مع انتهاء الهجوم المصري بالفشل، أخذت الاستعدادات في الجانب الإسرائيلي تجري على قدم وساق لتحقيق خطة العبور إلى الغرب من القناة.

العبور الإسرائيلي (معارك ثغرة الدفرسوار):

في أعقاب فشل الهجوم الإسرائيلي، في الثامن من تشرين الأول (أكتوبر)، استحوذ على تفكير القيادة الإسرائيلية فكرة عبور قناة السويس من منطقة بور سعيد. وقد طرأ، وسط استمرار المعارك، تغيير على مكان العبور المفترض (بور سعيد)، وخصوصًا عقب وصول مجموعة استطلاعية إلى موقع "متسماد" على القناة، واكتشافها خلو المكان من أي تواجد للقوات المصرية، ليتضح لها أن هذا المحور الواقع أمام فرقة "شارون" هو الحد الفاصل بين منطقتي عمل الجيشين الثاني والثالث، فاختارته كموقع للعبور، واستكملت لهذا الغرض خطة عرفت باسم "رابطي الجأش" كانت قد رسمت خطوطها العامة قبيل اندلاع الحرب. وفي يوم الهجوم المصري الآنف الذكر، وعلى ضوء نتائجه، أصدرت القيادة مجموعة أوامر، مطلقة عليها اسم "رابطي الجأش"، حددت فيها مكان العبور، حيث استقر الرأي على منطقة "متسماد" على الطرف الشمالي من البحيرات المرة، ومهامَّ الفرق. فقد أنيطت بفرقة "شارون" مهمة مد جسور ومن ثم إنشاء وتوسيع رأس جسر للقوات العابرة إلى الضفة الغربية للقناة وغلق معابر قناة الإسماعلية القريبة، وعزل منطقته عن المعركة، بينما أنيطت بفرقة أدان مهام الاختراق غربًا وجنوبًا للسيطرة على مرتفعات "جنيفا"، ومن ثم مواصلة التقدم جنوبًا لاحتلال جبل "عتاقة" والتأهب هناك لاحتلال مدينة السويس، مدعومة بقوات من فرقة "شارون"، على أن تقوم فرقة أدان في المرحلة الأولى في مهام الدفاع في الضفة الشرقية إلى جانب فرقة "ساسون"، والاستعداد من ثم لاستبدال قوات "شارون" التي من المقرر لها أن تتقدم جنوبًا. ويذكر أدان أن واضعي الخطة وضعوا نصب أعينهم ضرورة إنجاز عملية احتلال رأس الجسر وإقامة الجسر الأول خلال ليلة واحدة، ليتم في اليوم التالي تقدم القوات شمالاً وجنوبًا، حيث تقوم بعد ذلك، وخلال يوم واحد، وفق الخطة الطموحة المتفائلة، باحتلال مدينة السويس وتطهير ضفتي القناة خلال مدة لا تزيد عن 24 ساعة (ص185) أي أن العملية برمتها ستنجز خلال يومين وبضع ساعات.

بدأت القوات الإسرائيلية. حوالي الساعة الخامسة بعد ظهر يوم الخامس عشر من تشرين الأول (أكتوبر)، تتقدم نحو نقطة العبور، دون أن تحدث، خلال الساعات الأولى من تقدمها وسط قوات مصرية، معارك تذكر. وعند وصول طلائع القوات الإسرائيلية إلى نقطة العبور، حوالي الساعة التاسعة مساء، أخذت القوات المصرية تطلق قذائف الدبابات وصواريخ "ساغر" باتجاه الإسفين الإسرائيلي الآخذ بالتقدم نحو الهدف، ودخلت في معارك عنيفة مع الكتائب والألوية الإسرائيلية، تسببت بإرباك قوات الطرفين بسبب تداخلهما وتحرك قواتهما على المحور نفسه، مما خلق وضعًا يصعب فيه تمييز القوات "صعوبات التمييز كانت فظيعة. فقد تخبطت قوات وحدات الدبابات أكثر من مرة في فتح النيران على مجموعات دبابات تتقدم..." (ص193). وخلال ذلك تمكن لواء "داني" (مجموعة شارون) من الوصول إلى نقطة العبور في "متسماد" في مواجهة "الدفرسوار"، وشرع بالعبور في تمام الساعة 1.25 دون مقاومة، ليصبح لديه عقب مضي ساعتين، على الضفة المواجهة كتيبتان إلى جانب مجموعة قيادة اللواء، تضم 750 فردًا. وتمكن بهذه القوة من الانتشار حتى مسافة 3 كم جنوبًا و 2 كم غربًا.

في غضون ذلك كانت قوات "شارون" تواجه صعوبان كبيرة في الضفة الشرقية، لخص أدان جانبًا منها بقوله:"خلال الليل فقد أمنون حوالي 60 دبابة، ولم يبق بحوزته سوى 40 دبابة. لقد كانت خسائره في الأرواح كبيرة للغاية، ومن بين من سقط عدد كبير من القادة..." (ص 196). بيد أن المسألة الأكثر صعوبة، تمثلت في عجز القوات الإسرائيلية عن نقل معدات العبور لإقامة جسرين وفق الخطة. وهنا يعود أدان ويقف على حالة الإنهاك التي ألمت بمجوعة ألوية "شارون" خلال ليلة العبور، باقتباس وصف "شارون" لقواته ولجهود التي بذلتها، وعجزها عن تطبيق الخطة كما هو مرسوم لها:"... لقد بذل هنا جهد كبير... إذا لم ننجح... فهذا لا يعني أننا لا نرغب أو لم نحاول... ببساطة لم نستطع ... مع القوات التي أدخلناها" (ص199). أما أدان فيَصف الوضع صبيحة يوم العبور بقوله:"... في صباح السادس عشر من تشرين الأول (أكتوبر)، كان بحوزتنا رأس جسر كإسفين ضيق، يمتد في الواقع على جانبي القناة، ولكن بدون جسور، فضلاً عن أن الطرق إليه مقطوعة. أكثر من ذلك، فقد كانت فرقة شارون في ذلك الحين تعاني من إصاباتها الجسيمة، وعاجزة عن مواصلة وتيرة الهجوم. وكان ثمة خوف من خطر قيام العدو بهجوم مضاد لتصفية رأس الجسر الضيق الذي رابطنا فيه. لقد فشلنا، مقارنة مع الخطة والتعليمات، في مسألتين: غياب محور وصول ورأس جسر متواصل ومحمي، وغياب جسور على القناة..." (ص199).

كان من نتيجة تفاقم أوضاع ألوية "شارون" وعدم إقامة جسر على القناة أن أخذ الصراع يدور من جديد بين قيادة المنطقة الجنوبية. فقد رأى كل من "بارليف" و"غونين" ضرورة بسط سيطرة إسرائيلية على الضفة الشرقية بالقرب من نقطة العبور، وفتح الطرق المؤدية إليها وحمايتها، وبناء جسر قبل تعزيز القوات في الضفة الأخرى بقوات جديدة، في حين دعا "شارون" إلى ضرورة تعزيز رأس الجسر في الضفة الغربية بقوات إضافية. وقد نجحت القيادة بفرض رأيها، فكلفت قوات "شارون" باحتلال موقع يحمل اسم "أمير" وأناطت بقوات أدان مهمة احتلال محوري "عخبيش" و"طرطور" (الأول يمتد بين الطاسة وشمال البحيرات المرة، والثاني يتفرع عنه ويوصله بموقع متسماد) ونقل معدات العبور إلى "متسماد".

كان تنفيذ هذه المهام مقرونًا بالمخاطر، ويصف أدان معركة شاهدها أثناء تقدمه على محور "عخبيش" بين كتيبة دبابات بقيادة "حاييم" (تابع لفرقة شارون) معزّزة بكتيبة مظليين، قائلاً:"عند وصول الطابور إلى مسافة 2 - 3 كم إلى الشمال الغربي من موقع مراقبتنا، شاهدنا فجأة أربع دبابات تحترق خلال ثوان، ولكن دون أن نسمع إطلاق نيران للدبابات، ويبدو أنها أصيبت بصواريخ ساغر التي أطلقت نحوها من جهة الشمال، من محور طرطور. لقد أُخذ الطابور على حين غرة، وحدثت أمامه أمور كثيرة خلال مدة قصيرة. شاهدنا أفراد الأطقم وهم يقفزون من الدبابات ويهرعون نحونا، ونصف مجنزرات تقف ليتركها أفرادها وينبطحون أرضًا، وأخرى تدور على الطريق وتتحرك إلى الوراء... من غير المريح للمرء أن يكون شاهد عيان للمنظر الذي طرأ على محور عخبيش" (ص201). ويؤكد من ثم تخبط قوات "شارون" في معارك ذلك اليوم باستشهاده بملاحظة أبداها أمامه "غونين"، حيث قال: أن "شارون خيّب الآمال. لا أعرف ما جرى لشارون في هذه الحرب" (ص 201).

استمر القتال سجالاً بين الطرفين، طوال يوم السادس عشر من تشرين الأول (أكتوبر) ودون أن تحرز القوات الإسرائيلية أي مكسب، بل فقدت خلاله عددًا كبيرًا من الدبابات. وفي المقابل لم تتمكن القوات المصرية من وضع حد للإسفين وإن أحدثت فيه بعض الخروق. وكان يتوجب على القوتين اتخاذ قرارات حاسمة: فبالنسبة للطرف الإسرائيلي واجه مع غروب اليوم نفسه الخيار بين الاستمرار في تنفيذ الخطة أو سحب القوات من الضفة الغربية، وارتأت القيادة، بعد نقاشات، الأخذ برأي ثالث: الانتظار.

أما الطرف المصري، فقد تصور في البداية، خطأ، حسب اعتقاد أدان، أن الهجوم الإسرائيلي على الفرقتين "16" و"21" هو بمثابة هجوم محلي، في حين لم تتوفر لديه معلومات دقيقة حول القوة الإسرائيلية التي عبرت القناة، ولم يولها الاهتمام اللازم إلا بعد أن هاجمت أربعة قواعد للصواريخ المضادة للطائرات. ومع ذلك فقد اتخذت القيادة المصرية قرارًا حاسمًا بتصفية الإسفين الإسرائيلي في الضفة الشرقية بهجوم يأخذ شكل كماشة، حيث تقوم الفرقة "21" من الجيش الثاني بالهجوم من الشمال إلى الجنوب، وفي حين يشرع اللواء "25" من الجيش الثالث بهجوم من الجنوب إلى الشمال.

من أبرز المعارك التي دارت في ذلك اليوم واستمرت لليوم الثاني، معارك جرت في منطقة قرية نموذجية مصرية، كان المصريون قد أشادوها قبل حرب 1967 بمساعدة يابانية (يطلق الإسرائيليون عليها اسم "المزرعة الصينية"، واشتهرت في أدبياتهم بهذا الاسم) تقع على محور "طرطور" المؤدي إلى نقطة العبور. وكان على قوات أدان اختراق هذا المحور لإفساح المجال أمام عملية نقل معدات العبور، وإبعاد القوات المصرية عن رأس الجسر. وقد استغل المصريون خنادق الري في القرية، وعززوا من دفاعاتهم التي صدّت القوات الإسرائيلية. مما اضطر الأخيرة للاستعانة بلواء المظلات النظامي بقيادة العقيد "عوزي يئيري"[2] ، ونقله جوًا من منطقة "رأس سدر" إلى "المزرعة الصينية" حيث ينتشر المشاة المصريون المعززون بالدبابات وقذائف "الآر بي جي" وصواريخ "ساغر".

بعيد منتصف الليل خاضت كتائب لواء المظليين، مدعومة بكتائب مدرعات، معارك طاحنة مع القوات المصرية. واستغلت قوات أدان عنف هذه المعارك ونقلت معدات العبور إلى موقع "متسماد" في الساعات الأولى من صبيحة السابع عشر من تشرين الأول (أكتوبر) وخلال ذلك كانت قوات المظليين تواجه مقاومة ضارية ألحقت في صفوفها خسائر جسيمة، وانهمك اللواء بإخلاء ساحة المعركة من الجرحى، في حين كان يدور نقاش في صفوف القيادة حول إمكانية انسحابه، واستقر الرأي ظهرًا على إخراجه مع قتلاه وجرحاه من "المزرعة الصينية" التي بقيت تشهد معارك عنيفة، اعتمد فيها المصريون أسلوب استدراج القوات الإسرائيلية وإيقاعها في المصائد، وذلك عن طريق ظهور دباباتهم والتقدم بها ثم الانسحاب نحو المصائد، في حين كان اللواء المصري المدرع "25" التابع للجيش الثالث في القطاع الجنوبي من الجبهة يتقدم ببطء شمالاً على محاذاة الضفة الشرقية للبحيرات المرة.

واجه اللواء "25" فشلاً ذريعًا، ساعد على حسم قضية العبور لدى الإسرائيلين، فقد رابطت أمامه قوات من لواء "أمنون" (تابع لفرقة شارون)، وكمن على جناحه لواء "نتكا" (تابع لفرقة أدان) لإيقاعه في المصيدة. فعندما صارت طلائع دبابات اللواء المصري بالقرب من قوات "أمون" القريبة من منطقة العبور وتبادلت معها النيران، فأجأتها قوات "نتكا"، وصبت على جناحها الأيسر، غير المحمي، نيران أسلحتها. وانتهت المعركة بانسحاب الجزء الخلفي من القوات المصرية بعد أن تم إعطاب ما بين 50 - 60 دبابة "ت - 62" مقابل إعطاب ثلاث دبابات إسرائيلية (ص 221).

في هذا الوقت كان "شارون" قد عزز قواته المتواجدة في الضفة الغربية بعشر دبابات، دون إذن من القيادة. وكان العمل يجري على قدم وساق لاستكمال بناء الجسر الذي ستعبر عليه، خلال الليل، مجموعة ألوية أدان. إلا أن الطريق المؤدية إلى نقطة العبور لم تكن مأمونة بسبب استمرار المعارك في "المزرعة الصينية" مما حدا بأدان إلى تحريك قواته صوب الجنوب ليلاً، اتقاء تعرضها لنيران القوات المصرية في المزرعة، ليتوجه بها من ثم شمالاً بمحاذاة البحيرات المرة حتى نقطة العبور التي وصلها تمام الساعة 22.40 . وقد استغل أدان فترة هدوء قصيرة، فقام قبيل منتصف الليل باجتياز الجسر ليكون بانتظار قواته على الطرف الثاني من القناة. بيد أن الهدوء ما لبث أن مزقه القصف العنيف الذي مزق أيضًا جزءًا من الجسر، بعد أن تمكنت من العبور عليه ثلاث دبابات فقط، مما استدعى الانهماك في تصليح الجسر، ونقل دبابات بواسطة العبارات وسط قذائف المدفعية و"الكاتيوشا" التي يصفها بـ"المخيفة". وبعد مضي ساعات معدودة أصبح في منطقة العبور جسران، مرت عليهما قوات أدان (لواء نتكا ولواء غابي إلى جانب كتيبة مدفعية) وبحوزتها 140 دبابة، ليقف بها مع صبيحة 18/10 على الطرف الآخر من القناة في وجه مرحلة جديدة من المعارك. ولا ينسى المؤلف هنا، المقارنة بين دور قواته ودور قوات "شارون" في إنجاح عملية العبور بقوله:"... في البداية ووسط معارك عنيفة نجحت فرقة شارون في السيطرة على رأس جسر ممتد على طرفي القناة، إلا أنها عجزت عن استكمال المهمة. وقد نجحت فرقتنا، خلال يومين من المثابرة في قتال عنيد، في فتح الطريق لرأس الجسر، ونقل معدادت العبور. وتأتّى عن ذلك إقامة الجسر وصد الهجمات المضادة من الشمال والجنوب، مع إلحاق خسائر كبيرة في صفوف العدو. لقد نجحنا في رفع الضغط في الضفة الشرقية، وعبرنا، والآن نتأهب للتقدم في الضفة الغربية" (227).

كانت المهمة الملقاة على كاهل فرقة أدان، عقب العبور، توسيع رأس الجسر بواسطة لواءي "غابي" و"نتكا" اللذين خاضا، بغية تحقيق هذا الهدف، معارك عنيفة مع المواقع المصرية القريبة، كانت نتائجها شبه متكافئة، حيث تكبّد الطرفان خسائر في الدبابات والأفراد، الأمر الذي اقتضى تعزيز القوات بلواء "أريه" وتخطي بعض المواقع والتقدم في العمق على شكل إغارات. ويشدد الكاتب هنا على عنف المقاومة التي واجهتها القوات الإسرائيلية في هذا اليوم في بعض المواقع القريبة من منطقة العبور.

وقد تميز هذا اليوم، علاوة على مقاومة بعض الاستحكامات، بطلعات لطائرات "الميغ" والهليكوبتر المصرية التي دخلت في اشتباكات جوية مع الطائرات الإسرائيلية، أسفرت عن سقوط 16 طائرة ميـغ و 7 طائرات هليكوبتر مصرية، مقابل سقوط 6 طائرات إسرائيلية. (ص 235).

في غضون ذلك كانت القوات الإسرائيلية قد أحرزت بعض النجاح في جبهة "المزرعة الصينية" بعد أن أخذت القوات المصرية تسحب منها بعض قواتها. وغدت الطريق المؤدية إلى الجسر شبه مفتوحة، وبدأت التعزيزات الإسرائيلية تجتاز الجسر وسط خسائر في صفوفها نتيجة القصف المتواصل. ويخص المؤلف بالذكر قوافل الذخيرة التي تعرضت لقصف ليلي عنيف، أوقع في صفوفها خسائر كبيرة وأضعف السيطرة على قواتها :"... في كل مرة تتساقط فيها القذائف بالقرب من وسائط النقل، كان السائقون يقفزون من آلياتهم وينتشرون في كل اتجاه بحثًا عن مخبأ بعيد عن شاحنات الوقود والذخيرة. وكانت مسألة إعادة تجميعهم من جديد وسط الظلام صعبة ومعقدة" (ص 228)، فضلاً عن صعوبة العبور على الجسر وتعرض بعض الدبابات للغرق بعد أن غرقت دبابتان مع طاقميهما نتيجة القصف. وهنا، يوجه أدان نقدًا لخطة العبور وعيوب التنفيذ، فقد برزت هوة بين ما خطط له وبين ما تم تحقيقه، إذ كان يتوجب، خلال هذه الأيام التي تم فيها إقامةرأس جسر ضيق، التقدم جنوبًا حتى السويس شمالاً حتى الاسماعلية، ويرجع السبب في تكون هذه الهوة إلى عاملين:

1- التفاؤل الذي كان مستحوذًا على تفكير قيادة الجيش.

2- الأخطاء في البرمجة والتنفيذ، والتسرع. ويحمّل الكاتبُ "شارون" قسطًا كبيرًا من هذه الأخطاء.

ومع ذلك يؤكد أدان على صعوبة المعركة "لا شك أن هذه كانت معركة صعبة للغاية. لقد قاتل المصريون بعناد وتضحية وجرأة... ويبدو لي، على الرغم من الأخطاء التي ارتكبناها، أن قتالنا كان أفضل. لقد اتسم رد المصريين بالبطء والافتقار إلى الخيال" (ص 246) ليصل إلى القول بأن أخطاء القيادة المصرية خفّفت من خطورة أخطاء القيادة الإسرائيلية، ومكّنت بالتالي، الجيش الإسرائيلي من تجاوز صعوبات العبور، لينطلق بسهولة نسبيًا، غربي القناة بغية تطويق الجيش الثالث.

التناقض بين "أحمد إسماعيل" و"الشاذلي":

وكما أشار إلى خلافات بين صفوف القيادة الإسرائيلية حول الخطط العسكرية، ووقف عليها، فإنه لم يغفل الخلافات بين القيادة المصرية، وكرس لها جزئًا بسيطًا في كتابه، وخصوصًا حول موضوع "الثغرة". ومن الجدير بالذكر أن عرضه لهذا الخلاف يتناقض في أجزاء منه مع ما كشفه الشاذلي في مذكراته.

يذكر أدان أن الخلاف دار حول كيفية التصدي لما أسماه تهكما بـ"الجيب الإسرائيلي الصغير" حيث دعا رئيس الأركان سعد الدين الشاذلي إلى ضرورة إعادة قوات من الضفة الشرقية إلى الضفة الغربية للقضاء على هذا الجيب، بينما وقف وزير الدفاع أحمد إسماعيل ضد انسحاب أية قوات. وقد تفاقم الخلاف عقب عودة الشاذلي من زيارة الجبهة حين اتضحت له خطورة الجيب الإسرائيلي، مما حدا به للتمسك بوجهة نظره القائلة بضرورة إعادة القوات الوحدات المدرعة لمواجهة رأس الجسر الإسرائيلي الآخذ بالتعاظم، والذي يمكن له أن يشكل خطرًا على الجيش الثالث والقاهرة أيضًا، في حين بقي أحمد إسماعيل متمسكًا بوجهة نظره، وعارض سحب أية ألوية مصرية خشية حدوث شرخ في نفسية الجنود، واضعًا نصب عينيه تبعات أمر الانسحاب في العام 1967.

إلى هنا لا يختلف المؤلف مع معارضه الشاذلي في مذكراته، ولكنه يتناقض معه في ادعائه بأن الشاذلي كان من أنصار الاندفاع السريع عقب الإنجازات المصرية في بداية المعركة. يقول أدان في مجال مقارنته بين موقفيهما :"كانت العلاقة بين الاثنين متوترة، ذلك أنهما انقسما في الرأي منذ بداية الحرب، فعندما اتضح للشاذلي النجاح المفاجئ الذي حظي به المصريون في بداية المعركة، طالب باستغلال النجاح ومواصلة وتيرة الهجوم. بيد أن أحمد إسماعيل علي تمسك بالتخطيط وفضل الانتظار في وقفة تعبوية. ولم ينس إسماعيل واقع مواجهة المصريين فشلاً ذريعًا عندما استجاب للضغوط وأمر بالهجوم (14/10 أكتوبر)، وازدادت قناعته بأن الحق معه وليس مع الشاذلي. وحسب اعتقادي، ومن وجهة نظر مهنية، كان الشاذلي على صواب في الحالتين، عندما طالب بضرورة مواصلة الهجوم في بداية الحرب، وعندما يطالب الآن باتخاذ خطوات تحول دون تطويق الجيش الثالث. ولكن أحمد إسماعيل علي كان يتمتع بحدس وفهم عميقين لروح الجندي المصري - ولهذا الفهم أهمية تفوق المعرفة العسكرية المهنية " (ص 239).

وقد ورد في مذكرات الشاذلي الصادرة بعد عام من صدور كتاب أدان، أنه لم يسبق له أن دعا إلى تطوير الهجوم شرقًا، بتأكيده فيها:"لقد كثرت الآراء وتعددت حول الأسباب التي منعت المصريين من تطوير هجومهم إلى الشرق فور نجاحهم في عملية العبور، وقد انتشرت إشاعات كثيرة تقول بأنني كنت من أنصار الاندفاع السريع نحو الشرق سواء يوم 14 تشرين الأول (أكتوبر) أو قبل ذلك بكثير... لقد كنت دائمًا ضد فكرة تطوير الهجوم نحو الشرق سواء كان ذلك في مرحلة التخطيط أو في مرحلة إدارة العلميات الحربية للأسباب الكثيرة التي سبق لي أن ذكرتها..."[3].

معارك توسيع الثغرة وتطويق الجيش الثالث:

بدءًا من 19/10 لم تعد الحرب في الجبهة المصرية سجالاً بين المصريين و الإسرائيليين، إذ أصبحت المبادرة وإدارة الحرب وتطويرها في يد الإسرائيليين، ففي أعقاب أربعة أيام من القتال الشرس أصبح لدى القوات الإسرائيلية جسران على القناة إلى جانب رأس جسر لقوات ضاربة، تتمركز فيه وخلفه فرق "شارون" و"أدان" و"ماغين"، فيما بقي أمام كل من الجيشين الثاني والثالث قوات غير رئيسية.

وكان من نتيجة عجز القيادة المصرية على التكيف مع الوضع الجديد أن تجمدت القوات المصرية الرئيسية، وبقيت في مواقعها وأما كنها لتجد نفسها في مواجهة قوات غير رئيسية، في الوقت الذي وضعت فيه القوات الإسرائيلية الرئيسية نصب أعينها هدف تدمير القوات المصرية غير الرئيسية تمهيدًا لتطويق وإبادة القوات المصرية الرئيسية. وقد أعاد أدان سبب تجمد هذه القوات الرئيسية في أماكنها وعدم تكيفها مع مستجدات المعركة إلى رغبة السادات في التمسك بالإنجازات التي تم الحصول عليها في الضفة الشرقية، على أمل تدخل الجهات الدولية لوقف النار ومنع الإسرائيليين من إحراز إنجازات في الضفة الغربية.

ومن الملاحظ أن فرقة أدان التي خاضت أشرس المعارك في الضفة الشرقية، وعانت أكثر من الفرق الأخرى من خسائر واستنزاف في صفوفها، تحملت أكثر من غيرها عبء احتلال مناطق في الضفة الغربية. فقد كانت الفرقة تتشكل من ثلاثة ألوية:"نتكا"، و"أريه"، و"غابي"، وعملت إلى جانبها فرقة "ماغين" كقوة إحتياطية لها، إلى جانب لواءين من فرقة "شارون" عملا شمالاً باتجاه الإسماعيلية، في الوقت الذي بقيت فيه قواته الأخرى في الضفة الشرقية قرب نقطة العبور تخوض معارك ضد قوات الجيش الثاني بهدف حماية الجسر، دون أن تحرز أي تقدم في الأرض.

جرت خلال يوم 19/10 معارك التقدم الأولى، واستطاعت فيها فرقة أدان إلى جانب قوات "ماغين" قطع مسافة 35 كم إلى الجنوب الغربي من رأس الجسر الإسرائيلي، بواسطة أربعة محاور أخذت تتقارب وتلتقي عند مرتفعات "جنيفا". وتمكنت من تدمير عدد من مواقع القوات المدفعية المصرية المعززة بالدبابات وتدمير ست قواعد للصواريخ المضادة للطائرات. وما يجدر ذكره أن بعض هذه القواعد استخدم الصواريخ المضادة للطائرات ضد القوات الأرضية، وتفجر بعضها بالقرب من المهاجمين.

كانت خسائر أدان قليلة بالنسبة للإنجازات التي أحرزها. ومع أن ألويته الثلاثة تعرضت لإصابات في الدبابات إلا أن وضعه كان أفضل من وضع قوات "شارون" (لواءان مدرعان ولواءان مظليان) التي خاضت معارك عنيفة إلى الشمال من منطقة العبور، وتعرض بعضها لخسائر جسيمة، قبل أن تتمكن من توسيع رأس الجسر إلى الشمال مسافة ضيقة تتراوح بين 2 - 3 كم (ص 253).

وفي 20/10 وحتى ظهيرة اليوم نفسه، خاضت مواقع أدان المتقدمة معارك عنيفة ضد قوات مصرية من الفرقتين "الميكانيكية 6" و"المدرعة 4"، قامت بهجمات مضادة ودخلت في معارك عنيفة مع قوات "نتكا" التي تمكنت من صد الهجمات بعد أن تكبد الطرفان خسائر في الأفراد والآليات، واعتزمت بعد ذلك مواصلة التقدم حتى طريق القاهرة السويس. إلا أن جدلاً دار بين "بارليف" الذي وصل إلى قيادة أدان مع "يغال آلون" وبين أدان حول وجهة سير تقدم القوات. فقد رأى "بارليف" ضرورة التقدم نحو الجزء الجنوبي من البحيرات المرة، في حين ألح أدان على ضرورة التقدم صوب طريق القاهرة السويس لقطعه بهدف الإسراع في إحكام الحصار على الجيش الثالث. وفي غضون ذلك اتصل "غونين" بـ"بارليف" ليخبره عن خلافات بينه وبين "شارون" بخصوص الهجوم على موقع "ميسوري" في الضفة الشرقية للقناة. ويبدو أن هذا الخلاف قد خفف من الخلاف بين وجهتي نظر كل من "بارليف" و"أدان" اللذين اتفقا على تأجيل البت في الموضوع إلى وقت لاحق. ومع حلول المساء تمكنت قوات أدان من إحراز تقدم باتجاه المنطقة الوسطى من البحيرات المرة، في حين كان "شارون" يعاني من خلافات شديدة مع "غونين"، في الوقت الذي تعاني فيه قواته في المنطقة الشرقية للقناة من مقاومة ضارية من قبل الجيش الثاني.

وتعود أسباب الخلاف إلى رغبة "شارون" في تركيز هجوم فرقته غربي القناة، ليتقدم بها شمالاً بغية تطويق الإسماعيلية، في حين كانت القيادة - ومن بينها "غونين" - ترى ضرورة احتلال موقعين إلى الشرق من القناة هما "ميسوري" و"حموطال" بهدف تأمين حماية الجسر الضيق. وبناء على أمر القيادة هاجم لواء "طويبا" التابع "لشارون" موقع "ميسوري" بينما هاجمت قوة تابعة "لساسون" "حموطال" بدعم من سلاح الجو الإسرائيلي. وقد واجه الهجوم الإسرائيلي في الموقعين مقاومة عنيفة أدّت إلى فشله وإلحاق خسائر كبيرة في الدبابات. وقد اندلع الخلاف، وبشدة، عندما طلبت القيادة من "شارون" استئناف الهجوم على موقع "ميسوري" بالاستعانة بقوات من الضفة الغربية للقناة. وبعد أن رفض "شارون" تنفيذ ما طُلب إليه، حاولت القيادة تنفيذ خطة الهجوم عن طريق إصدار أمر "لشارون" بالتقيد بها، بيد أن هذا فضل عدم الرد على الاتصالات بحجة أنه نائم. وعند منتصف الليل تمكن كل من "بارليف" و"غونين" من الاتصال به، وأجريا معه حوارًا اتضح فيه رفض "شارون" القاطع لأوامر القيادة، جاء فيه:

"غونين": أتعتزم تعزيز طوبيا ؟

شارون: لا، ولا بأي شكل من الأشكال!

غونين: إنني آمر بالتعزيز!

شارون: لا، ولا بأي شكل من الأشكال!

غونين: ليكن معلومًا لديك أن هذا بمثابة عدم تنفيذ للأمر!

شارون: دعك من أمور كهذه.

بارليف: حسنًا، يا شارون، ليس هذه الليلة، ولكن مع بزوغ الفجر... إن هذا مستحيل... أنقل أمنون... لا جدوى من الحديث حتى الصباح... إن هذا جزء من خطة شاملة" (ص 268).

وقد حلت المشكلة بتدخل القيادة العليا لصالح "شارون" بعد أن اتصل الأخير بـ"ديان"، متجاوزًا قيادة المنطقة الجنوبية، وأقنعه بوجهة نظره.

تميز يوم 21/10 بهجمات مصرية مضادة قام بها اللواء المدرع "22"، وبتقدم إسرائيلي بطيء في الثغرة، معزّز بقصف جوي كثيف، تم خلاله تدمير عدد من قواعد الصواريخ المضادة للطائرات. أما وضع القوات الإسرائيلية في شرقي القناة فبقي كما هو عليه، بعد أن صمدت القوات المصرية في موقعي "ميسوري" و"حموطال".

وخلافًا لهذا اليوم، شهد يوم 22/10 (اليوم الذي أُعلن فيه عن وقف إطلاق النار) معارك عنيفة في جبهة الثغرة، حاول فيها المصريون وقف التقدم الإسرائيلي، في حين حاول الإسرائيليون التقدم بأقصى قدر ممكن بهدف الوصول إلى طريق القاهرة - السويس لقطعها بوجه الجيش الثالث.

بعد أن يستغرق المؤلف هجمات مصرية مضادة، ويشيد بصمود المصريين "إن عناد القتال المصري كان مفاجأة بالفعل. في معظم الكتائب وقعت إصابات بين صفوفنا..." (ص 275) يذكر أن وضع قائد الجيش الثالث، الذي يدير العمليات من موقع على طريق القاهرة - السويس، كان حرجًا للغاية، فقد اتصل باللواء الفلسطيني وأمره بعدم الانسحاب كما وأمر بنقل كتيبة دبابات من الضفة الشرقية إلى الضفة الغربية، وحاول تنسيق القوات غربي القناة. ويكشف الكاتب، استنادًا إلى وثائق وقعت في يده أن قائد الجيش الثالث أمر الفرقة المدرعة "4" بشن هجوم مضاد لإبعاد الإسرائيليين عن طريق القاهرة - السويس، وحماية موقعه الذي تعرض في اليوم نفسه إلى قصف شديد.

ويبدو - حسب الوثائق التي يطرحها أدان - أن قائد الجيش الثالث عاني الأمرّين من بعض ضباطه! فبعد اتصال له بقائد اللواء الميكانيكي الأول اتضح له أن قائد اللواء "113" الميكانيكي موجود عند قائد اللواء "1"، بدل أن يكون على رأس لوائه في المعركة فما كان منه إلا أن سخر من اللواء "113" بقوله:" مدفعيتك تعمل باتجاه مباشر وهي شبه مطوقة، في حين تقف أنت مسافة 13 كم إلى الخلف" وبعد أن أمر القائدين بالتحرك لصد الإسرائيليين، اتصل بوزير الحربية "سيدي"، الوضع عائم، العدو اخترق. قائد اللواء (113) يتصرف كالأرنب، وهو موجود في قيادة الفرقة "6" في الكيلو متر 109 على بعد 13 كم من وحداته، ودبابات العدو تدمر مدفعيته.. للأسف، إنني أتعامل مع كذابين، قائد اللواء لا يقود رجاله في الوادي، بل يجلس عند الكيلو 109 ... ليكن الله بعوننا !" (ص 296).

عند ظهر اليوم نفسه، ومع اقتراب بعض الوحدات الإسرائيلية من طريق القاهرة - السويس، ازداد وضع الجيش الثالث حرجًا. فيعد أن أبلغ القيادة العليا عن مجريات الأمور اتصل ثانية "بقابيل" قائد الفرقة "4" وأبلغه عن قطع العدو لمحور السويس - القاهرة، وأنه أصبح محاصرًا، ليتوجه إليه قائلاً:"إنك تحت إمرتي. لماذا تعارض... أقول لك أن حلقة الحصار تضيق حول الجيش. الطريق ليست بأيد عربية... افتح لي طريق السويس، وأصدر أمرًا لقائد الفرقة الميكانيكية 6 ... إنني أصدر لك أمرًا واضحًا. العدو باتجاهي... بعد أن احتل العدو الكيلو متر 109... فإنك أنت تشكل احتياطي الجيش!" (ص 298).

في هذا اليوم، اندفعت القوات الإسرائيلية صوب نقاط في جنوب البحيرات المرة، لتنطلق منها شمالاً نحو المواقع المصرية التي كانت لا تزال مرابطة إلى الغرب من هذه البحيرات.

كانت قوات أدان في سباق مع الزمن، فقد كان من المنتظر صدور قرار مجلس الامن بوقف إطلاق النار. ولم تكن هذه القوات في ذلك الحين قد وصلت إلى طريق القاهرة - السويس أو إلى جنوب البحيرات المرة. وبعد معارك عنيفة تمكنت طلائع القوات الإسرائيلية من الوصول إلى نقطة في جنوب البحيرات، بيد أنها تحاشت المرابطة في الشريط الزراعي، في حين كانت قوات أخرى تخوض معارك إلى الغرب من تلك البحيرات. وكان وضع القوات هنالك متداخلاً. وفي تمما الساعة 17.25 صدر الأمر بوقف الأعمال القتالية استجابة لقرار مجلس الأمن. وكانت المشكلة الأولى التي واجهت هذا القرار تداخل القوات "إذ كانت هنالك أعداد كبيرة من القوات الإسرائيلية والمصرية متداخلة بعضها ببعض" (ص 282) وفق قول أدان الذي لم يبد في كتابه اغتباطًا بوقف إطلاق النار، بسبب إرغامه قواته على التوقف في منتصف السباق.

لم يكتب لاتفاق وقف إطلاق النار العيش طويلاً، إذ لم يلبث أن انتُهك. ومع أن أدان يحمّل المصريين مسؤولية انتهاك الاتفاق، إلا أن قصة "الانتهاك" التي يوردها تؤكد أن الإسرائيليين هم أبطالها. فبعيد سريان مفعول الاتفاق بساعات قليلة "وصلت كتيبة اليشيف التابعة للواء أريه، بصمت، قرب الشريط الزراعي لقناة المياه العذبة الجنوبية. وفور دخول الشريط لقي الملازم كوبي قائد السرية مصرعه من طلقة قناص. واصلت الكتيبة التقدم، ووصلت إلى تسيدون (اسم كودي لموقع) وكذلك إلى الحاجز الترابي على القناة. كان الليل قد أرخى سدوله، وبدت المزروعات كأنها غابة... أطلقت نيران غزيرة من جميع الاتجاهات، واضطرت الكتيبة لترك المكان والتحرك شمالاً..." لتجد نفسها بعد مدة بسيطة في وجه موقع مصري آخر من فرقة المشاة "7" يطلق عليها نيران أسلحته فما كان من قائد الكتيبة إلا أن أمر قواته "بإطلاق النار في جميع الاتجاهات. وتحت غطاء النار، جمعت الكتيبة قتلاها وجرحاها، ثم أمرها قائدها بالتحرك خلفه إلى الشمال... وأخيرًا اجتازت الكتيبة جسرًا على المياه العذبة وتخلصت من الشريط الزراعي، وتوجهت غربًا لتصطدم بحقل ألغام. وقد أبقت وراءها في تلك المنطقة 9 دبابات من مجموع 18 دبابة، ومصفحتين..." (ص 282-283).

في هذا الوقت كانت قوات "شارون" قد وصلت إلى مشارف الإسماعلية شمالاً، إلا أنها كانت عاجزة عن التقدم، كما وأن قواته في الضفة الشرقية - لواء "طوبيا"- عجزت، هي الأخرى، عن احتلال موقع "ميسوري"، واستقبلت وقف إطلاق النار بسقوط صاروخ "سكود" مصري بين صفوفها أودى بحياة سبعة من أفرادها (ص 284).

استكمال عملية تطويق الجيش الثالث:

حاول أدان، بفعل عدم رضاه عن قرار وقف إطلاق النار، إقناع قيادة الجبهة بمواصلة المعارك بغية تطويق الجيش الثالث. وقد فضلت القيادة، على الرغم من عدم تحمسها للقرار، التريث في البت في الموضوع. ولم يدم تريثها طويلاً، فبعد ظهيرة 23/10 صدرت تعليمات القيادة بتوسيع الثغرة. وكانت قد جرت قبل ذلك اشتباكات بسيطة، إلا أن الأمر البارز في هذا اليوم هو تكاثر أعداد الأسرى المصريين، فبعد أن كان لدى الإسرائيليين بضع مئات من الأسرى، أصبح لديهم، خلال الساعات الأولى من اليوم الأول لقرار وقف إطلاق النار 4500 أسير، ليرتفع الرقم في اليوم التالي إلى 6000 أسير (ص286-287).

في تمام الساعة الثانية بعد الظهر أصدر "غونين" أوامره لكل من "أدان" و"ماغين" بالتقدم جنوبًا لإحكام الحصار على الجيش الثالث الذي كان يضم 30.000 جندي و300 دبابة و300 مدفع. وقد اندفعت القوات الإسرائيلية نحو الجنوب على شكل أربعة أسهم: لواء "نتكا" على امتداد القناة، ويليه لواء "أريه" ومن ثم لواء "غابي"(مجموعة ألوية أدان) وإلى أقصى الغرب منها فرقة "ماغين"، مدعومة بسلاح الجو.

كان تقدم هذه القوات، وفق تصوير أدان لمسار تقدمها، ناجحًا، فقد قتلت أثناء تقدمها السريع مئات الجنود المصريين، في حين كان آلاف من هؤلاء الجنود هائمين على وجوههم "ولم يكن هنالك وقت للوقوف وأخذهم أسرى". واستولت على عدد من المواقع، من بينها مواقع للصواريخ المضادة للطيران، دون أن تواجه مقاومة تذكر، باستثناء مقاومة من جانب قوات من فرقة المشاة "19" مزودة بصواريخ "ساغر"، كانت قد قدمت قبل يوم من الضفة الشرقية وتمركزت في الشريط الزراعي بالقرب من القناة، فقد تصدت هذه القوات للجناح الأيسر للواء "أريه"، وأوقعت فيه إصابات وعرقلت تقدمه، الأمر الذي تطلب من أدان تحريك لواء "نتكا" صوب الشريط الزراعي، بغرض تطهيره وتمكين لواء "أريه" من التقدم. وقد وصل هذا اللواء، خلال الليلة نفيها، إلى مطار "الشلوفة" على بعد 10 كم إلى الشمال من مدينة السويس، في حين تمكن لواء "غابي"من الوصول إلى معامل السماد على خليج السويس.

أما فرقة "ماغين" فقد شرعت بالتقدم متأخرة بعض الوقت، واستخدمت، أثناء تقدمها ليلاً، مصابيح دباباتها وآلياتها، ووصلت إلى مشارف ميناء "الأدبية" لتحتله في اليوم التالي مدعومة بزوارق حربية إسرائيلية.

وبذلك استكملت عملية حصار الجيش الثالث. ولا شك بأن فرقة أدان، التي ذاقت الأمرين في بداية الحرب، قد شعرت بتعويض كبير في نهايتها، فقد بدأت الحرب على الضفة الشرقية من القطاع الشمالي للقناة، وكانت من أكثر الفرق الإسرائيلية تعرضًا للخسائر هناك، لتجد نفسها عند انتهاء الحرب على الضفة الغربية من القطاع الجنوبي للقناة، تُحكم الحصار على مدينة السويس والجيش الثالث. ويبدو أن شهوة تتويج إنجازاتها باحتلال مدينة السويس، قد دفعتها للقيام بهجوم فاشل شبيه - إلى حد ما - بفشل هجومها في 8/10.

وقبل التطرق إلى محاولة احتلال السويس، تجدر الملاحظة أن من بين الأسباب الرئيسية لانتصار الجيش الإسرائيلي غربي القناة، عدم تكيف القيادة المصرية مع الأوضاع المستجدة، وعجزها عن المبادرة والمبادأة، فقد تركت القوات الإسرائيلية الرئيسية تعمل ضد قوات غير رئيسية، وأقصى ما فعلته كان تعزيز قواتها غير الرئيسية، وعلى دفعات، بقوات بسيطة لم يكن بوسعها وقف الهجوم الإسرائيلي في الثغرة أو القضاء عليه.

محاولة احتلال السويس:

كانت نتيجة محاولة اقتحام مدينة السويس كنيجة الهجوم الإسرائيلي في 8/10 .

وكما حمّل نفسه مسؤولية عدم معارضة خطة الهجوم لاجتياز القناة من طرفها الشمالي، عاد أدان وحمّل نفسه مسؤولية عدم التصدي لخطة احتلال السويس على الطرف الجنوبي من القناة.

لقد جاء قرار احتلال المدينة، عقب وقف إطلاق النار، أثناء الهجوم الإسرائيلي الرامي لتطويق الجيش الثالث. ومن الملاحظ أن القيادة الإسرائيلية لم تعتبر هذا الاحتلال أمرًا ضروريًّا يجب تحقيقه، فقد اشترطت خلو المدينة من السكان لتنفيذ قرار الاحتلال.

تبلور قرار الاحتلال في الساعة 23.30 من يوم 23/10، بعد أن صدرت الأوامر لاحتلال جبل "عتاقة" في الضفة الغربية و"عيون موسى" في الضفة الشرقية (تراجعت القيادة فيما بعد عن احتلال الهدف الثاني بسبب تمركز قوات مصرية كبيرة في المنطقة). حين اتصل "غونين" برئيس هيئة الأركان وتداولا معًا موضوع مدينة السويس، وقال له:" من الممكن أن ندخل السويس غدًا صباحًا، إذا كانت المدينة خالية"، ليصدر، بعد هذا الحديث، أوامر لقيادة المنطقة الجنوبية تدعو إلى مواصلة تطهير الضفة الغربية واحتلال السويس "شريطة أن تكون المدينة خالية". وبناء على ذلك اتصل، بعيد منتصف الليل، العميد ثاني "أوري بن اري" نائب "غونين"، بأدان ولخص له مهامه القتالية، في يوم 24/10 . وتتلخص هذه المهام في استكمال تطهير منطقة عمل فرقته، وغلق أنابيب المياه القريبة من السويس في محاولة لتعطيش الجيش الثالث، واحتلال قناة السويس "شرط أن لا تكون ستالينغراد" (ص290).

ويتضح من هذه التعليمات أن القرار النهائي بخصوص احتلال المدينة كان بيد أدان الذي يشير في كتابه إلى أن المدينة لم تكن خالية، على الرغم من مغادرة معظم سكانها لها منذ حرب الاستنزاف. ومع ذلك، فقد اندفع لترجيـح كفة الاحتلال "لأننا شاهدنا انهيار القوات المصرية. وعندما سيطرنا على الطرق، خلال اليومين الأخيرين، شاهدنا استسلام كتل كبيرة من الجنود، لذا، فقد استقر رأيي على الفرضية القائلة بأن احتلال المدينة لا ينطوي على صعوبات خاصة محتملة" (ص 291).

تحكمت في التخطيط لاحتلال المدينة ضغوطات العامل الزمني، إذ كان من المنتظر إعلان وقف ثان للنار في الساعة السابعة صباحًا. لذا فقد تم إعداد الخطة بسرعة على أمل تحقيق احتلال سريع، والانهماك عقب وقف إطلاق النار بتطهير المدينة. وكان على سلاح الجو الإسرائيلي استباق الهجوم والتمهيد له بقصف جوي مكثف.

وقد بدأ هجوم أدان في الساعة الثامنة والنصف صباحًا - بعيد قصف جوي لم يكن قويًا، خلافًا لما كان مقررًا في الخطة - في حين توجه لواء "أريه" في الساعة المذكورة نحو مشارف المدينة واحتلها عقب معارك بسيطة فقد خلالها عددًا من دباباته. وفي الوقت نفسه توجه لواء "غابي" صوب المنطقة الصناعية وتمركز فيها عقب مقاومة خفيفة. وكان على قوات لواء "أريه" القيام بمهمة اختراق المدينة بواسطة كتيبة دبابات يقودها "ناحوم"، تضم 21 دبابة، و7 ناقات جنود مجنزرة "م - 113" و8 ناقلات جنود نصف مجنزرة، على أن تقوم بتغطيتها كتيبتان من اللواء.

وبعيد الساعة العاشرة صباحًا تقدمت الكتيبة بآلياتها في الشارع الرئيسي في المدينة. وبعد أن تعمقت في الداخل ووصلت إلى القرب من مفترق "الأربعين"، وُوجهت بنيران الأسلحة الرشاشة والمضادة للدروع والقنابل اليديوية، دفعة واحدة، من داخل البيوت والأزقة. وخلال دقائق أصيب قادة الكتيبة جميعهم باستثناء أربعة ضباط، إلى جانب 18 قتيلاً و40 جريحًا واحتراق عدد من الآليات. ولم يكن من السهل على قائد الكتيبة السيطرة على قواته، فقد أمر بالتقدم، هربًا من المصيدة، وتمكن من الوصول إلى شاطئ خليج المدينة، في حين انحرف عدد من الدبابات، وتاه في الشوارع.

وفي الوقت نفسه كانت كتيبة مظليين بقيادة "عوزي" تندفع خلف الكتيبة السابقة، بهدف اختراق المدينة واحتلالها. ولم يكن حظها بأفضل من حظ زميلتها، فقد تقدمت هذه الكتيبة المنقولة بواسطة تسع ناقلات جنود مدرعة وعدد من الباصات، مقتفية أثر الكتيبة الأولى، لتواجه عند مفترق "الأربعين" نيرانًا غزيرة أدت إلى مصرع ثلاثة جنود وإصابة آخرين، مما اضطر قائدها الجريح لإصدار أمر لجنوده بترك الآليات واللجوء إلى المباني القريبة، ومن بينها مبنى الشرطة القريب من المكان. أما المظليون، من ركاب الباصات، فقد أُمروا بالعودة على الأقدام، والانضمام إلى قوة ثالثة كانت قد دخلت مشارف المدينة بقيادة "حسيداي" من لواء "أريه"، وقد واجهت هذه الأخيرة مقاومة عنيفة مما اضطرها إلى التراجع والاحتماء داخل البيوت القريبة بعد أن أصيب 16 من أفرادها.

ومما زاد من تفاقم وضع القوات المهاجمة سوء الاتصالات بينها وبين قيادتها خارج المدينة على أثر تعطيل أجهزة الاتصال. وغدت الصورة، بعيد ساعات من محاولة اقتحام المدينة، كئيبة بالنسبة لقيادة أدان، فقد أصبحت كتائب الاقتحام الثلاث محاصرة في أماكن مختلفة من المدينة، ولديها قرابة 80 مصابًا، الأمر الذي جعل تفكير القيادة ينصبّ على أمر واحد فقط: إنقاذ الكتائب المحاصرة.

جاءت أول محاولة إنقاذ على يد قوات لواء "نتكا" التي كانت، في ذلك الحين، تخوض معارك في منطقة الشريط الزراعي، حين تقدمت مجموعة من قواته بواسطة ناقلات الجنود المدرعة وعدد من الدبابات في شوارع المدينة. بيد أن هذه لم تتمكن من العثور على الكتيبة الأولى، فانسحبت من الشوارع وسط خسائر في صفوفها، وقد عثرت أثناء الانسحاب على قوات "حسيداي" التي ما لبثت، هي الأخرى، أن انسحبت بمعظم أفرادها قبيل غروب الشمس، حاملة معها 60 مصابًا.

ومع حلول الظلام أخذت القيادة الإسرائيلية تبذل قصارى جهدها لتخليص قواتها المحاصرة داخل المدينة، وتمكنت، تحت غطاء قصف مدفعي كثيف، من السماح لقواتها بالتحرك من أماكنها، والخروج من المدينة مع فجر 25/10 بعد أن بلغت خسائرها 80 قتيلاً و 120 جريحًا (التفاصيل ص 289-299).

بعيد تنفيذ عملية تخليص القوات بساعات معدودة تم وقف إطلاق النار من كلا الطرفين. وبذلك اختتمت الحرب بمحاولة فاشلة لاحتلال مدينة السويس. وهنا، لا يفوت أدان الإعراب عن أسفه لعدم معارضته خطة الاحتلال بعد أن تم تحقيق الهدف الأساسي المتمثل في إحكام طوق على الجيش الثالث.

وفي مجال انتقاده للاعتقاد الخاطئ لدى القوات الإسرائيلية، والقائل بسهولة احتلال المدينة، يطرح أدان السؤال التالي: هل كان بإمكان الجيش الإسرائيلي، على ضوء ما حدث، احتلال المدينة؟ ويرد على تساؤله بأن الإجابة لا يمكن أن تكون قاطعة "ليس فقط، بسبب واقع توترنا وانهاكنا من جراء قتال متواصل استمر سبعة عشر يومًا، بل لوقوفنا أيضاً أمام مشاكل عملية كثيرة، وأهمها غياب سلاح مشاة عن ميدان القتال..." ليصل إلى القول "واليوم فإنني آسف على عدم معارضتي للمهمة التي ألقيت على كاهلي، لسبب بسيط: لقد كنا حساسين تجاه إصابات إضافية، لذا، كان من الأفضل عدم القيام بمحاولة احتلال المدينة، خصوصًا وأن إحتلالها لا ينطوي على تغيير الوضع الاسترتيجي" (ص 302).

ومع ذلك فإن أدان يعتبر هذا الفشل ثانويًا قياسًا بتحقيق معظم خطة "رابطي الجأش"، مرجعًا الفضل في ذلك الوقت إلى قوات فرقته - دون إغفال دور فرقة "ماغين" - التي تمكنت من قطع ما يقارب مئة كيلو متر في معارك الضفة الغربية للقناة. ولا ينسى هنا، إحداث مقارنة بين قواته وقوات "شارون" لجهة الإنجازات وطرق قيادة القوات. فبعد أن يشير إلى انخفاض معدل وتيرة تقدم قوات "شارون" - معدل تقدمها اليومي يتراوح بين 3 و5 كم - يقف قليلاً على خلافات "شارون" مع القيادة، ورغبته في التقدم شمالاً نحو الإسماعلية لاحتلالها، خلافًا لرأي القيادة التي أرادت ضمان حماية رأس الجسر شرقي نقطة العبور، وذلك عن طريق احتلال موقع "ميسوري" الذي صمد حتى النهاية في وجه "شارون"، ليؤكد من ثم على أن طموحات "شارون" وخططه في غرب القناة لم تكن تتلاءم مع القوة الفعلية لقواته، فضلاً عن تأكيده على عدم استخدامه لقواته بالطريقة السليمة. ويصل من ذلك كله إلى القول:" إذن، هنالك تناقض كبير بين ما فعلته فرقة شارون وبين ما أراد فعله، ما السبب في ذلك ؟ إن استخدامه غير الواعي للمدرعات هو تفسير جزئي. وينبغي أن نضيف إليه واقع كون العبور قد استنزف بالفعل فرقته التي لم تتعاف منذ ذلك الحين. فقد تضاءلت قوته من 230 دبابة إلى ما يقارب مئة دبابة، وكان عليه استخدام هذه القوة في الضفتين. ولكن، لو أنه اعترف بمحدودية قدرته، واستخدم الدبابات بشكل سليم، لكان بوسعه، مع ذلك، أن يفعل أكثر.

ومن الجدير بالملاحظة هنا، أن ماغين فعل الكثير عندما قاتل بـ 80 دبابة. بيد أن شارون فضل الظهور بصورة قائد شديد البأس ميال للقتال، ولم يعد هذا يتلاءم مع القدرة الموضوعية لفرقته على التنفيذ. وبذلك خلق وضعًا استحال إلى عكازة يتكئ عليها عقب الحرب.. ولو أعطوني ... منذ البداية كنت أرغب في العبور، ولم يسمحوا لي بذلك. وعندما بدأت عملية العبور طالبت بنقل دبابات إلى الضفة الغربية (في الوقت الذي لم يكن في الجسر قائمًا!) ومنعوني ثانية من تحقيق ذلك. وخلال العملية أردت مهاجمة الإسماعلية، إلا أنهم حالوا دون ذلك!" (ص 306-307).

بهذا الكلام الذي يحمل بين طياته معاني واضحة تتلخص في تحجيم دور "شارون" وإعلاء شأن أدان، ينهي الكاتب عرضه لسير المعارك، لينتقل إلى تغطية الفترة الواقعة بين وقف إطلاق النار واتفاق فصل القوات.

من وقف إطلاق النار وحتى اتفاق فصل القوات:

يغطي الكاتب، في الفصل الأحداث التي مرت على فرقته، والتطورات التي شهدتها قيادة المنطقة الجنوبية، واعتزاله الحياة العسكرية. إلا أن أهم شيء يكشفه، هو اتخاذ القيادة الإسرائيلية قرارًا بالهجوم على الجيش الثالث المحاصر.

مع التزام الطرفين بقرار وقف إطلاق النار الثاني، أخذت المعركة تتركز على الجانب السياسي تحت ظلال التهديد بالخيار العسكري. وقد شكل واقع حصار الجيش الثالث العامل المركزي في المفاوضات بين الطرفين اللذين أدركا جيدًا مدى خطورة تبعات هذا العامل بالنسبة لمصير المعركة السياسية، فقد أراد المصريون فك الحصار عن طريق انسحاب القوات الإسرائيلية خلف خط وقف إطلاق النار الأول، ليتأتى لهم خوض المعركة السياسية من خلال واقع عسكري مريح نسبيًّا، في حين تمسك الإسرائيليون بخطوط وقف إطلاق النار الثاني، بغية استغلال واقع الحصار واستثماره لإحراز مكاسب سياسية. وكان من نتيجة تعارض هذين الموقفين، وخطورة تبعات كل منهما على نتائج المعركة السياسية، أن رافقت الجهود السياسيةَ تهديداتٌ باستئناف الحرب، خاصة وأن الطرفين ما لبثا أن عوضا خسائرهما في الأسلحة.

لم تكن إسرائيل متمسكة بخط وقف إطلاق النار الثاني وحسب، وإنما أرادت أيضًا تدمير الجيش الثالث المطوق، سعيًا منها لإحراز مكاسب سياسية ضخمة يمكن أن تتأتى عن إنهاء الحرب بهذا الشكل. لذا، فقد اتخذت القيادة الإسرائيلية، ولما يمضِ على وقف إطلاق النار إلا أيام معدودة، قرارا بتدمير الفرقتين "7" و"19" (الجيش الثالث)، وأناطت تنفيذ هذه المهمة بفرقة أدان التي صدرت إليها الأوامر في ليلة 2-3 تشرين الثاني (نوفمبر) بالانتقال إلى الضفة الشرقية على أن تقوم بشن هجوم على الجيش الثالث في اليوم الرابع أو الخامس من الشهر نفسه (ص312). وقد سارعت الفرقة، تمشيًا مع هذه التعليمات،وانسحبت بسرية من الضفة الغربية لتتخذ لها أماكن هجومية في الضفة الشرقية، في حين انتشرت قوات "ماغين" وغطت أماكن الانسحاب إلى جانب قوات فرقة "شارون" التي انتقلت بكاملها إلى الضفة الغربية، بعد أن حلت محلها في منطقة الجسر قوات أخرى.

ويبدو أن قرار الهجوم كان خاضعًا لاعتبارات سياسية متباينة ووجهات نظر مختلفة. فقد مرَّ الموعد المحدد دون حدوث الهجوم المنتظر. في غضون ذلك طرأت داخل قيادة المنطقة الجنوبية تغييرات كان لها تبعاتها على الهجوم المقرر، ففي التاسع من تشرين الثاني (نوفمبر) تمّ تعيين "يسرائيل طال" قائدًا للمنطقة الجنوبية، إلى جانب منصبه كنائب لرئيس هيئة الأركان، بعد أن عاد "بارليف" إلى منصبه كوزير للتجارة والصناعة ونقل "غونين" إلى خليج العقبة.

وكان أول إجراء يتخذه "طال" إصدار أمر بنقل قسم من قوات أدان إلى الضفة الغربية، مما تعارض مع الاستعدادات لمهاجمة الجيش الثالث من الشرق. وأشفع هذا الإجراء، بعد مدة بسيطة، بإجراء آخر تم بموجبه نقل بقية قوات أدان إلى الضفة الغربية للقناة، تأهبًا لمواجهة احتمال هجوم مصري، دون التخلي عن فكرة مهاجمة الجيش الثالث. وبذلك أحسّ أدان وكأنه قد حرم من قطف ثمار نصر محتمل، الأمر الذي جعله يخوض نقاشات مع القيادة حول ضرورة مهاجمة الجيش الثالث من الشرق. وقد أبدى استغرابه من موقف "شارون" بضرورة شن الهجوم المذكور من غرب القناة وليس من شرقها. وعزا أدان الدافع الماثل وراء موقف زميله إلى عامل الغيرة، فهو لا يستطيع أن "يتماشى مع كون قائد آخر يمتلك القبضة التي ستوجه الضربة، بينما هو معد لجهد دفاعي ثانوي" (ص 317).

يقف الكاتب مطولاً على موقف "طال" وأثره على موقف القيادة الإسرائيلية تجاه الجيش الثالث. ويبدو "طال"، في الصورة التي يرسمها له زميله أدان، غير واثق من قدرة الجيش الإسرائيلي على شن الهجوم، ومن هنا، جاء ميله لاعتماد استراتيجية دفاعية حيال احتمال هجوم مصري. ومن أجل تأكيد ملامح هذه الصورة، يستشهد أدان بتساؤل "لطال" أمام مجموعة من قادة الفرق، ينم عن عدم ثقته بقدرة الجيش الإسرائيلي على القيام بهجوم "هل إننا نعتقد حقًّا بأننا نستطيع مهاجمة المصريين ؟" وجاء الرد على تساؤله "... عندما عارضت الهجوم وركزت اهتمامك على تعزير قدرة دفاعنا، كان من الممكن تفهّم ذلك... ولكن الآن، بعد أن تعزّزنا كثيرًا، وزرعنا حقول ألغام واسعة وتحصنّا، فإننا على قناعة بقدرتنا عل الهجوم" (ص 317).

على ضوء الخلافات مع "طال"، عرض موضوع الهجوم مجددًا، أمام رئيسة الحكومة "غولدا مئير" بحضور عدد من شخصيات القيادة العليا، بما في ذلك الكاتب و"طال".

ومع أن "غولدا مئير" حسمت الموضوع بتصديقها - مبدئيًا - على العملية، بيد أن هذه لم تنفذ. ويحمّل المؤلف، ثانية، "طال" قسطًا من مسؤولية عدم التنفيذ بإبرازه موقفه تجاه تزويد الجيش الثالث بالمؤن وتجاه الاشتباكات المتقطعة مع القوات المصرية. فقد عارض "طال" التعرض لقوافل المؤن كرد على انتهاك المصريين لوقف إطلاق النار، وأصدر تعليمات صارمة تدعو إلى التقيد بالرد على مصادر النيران فقط، خلافًا لما كان جاريًا في السابق، حيث كان يقوم كل من أدان و"ماغين" بالتعرض لقوافل المؤن والرد، ليس على مصادر النيران فقط. كما وأن "طال" عارض أيضًا اقتراحًا قدمه "ماغين" لتوسيع رقعة احتلال جبل "عتاقة"، وحال دون القوات الإسرائيلية من عرقلة وصول المؤن إلى مجموعة مصرية كانت قد بقيت متمسكة بموقعها جنوبي البحيرات المرة إلى الغرب من القناة، مرجعًا السبب في ذلك إلى شخصية "طال" التي يدعي معرفته بها جيدًا، ويصفها بالشخصية "المعقدة والمركبة" والتي لم يرغب في تعيينها على رأس قيادة المنطقة الجنوبية. وكان أدان قد كشف عن رأيه هذا أمام "ديان" قبل تسلم "طال" مهامه الجديدة، بقوله له:"إنني أتوقع حدوث مشاكل وستكون النتيجة العملية: إلغاء نظام المبادرات والهجمات، إننا سندخل منذ الآن حالة الدفاع والسلبية" (ص319).

لم يستمر "طال" فترة طويلة كقائد للمنطقة الجنوبية، فبعد مضي أقل من شهرين على تسلمه مهامه، أمر "ديان" باستبداله. وكان "شارون" قد أنهى في ذلك الحين خدمته العسكرية ودخل الكنيست، فوقع الخيار على أدان الذي لم يبد حماسًا للمنصب الجديد بحجة أنه يشغل إلى جانب قيادته للفرقة منصب قائد سلاح المدرعات.

في هذا الوقت كانت المفاوضات قد دخلت طورًا جديدًا، وأدّت في نهاية الأمر إلى اتفاق فصل القوات. وإلى جانب ذلك كانت تبعات الحرب قد تفاعلت في المجتمع الإسرائيلي، وأخذ الحديث يدور حول "التقصير"، ودور كل قائد في المعركة ونصيبه من النجاح والفشل. وربما كان ذلك من بين الأسباب التي دفعت أدان إلى الانكباب على دراسة الحرب، ليطل بها على القارئ من منظوره إليها ومن خلال تجربة فرقته.

حرب الغد والدبابة والاسترتيجية الهجومية:

كان المؤلف ضنينًا بالدروس المستقاة من الحرب وعبرها، بحجة أن "وضع إسرائيل"، كما جاء على لسانه، "لا يسمح لي بالبحث في دروس الحرب باستثناء بعض الدروس العامة" (ص228). والسؤال الرئيسي الذي يطرحه، في مجال الدروس المستقاة من الحرب، هو: هل انتهى دور الدبابة ؟ وهل فقدت الدبابة مكانتها المرموقة بصفتها "ملك ميدان المعركة". وقد وجد الكاتب ضرورة لطرح هذا السؤال لا سيما وأن أحاديث جرت بعيد انتهاء الحرب حول فعالية جندي المشاة المزود بالأسلحة الخفيفة المضادة للدروع، في منازلة الدبابات وإلحاق الخسائر بها. وأكد، في مجال مناقشته لهذه الأحاديث، على أن نجاح المصريين في المرحلة الأولى من الحرب لا يعود كلية إلى الوسائل المضادة للدبابات، وإنما يعود في جزء منه إلى الظروف والصعوبات التي واجهها الجيش الإسرائيلي عقب المباغتة، وكذلك إلى الأخطاء التي ارتكبها الجيش عقب اندلاع القتال، ومن بينها التسرع في الرد دون توافر توازن في القوى. إلا أنه يرى أن الخطر المستقبلي للدبابة يكمن في إمكانية تطوير وسائل مضاداتها وتكاثر أعدائها، فقد أشارت حرب تشرين الأول (أكتوبر) إلى مدى الأخطار الجدية التي يمكن أن تحدق بالطائرات والدبابات من جراء تطوير الأسلحة المضادة لها، كزرع الألغام وبثها "بلمح البصر" في الطرق بواسطة الطائرات والطائرات العمودية الهجومية والصواريخ، والقذائف المضادة الموجهة بأشعة "لايزر". من هنا تأتي المعالجة للسؤال المطروح، هل انتهى دور الدبابة؟

يجيب عـلى هذا السؤال بالنفي، مستندًا إلى أن أي حرب تعتمد على عنصرين: الحركة والنيران. وتقوم الدبابة بالدورين معًا، ومن هنا تأتي أهميتها. وليس هنالك سبب كاف لاختفائها من ساحة المعركة حتى ولو تكاثر أعداؤها. ولو كان تكاثر الأعداء سببًا كافيًا للاختفاء لاقتضى الأمر، منذ زمن، إلغاء سلاح المشاة.

وفيما يتعلق بالسلاح الجديد المتمثل في ظهور الطائرات العمودية الهجومية التي يمكن أن تشغل دور الدبابة باعتبارها تجميع بين الحركة والنيران، فإن الكاتب لا يرى فيها بديلاً عن الدبابة لأنها - حسب رأيه - تفتقر إلى النفس الطويل والقدرة على تطهير الأرض.

إلى جانب ذلك يرى الكاتب أهمية دور الدبابات إزاء تطور الأسلحة الفتاكة. إذ حيال ذلك، تظهر أهمية الانتشار في الوقت الذي تستدعي الحرب تجمع القوات، ذلك أن خصائصها المتمثلة في القدرة على الحركة وتلقي الضربة، وقوة النيران، تكسبها مزايا دفاعية وقدرة على الانتقال من الانتشار إلى الحشد، وبالعكس، الأمر الذي يمكّنها من العمل في مجالات قتالية مختلفة. وهنا يعود ويؤكد وجهة نظره الخاصة بمستقبل الدبابة "لا، إنني لا أعتقد بأن دور الدبابة قد انتهى. وحسب اعتقادي أنها ستستمر في تبوّؤ مكانة ملك ميدان المعركة في البر ..." (ص 329).

وبعد أن يصل إلى استنتاجه المذكور أعلاه، يتطرق لمعالجة موضوع آخر مرتبط بالاستراتيجية التي يتبناها الجيش الإسرائيلي والمتمثلة في الهجوم المعتمد على المبدأ الإسرائيلي القائل بأن الدفاع الأفضل هو الهجوم، أي نقل الحرب بأسرع وقت إلى أراضي العدو وحسمها في جولة خاطفة، مرتكزًا على سلاحي المدرعات والطيران. ويقرر، هنا، بأن حرب تشرين الأول (أكتوبر) كانت بمثابة صراع بين استراتيجيتين أساسيتين: الاستراتيجية الدفاعية في وجه الاستراتيجية الهجومية. إذ اعتمد المصريون في هذه الحرب أسلوب القتال الثابت، بهدف تدمير العاملين الضاربين في الجيش الإسرائيلي، سلاح المدرعات وسلاح الجو. ويذكر أن نتائج الصراع المذكور غدت معروفة، ليتساءل من ثم حول مستقبل الاستراتيجية الهجومية، هل ينطوي المستقبل، الذي سيشهد تطورًا تكنولوجيًا في مجال الصواريخ الموجهة والدقيقة الإصابة، على تعزيز استراتيجية الدفاع على استراتيجية الهجوم؟ أي إضعاف الاستراتيجية الإسرائيلية المعتمدة على الحركة والمناورة والهجوم، ونقل الحرب إلى أراضي العدو.

وفي معالجته لاحتمالات المستقبل، يستقرئ الماضي القريب، فيذكر أن الحرب العالمية الأولى قد شهدت تطورًا في الأسلحة الأوتوماتيكية، أدى في حينه إلى حسم الحركة والقدرة على المناورة، إذ لم يعد بوسع سلاح الفرسان أو المشاة التحرك كما كان الأمر في السابق، مما حد من حرية الحركة والمناورة، لدرجة غدت السمة الأساسية للحرب التخندق في حفر واستحكامات. وكان من نتيجة ذلك أن تغلبت استراتيجية الدفاع على استراتيجية الهجوم، إلى أن اكتشف البريطانيون، في أواخر الحرب، الدبابة التي أعادت الحركة والمناورة إلى سابق عهدها. وقد وجدت شواهد لهما في الحرب العالمية الثانية وحربي 1956 و 1967 .

وإزاء مؤشرات معطيات حرب 1973، واحتمال تطور الأسلحة المضادة للدبابة - وريثة سلاح الفرسان - يعتقد الكاتب أن ذلك لن يؤثر على الدبابة التي ستدخل - هي الأخرى - في مرحلة التطور لجهة السرعة وقوة النيران وخفة الوزن، حيث يصبح بالإمكان إنتاجها بكميات أكثر وبتكاليف أقل، ويكون بإمكانها دخول الحرب الغد من خلال معارك الدمج والتنسيق مع سائر القوات والتعاون معها، فتبقى الدبابة محتفظة بمزايا الحركة والمناورة وحتى خلف خطوط العدو بواسطة طائرات الهليكوبتر. وبذلك يمكن الاحتفاظ بمزايا الاستراتيجية الهجومية التي يتبناها الجيش الإسرائيلي.


[1] الأوغداة تشكيل قتالي إسرائيلي غير ثابت الحجم والتشكيل، يضم لواءين أو أكثر وفقًا لمتطلبات المهمة المسندة إليه، وقد يضم لواءين مدرعين ولواء مشاة ميكانيكيًا أو محمولاً بالإضافة إلى الوحدات المعاونة. وهي تعتبر بصفة عامة بمثابة فرقة. وقد ذكر المؤلف الألوية المدرعة والميكانيكية منسوبة إلى أسماء قادتها المصغرة.

[2] لقي مصرعه فيما بعد على يد الفدائيين الفلسطينيين في معركة سافوي في تل أبيب.

[3] سعد الدين الشاذلي، حرب أكتوبر (باريس، مؤسسة "الوطن العربي" 1980)، ص 248


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Culture/0/69/#ixzz2zbgexd3G

 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech