Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

العميل "س.ش" وجنرال الخادمات KGB تتجسس علي السفارات في مصر

 

 

 موضوع حصري خاص بالمجموعة 73 مؤرخين 

لا يجوز نقلة بدون الاشارة للكاتب والموقع كمصدر أصيل للمعلومة 

كحق أدبي 

 

كتب توحيد مجدي :

الأسرار حقائق تحفظ في وثائق ومستندات لمنع العامة من الاطلاع عليها لفترات زمنية متفاوتة تحددها قوانين الدول الديموقراطية كما يمكن أن تحجب للأبد بقوة القانون كونها أسراراً بالغة الخطورة في إعلانها ضرر بالغ للأمن القومي.

في عام 2009 صدر مجلد قاموس "استخبارات الشرق الأوسط" مع تفاصيل حصرية لمؤامرة الاستخبارات السوفييتية وعمليات جهاز KGB لقلب نظام حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والرئيس المصري محمد أنور السادات.

أودع المجلد قسم التقارير "منتهي السرية" لدي المكتبة الرئيسية في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA والثابت أنه تصنيف خاص بتقارير الأمن القومي الأمريكي.

وفي ذات التوقيت تم إيداع نسخة من المجلد لدي مكتبة الكونجرس الأمريكية والمكتبة البريطانية الملكية برقم إيداع UB251- M53K34 - 2009 علي أن يتعامل علي التقرير بواسطة تصاريح علمية وحكومية مقننة ومسببة.

مجلد "استخبارات الشرق الأوسط" عدد صفحاته 407 مودع تحت بند التقرير رقم 120 مكتبة الأمن القومي الأمريكي باب "المفهوم الروسي" ويخصنا منه الأسرار المسجلة من الصفحة رقم 325 حتي الصفحة رقم 330 وكذلك الصفحة 110

 

 

يحمل كارت المجلد في مكتبة الاستخبارات المركزية الأمريكية اسم البروفسور الأمريكي "إفرايم كاهانا" وهو من أشهر الباحثين الدوليين في مجال علوم الاستخبارات ويعمل كخبير معتمد لدي معهد الأمن القومي الأمريكي ويدرس المجلد نفسه حالياً في معاهد الاستخبارات المختلفة بالعديد من دول العالم.

لا تنتهي أسرار مؤامرة الاستخبارات السوفييتية وعمليات جهاز KGB لقلب نظام الحكم في مصر عند حدود مجلد "استخبارات الشرق الأوسط".

 

فاسيلي متروخين - صور نادرة 

 

 

لأن أرشيف الجنرال "فاسيلي نيكيتش ميتروخين" لواء الاستخبارات السوفييتية KGB الذي تقاعد عام 1985 ونجح بالهروب إلي بريطانيا مع أسرته وعدد 250 ألف مستند سوفييتي "عظيم السرية" في 7 نوفمبر عام 1992 كشف فصلاً مطولاً من المؤامرة.

لكن يبقي الأخطر علي الإطلاق فيما يخص أسرار مؤامرة الاستخبارات السوفييتية وعمليات جهاز KGB لقلب نظام الحكم في مصر.

 

في ما كشف عنه الباحث البريطاني "جون بارون" العامل لدي الاستخبارات البريطانية MI6 في العاصمة البريطانية لندن بتاريخ 8 سبتمبر 1973 باب عمليات الاستخبارات السوفييتية KGB في مصر حتي عام 1971

 

بالإضافة إلي فيلم كامل مدته 45 دقيقة مسرب عن ملفات الأرشيف الحكومي الروسي التصنيف "قسم تاريخ" علاقات اتحاد جمهوريات الاتحاد السوفييتي مع الجمهورية العربية المتحدة من عام 1943 حتي عام 1971 فيما يخص الدور الذي لعبه العميل "س.ش".

 

ومعه الملفات المحظورة التصنيف "منتهي السرية" الخاصة بنشاط الكنيسة الروسية الشرقية الأرثوذكسية في مصر حتي عام 1971 المودعة بقسم الأرشيف الكنسي السوفييتي أرشيف جهاز KGB بالعاصمة الروسية موسكو.    

 

 

وملف العلاقات الدبلوماسية المصرية - الروسية باب معاهدة الصداقة الموقعة بين القاهرة وموسكو بتاريخ 27 مايو 1971 المودع في أرشيف وزارة الخارجية الروسية العاصمة موسكو.

 

واستناداً علي تقرير الاستخبارات المركزية الأمريكية "منتهي السرية" رقم 23582 ترقيم الكود "CIA/ SOV" 10048- 86 المصنف تحت باب "علاقات الاتحاد السوفييتي تجاه الشرق الأوسط" - مكتب تحليل المعلومات السوفييتية عدد الصفحات 107 باب المجموعة الروسية في مصر.

ومجلد الاستخبارات المركزية الأمريكية المفرج عنه بتاريخ يونيو 2007 تحت عنوان: "السياسة الروسية وحرب 1967" وهو تقرير "منتهي السرية" حرر بتاريخ 16 مارس 1970 تحت رقم كود 64 عدد الصفحات 71

مودع بتوقيع العقيد "جون كيري كينج" مدير قسم الأبحاث المعلوماتية المتخصصة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكيةCIA لانجلي ولاية فيرجينيا في صفحات باب استهداف جهاز الاستخبارات السوفييتية KGB للرئيس المصري جمال عبد الناصر.

 

 

الحقيقة قصدت أن أبدأ سرد وكشف كل الأسرار من ملف مؤامرة الاستخبارات السوفييتية وعمليات جهاز KGB لقلب نظام الحكم في مصر عقب كشف كافة المصادر حتي تصبح الأمور جلية منذ البداية.

أسرار التاريخ لا تعرف الخجل أو الخوف أو التزييف من يحجبها عمداً يصبح شريكاً في جرائمها ومن كل ما سبق استهل الأسرار مع كافة التفاصيل مرتاح الضمير مع ثقتي بالله.

تبنى جهاز الاستخبارات السوفييتية KGB سياسة خاصة في عمليات تجنيد وتشغيل العملاء والجواسيس وإدارة عملياته الخارجية في دول العالم ومنها مصر.

امتازت تلك السياسة بأسلوب قلب نظريات علوم الاستخبارات بشكل عام هدف به الجهاز الروسي تجنيد أكبر عدد ممكن من العملاء والجواسيس داخل الدول الأهداف بغض النظر عن جنسياتهم وهوياتهم ومراكزهم في كل دولة.

 

اختار جهاز الاستخبارات السوفييتية KGBاللعب عكس نظريات علوم الاستخبارات الغربية المتطورة منطق خطة الإغراق بالجواسيس كضمانة لحصول موسكو علي المعلومات من أكثر من مصدر.

 

بينما سعت أجهزة الاستخبارات الغربية لتجنيد أقل عدد ممكن من العملاء مع التركيز علي الكيف والنوع في المعلومات وتميز موقع العملاء للوصول للمعلومات النوعية بأسرع وقت مع رفض منطق استخدام الكم العددي للعملاء والجواسيس.

 

الغريب أن جهاز الاستخبارات السوفييتية KGBأدرك مسبقاً أن تسعين بالمائة من "عملاء الأضاحي" سوف يتم كشفهم وكان غرض تجنيدهم الأساسي من أجل التضحية بهم للتمويه علي نسبة العشرة في المائة الأخطر والأهم.

 

اعتمد منطق الاستخبارات السوفييتية KGB بأسلوب الاغراق بالجواسيس علي تحقيق عنصر تشتيت جهود أجهزة وأفرع الاستخبارات المضادة المعادية للاتحاد السوفييتي.

بهدف إرهاق وتشتيت العقول البشرية في تلك الأجهزة المضادة لدفعها إلي حالة الانهيار التقديري بعيداً عن عملاء وجواسيس روسيا الأساسيين الذين باشروا أداء مهامهم في مواقعهم الحساسة دون عوائق أو مشكلات.

عمدت سياسة الاستخبارات السوفييتية KGBفي مصر تحديداً علي إرسال عشرات العملاء والجواسيس خلف هدف واحد في الوقت الذي لم يعرف فيه أحدهم الآخر بصفة شخصية.

في الواقع هناك عدة مسميات تتعارف عن طريقها أجهزة الاستخبارات في العالم علي بعضها البعض في الميدان دون الإشارة في الحديث إلي اسم الدولة التابع لها أي جهاز.

علي سبيل الاستدلال وليس الحصر تعرف وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA بلقب "الشركة" بينما تعرف الاستخبارات البريطانية MI6 بلقب "المزرعة" الذي ينافسها فيه الجهاز الأمريكي وفي مصادر "صاحبة الجلالة" وتعرف الاستخبارات الألمانية بلقب "المصنع" وفي مصادر "الماكينة".

بينما تحتفظ الاستخبارات السوفييتية KGB من أيام العهد السوفييتي الشيوعي وحتي يومنا هذا بلقب "الحقير" الذي حصل عليه الجهاز الروسي بامتياز بسبب سياسات تعامله الغير أخلاقية مع فئة "عملاء الأضاحي" مثلما يطلق عليهم في وثائق جهاز KGB

أنكرت الاستخبارات السوفييتية KGB صلتها وعلاقتها بمعظم من سقط أثناء الخدمة بدول العالم المختلفة من فئة "عملاء الأضاحي" وهؤلاء تعرضوا لأبشع أنواع التعذيب النفسي قبل الجسدي والمعنوي بل انتحر بعضهم عقب الشعور بالخديعة الكبرى التي تعرض لها من جهاز KGB

تدخلت موسكو طبقاً لغالبية قضايا التجسس التي سقط خلالها عملاء وجواسيس للاتحاد السوفييتي بدول العالم ومنها مصر لإنقاذ من عمل فقط تحت حصانة دبلوماسية روسية كاملة في سفاراتها حول العالم وهؤلاء كانوا في الأصل ضباطاً عاملين في جهاز KGB

 

ثابت بالأسماء عدد كبير من ضباط وعملاء الاستخبارات السوفييتية KGB من تلك الفئة قامت دول متعددة بإبعادهم إلي موسكو طبقا للبروتوكولات الدبلوماسية التي عاملتهم علي أساس التصنيف الدبلوماسي الدولي "بيرسونا نون جراتا" - Persona non grata مما يعني أنهم شخصيات غير مرغوب فيها.

وتؤكد دراسة وثائق ومستندات أوراق قضية "ثورة التصحيح" المصرية في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات في 15 مايو 1971 المصير الذي لاقته المجموعة التي كانت علي علاقة فعلية وحقيقية مع الاستخبارات السوفييتية KGB في مصر.

 

بينما نرصد من واقع وثائق ومستندات عمليات الاستخبارات السوفييتية KGB أربعة محاور أساسية رئيسية بارزة المعالم ميزت شخصية وأسلوب نشاط KGBفي مصر في الفترة من عام 1960 وحتي عام 1971

المحور الأول: تجنيد رجال أعمال نافذين ومثقفين وكتاب مصريين بارزين لهم إطلاع واتصال مباشر بالنظام المصري وآخرين أجانب لهم إقامة دائمة في مصر.

المحور الثاني: تجنيد شخصيات سياسية رفيعة ومساعدتها لتولى أعلي مناصب السلم الوظيفي الحكومي في النظام المصري وسميت بطريقة أسلوب "الزراعة العميقة".

المحور الثالث: تشكل من نقطتين الأولي نشاط العمل المباشر لضباط جهاز الاستخبارات السوفييتية KGB في مصر انطلاقاً من محطة الجهاز الروسي العاملة بالسفارة الروسية بالقاهرة وقنصليتها الرسمية في الإسكندرية.

ويعد ضابط الاستخبارات السوفييتية KGB"يفجيني بريماكوف" من أبرز وأشهر الضباط السوفييت الذين عملوا مباشرة من القاهرة تحت هوية الصحافة والإعلام في عملية العميل "س.ش".

أما النقطة الثانية في المحور الثالث فكانت نشاط الخبراء والضباط العسكريون السوفييت الذين تواجدوا بكثافة في أركان مصر بشكل رسمي بناء علي طلب وتأييد النظام المصري.

المحور الرابع: إدارة عملية "الأسد الحزين" التي هدفت لسيطرة الاتحاد السوفييتي علي النظام والدولة المصرية بهدف تحويلها إلي دويلة سوفييتية بالشرق الأوسط علي غرار دويلة إسرائيل الأمريكية.

لم يشذ ويختلف أسلوب عمل الاستخبارات السوفييتية KGB في مصر عن نشاط الجهاز الروسي وعملياته بمعظم العواصم العالمية انطلاقاً من العمل تحت الهوية الدبلوماسية.

تحكمت الاستخبارات السوفييتية KGB في وزارة الخارجية الروسية بشكل رسمي وأمرت السفارات السوفييتية حول العالم لتوفير الغطاء الدبلوماسي المناسب لضباط وعملاء جهاز KGB

وسجلت وثائق أرشيف جهاز الاستخبارات السوفييتية KGB أن عدد العاملين في السفارات الروسية المختلفة حول العالم من ضباط وعملاء الجهاز تجاوز لدي بعض السفارات مطلع عام 1965 ثلث قوة الدبلوماسيين والموظفين العاديين الذين عملوا لحساب وزارة الخارجية الروسية.

الشيء الذي فطنت إليه معظم الدول الغربية فوضعت لوزارة الخارجية السوفييتية ضوابط الاحتياجات الفعلية للتعيينات الدبلوماسية وطالبت دول غربية متعددة موسكو عدم المبالغة في تعيين أعداد غفيرة من الدبلوماسيين بسفاراتها بالعواصم الأوروبية ممن لا أهمية فعلية ولا مهام دبلوماسية أساسية لهم.

بعدما سجلت أعداد الدبلوماسيين السوفييت الأساسيين أرقاماً مبالغ فيها خاصة بالسفارات الروسية العاملة في مدن غربية صغيرة الحجم مثل الفاتيكان الذي عمل بها أكثر من 400 دبلوماسي روسي في حين كانت الحاجة الدبلوماسية الحقيقية تتطلب فعلياً أقل من عشرين دبلوماسي.

وافقت الدول الغربية التي كانت في حالة حرب باردة معلنة مع الاتحاد السوفييتي علي التعيينات والترشيحات الدبلوماسية الروسية عقب عمليات فحص دقيقة ولم تقبل الدول الغربية الدبلوماسيين الروس الذين زادوا عن حاجة الدبلوماسية الرسمية لدي العواصم الغربية.

 

اعتمدت الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية أثناء الحرب الباردة التي استمرت خلال الفترة من 16 إبريل 1947 حتي 26 ديسمبر 1991 سياسة "العميل المحروق".

بناء علي تلك السياسة تبادلت الدول الغربية فيما بينها مع الولايات المتحدة الأمريكية قوائم أسماء وبيانات ومعلومات من ثبت عليه من الدبلوماسيين الروس العاملين بأي دولة غربية أو مستعمرة تابعة لها تهمة العمالة لحساب جهاز الاستخبارات السوفييتية KGB    

وساعتها كان ذلك المتهم العميل السوفييتي يدرج بشكل مباشر لدي كل الدول الغربية علي قوائم رفض الأشخاص غير المرغوب فيهم لمنعه من العمل مرة ثانية في عمليات التجسس علي أراضي الدول التي لم تعرفه مباشرة.

 

الأمر الذي ألزم جهاز KGB في الاستمرار بالعمل بسياسة الإغراق في تجنيد الدبلوماسيين وغيرهم حتي ينجو عدد معقول من العملاء يمكنه تأدية المهام الاستخباراتية الموكلة داخل السفارات الروسية المختلفة لصالح الجهاز الروسي والاتحاد السوفييتي.

لدرجة أن وثائق أرشيف الاستخبارات السوفييتية KGB سجلت في الفترة من عام 1960 حتي عام 1970 قيام 46 دولة أوربية غربية مع الولايات المتحدة الأمريكية بطرد 226 دبلوماسي روسي بتهمة التجسس للاتحاد السوفييتي.

كما قامت 20 دولة أوربية أخرى في الفترة من عام 1970 حتي عام 1973 بطرد 164 دبلوماسي روسي من مختلف السفارات الروسية حول العالم بتهمة التجسس لصالح موسكو.

اللافت أن الاحتياجات المصرية للمساعدات والخبرات السوفييتية خلال الفترة من عام 1960 وحتي 1971 منعت القاهرة الحليف الأكبر والأهم للاتحاد السوفييتي في العالم والشرق الأوسط وقتها في تطبيق قواعد وضوابط الدول الغربية بشأن أعداد الدبلوماسيين الروس فوق الحاجة.

فامتلأت مكاتب السفارة الروسية بالقاهرة وقنصليتها العامة بالإسكندرية بالعشرات من ضباط الاستخبارات السوفييتية KGB وعملائها عمل معظمهم تحت هويات دبلوماسية رسمية وتولى هؤلاء وظائف الصف الدبلوماسي الثاني في مكاتب الملاحق الروسية التجارية والإعلامية والثقافية وحتي الزراعية في مصر.

كما أنتشر وقتها في القاهرة العشرات من الإعلاميين والصحفيين الروس المزيفين الذين عملوا بتصاريح رسمية لحساب محطات تليفزيون وراديو وصحف روسية مشهورة كان أبرزهم يفجيني بريماكوف - ماكسيم - مراسل صحيفة "برافدا" - الحقيقة - الروسية الشهيرة.

 

 

الذي اتضح بعدها طبقا للأسرار التي تسربت من وثائق أرشيف الاستخبارات السوفييتية KGB "عظيم السرية" توليه منصب مدير ملف الدعاية الشيوعية بفرع الشرق الأوسط لدي جهاز الاستخبارات السوفييتية KGB قسم الملف المصري.

ويعد فرع الدعاية الشيوعية من أكبر أفرع جهاز الاستخبارات السوفييتية KGB ترأسه في فترة عملية يفجيني بريماكوف بالقاهرة الجنرال الروسي "إيفان إيفانوفيتش أودالتسوف".

الدبلوماسي الروسي الذي ظهر علانية في منصب الوزير المستشار أثناء عملية غزو الاتحاد السوفييتي لدولة تشيكوسلوفاكيا التي وقعت ليلة 20/21 أغسطس عام 1968 وانتهت بتاريخ 20 سبتمبر 1968

الحقيقة تنوعت مسئوليات يفجيني بريماكوف ضابط الاستخبارات السوفييتية KGB في مصر ولم تتركز في إدارة عملية العميل "س.ش" الملقب باسم "العميل الأسد" بالوثائق السوفييتية بل شملت مهامه متابعة نشاط ضباط وعملاء كالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA في مدينة القاهرة علي وجه التحديد.

وهو السبب المباشر الذي أوقع به في طريق ضباط وعملاء CIA في مصر والحقيقة أن العلاقات المصرية - الأمريكية الدبلوماسية الكاملة كانت قد توقفت - وقتيا - عندما عاد "رايموند آرثر هار" آخر سفير أمريكي بالقاهرة بعد حرب العدوان الثلاثي لبلاده في صباح يوم 25 سبتمبر 1956

علماً أن رايموند آرثر عين سفيراً لدي القاهرة بتاريخ 14 أغسطس 1956 وقدم أوراق اعتماده للرئيس جمال عبد الناصر بتاريخ 25 سبتمبر 1956

والثابت أن العلاقات المصرية - الأمريكية الدبلوماسية الكاملة بدأت منذ ذلك التاريخ في التقلص مروراً بحرب العدوان الثلاثي وأنها ساءت بناء علي الموقف المعارض لقرار توقيع مصر وسوريا معاهدة الجمهورية العربية المتحدة التي وقعت بتاريخ 22 فبراير 1958

ورفضتها الإدارة الأمريكية للرئيس "دوايت دافيد إيزنهاور" الجمهوري الرابع والثلاثين في ترتيب الرؤساء الأمريكيين الذي شغل منصبه بداية من 20 يناير 1953 وحتي 20 يناير 1961

الغريب أن دوايت دافيد إيزنهاور عاد بتاريخ 10 مارس 1958 وعين رايموند آرثر هار من جديد سفيراً للقاهرة فتقدم رايموند آرثر هار بأوراق اعتماده للنظام المصري بتاريخ 19 مارس 1958 حتي عاد وترك مصر فجأة بتاريخ 18 ديسمبر 1959

توالت المواجهات السوفييتية - الأمريكية الاستخباراتية علي أرض مصر عليه رشحت الولايات المتحدة الأمريكية في 27 يناير 1960 السفير "جورج فريدريك رينهاردت" صاحب الخلفية الأمنية الدبلوماسية.

فتقدم جورج رينهاردت في صباح 22 مارس 1960 بأوراق اعتماده الدبلوماسية كسفير للرئيس جمال عبد الناصر لكنه لم يستمر بالقاهرة وتركها في 6 مايو 1961 بسبب عدة إخفاقات حسبت علي عمليات وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA في مصر.

عقب ذلك رشحت واشنطن بتاريخ 29 مايو 1961 السفير "جون ستوثوف باديو" الذي قدم أوراق اعتماده الدبلوماسية للقاهرة بتاريخ 19 يوليو 1961 واستمر بعدها في منصبه حتي 9 يونيو 1964

شهدت فترة السفير الأمريكي "جون ستوثوف باديو" صراعاً تصاعدياً محتدماً بين عمليات عملاء وضباط كل من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA وجهاز الاستخبارات السوفييتية KGB

وتحولت مصر بسبب ذلك الصراع بين أكبر جهازين في العالم وقتها إلي أرض خصبة للعمليات المضادة بين عقول استخبارات الإمبراطوريتين الأعظم بالعالم في تلك الحقبة الزمنية الملتهبة سياسياً وعسكرياً ومعلوماتياً.

طبقا لوثائق أرشيف الاستخبارات السوفييتية KGB شكل السفير الأمريكي جون ستوثوف باديو عقبة حقيقة أمام نشاط عمليات الجهاز الروسي في القاهرة لخبرته الممتدة منذ عام 1928 بمنطقة الشرق الأوسط وبالتحديد مصر.

ويذكر أن ستوثوف الذي تحدث اللغة العربية بطلاقة مصرية كان مهندساً في الأصل شغل في القاهرة منصب عميد كلية الآداب والعلوم لدى الجامعة الأمريكية خلال الفترة من عام 1936 وحتي عام 1944

بعدها شغل "جون ستوثوف باديو" بداية من عام 1944 وحتي عام 1953 منصب رئيس الجامعة الأمريكية بالقاهرة.

مسجل أن ستوثوف تعمق في دراسة الأديان وتردد علي الجامع الأزهر - أنشأ الفاطميون الجامع الأزهر عام 972 ميلادية - وأصبح بعدها مدرساً لعلم الأديان المقارنة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة.

كما درس ستوثوف علوم الفلسفة في مصر ويذكر أنه توفي بتاريخ 24 أغسطس 1995 عن عمر 92 عام في قرية "مونروي" بولاية نيو جيرسي الأمريكية.

ساعدت خبرات السفير الأمريكي جون ستوثوف باديو علي فهم المجتمع المصري فحرص علي تطعيم أطقم الاستخبارات الأمريكية في مصر بعناصر كانت تتقن اللغة العربية اختار بعضهم من أصحاب الملامح الشرقية المصرية مما صعب الأمور بشكل دراماتيكي علي الأطقم السوفييتية المنافسة علي أرض العمليات المضادة في مصر.

في المقابل تعترف الوثائق السوفييتية السرية أن الأطقم الروسية افتقدت اتقان اللغة العربية واللهجة المصرية والخبرات الشرق أوسطية مما سهل عمليات التجسس المضاد ضدهم وقلص فرص نجاحهم وفشلهم نهاية الأمر في فهم المجتمع المصري نفسياً ودينياً.      

 

 

اشتدت المواجهات بين جهازKGB السوفييتي ووكالة CIA الأمريكية بالقاهرة خلال الفترة من عام 1961 وحتي عام 1964 وأوقع الحظ السيء يفجيني بريماكوف في طريق طاقم عمليات السفارة الأمريكية التابع لوكالة الاستخبارات المركزية CIA

تكشف وثائق أرشيف الاستخبارات السوفييتية KGB سر توصل عملاء وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA وكشفهم للضابط الروسي يفجيني بريماكوف الذي عمل ساعتها تحت هوية صحافية روسية رسمية في مصر.

طبقاً للتفاصيل اصطدم طاقم ضباط وكالة الاستخبارات المركزية CIA عدة مرات علي الأرض مع شخصية صحافية روسية أثارت الريبة من حولها في القاهرة حتي نجحوا بتصويرها من عدة زوايا خلال مؤتمرات صحافية علنية وخاصة داخل أروقة النظام المصري.

أرسلت السفارة الأمريكية بالقاهرة صور تلك الشخصية الروسية التي لم يكونوا حتي تلك اللحظة متأكدين منها إلي قيادة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA لفحصها.

أسفرت عملية تحليل الصور في CIA عقب تبادل المعلومات بشأنها مع أجهزة استخبارات غربية وأوربية صديقة لواشنطن مفاجأة لم تكن في الحسبان أثبتت أن صاحب اللقطات هو نفسه ضابط جهاز الاستخبارات السوفييتية KGB

المدعو "يفجيني ماكسيموفيتش بريماكوف" الذي قابلته عدة أجهزة استخبارات غربية في شرق أوربا في عمليات هامة أثناء ترده علي عواصم أوربا الشرقية خلال الفترة من عام 1959 وحتي أوائل عام 1960  

اعتبرت عملية الكشف عن ضابط الاستخبارات السوفييتية KGB في القاهرة نجاحاً باهراً بالنسبة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIAخاصة أن يفجيني بريماكوف عمد وقتها علي تغيير هيئته قبل وصوله إلي القاهرة بشكل صعب بالفعل التعرف عليه حتي لأصدقائه كما حرص علي إطالة شواربه وشعره بشكل كثيف وزاد وزنه وكان يرتدي الأحذية العالية التي أطالت من قامته.

غير أن المطابقة الاستخباراتية الدقيقة مع ألبومات صور قديمة التقطت للضابط السوفييتي بريماكوف خلال فترة خدمته التدريبية في رومانيا وألمانيا الشرقية بواسطة عدة أجهزة تابعة للاستخبارات الغربية أكدت حقيقة هويته الشخصية.

في الواقع مفاجأة اكتشاف يفجيني بريماكوف ضابط الاستخبارات السوفييتية KGB متخفياً بالقاهرة تحت هوية صحفي روسي بواسطة عملاء وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA لعبت الدور الأعظم والأهم في صدمة اكتشاف الجهاز الأمريكي "العميل الأسد" المشار إليه بالاختصار وبلقب العميل "س.ش" المسؤول بأحد مكاتب الرئيس جمال عبد الناصر.

كانت الخطوة الطبيعية التالية عقب اكتشاف بريماكوف أن تبدأ وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA متابعة ورصد كل التحركات الخاصة بالضابط الروسي علي أرض مصر تمهيداً لكشف تفاصيل أسباب وأهداف تواجده في القاهرة تحت هوية صحافية روسية مزورة.    

أظهرت متابعات عملاء وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA للضابط الروسي بريماكوف في القاهرة عقب تحليل معلوماتها في لانجلي أنه دائم التردد علي الحفلات الرسمية للنظام المصري بالقاهرة.

بالتدقيق ظهر يفجيني بريماكوف بشكل لافت ومريب في معظم حفلات النظام الرسمية المصرية بمكان ما قريب حول موقع تواجد العميل "س.ش" المسؤول بأحد مكاتب الرئيس المصري جمال عبد الناصر.

في البداية رجحت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA أن سبب تواجد بريماكوف دائماً حول "س.ش" منطقياً لكونه صحافياً روسياً يعمل من القاهرة لحساب صحيفة برافدا الروسية ولأن "س.ش" مهمته الرئيسية التعامل مع أمثال بريماكوف.

كما أستبعد خبراء تحليل المعلومات بالجهاز الأمريكي في البداية أن يكون للعميل "س.ش" المسؤول بأحد مكاتب الرئيس المصري جمال عبد الناصرعلاقة مباشرة مع ضابط جهاز الاستخبارات السوفييتية KGB

وقدرت العقول الأمريكية أن بريماكوف احتاج التواجد حول مصدر المعلومات الرسمي بالنظام المصري ومع ذلك ظل الشك قائماً يثير التساؤلات لدى العقول الخبيرة المحللة.

قررت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA قطع الشكوك باليقين فأرسلت للقاهرة وراء يفجيني بريماكوف فريق كبير من الضباط والعملاء الأمريكيين المخضرمين وصل بعضهم لمصر تحت هوية الصحافة الأمريكية حتي يتمكنوا من التواجد في الأماكن التي يتردد عليها بريماكوف دون إثارة للشكوك الروسية.

راقب فريق وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكيةCIA عن كثب الضابط الروسي يفجيني بريماكوف علي مدار ثلاثة أشهر كاملة داخل مدينة القاهرة.

واضطر الفريق الأمريكي استبدال نفسه بفرق أخرى خمس مرات متتالية حتي لا تكتشف شخصيات فريقه في مصر وفي النهاية توصلت واشنطن إلي كامل التفاصيل مع الحقائق موثقة بالصورة والصوت.

أكدت جميعها وجود (عميل محلي) نافذ في النظام المصري يعمل بالقاهرة بجوار الرئيس جمال عبد الناصر دون علم أجهزة الرئيس المصري وأن ضابط الاستخبارات السوفييتية KGB يفجيني بريماكوف متواجد في مصر لإدارة عملية ذلك العميل عن كثب.

طبقا لوثائق وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكيةCIA "منتهي السرية" التي وافقت أخري سوفييتية "عظيمة السرية" لم تكن عملية الكشف عن "العميل الأسد" الملقب باسم "س.ش" الذي عمل لحساب جهاز الاستخبارات السوفييتية KGB في مصر بالسهلة.

حتي اضطرت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكيةCIA للاستعانة بالعميل الأمريكي "كوبلاند مليس" الذي كشفت الوثائق الأمريكية "منتهي السرية" أنه عمل بسرية تامة من القاهرة بوظيفة المستشار الخاص للشئون الغربية للرئيس المصري جمال عبد الناصر .

(( ملاحظة من المجموعة 73 مؤرخين - نعتقد أن الكاتب هنا يقصد مايلز كوبلاند ضابط المخابرات الامريكية ومؤلف كتاب لعبة الامم )) 

 

والثابت بالتفاصيل الرسمية أن الرئيس المصري جمال عبد الناصر اعتقد أن كوبلاند مليس ضابط أمريكي محترف يقدم مشورته بمقابل للأنظمة لكن مليس كان بالأصل ضابطاً رفيعاً في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA

 

وهنا أتوقف بالضرورة أمام شخصية كوبلاند مليس المثيرة للجدال حتي نتعرف معاً علي الأسرار الخفية التي دفعت به في مهمة خاصة وعاجلة إلي العاصمة المصرية القاهرة.

مع تفاصيل تعرفه علي الرئيس جمال عبد الناصر واقتناع ناصر به لدرجة تعيينه بمنصب مستشاره الخاص للشئون الغربية بمقابل مادي تسلمه مليس من حسابات الرئاسة المصرية السرية للغاية.

ولد كوبلاند مليس عام 1916 في مدينة برمنجهام التابعة لولاية ألاباما الأمريكية والثابت أنه عمل في عدة وظائف عادية بغرض التمويه علي هويته الحقيقية كضابط استخبارات أمريكية رفيع المستوى متخصص في معلومات وملف شؤون الشرق الأوسط.

مجالات نشاط كوبلاند مليس الشخصية متسعة ومتناقضة فقد عمل كرجل أعمال وموسيقي وتاجر تحف وسجاد عربي وفي ذات التوقيت كان مليس لاعباً أساسياً في كل عمليات وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA بمنطقة الشرق الأوسط في الفترة من عام 1950 إلي منتصف ستينيات القرن الماضي.

وللتوثيق ظل كوبلاند مليس يؤدي دور العقل المفكر والمدبر لعشرات العمليات التي قامت بها ونفذتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA في منطقة الشرق الأوسط حتي أوائل ثمانينات القرن الماضي.    

تولى كوبلاند مليس مسئولية إدارة فرع تجميع المعلومات الواردة إلي وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA من دول ومحطات منطقة الشرق الأوسط من مكتبه الدبلوماسي في العاصمة السورية دمشق التي عمل بها تحت غطاء "ملحق ثقافي" بالسفارة الأمريكية.

والثابت رسمياً أن كوبلاند مليس شارك بنفسه في التدبير لعدة انقلابات عسكرية وقعت في سوريا عن طريق الدعم المالي والخطط والسلاح عندما عملت الولايات المتحدة الأمريكية في بداية الستينيات علي مساندة أنظمة رأت واشنطن وقتها أنها الأنسب لحكم سوريا.

تعلم كوبلاند مليس اللغة العربية والموسيقي العربية التي عشقها أثناء إقامته الدائمة بالشرق الأوسط وفي بداية عام 1953 دخل إلي مجال الأعمال الحرة والتجارية وبدأ يعمل بغطاء كامل علي أساس أنه رجل أعمال أمريكي له صلات قوية بالعالم العربي وشغل ساعتها منصب المستشار الخاص للمجموعة الاقتصادية الأمريكية "بوز آلين هاملتون".

في إحدى سفريات كوبلاند مليس التجارية المتعددة إلي العاصمة المصرية القاهرة عقب صعود نجم الضباط الأحرار وخلع الملك فاروق الأول ذهب مليس بنفسه في نهاية عام 1954 إلي الرئيس الجديد جمال عبد الناصر عارضاً عليه مشورته لإقامة جهاز حديث ومتطور للاستخبارات المصرية.

عقب نقاش طويل وحوار جاد بين كوبلاند مليس والرئيس جمال عبد الناصر قرر ناصر تعيين كوبلاند مليس تحت السرية التامة في منصب مستشاره الخاص للشئون الغربية.

ظل كوبلاند مليس بجانب الرئيس جمال عبد الناصر عدة أشهر في القاهرة حتي نقل إليه ما توصل إليه من مواد لوجستية لإقامة نظام معلوماتي حكومي متماسك ومتطور وبعدها قرر مليس العودة في نهاية عام 1955 إلي الولايات المتحدة الأمريكية.

لم يقطع كوبلاند مليس علاقته بالرئيس المصري جمال عبد الناصر بشكل نهائي بل ظل علي اتصال شبه اسبوعي مع مكتبه بالقاهرة كلما تطلبت حاجة ناصر إلي التشاور معه.

وربما لم يتوقع البعض أن كوبلاند مليس عقب تركه للقاهرة عاد مباشرة إلي وظيفته الحقيقي كضابط رفيع متخصص في الشئون الشرق أوسطية لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA

شغل كوبلاند مليس منصب مستشار الرئاسة المصرية في السر لكنه أفاد النظام المصري بقوة أثناء العدوان الثلاثي عام 1956 عندما جنده جمال عبد الناصر لمساعدة مصر لدى الإدارة الأمريكية لإنهاء عملية الغزو وكافة العمليات الحربية بمنطقة قناة السويس وشبه جزيرة سيناء.

الموثق أن كوبلاند مليس أشار علي الرئيس الأمريكي "دوايت دافيد إيزنهاور" أن يساعد الرئيس جمال عبد الناصر للخروج من الأزمة ومعها نيل ثقة الرئيس المصري ونظامه العسكري.

عمل كوبلاند مليس بجوار مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA في تلك الفترة "ألين ويلش دوليس" الثابت شغله المنصب خلال الفترة من 26 فبراير 1953 وحتي 29 نوفمبر 1961

المعروف أن ألين ويلش دوليس هو الشقيق الأكبر لمدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA "جون فوستر دوليس" الثابت شغله منصب وزير الخارجية الأمريكية الثاني والخمسين خلال الفترة من 26 يناير 1953 حتي 22 إبريل 1959

 

 

 

في الحقيقة ظل كوبلاند مليس بجوار الرئيس جمال عبد الناصر لفترة طويلة وكانت آخر مهامه في منطقة الشرق الأوسط بالعاصمة اللبنانية بيروت التي عاش فيها مع أسرته علي فترات متقطعة في الفترة من عام 1957 وحتي عام 1968 والمعروف أن كوبلاند مليس توفي في عام 1991

استغل كوبلاند مليس ضابط وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA فرصة تواجده بجوار الرئيس جمال عبد الناصر ونجح بخبرته في كشف شبكة عملاء الاتحاد السوفييتي وجهاز الاستخبارات السوفييتية KGB حول الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

ومع ذلك أخفي كوبلاند مليس السر عن الرئيس جمال عبد الناصر واستمر طبقاً للتعليمات التي تلقاها من واشنطن في متابعة يفجيني بريماكوف ضابط الاستخبارات السوفييتية KGBفي مصر.

استغرقت عملية متابعة يفجيني بريماكوف في القاهرة وقبرص وبيروت ثلاثة أشهر كاملة تأكدت بعدها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA أن الضابط الروسي يدير عملية العميل "س.ش" المسؤول بأحد مكاتب الرئيس المصري جمال عبد الناصر.

وجاء الدليل في تسجيل فريق المتابعات الأمريكي لقاءات خارجية بين "س.ش" والضابط الروسي يفجيني بريماكوف في العاصمة القبرصية نيقوسيا.

تطلب الأمر من واشنطن دراسة هادئة ومتأنية للمعلومات حتي يمكنها استخدامها في التوقيت المناسب بما يحقق المصالح الأمريكية في مصر ومنطقة الشرق الأوسط.

لذلك ظل كل شيء بمكانه دون تدخل من قبل فريق المراقبة والمتابعة الأمريكي في حين استمرت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA في رصد وتوثيق يوميات "عملية الأسد" من غرفة الفندق الذي أقام به بريماكوف في القاهرة.

أقام يفجيني بريماكوف ضابط الاستخبارات السوفييتية KGB إقامة دائمة وهادئة علي حساب صحيفة برافدا الروسية في فندق "النيل هيلتون" القريب من كوبري قصر النيل وسط القاهرة الثابت افتتاحه رسميا بحفل دولي مشهود في شتاء فبراير عام 1959

شرفه بالحضور كبار نجوم العالم في مختلف المجالات وعلي رأسهم الممثلة الأمريكية "إرنستاين جاين جيرالدين راسل"

في الواقع شغل "هيربرت سميث" منصب المدير التنفيذي الأول لفندق النيل هيلتون بالقاهرة منصبه خلال الفترة من عام 1959 حتي عام 1965 والثابت طبقا للوثائق السوفييتية أنه أمريكي - بريطاني الجنسية.

شارك خلال الحرب العالمية الثانية مع القوات الأمريكية في تحرير أوروبا وكان بين الجنود الأمريكيين الذين غزوا شاطئ نورماندي الفرنسي صبيحة يوم 6 يونيو 1944  

بناء علي تلك الخلفية لم يمانع مستر هيربرت سميث المدير التنفيذي الأول لفندق النيل هيلتون بل رحب بالتعاون سراً في العاصمة المصرية القاهرة مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA

وبمساعدته الشخصية حجز فريق الرصد والمتابعة الأمريكي الغرفتين المجاورتين للضابط السوفييتي بريماكوف وبغرض التمويه دفع الفريق الأمريكي بفريق تكون من فتاتين وشابين أقاموا في الغرفتين المجاورتين لغرفة الهدف الروسي بدعوى تمضية إجازات أعياد الزواج بالقاهرة.

لم يثر الأزواج أية شكوك لدى بريماكوف المدرب الذي حرص دائماً علي التطفل علي جيرانه عن طريق التلصص ليلاً عبر النوافذ والشرفات المجاورة من أجل تمضية الوقت.

وعندما طالت فترات المراقبة والمتابعة في جدول الفريق الأمريكي أضطر أعضاء الفريق لتبديل أنفسهم خمس مرات لعدم إثارة شكوك بريماكوف.

نجح الفريق الأمريكي المقيم في الغرفتين المجاورتين للضابط الروسي في زراعة العديد من أجهزة التنصت داخل غرفة يفجيني بريماكوف خلال فترات عدم تواجده.

أقام الفريق الأمريكي غرفة تحكم ومراقبة داخل الفندق بمساعدة هيربرت سميث المدير التنفيذي رصدوا من داخلها كافة محادثات بريماكوف وكسروا شيفرة اتصالاته وتعرفوا منها علي أدق معلومات وبيانات وتفاصيل العملية التي جاء إلي مصر من أجلها.    

تعددت مفاجآت المتابعة الأمريكية للضابط السوفييتي في القاهرة وفاقت التوقعات كافة التقديرات عندما نجح فريق مراقبة CIA المحترف في تسجيل مكالمات هاتفية أجراها يفجيني بريماكوف من غرفته بفندق هيلتون القاهرة مع بعض عملاء الاتحاد السوفييتي داخل نظام الرئيس المصري جمال عبد الناصر حسمت كل الشكوك.

يؤكد أرشيف الاستخبارات السوفييتية KGB أن محطة الجهاز الروسي في القاهرة عام 1960 كانت من أكبر المحطات الخارجية للجهاز الروسي بالشرق الأوسط وأنها عملت بدعوى حماية الخبراء والعسكريين والعملاء السوفييت ومراقبتهم أثناء تواجدهم في مصر لمنع هروبهم ولأجل مساعدة النظام المصري أمنياً وعسكرياً.

علماً أن عام 1965 وحده شهد هروب ألفي عميل روسي وأن الاستخبارات السوفييتية KGB أعدمت دون محاكمات خلال الفترة من عام 1961 حتي عام 1965 ثلاثمائة عميل روسي بتهمتي الهروب من الاتحاد السوفييتي والثراء علي حساب الشعب.

وأن أخبار الإعدامات نشرت تباعاً بالصحف الروسية الرسمية حتي يناير 1965 عندما أمر الحزب الشيوعي السوفييتي تحت ضغوط مارستها مؤسسات حقوق الإنسان الدولية بمنع وحظر النشر في قضايا تصفيات المواطنين دون محاكمات ممن حاولوا الهروب خارج الاتحاد السوفييتي.

سجلت وثائق أرشيف جهاز الاستخبارات السوفييتية KGB "عظيمة السرية" دليل هروب وانشقاق عدد من كبار ضباط الجهاز الروسي الأمر الذي تسبب بخسائر معلوماتية فادحة بالنسبة للاتحاد السوفييتي وجهاز KGB

علماً أن من بين الهاربين ضباط هربوا من القاهرة نفسها ومنهم من فضح عمليات شديدة السرية كشفت مئات الحقائق والأسرار عن نكسة 5 يونيو 1967 وعملية التجسس علي الرئيس جمال عبد الناصر وأسرار الانقلاب الفاشل علي نظام الرئيس السادات.

 

في بداية عام 1964 هرب الكولونيل - عقيد - "يوري إيفانوفيتش نوسينكو" ضابط عمليات جهاز الاستخبارات السوفييتية KGB عن طريق سويسرا إلي الولايات المتحدة الأمريكية.

في واشنطن مثل يوري نوسينكو طواعية أمام لجنة تحقيق مهنية سرية للغاية شكلها مجلس الشيوخ الأمريكي - أول جلساته في 1 إبريل - حققت وبحثت الدور الروسي الخفي في عملية اغتيال الرئيس جون كينيدي في 22 نوفمبر 1963

أدت شهادة يوري نوسينكو لردود أفعال شعبية وسياسية غاضبة في الشارع الأمريكي والأوروبي مما زاد العداء ضد موسكو وكلف الكرملين جهاز الاستخبارات السوفييتية KGB بإعادة الكولونيل نوسينكو للاتحاد السوفييتي لمحاكمته بتهمة الخيانة العظمي.

وكانت أهم المعلومات التي شهد بها الكولونيل الروسي يوري نوسينكو في تلك الجلسة أمام مجلس الشيوخ الأمريكي نجاح جهاز الاستخبارات السوفييتية KGB في زرع 44 جهاز تنصت دقيق وحديث في أرجاء مبني السفارة الأمريكية الواقعة في 21 شارع "نوفينسكي بولفار" بالعاصمة السوفييتية موسكو.

وعندما بحثت الأجهزة الأمريكية المختصة عن الأجهزة التي أرشد عنها نوسينكو في شهادته وجدوا بالفعل 44 جهاز تنصت حديث بالنسبة لتقنيات التجسس في تلك الفترة الزمنية زرعت داخل جدران غرف السفارة بما فيها غرفة السفير الأمريكي بموسكو.

الأخطر أن تلك الأجهزة السوفييتية صنعت وصممت لمنع الكشف عنها بالأجهزة الأمريكية المتاحة وقتها والمعروفة للخبراء الروس ففشل الخبراء الأمريكيين بكشفها مع أن السفارة الأمريكية في موسكو شهد مقرها العشرات من عمليات المسح الإليكتروني للكشف عن أجهزة التنصت والتجسس.

كانت معلومات يوري نوسينكو مروعة بالنسبة إلي واشنطن بعدما تبين أن أجهزة التنصت الروسية زرعت عام 1952 في جدران السفارة الأمريكية في موسكو مما يعني أنها نقلت كل ما دار داخل السفارة علي مدار الساعة منذ عام 1952 وحتي يناير 1964

وربما كانت أطول عملية تنصت في التاريخ وأكد يوري نوسينكو المعلومة عندما كشف في شهادته أن بث التسجيلات اليومية من السفارة الأمريكية كان علي الهواء مباشرة علي مدار الساعة استقبلته غرفة تحكم خاصة بمقر جهاز الاستخبارات السوفييتية KGB في موسكو.

وطبقا لشهادة الكولونيل نوسينكو زرع جهاز الاستخبارات السوفييتية KGB تلك الأجهزة الدقيقة أثناء إجراء عمليات صيانة وترميم وتجديد شاملة نفذتها شركات روسية محلية في مبني السفارة الأمريكية بموسكو عام 1952

كانت خسائر المعلومات التي كشفها يوري نوسينكو كولونيل الاستخبارات السوفييتية KGB لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA غير عادية أحدثت هزة عنيفة بأرجاء أفرع الجهاز الروسي.

سعت الاستخبارات السوفييتية KGB وراء يوري نوسينكو بقوة بعدما تسبب في تدمير وكشف عمليات روسية عملاقة انهارت الواحدة تلو الأخرى في مختلف عواصم العالم.

طبقاً لاتفاق وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA مع الكولونيل الروسي ضمنت الوكالة الأمريكية عملية حمايته الشخصية مما حال دون وصول عملاء جهاز الاستخبارات السوفييتية KGB إليه في واشنطن.

وفي مايو 1970 دعت مجلة Reader's Digest يوري نوسينكو إلي مقر مكتبها لعمل حوار خاص معه وهي مجلة أمريكية شهرية اهتمت بشؤون الأسرة صدرت لأول مرة عام 1922 وآخر عدد لها قبل توقفها عن الصدور بتاريخ فبراير 2013

وفي طريقه إلي المجلة الأمريكية حاول عدد من عملاء الاستخبارات السوفييتية KGB اختطاف يوري نوسينكو في عملية وصفت بالساذجة لأنها تمت وسط شارع يعج بالمارة في منتصف النهار.

كان يقع علي بعد أربعة بلوكات من السفارة الروسية في واشنطن فتدخل الأمن الأمريكي وضبط الجناة واتضح أن الخاطفين كانوا عدد من الدبلوماسيين الروس الذين تم طردهم فورا من واشنطن.

المثير أن الشهادة التي أدلي بها كولونيل جهاز الاستخبارات السوفييتية KGB أمام مجلس الشيوخ الأمريكي عام 1964 حملت إلي مصر مفاجأة أشد خطورة عندما كشف نوسينكو بشهادته الغير عادية بوجود أجهزة تنصت سوفييتية مشابهة لتلك التي عثر عليها بالسفارة الأمريكية في موسكو داخل مقر عمل السفارة الأمريكية بالقاهرة.

وهو السبب الرئيسي الذي دفع بالولايات المتحدة الأمريكية لإنهاء عمل سفيرها الأطول خبرة في مصر جون ستوثوف باديو بتاريخ 9 يونيو 1964

مع أن النظام المصري نفسه طالب ببقاء باديو لأطول فترة ممكنه لدرايته الطويلة بالملف المصري ولسهولة التعامل والتفاهم بينه وبين النظام المصري الحاكم يومها من القاهرة.

ومن قضية العثور علي أجهزة التنصت الروسية داخل السفارة الأمريكية في العاصمة المصرية القاهرة نقف مع شهادة نوسينكو وجهاً لوجه أمام الجنرال "يفجيني بيتروفيتش بيتوفرانوف" أخطر عقول جهاز الاستخبارات السوفييتية KGB

والمسئول المباشر عن عملية زرع أجهزة التنصت داخل مبني السفارة الأمريكية بالقاهرة وأركان أخرى داخل مكاتب النظام المصري نفسه والثابت أن جنرال جهاز الاستخبارات السوفييتية KGB يفجيني بيتوفرانوف شغل للتمويه منصب نائب رئيس الغرفة التجارية الروسية في موسكو.

وهو مهندس إليكترونيات عسكرية أجاد الإنجليزية بلهجة أمريكية والفرنسية والألمانية والعربية بلهجة مصرية انضم للجنة الأمن التي شكلها الحزب الشيوعي السوفييتي عام 1938

حقق الجنرال يفجيني بيتوفرانوف صاحب الملامح الشرقية الوسيمة أثناء الحرب العالمية الثانية العديد من الانجازات أهمها نجاحه في زرع عشرات من أجهزة التنصت الروسية الدقيقة داخل مقر فرع جهاز الأمن الألماني الشهير بالاسم المختصر S.S

حقق بسببها بيتوفرانوف شهرته ونال بسببها داخل جهاز KGB لقب "العقل المتنصت".

وبمناسبة الإشارة إلي فرع وحدة S.S الألمانية الاستخباراتية فالاسم اختصاراً للكلمة الألمانية "شوتس ستافيل" وهي بمعني سلاح الدفاع الألماني.

وهي وحدة من ضباط وضباط صف وجنود الكوماندوس قوات النخبة - الألمانية النازية شكلتها أجهزة استخبارات النازي خلال الحرب العالمية الثانية لتأدية مهام سرية خاصة.

كان أبرزها مطاردة اليهود بهدف إبادتهم ومكافحة عملاء وضباط الاستخبارات المعادية لألمانيا النازية مع مهمة حراسة القائد الألماني "أدولف هتلر" زعيم حزب العمال الألماني الاشتراكي الوطني المعروف باسم الحزب النازي الذي انتحر بالعاصمة برلين بتاريخ 30 إبريل 1945 قبيل سقوط المدينة في يد الحلفاء بساعات قليلة.

تولي الجنرال يفجيني بيتروفيتش بيتوفرانوف عام 1954 إدارة فرع عمليات التجسس المضاد في جهاز الاستخبارات السوفييتية KGB وهو الفرع المنوط به تفعيل عمليات المراقبات والتنصت الإليكتروني وتنفيذ عمليات زرع الكاميرات وتسجيل الأفلام علي الأرض بكل دول العالم بما فيها مصر.

في نهاية عام 1954 عقب عدة عمليات ناجحة قام نفذها علي مستوي العالم أسندت الاستخبارات السوفييتية KGB إلي الجنرال بيتوفرانوف مهام عمليات خطف العملاء والجواسيس في ألمانيا الشرقية ثم رشح بعدها لمنصب مدير محطة KGB بالعاصمة الصينية بكين.

في بداية عام 1960 وعقب قيامه بعمليات تجسس وتصنت إليكتروني مضاد أصبحت تدرس بعدد من معاهد الاستخبارات بالعالم عين الجنرال يفجيني بيتروفيتش بيتوفرانوف في منصب مدير مدرسة الاستخبارات السوفييتية المسئولة عن تدريب وتخريج وتأهيل ضباط جهاز KGB

من يتابع ملف خدمة الجنرال يفجيني بيتروفيتش بيتوفرانوف منذ عام 1960 بالمستندات السوفييتية "عظيمة السرية" المودعة لدى أرشيف وثائق الاستخبارات السوفييتية KGB سيكتشف أن بيتوفرانوف أصبح منذ ذلك التاريخ ضيفاً شبه دائم علي مدينة القاهرة.

ومن يدقق سيجد اسم بيتوفرانوف موثقاً كضيف شرف رئيسي تحت هوية نائب الغرفة التجارية الروسية في كل المؤتمرات الاقتصادية والتجارية المصرية - الروسية التي شهدتها العاصمة المصرية القاهرة خلال الفترة من عام 1960 حتي عام 1965

وقبل أن استغرق لأهمية المعلومة للتوثيق لا عجب من عمل ضباط جهاز الاستخبارات السوفييتية KGB تحت الهويات المختلفة لأن الثابت كدليل بارز أن "سيرجي ميخالكوف" كاتب ومؤلف النشيد الوطني السوفييتي الشيوعي.

المعروف كزوج مؤلفة أدب الأطفال الروسية الشهيرة "نتاليا كونشالوفكايا" الذي عين في رئاسة اتحاد الكتاب السوفييت عام 1970 عمل في الأساس كضابط بجهاز الاستخبارات السوفييتية KGB

بالقطع لم يحضر الجنرال المهندس "العقل المتنصت" إلي القاهرة لتمثيل غرفة التجارة السوفييتية بل حضر لاصطياد أحد رجال الأعمال المصريين الكبار وفي الحقيقة حمل الجنرال يفجيني بيتوفرانوف بين ألقابه في القاهرة لقب "الصياد".

وقد حاز بيتوفرانوف اللقب بعد حضوره معظم فعاليات مؤتمر التجارة الدولي الذي عقد في العاصمة المصرية القاهرة عام 1960 ومن خلال ذلك المؤتمر نجح بيتوفرانوف في تجنيد أكبر عشر رجال أعمال كانوا وقتها علي قائمة أفضل رجال أعمال في الشرق الأوسط.

التزاماً بمبدأ التوثيق للمصداقية لم يكشف ملف الجنرال يفجيني بيتروفيتش بيتوفرانوف تحديد دقيق للأماكن والمكاتب التي زرع فيها "العقل المتنصت" أجهزته داخل القاهرة.

وتؤكد الوثائق السوفييتية "عظيمة السرية أن يفجيني بيتوفرانوف زرع عدد من الأجهزة الروسية الدقيقة داخل مكاتب النظام المصري وأنه نجح بمساعدة عملاء مصريين كانوا نافذين وقتها داخل أروقة نظام حكم الرئيس جمال عبد الناصر.

لم يكن غريباً علي يفجيني بيتوفرانوف تنفيذ تلك العمليات الروتينية بالنسبة له طيلة فترة الستينيات ومن أبرزها العملية الغريبة التي اكتشفت فيها الاستخبارات الألمانية الغربية أجهزة تنصت وإرسال دقيقة للغاية سوفييتية الصنع.

زرعها رجال الجنرال بيتوفرانوف من ضباط الاستخبارات السوفييتية KGB الذين دربهم بنفسه داخل جهاز تشفير المراسلات الدبلوماسية في مقر مبني السفارة الألمانية الغربية بالعاصمة السوفييتية موسكو عام 1964

المثير أن الجهاز الإليكتروني ألماني الصنع زرعه الجهاز الروسي في السفارة الألمانية عام 1962 واستخدم الجهاز في تشفير الرسائل المرسلة من السفارة الألمانية الغربية في موسكو إلي العاصمة الألمانية بون - وحدة الألمانيتين في 3 أكتوبر 1990 - وأنه عمل بكفاءة للتجسس علي المراسلات الألمانية الغربية من وإلي موسكو لفترة قاربت العام.  

في التفاصيل يتضح أن السفارة الألمانية الغربية في العاصمة الروسية موسكو كانت تسجل علي ذلك الجهاز أولاً الرسائل الدبلوماسية المراد إرسالها بشكل عاجل في سرية مشفرة إلي بون.

ومن ثم كانت مهمة جهاز المراسلات المعقد تشفير الرسالة في البداية بطريقة تقنية متفق عليها بين الحكومة الألمانية الغربية وسفارتها في موسكو ثم إرسالها عبر الجهاز مشفرة.

برزت عبقرية فريق الجنرال يفجيني بيتوفرانوف في تمكنهم من زراعة أجهزة التنصت الروسية كي تسرق نص الرسائل في الفترة بين تسجيلها علي الجهاز الألماني وتشفيرها دون الحاجة لشيفرات المراسلات الألمانية الغربية الدبلوماسية التي أبدلت بين الحين والآخر بشكل روتيني.

واللافت أن الأمر برمته تم الكشف عنه بالصدفة البحتة أثناء مسح دوري شامل داخل مقر السفارة الألمانية الغربية في موسكو أشرف عليه خبير المعلومات المهندس الألماني الغربي "هورست شويركمان" في ساعات الصباح الأولي من يوم الأحد الموافق 6 سبتمبر 1964

يومها كُلف مهندس المعلومات والاستخبارات الألمانية الغربية هورست شويركمان بالسفر إلي العاصمة السوفييتية موسكو للإشراف علي عملية المسح الإليكتروني الروتيني لمبني السفارة الألمانية الغربية.

داخل السفارة الألمانية الغربية في موسكو استخدم المهندس شويركمان أثناء عملية المسح جهاز حديث من اختراعه عمل علي تطويره لفترة طويلة وأثناء المسح فوجئ بومضات ونبضات بث إليكترونية ضعيفة صدرت من جهاز تشفير المراسلات الحكومية التابع للسفارة قادته إلي الكشف عن أجهزة التنصت الروسية.

سببت عملية اكتشاف أجهزة التنصت السوفييتية خيبة أمل شديدة لدي جهاز الاستخبارات السوفييتية KGB بعدما علموا بالموضوع في نفس اللحظة التي وجد فيها الخبير الألماني شويركمان أجهزة التنصت الروسية داخل جهاز تشفير المراسلات الدبلوماسية بمبني السفارة الألمانية الغربية في موسكو.

ومع ذلك لم تثني عملية اكتشاف الأجهزة الروسية الجنرال يفجيني بيتوفرانوف عن الاستمرار في هواية زراعة أجهزة التنصت والتصوير والتجسس في سفارات الدول المعادية للاتحاد السوفييتي في العاصمة الروسية موسكو وخارجها.

علي ضوء المسجل بالوثائق السوفييتية والتفاصيل الرسمية تحول الخبير الألماني هورست شويركمان إلي هدف طلبت موسكو تصفيته في نفس يوم اكتشاف عملية التنصت الأحد 6 سبتمبر 1964

بالمخالفة لتعليمات الاستخبارات الألمانية خرج المهندس الألماني عقب نجاحه في اكتشاف العملية دون حراسة من مبني السفارة الألمانية الغربية ثم ذهب مباشرة لزيارة دير "القديس زاجورسك" الواقع في ضاحية "سيرجييف بوساد" خارج موسكو بدعوى رغبته في الصلاة لشكر الرب.

صلي شويركمان بدير القديس زاجورسك كما رغب ولم يتوقع عقب خروجه من مقر الدير الشهير أن رجال الجنرال يفجيني بيتوفرانوف كانوا بانتظاره مع مفاجأة قاتلة غير تقليدية.

وعندما ابتعد المهندس الألماني بعيداً عن حشود زوار الدير والمصلين صوب عليه أحدهم مسدس يشبه مسدسات تخدير الحيوانات لا صوت له أطلق منه علي جسد شويركمان من الخلف طلقة واحدة غريبة.

أصابت شويركمان في مؤخرته مباشرة بحقنه سم روسية التركيبة شديدة التعقيد حملت مشتقات غاز النيتروجين السام بكمية قاتله كان المفروض أن تأكل خلايا الدماء البشرية بجسد المهندس الألماني في ساعات دون إمكانية التعرف علي السبب الحقيقي للوفاة.

في هذه الأثناء وقعت حركة غير محسوبة بموقع استهداف شويركمان من قبل مجموعة من المصلين فهرب المنفذون من المكان وتعرف المارة علي شخصية المهندس الألماني الغربي من الهوية التي حملها بين طيات ملابسه وفي دقائق نقل الخبر للسلطات الروسية والألمانية الغربية.

الغريب عقب نقل هورست شويركمان لمبني السفارة الألمانية الغربية أن تصادف تواجد عالم ألماني غربي في موسكو بغرض الأبحاث العلمية المتطورة زار وقتها مبني السفارة الألمانية لتوثيق أوراق علمية رسمية طلبت منه في الجامعات الروسية.

وعندما شاهد حالة المهندس الألماني طلب الكشف علي شويركمان ونجح في تشخيص حالته بطريقة مباشرة وقد حذر من خطورة الحالة وأن أمام شويركمان بعض الساعات حتي يفارق الحياة.

تدخلت الحكومة الألمانية الغربية علي الفور ومن ورائها عدد من دول العالم وضغط المجتمع الدولي بقوة علي موسكو لتوفير مصل الشفاء وإلا تحمل الاتحاد السوفييتي المسئولية الكاملة عن موت الخبير الألماني الغربي.

تباحث الحزب الشيوعي السوفييتي واستدعي الزعيم السوفييتي ليونيد بريجينيف علي عجل من إجازة له خارج موسكو وكان وقتها قد حل محل الزعيم نيكولاي خروتشوف والثابت أن بريجينيف شغل منصب السكرتير العام للحزب الشيوعي بداية من 14 أكتوبر 1964 وحتي 10 نوفمبر 1982          

لم يجد الزعيم السوفييتي أمام ضغوط المجتمع الدولي وتدخل السكرتير العام لمنظمة الأمم المتحدة "يو تانت" مفراً فأمر الاستخبارات السوفييتية KGB أن ترسل علي الفور المصل المنقذ لحياة هورست شويركمان الخبير الألماني الغربي.

وبمناسبة الإشارة للاسم وللأهمية الدولية معروف أن السكرتير العام للأمم المتحدة يو تانت شغل منصب الأمين العام مؤقتاً عقب مقتل داج همرشولد في حادثة تحطم طائرة "دوجلاس دي سي 6" أمريكية الصنع بتاريخ 18 سبتمبر 1961

في منطقة قريبة من رودسيا الشمالية التي أصبحت "زامبيا" الإفريقية عقب حصولها علي الاستقلال من الاحتلال البريطاني بتاريخ 24 أكتوبر 1964

وقد شغل يو تانت المنصب في هيئة الأمم المتحدة مؤقتاً بداية من 3 نوفمبر 1961 حتي عين رسمياً بموافقة الأعضاء في 30 نوفمبر 1962 وهو المنصب الذي ظل يشغله حتى 3 نوفمبر 1966

ويذكر أن السكرتير العام للأمم المتحدة يو تانت أعيد انتخابه أميناً عاماً للأمم المتحدة لفترة ثانية بدأت بتاريخ 2 ديسمبر 1966 وقد ظل في منصبه حتي 31 ديسمبر 1971

أعود للتفاصيل وقد دخل الخبير الألماني هورست شويركمان بعد حقنه علي أيدي خبراء جهاز الاستخبارات السوفييتية KGB بمصل النجاة من السم الروسي السري في غيبوبة.

وكاد شويركمان أن يفقد حياته لكن العناية الإلاهية والصدفة الطبية الخاصة التي حصل عليها في موسكو كتبت له عمراً جديداً أنقذ حياته.

تحت ضغوط دولية مستمرة لبحث تسوية سياسية مناسبة بين موسكو وبون بسبب عملية استهداف الخبير الألماني في موسكو اضطر الاتحاد السوفييتي صباح الأحد الموافق 13 سبتمبر 1964 علي تقديم اعتذار رسمي مكتوب من الحزب الشيوعي إلي حكومة ألمانيا الغربية.

الغريب طبقاً لوثائق أرشيف الاستخبارات السوفييتية KGB أن تلك الحادثة لم تردع الجنرال الروسي يفجيني بيتوفرانوف عن تنفيذ عمليات زرع أجهزة التنصت والتجسس السوفييتية بكل مكان بالعالم كما لم تتوقف مجموعاته المحترفة عن عمليات اختطاف أعداء الاتحاد السوفييتي.

وبالمناسبة كان بيتوفرانوف بطلاً في عام 1969 بعملية أشهر نفذها داخل مقر سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في العاصمة الرومانية بوخارست.

ففي أثناء عملية روتينية شهرية تنفذ داخل مكاتب سفارات الولايات المتحدة الأمريكية حول العالم للكشف عن أجهزة تنصت وتجسس محتملة قامت بها وحدة المسح الإليكتروني التابعة لفرع التجسس المضاد في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA  

اكتشف خبراء تلك الوحدة أجهزة تنصت دقيقة وغير معروفة لأجهزة الاستخبارات الغربية زرعت داخل كعب حذاء الرجل الثاني في سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في العاصمة الرومانية بوخارست عام 1969

أثناء التحقيق اتضح أن ذلك الدبلوماسي الأمريكي أرسل حذاء من ماركة عالمية اشتراه في أوائل عام 1969 إلي محل تصليح أحذية مشهور في العاصمة الرومانية وأن خادمة منزل الدبلوماسي الأمريكي هي التي حملت الحذاء إلي ذلك المحل.

عقب التحقيق مع كل من له صلة مع محاصرة تلك الخادمة بالحقائق والأدلة ومراقبتها اعترفت بتجنيد الجنرال يفجيني بيتروفيتش بيتوفرانوف لها للتعاون معه في أمر تجهله.

ومع أن الخادمة لم تكن تعرف الهوية الحقيقية للرجل الذي قام بتجنيدها لكن كافة الأوصاف التي أدلت بها أكدت أن يفجيني بيتوفرانوف جندها بنفسه خاصة أنه اشتهر بأساليب خاصة به ميزته وعرف بها في الساحة الاستخباراتية الدولية حيث لا يقوم بها غيره.

كما اعترفت الخادمة أنها كانت تشغل أجهزة التنصت والإرسال الروسية الصنع المزروعة في كعب حذاء الدبلوماسي الأمريكي كل صباح وتطفئها في المساء مما صعب علي أجهزة الكشف المضاد تتبع النبضات الكهرومغناطيسية الصادرة من داخل الحذاء.

وتكشف التفاصيل الحقيقية للعمليات التي نفذها الجنرال يفجيني بيتروفيتش بيتوفرانوف للتنصت علي الشخصيات الهامة في عدة دول بالعالم بينها مصر معلومات نال بسببها بيتوفرانوف عن جدارة لقب "جنرال الخادمات" لكن هذه المرة كان مانح اللقب أجهزة الاستخبارات الغربية المعادية للاتحاد السوفييتي.

في الواقع نال يفجيني بيتوفرانوف لقب "جنرال الخادمات" بسبب ولعه بالخادمات وتمكنه من استغلال مواقعهن بجوار أهداف عملياته ولسهولة عملية تجنيد الخادمات وهو ما حقق بسببه الكثير من النجاحات التي لا يمكن لمتخصص أن ينكرها عليه.

حتي كان لجنرال الخادمات في معظم الدول التي نجح فيها في زراعة أجهزة تنصت قصصاً متشابهة بدأت غالباً بعلاقة غرامية له مع إحدى الخادمات العاملات في بيوت النخبة أو مديرات منازل المقرات الحكومية والسفارات انتهت بتجنيده لتلك الخادمة.

وتؤكد وثائق أرشيف الاستخبارات السوفييتية KGB "عظيمة السرية" بشكل ساخر أن الجنرال يفجيني بيتوفرانوف كان يعلم عن الخادمات في العالم أكثر مما عرفته أسواق العمل المحلية عنهن.

كما أن للجنرال يفجيني بيتوفرانوف دراسة استخباراتية مهنية غير مسبوقة تدرس حتي يومنا هذا بمعاهد الاستخبارات الدولية حول كيفية استغلال الخادمات في خدمة أعمال التجسس الحديث.

حتي أن إحدى الوثائق التي تحدثت عن تواجد بيتوفرانوف في القاهرة منذ أوائل ستينيات القرن الماضي ونشاطه في مصر ضد السفارة الأمريكية والنظام المصري أشارت لنكتة تبادلها الدبلوماسيون الجدد في السفارة الروسية بالقاهرة تلك الفترة كانت تقول:

"عندما تحتار فعليك بالجنرال".

 

والمثير أنهم قصدوا من وراء تلك المقولة والنكتة أن من يجد صعوبة واستحالة في إيجاد الخادمة المناسبة بالسعر المناسب من الدبلوماسيين عليه اللجوء إلي الجنرال بيتوفرانوف للحصول علي توصية بخادمة مميزة ومناسبة تحل المشكلة.  

في الحقيقة احتاجت العائلات الدبلوماسية الروسية مثلها مثل غيرها لدى وصولها إلي القاهرة الاندماج في دهاليز المجتمع المصري للتعرف علي احتياجات إدارة المعيشة.

كانت علي رأس الاحتياجات الضرورية البحث عن خادمة محترفة لإدارة ورعاية منازل الدبلوماسيين الروس ومساعدة نساء السفارة العاملات في الأعمال المنزلية الروتينية التي أضاعت أوقات عملهن.

في الخلفية شهد سوق عمالة الخادمات في مصر في فترة الستينيات بالتحديد ندرة ملحوظة وصعوبة لإيجاد خادمة محترفة وأمينة للعمل بدوام كامل وبسعر مناسب لا يعرض الدخل الشهري للأسر الروسية للمتاعب المالية.

لم تتميز منازل الدبلوماسيين السوفييت في مصر عما عاني منه المجتمع المصري العادي حتي شعرت الجالية الروسية مثل غيرها بمشكلة نقص الخادمات في مصر في تلك الفترة.

طبقاً للتفاصيل كان الجنرال يفجيني بيتوفرانوف الوحيد في مصر بين الجالية الدبلوماسية السوفييتية الذي يمكنه إيجاد العدد الذي يريده من الخادمات في أقصر وقت دون مشاكل.

الجدير بالذكر أن الجنرال يفجيني بيتروفيتش بيتوفرانوف حقق خبراته المثيرة في مجال خبرته بعالم الخادمات في مصر عن طريق بحث معلومات استخبارية دقيقة متخصصة حققه بنفسه بالقاهرة علي مدار أكثر من عامين في نهاية خمسينيات القرن الماضي.

بعد أن كلف كل محطات الاستخبارات السوفييتية حول العالم ومنها الموجودة في القاهرة والإسكندرية إعداد تقرير شهري خاص ومنتظم عن سوق الخادمات بما في ذلك أسماء وكالات تأجيرهن وأسعار عمالتهن ومشاكلهن وأشهر سماسرتهن المحليين وما شابه.

بل أصر الجنرال بيتوفرانوف علي الحصول علي تلك التقارير بشكل دوري بدعوى حاجة إدارته في جهاز الاستخبارات السوفييتية KGB لتلك التقارير النوعية في بحث قومي هام.

بالمنطق كان الجنرال يفجيني بيتوفرانوف الوحيد الذي عرف عن بيانات أسواق عمل الخادمات في الدول التي تهم الاتحاد السوفييتي في العالم ومنها مصر أكثر مما عرفته المنظمات ووزارات العمل الحكومية المحلية عن تلك المهنة الخدمية الهامة.

المثير للسخرية أن علاقات الجنرال يفجيني بيتوفرانوف مع الخادمات في مصر سجلتها وثائق أرشيف جهاز الاستخبارات السوفييتية KGB التي أشارت بوضوح دون خجل أن بيتوفرانوف تخصص بشكل أقوي في خادمات الأحياء المصرية الراقية.

وأن الخادمات اللاتي نجح الجنرال يفجيني بيتوفرانوف في تجنيدهن لحساب الاستخبارات السوفييتية KGB عملن في عدة بيوت عريقة لأسر النخبة السياسية والعسكرية والاقتصادية المصرية في أحياء راقية بعينها اشتهرت تلك الفترة في المدن الرئيسية.

وأن قائمة الخادمات الخاصة به سجلت أكثر من عشرين خادمة مصرية مع ثلاثين واحدة من جنسيات أجنبية متعددة جندهن للعمل لحساب الاتحاد السوفييتي في مواقع راقية عالية الأهمية من الناحية الاستراتيجية داخل العاصمة المصرية وحدها منتصف عام 1965

كما ضمت قائمة خادماته سبعة أخريات جندهن للعمل لحساب جهاز KGB في نفس الفترة ببيوت أسر مصرية هامة بمدينة الإسكندرية بعد أن دربهن شخيصاً علي أعمال التجسس وجمع المعلومات وزرع أجهزة التنصت.

بل حددت المعلومات أن خبرات بيتوفرانوف تفوقت بالخادمات الراقيات في أحياء وسط القاهرة والزمالك ومصر الجديدة والمعادي وضاحية حلوان حيث منازل النخبة المصرية ومعظم السفارات الأجنبية ومقرات إقامة الجاليات الدبلوماسية الأجنبية.

المثير أن قصة الجنرال يفجيني بيتوفرانوف وشغفه بالخادمات الراقيات وعلاقاته بهن ولقاءاته معهن وإقامتهن معه في إحدى الشقق التابعة للسفارة الروسية بالقاهرة في حي الزمالك تعدت الحدود بعدما استخدمهن بعمليات نفذها في عواصم عربية كبيرة حتي وصلت النميمة لعدة أجهزة بالدولة المصرية لم تقدر ولع بيتوفرانوف بالخادمات.

ومن دهاليز نميمة المكاتب المصرية وصلت القصة إلي مكتب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وعندما أنزعج طلب التفسير فقدم له العميل "س.ش" المسؤول بمكتب معلوماته ملخصاً بائساً عن القصة.

حيث كان الجميع في مصر يعتقدون إلي هذا الوقت أن بيتوفرانوف مجرد نائب لرئيس الغرفة التجارية الروسية وأنه تردد علي القاهرة لدواعي رئاسته للجنة التجارة المصرية - الروسية ولغرض متابعة العلاقات الاقتصادية وبحث تطويرها بين البلدين.

فما كان من "س.ش" إلا أن عرض معلومات ساخرة غطى بها علي الحقيقة دون قصد منه خاصة أنه جهل بالفعل حقيقة هوية الجنرال يفجيني بيتوفرانوف وعندما سمع الرئيس جمال عبد الناصر قصة عشق بيتوفرانوف للخادمات ترك الموضوع لسذاجته.  

حرص جهاز الاستخبارات السوفييتية KGB علي نشر ضباطه وعملائه داخل السفارات والقنصليات الروسية حول العالم تحت هويات دبلوماسية لحمايتهم وقت الطوارئ وهؤلاء عملوا تحت غطاء الحصانة الدبلوماسية والسياسية.

أشهرهم في نهاية ستينيات القرن الماضي الجنرال "بوريس دافيدوف" السكرتير الثاني في السفارة الروسية بواشنطن مؤسس الملف الإسرائيلي - اليهودي بالاستخبارات السوفييتية KGB عام 1971

منطقياً كان في مصر من هؤلاء الضباط والعملاء الدبلوماسيين الروس العشرات أشهرهم علي حد الإطلاق والتحديد طبقاً لملفات أسرار أرشيف جهاز الاستخبارات السوفييتية KGB

"فلاديمير نيكولاي فيتش ساخاروف" الضابط الروسي الذي عمل تحت هوية نائب الملحق التجاري في القنصلية الروسية بمدينة الإسكندرية الثابت هروبه إلي الولايات المتحدة في نهاية شهر مايو عام 1971

ويعتبر الضابط فلاديمير ساخاروف المسئول المباشر عن عملية الكشف عن أسرار شبكة العملاء المصريين داخل النظام المصري للزعيم جمال عبد الناصر والرئيس محمد أنور السادات.

بعدما قدم إلي وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA شهادة رسمية موثقة شملت كل الأسرار والتفاصيل والأسماء والأحداث التي عاصرها والعمليات السرية للغاية التي شهد عليها وشارك بتنفيذها بنفسه في مصر واليمن والكويت في الفترة من عام 1968 وحتي عام 1971

وهي شهادة رسمية موثقة حققتها واعتمدت علي تفاصيلها الدقيقة في فصول هذا الكتاب الشاق والهام دون تجاوز أو إضافة لما شملته من بيانات ومعلومات حصرية غير مسبوقة.

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech