Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

اليسارى الإسرائيلى يتدرب فى دمشق

 

 

بمجرد أن أخبره «أبو كامل» بأمر السفر إلى دمشق، تهلل وجه الإسرائيلى «أودى أديب» وتحمس للفكرة، فقد رأى فيها تعبيراً عن الثقة من ناحية «أبو كامل» وخطوة إلى الأمام، من ناحيته هو نحو ما أسماه بالنضال المشترك. اصطحبه «أبو كامل» إلى ستديو للتصوير الفوتوغرافى، حيث تم التقاط الصور الخاصة بالباسبور، ثم سارا معا باتجاه السفارة السورية فى أثينا، وفى الوقت الذى كان فيه «أبو كامل» يقوم بتجهيز كل الترتيبات داخل مبنى السفارة، كان «أودى أديب» يجلس فى انتظاره على أحد المقاهى القريبة.
وبعد استكمال كافة الترتيبات، خرج «أبو كامل» من المبنى وهو يلوح لأديب بجواز سفر سورى جديد يحمل صورته واسمه الجديد «جورج خورى»، وبعد أن أخذ منه جواز السفر الإسرائيلى، قال له إذا سألك أى أحد سواء فى سوريا أو فى لبنان عليك أن تقول بأنك غادرت سورريا وأنت ابن عامين إلى الأرجنتين، ولذلك لا تعرف اللغة العربية.
ومن السفارة عاد أديب إلى فندقه، ووفقا لتعليمات أبو كامل أخذ يرتب حقائبه التى تحمل علامات إسرائيلية بعد إزالة هذه العلامات، وتواعدا على السفر فى رحلة منتصف الليل التابعة لشركة الطيران اللبنانية، لكن ولسوء الحظ وبعد عبورهما منطقة الجوازات سمعا فى الميكروفون أن الرحلة ألغيت وعلى المسافرين العودة إلى صالة المسافرين. وعند العودة مر المسافرون بالفحص الأمنى وفحص الجوازات مرة أخرى، ولسبب أو آخر تم السماح لـ «أبو كامل» بالعودة إلى صالة المسافرين فى حين لم يسمحوا لـ «أودى أديب» وبقى فى منطقة الترانزيت، وهكذا ظل الاثنان ينتظران الرحلة التالية المقرر قيامها ظهر اليوم التالى فى مكانين منفصلين داخل المطار، وعند موعد إقلاع الطائرة التقى الاثنان مرة أخرى ليصعدا إلى طائرة الخطوط اللبنانية المتجهة إلى بيروت، وبمجرد وصولهما تم ختم جوازات السفر بكل سهولة وخرجا من المطار ليستقلا سيارة أجرة ويتجها إلى بعض أقارب أبو كامل فى إحدى القرى الصغيرة بالقرب من العاصمة اللبنانية.
عند منتصف الليل عبرا الحدود على طريق بيروت – دمشق دونما أى عوائق. يقول أديب: ساورنى شعور غريب من المغامرة مع الخوف، وأدركت أننى بالغت كثيرا فيما أقوم به، وأننى غارق فى عملية خطيرة لا رجوع عنها، هذا الشعور دعّم إحساسى بالتضامن الثورى مع الفلسطينيين.
تم تسكين أديب فى نفس الشقة التى سكنها من قبله زميله فى «متسبين» و«الجبهة الحمراء» دان فيرد، عرف ذلك من الحزام والبنطلون الجينز اللذين نسيهما فيرد فى الشقة، أخذهما أديب بنية إعادتهما إلى زميله فى إسرائيل، وكانت الشقة بها ثلاجة صغيرة وسرير وعدد من الفوط.
وبقى أديب فى دمشق لثمانية أيام، اصطحبه خلالها أبو كامل بسيارته البيجو فى جولات سياحية فى المدينة. وبعد انتهاء هذه الجولات انتقل مضيفوه إلى «البيزنس» الذى أحضروه من أجله، وطلبوا من أديب أن يكتب تاريخ حياته بما فى ذلك سنوات خدمته فى الجيش، وبعد ذلك جاء أصدقاء أبو كامل وسألوه عن تفاصيل ما كتبه، فحكى لهم أديب عن خدمته فى الشبيبة الطلائعية المحاربة المعروفة باسم (ناحال) والتى قضاها فى المعسكر ثمانين بالقرب من حديراه، وعن تدريبات السقوط بالمظلات فى تل نوف، وعن الأسلحة التى استخدمتها الوحدات التى عمل بها سواء فى الخدمة النظامية أو الاحتياط.. عن البندقية (
F.N) البلجيكية والرشاش البلجيكى أيضاً الذى اهتم محققوه بمعرفة معدلاته النيرانية، كما أرادوا معرفة رموز الوحدات فى الجيش الإسرائيلى، وطريقة استدعاء الجيش الاحتياطى، وتفاصيل المطارات العسكرية وأنواع الطائرات وما يعرفه عن مفاعل ديمونة.
وبناء على طلب أبو كامل قام أديب بكتابة تقارير مفصلة عن ضباط كبار فى الجيش الإسرائيلى من بينهم موردخاى جور ورفائيل إيتان وموردخاى هود وأهارون ياريف، وفى أحد هذه التقارير وصف أديب كلا من أريئيل شارون وشموئيل جوروديش بـ «النازيين».
وفى نهاية الاستجواب، تم أخذه بالسيارة إلى خارج دمشق إلى المعسكر الذى تدرب فيه فى السابق زميله دان فيرد، وهناك سلموه بندقية كلاشينكوف ودربوه على فكها وتركيبها، ثم اصطحبوه إلى ساحة الرماية ليطلق أديب عدة عشرات من الطلقات على أهداف وضعوها أمامه، وفى نهاية اليوم عاد كل من أديب وأبو كامل إلى الشقة، وفى صباح اليوم التالى عادوا مرة أخرى إلى المعسكر للتدريب.
فى صباح اليوم التالى حزما حقائبهما وركبا السيارة متجهين إلى مطار بيروت، حيث ركب الاثنان طائرة الخطوط اللبنانية المتجهة إلى أثينا، وفى أثينا هبط كل منهما سلم الطائرة بمفرده واتجه كل فى طريقه ليلتقيا فى المساء ويسلمه أبو كامل ألف دولار قبل أن يودعه بحرارة.
وفى ساعة مبكرة من صباح اليوم التالى، توقف أتوبيس صغير ومستهلك أمام مكتب شركة (
T.W.E) فى ميدان سينتاجما بوسط أثينا، وجلس 15 راكبا فى الأتوبيس انتظارا لنقلهم إلى المطار، ومن بين آخر الركاب الذين صعدوا إلى الأتوبيس كانت أنيتا فلاشنر وهى شقراء سمينة بعض الشىء فى الثلاثين من عمرها كانت ترتدى بنطلونا وحزاما أبيض، وكانت فلاشنر هى المسئولة عن الشئون الثقافية فى إحدى السفارات التابعة لدول أمريكا اللاتينية فى تل أبيب، وفى نفس الوقت كانت تدرس للحصول على الدكتوراة فى قسم دراسات أمريكا اللاتينية بالجامعة العبرية، وجلست إلى جوار الشاب المائل للسمرة الذى هو أودى أديب، وعند الوصول إلى المطار تفرق المسافرون بالأتوبيس إلى رحلات الطيران المختلفة فى حين اتجه الاثنان إلى بوابة الخروج للرحلة المتجهة إلى تل أبيب، وعندما اتضح أنهما سوف يسافران معا إلى إسرائيل بدأ الحديث:
سألها أديب: أنت سائحة؟
ردت باختصار: لا.
وسألها مرة أخرى: مهاجرة؟
فأجابت وهى تبتسم: مهاجرة قديمة.
وسألها: ولماذا أنت عصبية؟
فانفجرت فى الضحك وحكيت له بأنها سوف تجن لشراء زجاجة عطر فرنسى ولم يبق لها سوى سبعة دولارات لا تكفى للشراء.
ضحك أديب وقال: ما المشكلة لدى دولارات ويمكننى أن أبدل بعض الليرات الإسرائيلية بدولارات.
سارعت أنيتا فلاشنر بالاستجابة للعرض واشترت العطر وعادت سعيدة للغاية من السوق الحرة، فقال لها أديب: عملت لك خدمة والآن عليك أن ترديها. لقد اشتريت من أثينا بنطلونا لأختى، فهل يمكنك أن تمرريه من الجمرك فى تل أبيب؟
كان الهدف من وراء ذلك هو إخفاء الدلائل فى حال إلقاء القبض عليه فى إسرائيل، فهو لم يرغب فى أن يجدوا معه الألف دولار التى تلقاها من أبو كامل، وسبق له أن عرف من زملائه فى متسبين وفى الجبهة الحمراء أن الشاباك يمكن أن يستوقفه فى تحقيق روتينى مثلما فعل مع نشطاء آخرين من اليسار الراديكالى.
فوافقت أنيتا وتسلمت لفة مغلفة بورق يحمل اسم أحد محلات أثينا، وكان الغلاف ممزقاً ويظهر منه قماش الكوردروى.. وساعدها فى حمل أغراضها إلى الطائرة، ثم ابتعد عنها وهو يقول: نلتقى عند الخروج من المطار فى إسرائيل.
قبل ذلك ألقت نظرة خاطفة على حقيبته الشخصية ولاحظت اسمه مكتوب عليها، لكن عند هبوطه من الطائرة وتوجهه إلى الجوازات تم استيقافه للتحقيق بواسطة الشاباك، أخذوه إلى غرفة من الغرفتين المعروفتين بالمطار (الغرفة 11 والغرفة 12) وفتشوه وفتشوا حقائبه، وبعد ثلاث ساعات من التحقيق قرروا بقاءه لمواصلة التحقيق.
أما أنيتا فلاشنر فقد خرجت من المطار وكانت صديقاتها فى استقبالها ومن بينهن إريكا عوزرمان الصحفية فى هآرتس (فيما بعد كتبت عوزرمان عن هذا اللقاء فى مقال نشرته فى هآرتس بتاريخ 16 فبراير 1973) وبعد الانتظار لفترة طويلة دون أن يظهر أديب استغربت أنيتا ما حدث وحكت لصديقاتها، فطلبت منها إريكا عوزرمان أن تفحص هذه اللفة فأعطتها لها أنيتا، ووجدت فى أحد جيوب البنطلون الكوردروى بعض الأوراق المالية من فئة المائة دولار، وكادت أنيتا أن يغمى عليها.
سخرت منها إريكا عوزرمان وقالت: لقد وقعت ضحية لمهرب، لكن أنيتا فلاشنر أخذت الأمر بجدية وتوجهت إلى شرطة المطار وقالت إنها أخذت من شاب بنطلونا به ألف دولار، فأخذ النوبتيجى اللفة وسجل تفاصيلها فى دفتر الأحوال، وفى التحقيق القصير الذى أجراه معها ضابط الشرطة قالت أنيتا: إن اسمه أودى أديب، فقال الضابط: نعم هو معروف لنا.
وفى الأسابيع التالية بذل أديب جهودا كبيرة للعثور على الشابة ومطالبتها بالنقود، وهو لم يكن يعرف اسمها، لكنه تذكر بأنها تدرس فى قسم دراسات أمريكا اللاتينية بالجامعة العبرية، وبعد عدة أسابيع وجدها وطلب نقوده، ووفقا لتعليمات الشاباك أنكرت أنيتا أنها أخذت منه النقود، فاستمر أديب فى ملاحقتها بالجامعة وبعد ذلك فى بيتها إلى أن قالت له إنها سلمت البنطلون والنقود للشرطة، فذهب إلى مركز الشرطة وابلغهم بأن النقود تخصه وبعد استيضاح قصير تسلم البنطلون والنقود، لكن الأمر لم ينته على هذا النحو، ففى الواحدة من صباح الأربعاء 6 ديسمبر 1972 فوجئ أديب بقوة تضم نحو 20 شرطيا تقتحم شقته فى حى هدار هاكرميل بحيفا، وتوقظه من نومه هو وعشيقته «ليئاه» وتأمرهما بالوقوف إلى الحائط وأيديهما لأعلى، وبعد ذلك قام رجال الشاباك بتقييده ووضع غمامة سوداء على عينيه، وأخذ البعض الآخر يفتش الشقة إلى أن وجدوا كتابا إرشاديا لكيفية إعداد الشحنات الناسفة كان قد تلقاه من زميل له يدعى يحزقئيل كوهين، وبعد حوالى ساعتين تم إدخال أديب فى عربة جيب تابعة للشرطة كانت فى الانتظار لتأخذه إلى مركز الشرطة فى عكا.
فى نفس الوقت تم القبض أيضاً على دان فيرد ويحزقئيل كوهين ودافيد كوبر وداوود تركى وعشرات آخرين من زملائهم فى الشبكة.
وسرعان ما اتضح أن أبو كامل هو الاسم الذى أطلقه على نفسه حبيب قهوجى، وهو من عرب 1948 من قرية فسوطة بالجليل، كان قد تم إلقاء القبض عليه وسجنه فى سجن الدامون فى الكرمل فى سنوات الستينيات لما تسميه إسرائيل بجرائم أمنية، وفى عام 1968 تم إطلاق سراحه بشرط أن يغادر إسرائيل، فغادرها بالفعل إلى أوروبا ومنها انتقل إلى لبنان وقبرص، وهناك انضم إلى حركة فتح وتولى منصبا كبيرا داخل منظمة التحرير الفلسطينية، لكن عمل مع المخابرات السورية فى السر.
فقد كلفته المخابرات السورية بإنشاء شبكة تجسس وتخريب فى إسرائيل تضم عربا ويهودا، وكان أول من تم تجنيده هو داوود تركى الذى تولى قيادة الشبكة التى أنشئت على أساس (الرفيق يأتى برفيق آخر) وأوصى قهوجى تركى بأن يقوم بتجنيد أنيس قرعاوى، وهو مفخخ سيارات (22 عاما) من شفا عمرو، وصبحى نعرانى وهو فنى تليفزيون (27 عاما) من القرية البدوية «بسمة طبعون» بالقرب من حيفا، وتم تعيين نعرانى نائبا لتركى، وكان قهوجى قد تعرف على كل من قرعاوى ونعرانى فى فترة سجنه معهما فى الدامون، بالإضافة إلى قهوجى وقرعاوى تعرف على نعرانى فى السجن أيضاً على جبريئيل شومسكى اليسارى المتطرف الذى تم إقصاؤه من متسبين وكان شومسكى قد اتهم فى النصف الثانى من الستينيات بجرائم أمنية نتيجة اتصاله مع ضباط بالمخابرات المصرية، وبعد إطلاق سراحه قام نعرانى بزيارة شومسكى الذى اصطحبه إلى اجتماع متسبين فى تل أبيب، وهناك تعرف بداوود تركى وبمن سوف يصبحون فيما بعد زملاءه اليهود فى الشبكة: أودى أديب ودان فيرد.
وفى النهاية صدر الحكم ضد أديب وتركى بالسجن لمدة 17 عاما، وكان أديب وقتها فى السادسة والعشرين وتركى فى الخامسة والأربعين، كما صدر الحكم بسجن كل من أنيس قرعاوى وصبحى نعانى لمدة 15 عاما، أما فيرد الذى أبدى ندمه على ما فعل ووصف نفسه بأنه أحمق فقد صدر الحكم ضده بالسجن لمدة عشر سنوات، فى حين صدر الحكم ضد سيمون حداد، وهو من سكان قرية عبلين فى الجليل وكان وقت المحاكمة طالبا فى جامعة حيفا بالسجن لمدة عامين رغم أنه لم يعمل فى هذه المنظمة لأكثر من شهر واحد ثم تركها.
وبعد أقل من سبع سنوات تم إطلاق سراح فيرد لحسن سلوكه، وفى أغسطس 1979 خرج من السجن ومنذ ذلك الحين أراد ونجح فى الابتعاد عن العيون ورفض إجراء أية مقابلات صحفية، أما داوود تركى فقد تم إطلاق سراحه أيضاً مثله مثل أودى أديب فى عام 1985 بعد أن قضى 12 عاما فى السجن، لكن ظروف إطلاق سراحه كانت مختلفة، فقد أفرج عنه بناء على طلب منظمة التحرير الفلسطينية ضمن ما يعرف بـ «صفقة جبريل» لتبادل الأسرى، وهى الصفقة التى أعادت فيها منظمة أحمد جبريل (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة) ثلاثة جنود وقعوا فى الأسر أثناء حرب لبنان، فى مقابل إطلاق سراح إسرائيل لعدة مئات من الفدائيين الفلسطينيين.
وبعد إطلاف سراحه رفض تركى الإعراب عن ندمه لما فعل وقال إنه لم يكن أمامه بديل آخر، وأضاف: ما الذى يجب على الإنسان فعله عندما يركلونه بالأقدام 24 عاما، ويذلونه ويهينونه ويسحقونه؟ لقد خسرت كل شىء.. البيت والعمل.. ما الذى تبقى لى؟ عرفت أننى أعيش فوق أرضى إلى أن جاء اليهود وأخذوا كل شىء.
وفى السجن استمر أودى أديب يتمسك بما آمن به، وبناء على طلبه تم سجنه مع السجناء الأمنيين الفلسطينيين فى سجن الرملة، وفى عام 1975 تزوج وهو فى السجن من سيلفيا كلسنجبرج الناشطة فى متسبين وابنة ماركوس كلينجبرج الذى سيتم الكشف عنه فيما بعد كواحد من أكبر جواسيس الاتحاد السوفيتى فى إسرائيل.

 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech