Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

أخطار على طول الطريق، منّ قتل الملاك؟

 

 

كتب زين الدين

يبدو أن خيوط القضية مُتشابكة أكثر مما كنتُ أظن، ولن يُجدي نفعًا سيف الإسكندر الأكبر الذي قضم عُقدة غوردية بضربة واحدة. ولأني أؤمن أن النهايات دائماً الأصدق في التعبير عن البدايات، سأبدأ الحكاية من حيث انتهت.

لندن...

بعد ظهر يوم 27 يونيو/حزيران 2007، هرع المسعفون ورجال الشرطة ناحية شارع كارلتون تراس، هناك سقط رجل من شُرفة الطابق الخامس للتوّ، سقط في الحديقة، تمتم ببضع كلمات ثم سكت إلى الآبد، الرجل العجوز، المريض، الَذي لا يقدر على رفع قدم، رفع قدميه الإثنين وقفز من فوق الشُرفة، انتحر.

الحبكة غير المنطقية، القتيل نفسه، كان يتوقع نهاية قريبة، ويعرف أنه مطلوب. تعقدت أكثر حينما أبلغ أحد الجيران أن شاهد رجلين بملامح شرق أوسطية يحملان القتيل ويُلقيانه خارج الشُرفة، ثم إنه سقط بعيدًا عن الشرفة ببضع خطوات ولم يسقط أسفلها مُباشرةً، لقد رُمي.

من قتل الملاك إذن؟

لأجهزة الاستخبارات وظائف أخرى بالإضافة إلى جمع المعلومات العسكرية والاقتصادية عن العدو، لا نعلم عنها الكثير، منها حماية نفسها من اختراق أجهزة الاستخبارات المُعادية لها، وكذلك تضليل الأعداء عن طريق تزويق الأكاذيب ودس العُملاء المزدوجين في جيوب أعدائها.

في نهاية الستينيات، اتصل أشرف مروان بالسفارة الإسرائيلية في لندن، وعرض خدماته. قبلت وكالة الاستخبارات الاسرائيلية سريعًا العرض، وأعطته الاسم الرمزي »الملاك»، وصفه يورى بار- جوزيف: »كان حلم أيّ وكالة استخبارات على وجه الأرض.»

 

 

 

من اليمين، أشرف مروان، زوجته منى عبد الناصر، زوجة الرئيس عبد الناصر، الرئيس عبد الناصر، هدى عبد الناصر ثم زوجهاحاتم صادق. -موقع الرئيس عبد الناصر-

 

عن ذلك يقول رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، إيلي زاعيرا: »كيف يمكن لمثل هذا المسؤول المصري الكبير أن يأتي إلى السفارة الإسرائيلية في لندن في ضوء النهار، بينما يعرف هو وقادته أن هذه السفارة، مثل السفارات الإسرائيلية الأخرى في الخارج، مُراقبة من جانب عشرات وكالات الاستخبارات حول العالم؟»

على مدار حوالي أربع سنوات قدم مروان خدماته جليلة إلى مُشغليّه في تل أبيب، وقبض الثمن، كانت المعلومات حقاً ثمينة ولا تُقدر بمال أو ذهب حسب وصف الاسرائيليّن، لكن بفحصها تبين أنها كانت سلبية ولم تقود إلى نصر على الأرض!

تشغيل العملاء المزدوجين أمر غاية في التعقيد، وخطر شديد، كذلك وظيفة أشرف مروان ، وثق السادات بمروان خاصةً بعد دوره في وئد انقلاب مايو/آيار 1971، بات مروان رسول السادات إلى القادة والملوك العرب، وكان أيضًا رسول السادات إلى تل أبيب، ولكن بالطريقة التي تُرضى غرور دودو وجولدا -دافيد إلعازاررئيس الاركان الاسرائيلي وجولدا مائير رئيسة الوزراء ، وكما تقول مُذكرات القادة الإسرائيليين إن مصدرهم في القاهرة »الجاسوس السوبر» أقنعهم أن السادات سيكون مُضطرًا لدخول الحرب إن لم تعود سيناء إلى أحضان القاهرة بالطُرق الدبلوماسية، وتلك كانت رسالة السادات إلى الإسرائيليين، ثم نقل أيضًا موافقة السوفييت على تزويد القاهرة بسرب مكوّن من اثني عشر طائرة من طراز TU-16 - دون المزيد من المعلومات-، وهي طائرات قاذفة يصل مدى صواريخها -صواريخ كليت- إلى تل أبيب وعُمق إسرائيل،كل ذلك لحث قادة اليهود على تقديم تنازلات، وهو مالم يحدث فاضطر السادات ورسوله إلى الخطوة التالية، الحرب.

لاحقًا نقل إليهم حصول القاهرة على طائرات الميراج، تظاهرت ليبيا بأنها من أجل سلاحها الجوي وذلك بعد أن منعت فرنسا الميراج عن مصر، الخدعة كانت ستعرفه إسرائيل حتمًا من مصادرها في باريس أو الأخ الأكبر للموساد -الـ CIA- والأخيرة كانت ولا تزال حليف للاستخبارات الفرنسية التي بالتأكيد كانت تعلم.

 

 

 

أشرف مروان يقف بين القذافي والسادات

بالتأكيد نقل الملاك إلى تل أبيب، أوراق بخط يد السادات ومحاضر اجتماعات سريّة مع السوفييت ومعلومات عسكرية سريّة تم التضحية بها، ومن الغباء القول غير ذلك، أقنعهم أنه قادر على الوصول إلى كل شيء، كل ورقة سريّة وكل خطة عسكرية، حتى موعد الحرب!، وتلك كانت التفاحة المسمومة. أقنع الملاك مُشغليّه في الموساد أنه قادر على ضبط ساعات إسرائيل على موعد الحرب قبل فتح المصريين النيران بثلاثة أيام على الأقل - موعد كافٍ لاستعداد اسرائيل-. وفى أواخر عام 1971 أفشى إلى اسرائيل إنذار بالحرب، في الحقيقة كان كاذبًا وكلف خزانة الدولة اليهودية ملايين الشيكلات، تم استدعاء الجنود الاحتياطي، توقف الاقتصاد تماماً، فالسُكان قليلون والجندي هو النجار والمُزارع والمُهندس. وفى أبريل 1973 أنذرهم مرةً أخرى، كان البلاغ كاذبًا أيضًا وفعلت جولدمائير الشيء ذاته. وهو ما جعل رئيس الفرع 6 -مصر- في الاستخبارات العسكرية، يوناح باندمان، يصف مروان بـ »الراعى الكاذب».

 
 
أقنع الملاك المسؤولين في تل أبيب أن مصر لن تدخل الحرب إلا بعد وصول طائرات مُقاتلة، بعيدة المدى تصل إلى العمق الإسرائيلي، من الاتحاد السوفيتي، في ذات الوقت كانت تُرسم خطط الحرب –جرانيت1، جرانيت 2 - وبروفة عبور قناة السويس بما يمتلكه الجيش المصري من أسلحة!

مأساة إسرائيل أنها وثقت بمروان حتى أنه حينما كان الجيشان المصري والسوري يحشدان الجنود والدبابات والمُدرعات والمدافع على الحدود أمام أعين نقاط المُراقبة الإسرائيلية وكاميرات الأقمار الصناعية الأمريكية ومرصد جبل الشيخ، ورغم أن الصور التي التقطتها طائرات الاستطلاع الإسرائيلية تقول إن الجيشان المصري والسوري يستعدان للانقضاض خلال مُدة قصيرة، كان قادة اليهود مُقتنعين أن الحرب لن تقوم إلا حينما يُخبرهم الملاك.

ووفقًا لبيان استخباراتيصدر قبل حرب 73 – يوم كيبور- بساعات قليلة، رفع الرقيب العسكري في إسرائيل يد السريّة عنه منذ عام، بين أسطره يؤكد إيلي زيرا على أن احتمال قيام مصر وسوريا بشن هجوم منسق »أقل من منخفضة»!

كذبّوا الأدلة وأعينهم وصدقوا الملاك، وكم كان بارعًا، يُشبه الساحر الّذى يُغمي أعين الجماهير حتّى تكتمل الخدعة.

ذات مرة قال رئيس الفرع 6 -مصر- في الاستخبارات العسكرية، يوناح باندمان: »بالنسبة لشخص في مكان مروان، هناك أمور من المؤكد أنه كان يعرفها»، لكنه لم يخبر الإسرائيليين بها. باختصار نقل الملاك إلى إسرائيل ما كانت قادرة على الوصول إليه، أو تلك المعلومات الفارغة الّتي تجعلك تقول واو Wow. وقبل الحرب الحقيقية أفرغ الخزانة الإسرائيلية عن طريق إنذارين كاذبين بالحرب، والأهم قام بتنويم القادة في إسرائيل وتعميتهم، وأفاقوا على صافرات الإنذار، الحرب اندلعت.

 

 

أثناء الحرب العالمية الثانية، استلم الألمان رسالة من عميل ميداني في بريطانيا، جاء فيها تأكيدًا أن الحُلفاء ينون الإنزال في النورماندى وليس في بادوكالاي Pas-de-Calais. بث »جاربو» الرسالة قبل إنزال النورماندى بساعات قليلة، كانت مُتأخرة، وقيمتها العسكرية مَعدومة. في الساعة السادسة والنصف صباحًا بالتوقيت البريطاني، بدأغزو النورماندى بقصف جوى وبحرى مُكثف، خلال نهار اليوم الأول فقط شاركت 11 ألفا و500 طائرة -طائرات نقل وطائرات مُقاتلة وطائرات قاذفة-.

وَثِق الألمان في معلومات »جاربو»، وذلك مَهد لخداع الألمان أكثر. كوّن »جاربو»شبكة قوية من الجواسيس المُخلصين الّذين أمدوا الرايخ الثالث بمعلومات عسكرية قيّمة. في الحقيقة كان زملاء »جاربو» في العمل ضُباط تابعين للاستخبارات البريطانية، كان عميلًا مزدوجًا، استخدمته الاستخبارات البريطانية MI6 لخداع الاستخبارات الألمانية، عن طريق مزج معلومات صحيحة بأخرى مسمومة.

في عام 2018 نشر الأرشيف الإسرائيلي بيانًا مُخبارتيًا رُفعت عنها السريّة، لم يُنشر من قبل، ويرجع تاريخه إلى يوم الخامس من أكتوبر 1973، قبل نشوب الحرب بساعات. يتضمن بلاغ الملاك –المُتأخر والمُضلل بشأن ساعة الصفر- وتفاصيل حول المعلومات التي قدمها إلى تسيفي زامير، رئيس الاستخبارات الإسرائيلية.

يعلم السادات ومروان أن البلاغ مُتأخر جدًا، وأن الجبهة المصرية تبعد عن العمق الإسرائيلي حوالي 400 كم، أي أن تجميع جنود الاحتياطي وحشرهم في شاحنات إلى الجبهة المصرية يتطلب يومين على أقل تقدير، وحينها ستكون القوات المصرية قد عبرت القناة، وأقامت خطوط دفاع، ويجلسون أسفل مظلة الصواريخ التي قطعت ذراع إسرائيل الطولي -القوات الجوية-، ولن يكون وصول الإسرائيليين مُقلقاً، خصوصاً وأن المصريين لا ينون تعميق الهجوم.

يتضمن البيان الاستخباراتي، اقتراح الملاك حول كيفية منع الحرب بالكامل. وفقًا للمصدر، من الممكن منع الحرب من خلال نشر معلومات عنها في الراديو والصحف، والتي ستُظهر للمصريين، بما في ذلك القيادة العسكرية، إن الإسرائيليين يعلمون كل شيء ومستعدون.

يعلم الجميع أنه حتّى صباح يوم السادس من أكتوبر لم تعلن إسرائيل التعبئة العامة، وبالتالي أي حديث لإسرائيل عن جاهزيتها للحرب، لن يقنع طفلًا في القاهرة.

هل كان بإمكان مروان، تحذير إسرائيل في الوقت المُناسب؟

تلكأ مروان في بث موعد الحرب إلى إسرائيل، غادر القاهرة قبل الحرب بأربعة أيام، نقل الخبر إلى القذافي في ليبيا، ثم طار إلى باريس ومنها اتصل بـ »مكتب البريد الغافل» في لندن، وهي سيدة وسيطة بين مروان والموساد، طلب لقاء ضابط الاتصال الخاص به، أغلقت السيدة الخط واتصلت فورًا بـ دوبي، حضر دوبي وجلس في انتظار اتصال الملاك، عن عمد اتصل مروان من مكان بد وكأنه مُحاط بالعرب وعلى غير راحته، طلب لقاء الجنرال، وتكلم عن »مواد كيميائية»، وفى كتاب الشيفرة -القاموس المُشترك بين مروان والموساد- يعني ذلك حرب قريبة، لم يستخدم كلمة »البوتاسيوم» والتي تعني أن الحرب وشيكة جدًا، وبذلك ظن دوبي أنه مازال هناك وقت، وهكذا صنع مروان سوء تفاهم في صالحه.

نقل دوبي إلى رئيس فرع الموساد في لندن خبر الحرب القريبة، وأن الملاك يودّ رؤية رئيس الموساد لمُناقشة الأمر، نُقلت رسالة مروان من يد إلى يد، ومن هاتف إلى هاتف، حتّى استقرت عند سرير جولدمائير وزامير.

في اليوم التالي، طار زامير إلى لندن، وتحت ستار الليل اصطحب دوبي إلى شقة آمنة مُخصصة للقاء الملاك، وصل الملاك بعد الساعة الحادية عشر، تعمد التأخر والتوتر، وليس ذلك من عادته، أضاع الكثير من الوقت في الحديث عن الهجوم الفاشل على الطائرة الإسرائيلية في روما، ثم أذاع الخبر، الحرب غدًا، الساعة السادسة مساءًا –قامت الحرب عند الثانية ظهرًا-، كان الجميع متوترين، مروان وزامير ودوبي.

وطبقاً للأوراق التي أفرج عنها الرقيب العسكري في تل أبيب، أكد الملاك موعد الحرب بنسبة 99 بالمائة، كتب زامير: »واحد في المئة ليؤمن نفسه»، كما قال: »إن الرئيس (المصري) لا يزال بإمكانه تغيير رأيه، حتى عندما تكون إصبعه على الزر.»

شق الخبر الطريق من لندن إلى تل أبيب، دعت جولدا مائير مجلس الحرب إلى الانعقاد،ظهيرة يوم السادس من أكتوبر، لكن كان الأوان قد فات الوقت، أثناء الاجتماع دوّت صافرات الإنذار في تل أبيب، الحرب بدأت.

لماذا؟، بإختصار لتأمين مروان وابعاده عن بطش الموساد.

بعد الحرب شُكل فريق تحقيق ترأسه رئيس قضاة المحكمة العليا شيمون أجرانات –لجنة أجرانات-، للبحث في أسباب هزيمة إسرائيل، استجوبت الجميع حتّى جولدا مائير، وبعد البحث والتدقيق اقتنعت اللجنة أن مروان كان مُخلصًا حتّى اللحظة الأخيرة، إرتكزت اللجنة على بلاغ مروان الأخير، وهكذا نجح المُشغل المَصري فى دفع مروان بعيدًا عن دائرة انتقام الموساد.

لكن يبدو أن الموساد اكتشف خدعة مروان مُتأخرًا.

فى عام 2004 وبعد مرور ما يقرب من أربعين عامًا، كشف إيلي زاعيرا -رئيس الاستخبارات العسكرية- إلى وسائل الإعلام، هوية »الجاسوس السوبر» أو »الملاك»، قال إسمه على التلفاز، أشرف مروان، أكد استنتاج الصحفىأهارون برغمان الذى نشر كتابًا »تاريخ اسرائيل» قبل عامين أشار فيه إلى أشرف مروان دون ذكر إسمه، المشكلة كانت تبدأ وحسب. على إثر ذلك ذهب تسيفي زامير -رئيس الاستخبارات الاسرائيلية، الموساد- إلى المحكمة واتهم زيرا بالكشف عن هوية أعظم جاسوس للمخابرات الإسرائيلية في مصر وقت الحرب. وبكشف مروان يكون زيرا قد ألحق أضرار بالغة بقدرة إسرائيل على تجنيد عملاء أجانب.

لسنوات تشاجر الاثنين على شاشات التلفاز وصفحات الجرائد وقاعات المحكمة، مَشهد غريب كأنما هم فى غابة، طفلين لا رئيسي جهازين استخبارات. فى يوليو/تمّوز 2012، بعد مقتل مروان بسنوات أغلق مكتب المدعي العام القضية، حققت اسرائيل ما تُريد، قُتل مروان وأغلقت القضية.

من المعروف أن اسرائيل لا تكشف عن هوية الجواسيس الذين خدموها، خصوصًا وهم على قيّد الحياة، لكن لماذا كانت حريصة على كشف هوية (أعظم جاسوس حظيت به على مدار تاريخها) بهذه الفجاجة؟، لماذا كانت حريصة على قتل مروان أمام الشعوب العربية بوصفه ملاك الدولة العبرية؟

هل لأنه فعلًا كان ملاكها، أمّ الملاك الذى ضللها واكتشفت حقيقته مُتأخرًا، فقررت تلطيخ سمعته وقتله؟

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech