Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

كم طلقة في مسدس الموساد - الجزء الرابع

ميونخ أخيراً

و بدأ العالم يردّد كيف أن الفلسطينيين ارتكبوا المذبحة التي ذهب ضحيتها الصهاينة و الألمانيين و خمسة منهم ، حتى أن صناعة السينما استغلت الحدث و تم إنتاج فيلمٍ بعنوان (21 ساعة في ميونخ) عرض الحقائق من وجهة نظر الإعلام الصهيوني و الغربي ، و كان لدى الفلسطينيين كما قال أبو داود (مصلحة) في بقاء الصورة على ما عليها ، و يذكر أنه عندما ترك ميونخ في 6/9 متوجهاً إلى تونس و التقى هناك أبو إياد ، أخبره الأخير بأنه إذا تم الفشل في إطلاق سراح الأسرى فإنه تم تحقيق الأهداف الأخرى ، و أهمها تحقيق نجاحٍ لدى الفلسطينيين الذين فرحوا في أرض الوطن و في مناطق الشتات و هم يرون رجالهم يقومون بعمل ثأري بطولي ضد الصهاينة .

و لكن ما حدث حقيقة ، هو أن السلطات الألمانية وافقت على نقل الخاطفين و المحتجزين إلى مطار فروشتفنلد ، حيث يجب أن تنتظرهم طائرة كان من المفترض أن يستقلها الخاطفون و الرهائن و التوجه بها إلى بلد آمن ، بالنسبة للفلسطينيين كان هذا البلد هو مصر ، حيث إن المتوقع من الحكومة المصرية أن لا تقوم بإطلاق سراح الصهاينة و هم من دولة معادية دون ثمن و الثمن هو إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين .

و لكن ما خطط له بالخفاء لم يكن كذلك ، فغولدا مئير رئيسة وزراء الكيان الصهيوني رفضت من حيث المبدأ الاستجابة لمطالب الخاطفين ، و أوفدت رئيس الاستخبارات العسكرية إلى ألمانيا لوضع كمين ، لإنهاء عملية الاختطاف .

و عندما حطّت المروحيتان على أرض المطار حتى ذهب يوسف نزال (تشي) و محمد مصالحة لتفقد الطائرة الجاثمة في المطار التي ستقل الجميع ، و عندما أنهيا الفحص و عادا أدراجهما ، فتحت القوات الألمانية النيران باتجاههما فاستشهدا فوراً إضافة إلى واحدٍ أو اثنين من الفدائيين الذين نزلوا من المروحيتين.

و كان الخطأ بالنسبة للإثنين أنهما ذهبا لوحدهما لتفحص الطائرة و كان يجب أن يذهب الجميع معاً ، و بعد أن سقط ثلاثة أو أربعة من الفدائيين ، كان الآخرون تحت المروحيتين أو في داخلهما و لم يستسلموا ، و ردّوا على مصادر النيران الألمانية ، و حدث ما حدث .. !

و كانت القصة التي تم ترويجها بأن الفدائيين ، و قد وجدوا أنفسهم في هذا المأزق أخذوا في قتل الرهائن الصهاينة ، و كان لدى الفلسطينيين (مصلحة) في تلك الرواية (حول الفدائيين الذين رأوا غدر الألمان فقاموا بالانتقام الفوري لرفاقهم الذين سقطوا) .

و ذهب القائمون على العملية إلى أبعد مدى لتثبيت هذه الرواية ، ففي السابع من أيلول أصدرت الحكومة المصرية بياناً قالت فيه إن الوحدات الألمانية هي التي قتلت الخاطفين و المخطوفين ، فما كان من المسؤولين الفلسطينيين إلا (تكذيب) هذا البيان.

و في مساء ذلك اليوم سلّم إلى وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) خبر يعرض تفاصيل جديدة عن ما حدث مستنداً إلى (مصادر خاصة) يقول الخبر إن (رجالنا فجّروا قنابلهم داخل طائرتي الهليكوبتر مما أدّى إلى استشهادهم ، و إلى موت الرهائن و بعض الطيارين الألمان) و نسي واضعو الخبر ، أن مروحية هليكوبتر واحدة فقط هي التي احترقت في أرض المطار .. !

و بعد ثلاثة أشهر عندما أفرج عن الفدائيين الثلاثة الذين نجوا من المجزرة من السجون الألمانية ، في عملية مثيرة ، سنشير إليها لاحقاً ، و قال أحدهم إنه كان منبطحاً تحت إحدى مروحيات الهليكوبتر و أن الرهائن الذين كانوا فيها قتلوا برصاص الألمان ، لم يعلن الفلسطينيون ذلك ، و عندما نشر أبو إياد كتابه (فلسطيني بلا هوية) بمساعدة الصحافي الفرنسي الشهير : أريك رولو ، تمسكك بالرواية التي تزعم أن الفدائيين الفلسطينيين هم الذين قتلوا الرياضيين الألمان .

و لم يكن الأمر فقط هو التمسك برواية مغلوطة ، فحسب أبو داود فإنه كان لديه و لدى القيادة اعتقاد بأن أحد الفدائيين هو الذي ألقى القنبلة اليدوية على إحدى المروحيات فاحترقت ، و لم يكن هناك ترجيح بأن تكون طلقات الرشاشات الألمانية هي التي أصابت خزان الوقود و أشعلت النيران فيها .

و بدأت فصول أخرى جديدة من عملية ميونخ و تداعياتها ، التي سيقدّر لها أن تستمر ربما حتى عام 1992م ، عندما قتل عاطف بسيسو في باريس و هو أحد الذين وردت أسمائهم في خضم العملية .

بعد 48 ساعة من المجزرة (في 8/9) ، قصفت الطائرات الصهيونية قواعد الفدائيين و المخيمات الفلسطينية في جنوب لبنان ، و سقط نحو 200 شهيد أغلبيتهم من المدنين الفلسطينيين و اللبنانيين .

و في تلك الأيام جرى ما تحدث عنه أهارون ياريف من قرار غولدا مائير بتصفية كل من له علاقة بحادث ميونخ ، و الذي أدّى إلى سلسلة التصفيات التي ذهب ضحيتها ، كما أسلفنا الكثيرين ممن ليس لهم علاقة بتلك العملية .

و بعد يومين من الغارات المدمية على جنوب لبنان ، نفذ الفلسطينيون عملية اغتيال لم تنجح في 10/9 ضد زادوك أوفير و هو ضابط للموساد في بروكسل ، كان أبو إياد وضع خطة لاستدراج أوفير الذي كانت مهمته تجنيد مخبرين عرب ، و أرسل أحد رجاله و اسمه محمد أحمد إلى بروكسل ليتسكع في العاصمة البلجيكية و يلفت نظر أوفير ليستخدمه ، و هو ما حصل ، و بعد يومين من بدء العمليات الانتقامية لضحايا ميونخ ، طلب محمد أحمد من أوفير أن يقابله لأمر ضروري ، و التقيا في أحد المقاهي في المدينة ، و فور جلوسهما استل محمد أحمد مسدسه و أطلق النار على أوفير ، و تمكن من الخروج مستغلاً الفوضى التي عمت المكان ، و رغم إصابته الحرجة فإن أوفير لم يمت .

و يوما 16 و 17/9 ، اجتاحت القوات الصهيونية جنوب لبنان و مسحت مخيم النبطية بالأرض و ارتكبت جرائم عدة ، و سحقت دبابة صهيونية سيارة فلسطينية فيها سبعة أفراد أوقفها جنود الاحتلال على حاجز أقاموه خلال اجتياحهم .

و بعد يومين من ذلك (19/9) تمكّن رجال خليل الوزير (أبو جهاد) من اغتيال المستشار الاقتصادي في السفارة الصهيونية في لندن بواسطة رسالة مفخّخة وصلته من أمستردام .

و في 16/ تشرين الأول ، نفّذ فريق التصفية الذي شكّلته غولدا مئير بقيادة مايك هراري ، أول عملية اغتيال ضد وائل زعيتر ، و الذي لم تكن علاقته بميونخ سوى تصريح أدلى به في روما ، حيث كان ممثلاً لمنظمة التحرير قال فيه : إن (الإسرائيليين) هم الذين خططوا لقتل الرهائن لتحقيق مكاسب سياسية .

و الهدف الثاني كان محمود الهمشري ممثل منظمة التحرير في باريس الذي اغتيل في 8/كانون الأول ، و توالت الأهداف لتطال دبلوماسيين في قبرص و الجزائر و ليبيا . و الحجة دائما هي ميونخ ..! .

و لم تكن ميونخ هي هاجساً للصهاينة فقط ، بل للألمان أيضاً ، و حسب رواية أبو داود ، فإن الألمان عرضوا ، بشكلٍ سري ، القيام بعملية مدبرة يتم فيها تحرير الفدائيين الثلاثة المحتجزين لديها و الذين ستبدأ محاكمتهم و التي من المتوقع أن تسلط أضواء جديدة على ما جرى بالفعل يكون في غير صالح ألمانيا .

و العرض الألماني كما تلقّاه كمال عدوان عضو اللجنة المركزية في حركة فتح الذي اغتيل فيما بعد ، هو استعداد الألمان دفع 9 ملايين دولار ، إضافة إلى مبلغ سنوي ، مقابل تنفيذ عملة خطف مدبرة لطائرة ألمانية يجري بعدها إطلاق سراح الفدائيين الثلاثة المحتجزين في السجون الألمانية . و رفض أبو داود العرض الألماني ، لاعتقاده أن صورة حركته ستهتز من عمليات خطف الطائرات التي لا يؤمن بها .

و لكن هناك من وافق على العرض الألماني ، كما يؤكد أبو داود ، و لم يكن ذلك الطرف سوى وديع حداد و رجاله ، ففي 29/تشرين الأول ، خطف اثنان طائرة بوينغ تابعة للخطوط الجوية الألمانية أثناء رحلة لها بين دمشق و فرانكفورت ، في أثناء توقف الطائرة في بيروت و لم يكن على متنها سوى 13 راكباً من بينهم الخاطفين ، اللذين أعلنا مطلبهما بإطلاق سراح الفدائيين الثلاثة المحتجزين في السجون الألمانية و هو ما تم فعلاً بعد ساعات .

و حمّلت وسائل الإعلام الصهيونية مسؤولية العملية لأبي حسن سلامة ، و قالت إنه المسؤول عن عملية ميونخ ، و يقول أبو داود عن ذلك إن أبا حسن يتحمّل المسؤولية زاعماً أن الأخير كان كلما التقاه في بيروت كان يقول له : (لقد صنعت التاريخ في ميونخ ، و سيتذكرون ذلك في كل أولمبياد) .

و لكن أبو داود يؤكّد بأن وديع حداد هو المسؤول عن العميلة و هو من قبض المال ، و ينقل بأن أبا عصام المسؤول في الجبهة الشعبية اخبر أبو داود فيما بعد ، بأن الألمان اتفقوا مع وديع حداد على تنفيذ العملية المدبرة .

و استمرت تداعيات ميونخ ، ففي عام 1977م تم توقيف أبو داود في باريس بموجب مذكرة توقيف بموجب طلب تسليم من محكمة بافاريا للحكومة الفرنسية ، و تدخلت السلطات الألمانية الفدرالية و أبطلت ذلك الطلب ، و أبلغت السلطات الفرنسية عدم موافقتها عليه .

و يقول أبو داود إن ضغوطاً مورست على الحكومة الفرنسية لإطلاق سراحه من قبل ملك السعودية فيصل و الرئيس الجزائري هواري بومدين و الرئيس العراقي أحمد حسن البكر ، و ساعد على إطلاق سراحه موقف الحكومة الفدرالية الألمانية التي اتضح أنها لا تريد أي فتح تحقيق جديّ في ما حدث في مجزرة ميونخ لعدم افتضاح موقفها المتواطئ مع الصهاينة المتعنتين الذي دبّروا الكمين لقتل الخاطفين و المخطوفين .

و جاءت توابع عواصف ميونخ ، أيضاً ، من مكان غير متوقع من الكيان الصهيوني نفسه ، فصحيفة جيروسلم بوست الصادرة بالإنجليزية بالقدس ، نشرت يوم 16/7/1992م ، تقريراً بقلم نيتي .س. غروس تساءلت فيه عن إمكانية أن لا يكون الرياضيين الصهاينة سقطوا على أيدي الفدائيين الفلسطينيين فقط .

و أعلنت استغرابها عن امتناع الألمان عن نشر تقارير الطب الشرعي بعد تشريح الجثث ، و تساءلت عن موقف الحكومة الصهيونية التي لم تطلب إطلاعها على نتائج التشريح ، بالرغم من مطالب عائلات الضحايا بذلك .

و في 23 /7/1992 ، نشرت جريدة يديعوت أحرنوت ، مؤكدة بأن ثمانية من الرياضيين قتلوا برصاص الألمان ، مستندة إلى نسخة من تقرير الأطباء الشرعيين الألمان الذي حرّر بتاريخ (6/9/1972) ، و يبدو أن محامي أهالي الضحايا هم الذين حصلوا عليه .

و عندما كتب أبو داود كتابه و قال روايته ، مصحّحاً ما كان شائعاً ، و الذي غذّته (إسرائيل) ، رغم معرفتها بالحقيقة ، و ساهم الفلسطينيون بذلك لأسبابهم الخاصة ، كانت المحاكم الألمانية ما زالت تنظر بدعوى رفعها أهالي الضحايا ضد السلطات الألمانية ، و سارعت السلطات الألمانية ، بناءاً على اعترافات أبو داود الجديدة ، إلى إصدار مذكرة توقيف بحقه ، و أعلنت (إسرائيل)  فوراً أنها لن تسمح له بالعودة إلى الأراضي الفلسطينية .

و إذا كان موقف الحكومة الألمانية طبيعياً ، و يمكن أن يساعدها في الدعوى المقامة ضدها في إحدى المحاكم في ميونخ من قبل أهالي الضحايا الذين يطالبون بتعويضات مالية فإن موقف (إسرائيل) بدا مستغرباً لأول وهلة ، فهذا هو الرجل الذي يقرّ و يعترف بمسئوليته عن عملية ميونخ التي طاردت بسببها رجال منظمة التحرير على مدى سنوات ، تحت قبضتها لأنه مقيم في الأراضي الفلسطينية و يدخل إليها من المعابر التي تحت سيطرتها و يمكن على الأقل أن تعتقله أو تصفّيه ، و لكنها تسارع بشكلٍ علني للقول إنها لن تسمح له بالعودة .

و فسّر هذا الموقف الصهيوني ، بأنه في حالة السماح بعودة أبو داود إلى فلسطين ، فإن ألمانيا ستسارع فوراً للطلب بتسليمه بموجب مذكرة التوقيف ، و سترفض (إسرائيل) بالطبع تسليمه لها ، و بالتالي ستدافع عن نفسها في قضية التعويضات المنظورة في ميونخ ، بأن الإرهابي المسؤول عن العملية لدى (الإسرائيليين) ، و هي ترفض حتى تسليمه لها .

لقد بلغ مستوى الابتزاز الصهيوني للألمان ، بهذا الموقف مداه ، فبعد توريطهم بقتل المخطوفين و الخاطفين ، ها هي تتركهم وحدهم ليدفعوا أيضاً الأموال لأهالي الضحايا الصهاينة .

و بعد فترة من انشغال الصحافة و الإعلام في القضية ساد صمت ثقيل حول الموضوع ، و بدا كأنه زوبعة في فنجان ، فيبدو أن الجميع كانوا معنيين أن يطوي القضية النسيان ، و عاد أبو داود إلى الظلام الذي خرج منه ، و لكن يحسب له أنه قال روايته حول قضية بالغة الحساسية مثل ميونخ .

X و أخواتها ..!

قبل أن يدلي ياريف بحديثه الشهير للبي بي سي في أيلول عام 1993 و كان يشغل منصب مدير مركز الأبحاث الاستراتيجية في جامعة تل أبيب و يعرف بأنه مستشار سابق لرئيس الحكومة لشؤون الإرهاب ، فإن آلية اتخاذ قرارات الإعدام في (إسرائيل) و تنفيذها أصبحت معروفة منذ زمن ، أو على الأقل ما تسرب من ذلك و عرف منها إعلامياً .

و يمكن القول إن فشل محاولة اغتيال ضابط الاستخبارات الفلسطيني علي حسن سلامة الشهير بالأمير الأحمر في مدينة ليلهامر النرويجية ، ساهم في الكشف عن آلية عمليات الاغتيال الإرهابية التي قامت و تقوم بها (إسرائيل) و هزت العالم بعد أن أعطت غولدا مئير تعليماتها بملاحقة قادة فلسطينيين بعد عملية ميونخ .

في ذلك اليوم 21/7/1973 و في الساعة 22:40 أطلق رجلان 14 طلقة أصابت مواطناً مغربياً يعمل نادلاً اسمه أحمد بوشكي ، فأردته قتيلاً أمام زوجته النرويجية ، و سنتطرق إلى تفاصيل هذه القصة في جزء قادم ، و لكن كانت هذه العملية التي استهدف فيها علي حسن سلامة ، سبباً في الكشف عن كيفية عمل وحدات الموت في الموساد .

اعتقلت الشرطة النرويجية عدداً من المتورطين في عملية الاغتيال ، و حسب ما نشرته المصادر الصهيونية فيما بعد فإن اثنين من المعتقلين على الأقل أدلوا باعترافات كاملة وجدت طريقها إلى صفحات كتاب صدر في النرويج و احتل قائمة أكثر الكتب مبيعاً و هو كتاب (طاقم التصفية) .

الصحافي الصهيوني جاد شومرون كتب في صحيفة (معاريف) بعد اغتيال الدكتور فتحي الشقاقي في مالطا بتاريخ 25/10/1995 ،  مذكراً بتلك القصة البعيدة في مدينة الاستجمام النرويجية و الاعترافات التي أدلى بها رجال الموساد . فماذا قال رجال الموساد ؟

كتب شومرون (وحدة التصفية في الموساد تابعة إلى وحدة تنفيذية سرية باسم متسادا ، و قرارات الإعدام تقرّرها لجنة خاصة هي لجنة x و على رأسها يقف رئيس الحكومة و تضم رؤساء الاستخبارات ، الموساد ، الشاباك) .

و تتبع (إسرائيل) سياسة عبّر عنها ياريف بدقة حين قال (نحن ملزمون بإثارة المخاوف و قلق زعماء "المخربين" على حياتهم ، لأن يعيشوا في خوف دائم ، و أن يخصّصوا جهداً و قوة كبيرة من أجل الحفاظ على أمنهم ، و بهذا يكون لهم وقت أقل لتخطيط العمليات ضد "إسرائيل") .

و هنا لا بد من الإشارة إلى أن ياريف كان رئيساً لجهاز الاستخبارات العسكرية و مستشار غولدا مائير لشؤون الإرهاب و عضو لجنة x . و حسب إرشادات لجنة x تقوم أجهزة المخابرات بجمع المعلومات حول الشخص المطلوب ، ابتداء من مظهره الخارجي و بجلب صور له و دراستها و عناوين سكنه و عمله و أية تفاصيل من شأنها المساعدة و الكشف عن أسلوب حياته و برامجه اليومية ، و عادة ما يتم تتبع الشخص المراد اغتياله في دولة أوروبية أو دول حوض المتوسط . و يتولى عمليات التعقب أفراد متخصّصون في ذلك الأمر و هم قلة ، على الأقل هذا ما اتضح من أقوال أفراد الموساد الذين اعتقلوا في النرويج .

ينقل شومرون عن شهادات رجال الموساد أولئك للشرطة النرويجية أن رجال التتبع و التعقب يعدون ستة رجال و نساء و جميعهم لهم قدرة على التنكر بأنهم مواطنون أجانب ، و لهم خبرة عالية في أساليب التعقب السرية ، و في التصوير و المشاهدة السرية .

و بالإضافة إلى طاقم التعقب هناك آخرون يشاركون لإنجاح عمليات التصفية ، مثل طاقم (ح) و غالباً ما يتكون من رجل و امرأة يمثلان دور زوجين ، يكونان مسؤولان عن استئجار المنازل ، أو غرف الفنادق و ترتيب أمور أخرى تحتاجها عملية التصفية .

و هناك طاقم (ك) و هو المسؤول عن الاتصال بين المنفّذين الميدانين و القيادة في تل أبيب ، يقول شومرون : (بعد القيام بالتشخيص المؤكد للشخص المطلوب ، و بعد أن يتم إعطاء التصريح النهائي من المسؤولين للتنفيذ ، ينضم للعملية طاقمان جديدان) ، و هما أولاً طاقم (ب) و الذي يضم حراساً و سائقين للهرب ، و وظيفة رجال (ب) و هم متنكرون أيضاً تحت غطاء أجنبي ، التأكد من أن المطلوب لا يوجد حوله أو معه حراسة و مساعدة طاقم التصفية بترك المنطقة . و الهرب عاملين بالمثل العربي الشهير (الهرب : ثلثا البطولة) .

و يمكن أن يكون أهم طاقم في العملية كلها هو الطاقم (أ) و مهمته هي تنفيذ حكم الإعدام الصادر من لجنة x الرهيبة ، أي الذين يضغطون على الزناد و ما هي إلا لحظات يكون المطلوب في عداد الأموات ، إلا في حالات قليلة .

يقول شومرون و استناداً لبروتوكولات ليلهامر فإن أعضاء لجنة (أ) الذين ينفذون الإعدام هم من رجال الموساد أو (ضباط جيش من صفوف هيئة الأركان تخصّصوا في هذا النوع من الإعدام ، و هو طاقم يصل إلى المنطقة بهدف التنفيذ فقط و مباشرة بعد إنهاء العملية يترك المنطقة بسرعة) . و في مرات كثيرة لا ينجحون مثلما حدث في تلك (الليلة المرة في ليلهامر) .

و عموماً فانه يمكن الاستنتاج من خلال العمليات التي نفّذتها الأجهزة الأمنية الصهيونية ، الناجحة منها و غير الناجحة ، أن هناك عدة أساليب تستخدم في مطاردة المطلوبين للجنة x و منها مثلاً : قيام وحدات الموساد بالتخطيط و التنفيذ مباشرة ، و بالاستعانة بعملاء في بعض الأحيان و مثالاً على ذلك سلسلة الاغتيالات التي ذهب ضحيتها قادة قتلوا بكواتم صوت .

و هناك استخدام السيارات المفخّخة مثلما حدث مع علي حسن سلامة و هاني عابد ، و القيام بعمليات كوماندوز تنفّذها وحدات مختارة من الجيش الصهيوني مثلما حدث في اغتيال ثلاثة من قادة منظمة التحرير في شارع فردان في بيروت عام 1973 أو مثلما حدث في اغتيال القائد خليل الوزير عام 1988 في تونس العاصمة ، و هناك أسلوب القصف بالمروحيات مثلما حدث مع الشيخ عباس موسوي في جنوب لبنان عام 1992 و مع حسين عبيات رجل فتح العسكري في بيت ساحور عام 2000 .

و هناك عمليات يتم فيها الاستعانة بشكلٍ مباشر بعملاء عرب أو أجانب مثلما حدث مع  علي حسن سلامة و يحيي عياش و إبراهيم بني عودة . و يحاول الصحافي الصهيوني زئيف شيف التقليل من اتهام لجنة x التي يتخذ فيها قرارات الإعدام بأنها صماء و عمياء ، و هو اتهام يوجّهه المتابعون لسياسة الاغتيالات الصهيونية .

يشير شيف في مقال كتبه في صحيفة هارتس أواخر شهر 10/1995 بعد نجاح (إسرائيل) في اغتيال الدكتور فتحي الشقاقي إلى (أن عمليات المس بسيد القتلة تحتاج إلى تصريح صارم ، توجد حالات يتم فيها عرض الأمر في لجنة الوزراء الأمنية ، مثلاً قرار اغتيال أبو جهاد في فترة قمة الانتفاضة ، و الذي اعتبر وزير الحرب ، قائد القوات المسلحة في م.ت.ف ، و مسؤولاً عن العديد من العمليات "الإرهابية" ، كانت تدور أحياناً نقاشات حادة ، حتى عندما يكون الأمر متعلقاً بتصفية قتلة أياديهم ملطخة بدماء "الإسرائيليين" ، لم تقبل الأمور بموافقة الجميع ، ليس لأن الأمر يتعلق بالمحافظة على حياة القتلة ، بل لأنهم لم يتفقوا فيما إذا كان الأمر يلائم حقا مصلحة "إسرائيلية" حيوية) .

و يعطي شيف مثلاً على ما يسميه الجدل قبل تنفيذ الاغتيال و بعده على حالة القائد الفلسطيني البارز أبو جهاد و الشيخ عباس موسوي زعيم حزب الله الذي قتل مع زوجته و ابنه بقصف من الطائرة في شباط 1992 . يقول شيف : (كان هناك جدل و غالبية المستشارين كانوا ضد تنفيذ ذلك) .

و السؤال إذا كانت الحالة هكذا بالنسبة لغالبية المستشارين ، لماذا إذاً نفّذت (إسرائيل) الإعدام في أبو جهاد و الشيخ موسوي ؟ .. و الإجابة ببساطة أن الأجهزة الأمنية و العسكرية هي صاحبة القرار الأول و الأخير في الاغتيالات سواء وافق على ذلك المستشارون و السياسيون أم لم يوافقوا ، و هنا يتحوّل القتل ، كما قلنا ، إلى قتل من أجل القتل .. !

و رغم أن شيف يعلن موافقته ، مثلاً على عملية اغتيال الشقاقي لأن (ذنبه على جنبه) يتساءل (هل هذه الطريقة في محاربة "الإرهابيين" هي طريقة حكيمة ؟ و هل توجد بها فائدة تنفيذية و سياسية ؟) .

و يسارع شيف للقول رداً على التساؤلات التي يطرحها : (لا توجد إجابة شاملة لذلك ، الحالات تختلف فيما بينها ، هنا و هناك توجد حالات من الممكن أن تكون زائدة ، و لكن توجد حالات أخرى أيضاً فيها يعيش "إرهابي" فلسطيني قام بقتل "إسرائيلي" ، بأمان و راحة في دولة مجاورة ، و لا نكلف أنفسنا مشقة تصفية الحساب معه ، و الذي من المهم تصفيته) ..

و واضح تماماً ، أن شيف ، و هو خبير استراتيجي مميز و رغم محاولته الإيحاء بأن عمليات الإعدام الصهيونية ، ليست صماء ، إلا أنه لم ينجح في ذلك بل إنه يحرض على قتل (الإرهابي) الذي يعيش بأمان في دولة مجاورة .

و لعل شيف و آخرين من رجال الإعلام في (إسرائيل) وجدوا أنفسهم أمام حقائق الإعدامات التي تتم خارج نطاق أي قانون ، أن يقولوا كلمتهم ، فشيف نفسه في بداية مقاله يبدو (حزيناً) لأن أخبار الإعدامات تخرج إلى العلن و (إلى الحقيقة) – حسب تعبيره ، و أن (إسرائيل) قامت بتنفيذها بسبب ما يسمّيه (مرض الثرثرة و النشر الذاتي) .

و يعطي مثلاً النشر عن قصة إسقاط (إسرائيل) طائرة عشية حرب سيناء عام 1956 فوق البحر و تضمّ (الكثير من الضباط المصريين) . و يكتب شيف بكثير من استغفال العقول بأن (الرئيس مبارك استغرب أيضاً لماذا ينشر هذا الأمر)…!

 

ربيع فردان

و لعل أشهر عملية اغتيال تمت في بداية حملة غولدا مئير تلك التي نفّذت يوم 10/4/ 1973 و التي عرفت باسم ربيع فردان و طالت القادة كمال ناصر و كمال عدوان و أبو يوسف النجار ، حيث وصلهم آمنون شاحاك (القائد العسكري وزير السياحة الصهيوني فيما بعد) و إيهود باراك (القائد العسكري و رئيس وزراء (إسرائيل) فيما بعد) و تمت تصفيتهم في منازلهم في شارع فردان في بيروت .

و كمال ناصر (1924 - 1973) أحد رموز النضال و الأدب في فلسطين ، ابن إحدى العائلات المسيحية الفلسطينية من بلدة بير زيت ، تتشابه سيرة حياته مع كثير من أبناء جيله من نشطاء الحركة الوطنية الفلسطينية ، فهو خريج الجامعة الأمريكية في بيروت ، التي تخرج منها أيضاً العديد من الذين أصبحوا رموزاً في الحركة الوطنية الفلسطينية و حركة القومية العربية ، كان عضواً في حزب البعث الاشتراكي ، و أصدر صحيفة البعث في رام الله ، و صحفاً أخرى ، و انتخب عضواً في مجلس النواب الأردني ، و تعرّض للاعتقال بعد الاحتلال عام 1967 و أبعدته سلطات الاحتلال للخارج ، و أصبح عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية و مسؤول الإعلام فيها ، و ناطقاً رسمياً باسمها ، و مشرفاً على مجلة فلسطين الثورة التي أصدرها باسم منظمة التحرير الفلسطينية .

و في نفس العمارة التي كان يسكنها كمال ناصر في شارع فردان في بيروت ، كان يسكن أيضاً محمد يوسف النجار (1930 - 1973) عضو اللجنة المركزية في فتح ، و ينحدر من قرية يبنا قضاء الرملة ، شرّد مع عائلته في عام النكبة ، و كان له نشاط في صفوف الإخوان المسلمين مثل كثيرين من الذين أسسوا فيما بعد حركة فتح .

أما كمال عدوان (1935 - 1973) فهو ، مثل أبو يوسف النجار عضو في اللجنة المركزية لحركة فتح التي شارك في تأسيسها ، و تولى مسؤوليات في الإعلام الفلسطيني و أخرى فيما يخص المقاومة في الأراضي الفلسطينية المحتلة ، و قبل ذلك درس في مصر و عمل في السعودية و قطر ، و شارك في مقاومة العدوان على قطاع غزة عام 1956 و أدّى ذلك إلى اعتقاله وقتذاك .

و بعد وصول إيهود باراك إلى موقع الرجل الأول في (إسرائيل) و معه أمنون شاحاك وزيراً للسياحة ، تذكّرت الصحافة من جديد دوره في عملية فردان ، و نشرت وكالة الصحافة الفرنسية تقريراً لها من بيروت بتاريخ 23 أيار 1999 ضمنته مقابلة مع المواطن اللبناني منعم عبد المنى و كان عمره وقت تحرير التقرير ستين عاماً ، و الذي ما يزال يقيم في المبنى الذي حدث فيه الاغتيال في شارع فردان في بيروت .

تذكر عبد المنى بعد 26 عاماً من قيادة إيهود باراك للعملية متنكراً بزي امرأة شقراء ، ما حدث في ليلة التاسع من نيسان 1973 ، و في تلك الليلة كان منعم و زوجته و ولداه الصغيران نائمون في غرفة صغيرة في طابق أرضي في البناية التي استهدفها باراك و رفاقه . و استيقظ منعم و ذهب إلى النافذة ليرى امرأة شقراء تضع رشاشاً على خاصرتها و تطلق النار على الغرفة .

عاد منعم إلى ابنه الصغير و خبأه تحت السرير و رمت زوجته نفسها على ابنهما الثاني ، و فيما بعد وجدا أكثر من 40 من فوارغ الرصاص في الموقع .

و بسبب الأزياء التي تنكّر فيها باراك و رفاقه أطلق على العملية اسم (عملية هيبي) . و أعطت العملية باراك سمعة كبيرة ، و أدّت إلى استقالة رئيس الوزراء اللبناني صائب سلام احتجاجاً على عجز الجيش اللبناني عن تحقيق الأمن و إيقاف فرقة الكوماندوز التي قادها باراك متنكراً بثياب امرأة شقراء ، التي نزل أفرادها على أحد شواطئ بيروت و استقلوا سيارات أعدها عملاء لـ (إسرائيل) .

و انطلقت الفرقة إلى أحد المباني في فردان و تم تصفية أبو يوسف النجار أحد قادة فتح البارزين وقتذاك و زوجته التي حاولت حمايته ، و كمال عدوان المسؤول العسكري لفتح في الأراضي المحتلة و كمال ناصر المتحدث باسم منظمة التحرير الفلسطينية ، و قتل في العملية شرطيان لبنانيان و حارس و عجوز إيطالية تبلغ من العمر (70) عاماً .

و في أثناء اندلاع انتفاضة الأقصى و قيام (إسرائيل) باغتيالات طالت مقاتلين فلسطينيين ، كتب المستشرق الصهيوني غي باخور عن سياسية الاغتيالات متذكّراً عملية فردان التي يطلق عليها في (إسرائيل) اسم (ربيع الصبا) أيضاً ، في نيسان 1973 بمشاركة باراك الذي كان رئيساً للوزراء عندما كتبت المقالة .

قال ياخور إن تلك العملية (كانت إحدى العوامل التاريخية لاندلاع الحرب الأهلية في لبنان بعد عامين من ذلك) . و إذا كانت عملية (ربيع فردان) أصبحت مصدر (فخر) لا ينتهي لدى الصهاينة ، فإنها تحوّلت إلى ألم متجدّد لدى الجانب الآخر الخاسر : الفلسطينيون ، و يبدو أن كلا الطرفين ، كل بطريقته و أدواته و ظروفه و لخدمة أهدافه راح يستخلص العبر من تلك العملية ، و إذا كان الصهاينة تحدثوا كثيراً عن تلك العملية و ما أعقبها من تطورات سياسية ، فإن الاستماع لما يقوله شاهد على تلك العملية من الطرف الآخر الفلسطيني ، أمر مهم ، خصوصاً بعد أعوام طويلة على وقوعها مما يوفّر للشاهد فرصة ليس فقط للندب بل أيضاً للتقييم بعيداً عن ضغط اللحظة و قوة الصدمة .

و كان هذا الشاهد ممدوح نوفل ، القائد العسكري السابق في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ، و الذي تحدّثت معه في منتصف الشهر الأخير من عام 2000 ، عن سياسة الاغتيالات التي تنتهجها (إسرائيل) ، و كانت في تلك الفترة بلغت ذروة لا يمكن إغفالها بالقيام بسلسلة اغتيالات طالت نشطاء انتفاضة الأقصى ، و اتفقت مع نوفل على الاستعانة بشهادته مكتوبة عن عملية فردان بعد أكثر من 27 عاماً على وقوعها ، و هي شهادة حافلة ليس فقط بالوقائع كما رآها شاهد عيان ، بل أيضاً بما يمكن استخلاصه منها من دروس من خلال ما ذكره نوفل من أحداث على هامش الحدث ميّزت تلك الفترة في بيروت .  

في البداية يرسم نوفل مشهداً مهما عشية وقوع الحدث (في النصف الأول من العام 1973 صعّدت قوات الثورة نشاطها العسكري من جنوب لبنان ، و مس بعضه سكان القرى و المستعمرات الصهيونية الواقعة على الحدود الشمالية . و خشيت القيادة الصهيونية من تمركز قوات م.ت.ف على حدودها الشمالية ، و من تطوّر قدراتها العسكرية و تحولها إلى قوة جدية مزعجة . و وجهت الحكومة الصهيونية أكثر من رسالة رسمية تحذيرية للسلطات اللبنانية ، طالبتها بالسيطرة على نشاط (المخربين) الفلسطينيين ، و ضبط وجودهم على أراضيها ، و منعهم من القيام بعمليات (تخريبية) من أراضيها . و لم تتوانَ في الرد على العمليات القتالية الناجحة التي نفّذها مقاتلو فصائل الثورة . و زادت من غاراتها الجوية و قصفها المدفعي ضد مواقع الفلسطينيين في الجنوب و البقاع و العرقوب) .

و يضيف نوفل : (في العاشر من نسيان 1973 ، و بعد تحضيرات استخبارية استمرت شهرين ، نفّذت القوات الصهيونية الخاصة من سرية الأركان عملية خاصة جريئة محكمة التخطيط ، في قلب العاصمة اللبنانية . دخلت القوات الصهيونية بيروت عن طريق البحر ، و كان رجال و عملاء الموساد قد سبقوهم بجوازات سفر أوروبية و أمريكية ، و أقاموا في فنادقها و استأجروا 7سيارات مدنية في حينه ، و هاجمت القوة الصهيونية في وقتٍ واحد ، المقر المركزي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في الفاكهاني ، إحدى ضواحي بيروت الغربية ، و منازل قادة م.ت.ف كمال عدوان عضو اللجنة المركزية لحركة فتح و أبو يوسف النجار عضو اللجنة المركزية لحركة فتح و كمال ناصر عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ، و كانت معلوماتها تشير إلى أن الأول قائد جماعة أيلول الأسود ، و الثاني مسؤول عمليات فتح في (إسرائيل) ، و الثالث ناطق رسمي باسم عرفات و م.ت.ف.) ..

و يشير نوفل إلى أنه (نجحت المجموعة الأولى بقيادة (إيهود باراك) في الوصول إلى هدفها ، و اغتالت القادة الثلاث في منازلهم ، و نسفت الثانية بقيادة (آمنون شاحاك) بصورة جزئية مقر الجبهة الديمقراطية في منطقة الفاكهاني قرب المدينة الرياضية . في حينه اشتبكت معهم مجموعة حراسة مقر الجبهة ، و قتل من  القوة المهاجمة جنديان من قوات المظلات (أبيدع شور و حجاي معيان) و فقدت القوة المهاجمة عنصر المفاجأة ، و لم تتمكن من العمل بحرية تامة ، و لم تحقق هدفها كاملاً . فبعد اغتيال المجموعة الصهيونية الحارس المركزي أمام مدخل البناية بواسطة مسدس كاتم الصوت ، أطلقت عليها نيران غزيرة ، من قبل كمين جانبي نصب في حينه ، للدفاع عن مقر الجبهة الديمقراطية من هجومٍ كان متوقعاً أن ينفّذه تنظيم القيادة العامة بزعامة أحمد جبريل) .

و يمكن أن يشكّل ما ذكره نوفل ، و قبل ذلك القائد الفلسطيني صلاح خلف (أبو إياد) في حديثه ، في مكان آخر ، عن عملية فردان ، صدمة للقارئ ، حتى لو كان متابعاً لتلك المشاحنات التي سادت لفترة طويلة بين فصائل العمل الوطني الفلسطيني

و لكن لماذا كانت الجبهة الديمقراطية مستعدة لهجوم أحمد جبريل المتوقع ، و ما هو السبب الذي يجعل أحمد جبريل مصدراً متوقعاً لهجوم على الديمقراطية ؟! ..

 يجيب نوفل : (كانت المشاحنات السياسية بين الجبهة الديمقراطية (و تنظيم جبريل) حول البرنامج السياسي المرحلي على أشدها ، و تطورت إلى صدامات مسلحة في مخيم تل الزعتر ، و استشهد دفاعاً عن البرنامج ، قائد قوات الجبهة في مخيم عين الحلوة ، النقيب المناضل (فايز خلدون) ابن التعامرة المجاورة لمدينة بيت لحم) ..

و على أرض الواقع و أثناء إدلاء نوفل بشهادته فإن الذي (تحقّق) للفلسطينيين على أرض الواقع كان أقل بما لا يذكر عن مشروع البرنامج المرحلي الذي قدمت الجبهة الديمقراطية شهداء (دفاعاً عنه) و كذلك أيضاً بالنسبة لبرنامج أحمد جبريل الذي أصبح تنظيمه فاعلاً ضعيفاً في العمل الفلسطيني . 

و بعد أن سمع نوفل صوت الرصاص الكثيف و الانفجارات غادر منزله القريب من مقر الجبهة المستهدف (و توجهت راجلاً لاستطلاع ما يجري ، و كنت واثقاً من أن حرس المقر اشتبك مع مجموعات القيادة العامة . و كم كانت مفاجأتي كبيرة عندما منعني أفراد مجموعة الحراسة (الكمين) من الاقتراب من مبنى المقر قائلين : موقعنا تعرّض لهجوم (إسرائيلي) و حاولت المجموعة (الإسرائيلية) نسف المقر بمن فيه ، اشتبكنا معهم و أوقعنا خسائر في صفوفهم ، و هناك احتمال وجود متفجرات موقوتة و ألغام لم تنفجر) ...

يقول نوفل : (في حينه لم أصدق أقوال الرفاق ، إلا بعد أن سلّمني أحدهم مسدساً "إسرائيلياً" عيار 6 ملم كاتم للصوت ، يحمل شعار نجمة داود . و تبين لي كما قال الحرس ، إن القوات الصهيونية هاجمت المقر في سيارتين مدنيّتين تحرسهما من بعيد سيارة جيب عسكرية ، تشبه تماماً سيارات قوات الدرك اللبناني . خلال عمليات مسح و تفتيش المقر و تنظيفه من المتفجرات ، تم العثور على مزيد من المسدسات و القنابل و المتفجرات ، تحمل علامات جيش الدفاع (الإسرائيلي) . و ظهرت بقع دماء على الأرض) .

و يضيف نوفل : (خلال وجودي حضر إلى المكان أحد أفراد حرس (أبو إياد) صلاح خلف ، و همس قائلاً "الأخ أبو إياد موجود في المبنى المقابل و يريد أن يراك" ، تحركت مباشرة إلى حيث يوجد أبو إياد ، و استغربت وجوده في ذلك المكتب الفرعي التابع لأمن فتح ، و علمت أن المصادفة قادته إلى المكان و قبل السلام بادرني بالقول : (هل هذا وقت الاشتباك مع القيادة العامة ، فأنت تعرف أن المشكلة ليست مع أحمد جبريل بل مع من يقف خلفه) ، و كان يقصد المخابرات السورية . و لم يصدّق أن الاشتباك كان مع مجموعات الكوماندوز "الإسرائيلية" ، إلا بعد أن أبرزت له مخلفات المجموعة المهاجمة ، عندها قال : (ضاعت علينا فرصة اصطيادهم فقد كانون تحت مرمى نيران حراستي) . و فوراً أصدر أوامره للأجهزة الأمنية الفتحاوية بالتحرك فوراً باتجاه شواطئ بيروت و الجنوب ، على أمل اللحاق بالقوة "الإسرائيلية" قبل صعودها البحر . و كان تقديرنا أنهم قدِموا من البحر بمساعدة عملائهم في السلطة اللبنانية ، و سينسحبون بواسطة زوارق تنتظرهم في نقطة ما على الشاطئ . لاحقاً ، بيّنت مخلفاتهم بأنهم قدموا من البحر و غادروا بيروت بسلام ، كما وصلوا دون أن تقع بهم إصابات باستثناء تلك التي لحقت بهم أثناء هجومهم على مقر الجبهة الديمقراطية) ..

و يعتقد نوفل بأن (العملية اعتمدت على عمل استخباري دقيق و أن مجموعاتها دخلت قلب بيروت بعدما هيأ لها عملاء الموساد المحليين ما يلزم من سيارات و مرشدين . و فعلاً عثرت مجموعات فتح على عددٍ من السيارات المدنية متروكة على الشاطئ الأوزاعي ، جنوب بيروت أحدها يحمل آثار دماء) ..

بعد مقابلة نوفل لأبي إياد و معرفة الأخير بما حدث ذلك طلب أبو إياد من مرافقيه البحث عن أبي عمار و أبي جهاد (و بعد دقائق معدودة اتصل أبو عمار و قال : سأرسل لكم سيارة للحضور لطرفي بسرعة ، و فهمنا منه أنه موجود في مكتب أبو شاكر (إبراهيم قليلات) قائد قوات (المرابطون) و أن عدة مجموعات صهيونية دخلت بيروت ، و نجحت في اغتيال أبو يوسف النجار في منزله . بعد المكالمة الهاتفية تحرك أبو إياد ، تحت حراسة مشددة ، باتجاه المقر المركزي للمرابطين ، الواقع في حي أبو شاكر على كورنيش المزرعة في المقر كان حشد من قادة القوى و الأحزاب الوطنية اللبنانية و الفلسطينية يتوافدون ، و يتبادلون المتوفّر من المعلومات حول ما حصل ، و يجرون الاتصالات اللازمة مع الجهات المعنية في السلطة اللبنانية) .

روى نوفل للموجودين ما حدث أثناء عملية الهجوم على مقر الجبهة الديمقراطية (و سمعنا ما روي حول استشهاد أبو يوسف النجار . و أوعز أبو عمار للأجهزة الأمنية الفلسطينية بالاتصال ببيوت القادة الفلسطينيين دون استثناء ، و زيارتها كلها و شدّد على زيارة البيوت التي يتعذر الاتصال الهاتفي معها . و بعد دقائق قليلة أبلغ الحاضرون باغتيال (كمال عدوان) و بعدها نقل خبر استشهاد (كمال ناصر) و فوجئ الجميع ، بأن كمال ناصر هو الوحيد الذي أتيحت له فرصة استخدام سلاحه ، و أنه بالفعل أطلق النار على قاتليه الصهاينة ، علما أنه كان يكره حمل السلاح ، و لا يحب أن يكون معه مرافقون ، و كان يعتبرهم أقرب إلى السجانين يحدّون من الحركة و يقيّدون نمط الحياة العادية) .

و كانت لتلك العملية تداعياتها الأخرى ، يقول نوفل : (حملت قيادة م.ت.ف الحكومة اللبنانية قسطاً رئيسياً من المسؤولية عن دخول القوات الصهيونية قلب بيروت ، و نجاحها في الوصول إلى بيوت القادة الثلاثة . و وجّهت اتهامات علنية للمكتب الثاني اللبناني (المخابرات اللبنانية) و بعض رموز قيادة الجيش اللبناني ، بالتواطؤ مع "الإسرائيليين") .

و يضيف : (و لاحقاً شيّعت بيروت القادة الثلاثة في جنازة مهيبة شارك فيها جميع قادة الأحزاب الوطنية و بعض قادة القوى و الأحزاب المارونية ، و كان ضمنهم (بيار الجميل) زعيم حزب الكتائب . و ألقى زعماء المسلمين الذين شاركوا في الجنازة خطباً رنانة هاجموا فيها تواطؤ السلطة اللبنانية ، و طعنوا في تركيب أجهزتها و مؤسساتها المدنية و الأمنية ، و طالبوا بإقالة الجيش . و تحدّث بعضهم عن المقاومة الفلسطينية ، و كأنها جيش المسلمين في لبنان . و كانت الجنازة فرصة مهمة ، استعرضت فيها قيادة م.ت.ف أسلحتها و قدراتها العسكرية و الجماهيرية بطريقة أقلقت السلطات اللبنانية ، و نبّهت أجهزتها الأمنية و أرعبت بعض القوى المسيحية المتزمتة التي رأت في منظمة التحرير قوة أخلت بالتوازن الداخلي لصالح المسلمين ، عامة ، و السنة على وجه الخصوص . و رغم علمانية الحركة الوطنية اللبنانية ، و تبوّء كثير من المسيحيين مراكز قيادية أولى فيها ، إلا أن تخوّفات الحركة السياسية المسيحية كان لها ما يبررها في بلدٍ تنخره الطائفية الدينية و السياسية) .

و لم يكن ذلك كل شيء ، فهناك نتائج هامة أخرى أسفرت عنها عملية اغتيال القادة الثلاثة في فردان ، فبعد هذه العملية ، كما يقول نوفل (أصبحت قيادة م.ت.ف مجبرة على إبلاء وجودها في لبنان اهتماماً استثنائياً ، و راحت تعطي مسألة حماية وجودها أهمية كبيرة ، و بدأت تغرق تدريجياً في الأوضاع اللبنانية الداخلية ، و نسيت ما استخلصته من دروس تجربتها في الأردن) .

و يضيف : (و مع كل خطوة كانت تخطوها داخل المستنقع اللبناني ، كانت تبتعد أكثر فأكثر عن عملها السياسي داخل الأراضي الفلسطينية . و حلّ دون قرار ، شعار الدفاع عن الوجود الفلسطيني المدني و المسلح في لبنان ، مكان شعار تصعيد و نقل الكفاح المسلح إلى داخل الأراضي المحتلة . و راحت تعزز تسليح المخيمات الفلسطينية ، و شجّعت القوى الوطنية اللبنانية للتدرّب على السلاح و بناء تشكيلات عسكرية خاصة بها . و عملت على تجنيد أعداد كبيرة من الشباب الوطني اللبناني ، و بدأت تتدخل مباشرة في الشؤون السياسية و الحزبية و الاجتماعية اللبنانية . و بقي احتلال "إسرائيل" عام 1967 لكلّ فلسطين و لأجزاء واسعة من الأراضي العربية السورية و المصرية قائماً و تقلصت كلفته) .

و قبل أن يتحدث نوفل بسنوات ، كان الزعيم الفلسطيني صلاح خلف (أبو إياد) قدّم شهادته عن ما حدث في (ربيع فردان) ، في كتابه فلسطيني بلا هوية ، و ربط ذلك بالأجواء التي أعقبت عملية ميونخ ، حيث تواصلت حرب الأشباح بين المخابرات الصهيونية و الفلسطينيين ، و بدأت كما هو معلوم بالاغتيالات و إرسال الطرود الملغومة و التي طالت مسؤولين فلسطينيين في مختلف العواصم العربية و العالمية ، و بالرد الفلسطيني بتنفيذ عمليات ناجحة طالت رجال للموساد في عواصم مختلفة أيضاً ، و من بين ما قام به الفلسطينيون محاولتان استهدفتا مقر سفير "إسرائيل" في نيقوسيا و الأخرى ضد طائرة تابعة لشركة العال الصهيونية كانت جاثمة في مطار قبرص ، كان ذلك في التاسع من نيسان ، و في اليوم التالي كانت وحدات الكومنادوز الصهيوني تنزل إلى بيروت و تغتال القادة الثلاثة .

و روى أبو إياد عن علاقته الوثيقة بكمال ناصر ، و أنه كيف كان في مرات كثيرة يقضي الليل عنده في شقته ، و أشار إلى أنه قبل العملية بعشرة أيام و كان هو و الرئيس عرفات و آخرون في شقة كمال ناصر ، استرعى انتباهه عدم وجود حراسة و تحدّث بين الجد و الهزل ، عن احتمال أن تحطّ طائرة عمودية في الأرض الخلاء مقابل المبنى و تختطف القادة الثلاثة .

و في التاسع من نيسان ، كان المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية يعقد جلسة له في بيروت و طالت حتى ساعة متأخرة من الليل ، و قضى أبو إياد ليلته في شقة كمال ناصر ، و في اليوم التالي عرض أبو إياد على كمال ناصر أن يقضي السهرة في شقته ولكن كمال ناصر أجابه مازحاً : (أفضّل أن أموت على أن أستقبلك عندي) ، و أوضح أنه يريد أن ينظّم مرثاة في الشاعر عيسى نخلة المتوفى حديثاً ، و أن وجود أبو إياد سيلهيه عن تلك المهمة .

و ذهب أبو إياد ليلتقي الناجين الثلاثة من عملية ميونخ الذين أطلقت السلطات الألمانية سراحهم ، بعد عملية الاختطاف التي يعتقد أنها مدبرة كما أشرنا سابقاً ، و الموجودين في مبنى لا يبعد سوى عشرة أمتار عن مبنى الجبهة الديمقراطية ، حيث وجد شباب هذا التنظيم مستنفرين بسبب هجومٍ سيشن عليهم من الجبهة الشعبية بقيادة جورج حبش ، و رواية أبو إياد هنا تختلف مع رواية نوفل ، و إن كان مغزى الحدث واحداً .

و بعد ساعات كانت وحدات الكوماندوز الصهيونية تنفّذ مهمتها ، انتقل أبو إياد إلى منزل عرفات ، الذي قصف في العملية و كان الحراس قاوموا المعتدين ، و تابع عرفات المعركة من سطح المبنى .

و ذهب أبو إياد إلى المبنى الذي كان يقطنه القادة الثلاثة بعد ورود الأنباء عن اغتيالهم ، و في شقة كمال ناصر ، وجده ممدّداً على شكل صليب على الأرض بعد إصابته في وجهه بخمس عشر رصاصة على الأقل ، و يعتقد أن المهاجمين لم يغفلوا عن حقيقة أن ناصر مسيحي الديانة ، فمدّدوه على شكل صليب و أطلقوا النار على وجهه ، و رش المهاجمون برصاصهم سريره و السرير الذي كان يأوي إليه أبو إياد في أحايين كثيرة .

و لاحظ أبو إياد أن شباك النافذة كان مفتوحاً و الستائر منتزعة ، الأمر الذي ربما يشير إلى أن ناصر كان حاول الفرار ، و لم يتمكن من ذلك ، فردّ على المهاجمين بمسدس صغير وجد بجانب جثته .

و بالنسبة لأبي يوسف النجار فاتضح بأن الصهاينة نسفوا مدخل شقته بقنبلة بلاستيكية ، بينما كان هو نائماً مبكراً كما يحب ، و الأولاد يذاكرون دروسهم في غرفهم ، و عندما تم نسف المدخل اندفع باتجاهه ابن الشهيد يوسف و كان عمره 16 عاماً ، و لكن الكوماندوز المهاجمين صرخوا به سائلين عن والده ، فرجع يوسف إلى غرفته و نزل من شباكها إلى الطابق الخامس ، و خلال ذلك أغلق أبو يوسف النجار باب الغرفة التي يوجد فيها و طلب من زوجته أن تناوله مسدسه ، و لكن الصهاينة اقتحموا الغرفة و أصابوه و حاولت زوجته حمايته و وضعت نفسها بينه و بين المعتدين فتم قتل الزوجين معاً .

و في الطابق الثاني كانت مجموعة أخرى تقتحم شقة كمال عدوان الذي كان ما زال يعمل و عندما سمع بالجلبة أمام الباب أمسك برشاشه ، و قبل أن تتاح له فرصة استخدامه كانت مجموعة أخرى من الكوماندوز الصهاينة يدخلون من نافذة المطبخ و يصيبونه في ظهره .

و اتهم أبو إياد شركاء محليين للكيان الصهيوني بالتواطؤ و تسهيل عملية الاغتيال ، و أكد أن الجيش اللبناني و الدرك و الأمن العام لم يحاولوا التدخل ، و قبيل الهجوم على المبنى في فردان ببضع دقائق حدث انقطاع في التيار الكهربائي و كان المهاجمون يتنقلون في بيروت بحرية و يسر مذهلتين و كذلك في الجنوب حيث شنت هجمات أخرى .

و ما لبث التواطؤ الذي تحدّث عنه أبو أياد من أطراف لبنانية ، أن أصبح تحالفاً علنياً كان طرفه الأساسي و موجّهه و راعيه هي (إسرائيل) خلال تلك الحرب اللبنانية الطويلة و التي أسموها ، بقدر من التضليل حرباً أهلية .

 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech