Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
مؤسسة مورخين مصر للثقافه ( المجموعة 73 مؤرخين ) المشهره برقم 10257 لسنه 2016 * **** رحلة لمصنع الطائرات 18 مارس **** تم فتح باب العضوية للمجموعة - يناير 2017 **** 12.5 مليون زيارة منذ 2013 - 23 مليون زيارة منذ 2009 **** نرحب بكم في مقر المجموعه بميدان حدائق القبه ***** **** ننتظر تعليقاتكم علي الموضوعات ولا تنس عمل لايك وشير لما يعجبكم علي تويتر وفيس بوك **** **** ****

موسوعة حرب الخليج الثانية - الجزء الرابع

تقدم لكم المجموعه 73 مؤرخين علي عده موضوعات متتابعه – موضوعا كبيرا وكاملا عن حرب الخليج الثانية التي دارت رحاها بدأا من 17 يناير 1990 وحتي 28 فبراير من نفس العام بهدف تحرير الكويت من الجيش العراقي والتي أطلق عليها اعلاميا
عاصفه الصحراء
 
وما نقدمه هنا بعيدا كل البعد عن الشق السياسي والعربي انما هي معلومات عسكرية تاريخيه عن معركه دارت في الوطن العربي منذ عده عقود من الزمن .
 
موضوع من إعداد وتجميع معلومات – محمد السيد زهير – العضو بقسم الدراسات العسكرية بالمجموعه 73 مؤرخين .
 
====== 

الجزء الرابع

 

 

مع انتهاء معركة الخفجي، عاد الجنرالات الامريكيون للصراع حول الموارد العسكرية. و خصوصا سلاح الجو. فبينما لا تزال قيادة القوات الجوية تضغط نحو استمرار القصف الاستراتيجي لتركيع العراق بدون قتال بري، بدأت اصوات الجيش تطالب بالمزيد من الضربات على القوات العراقية المتوقع مواجهتها في الكويت.

 

و بدأ شوارتزكوف يميل لهذا الرأي. فانخفضت الضربات الجوية الاستراتيجي لحوالي 250 طلعة في اليوم.

 

و رغم هذا فقد اصبحت واضحا ان حرب الخليج هي حرب ترسيخ مبدأ كسب الحرب من السماء. فقد كان اداء طيران التحالف مبهرا حتى مع تحويل 3 اسراب لغرب العراق لتعطيل حملة العراق الصاروخية، و كذلك مع سوء الاحوال الجوية (حسب الحسابات الجوية، كان القادة يتوقعون ان يمنع الجو السيء 15% من الغارات من تحقيق مهامها. و لكن الجو رفع هذه النسبة لحوالي 40%). و صار العراقيون مجبرين على الحركة بالليل فقط. و انخفض مقدار المواد المنقولة للكويت كل يوم لحوالي 2000 طن بدلا من 20000 طن.

و من ناحية الضرب التكتيكي للقطاعات، فقد تم تقسيم الكويت لمربعات (50كم * 50 كم). و كل مربع تم تقسيمة ﻷربعة ارباع بالتساوي. و تم تخصيص مئات الطلعات كل يوم لهذا الغرض. و كان الجيش يطالب بضربات اكثر بينما كان سلاح الجو يشتكي ان الاهداف المحددة (قديمة) و تكون القطاعات العسكرية العراقية قد تحركت قبل وصول اوامر القصف.

 

و قد طالب الطيارون باحداثيات بدقة تقاس بالامتار و باهداف منتقاة خلال 4 ساعات. و اشتكى الجيش من استحالة هذه الشروط. و عليه، من اصل 100 استهداف مطلوب من الجيش كل يوم، لم يصل اكثر من 10 -15 للطيارين. و لم يكن الجيش مرتاحا لموضوع المربعات. حيث انه يترك اختيار الاهداف للطيارين و ليس للجيش. و تمرد المار ينز و ابقو طائرات F-18 خارج نطاق التخطيط الجوي و استعملوا طيرانهم لضرب اهداف تكتيكية في قطاعهم حصرا.

في بداية فبراير، و بعد ان اتضح ان الجيش العراقي لا يزال على مستوى جاهزية مرتفع، اشتكى قادة الجيوش لشوارتزكوف مباشرة. و بعد اجتماع عاصف قال شوارتزكوف: اي طلعة جوية لا تضرب الجيش العراقي يجب ان تكون مسببة و مبررة امامي. و انخفضت عليه الطلعات على الاهداف الاستراتيجية لحوالي 250 (بدل 500 كما اراد سلاح الجو). و وسط مناورات ضباط سلاح الجو في تنفيذ اوامر الجيش بالضرب على المستوى التكتيكي، تم قصف 30% من 3067 هدف تكتيكي طلب الجيش ضربه.

و كان هناك سبب اخر لتراجع حماس القيادة عن الضربات الاستراتيجية: الصورة الاعلامية. فقد كان الاعلام موجودا في بغداد و كان هذه اول حرب تبث على الهواء مباشرة. و قد حصلت عدة حوادث مثل مقتل 18 مدنيا في الكرادة عندما تم اعتراض صاروخ من اصل 6 ضربت معسكر الرشيد . و كان هناك نقاش حول ايقاف استخدام صاروخ توماهوك. فقد اطلقت البحرية 288 صاروخ (نصف المخزون) و كان معدل الاصابة حوالي 50%. و كان كل صاروخ يكلف 2 مليون دولار. و طلب شوارتزكوف من القيادة الجوية بعدم ضرب التوماهوك نهارا. و قالوا له، من المستحيل ارسال طائرات قتالية فوق العراق نهارا بسبب شدة احتمال الاسقاط. و تم الاتفاق على عدم ارسال اي صاروخ بدون موافقة شوارتزكوف بشكل مباشر. و انتهت فعليا مهمة صاروخ توماهوك في حرب الخليج بعد ان اثبت جدارته. و طوال الشهر القادم من الحرب، كان نهار العراق العاصمة العراقية خاليا من اي قصف. و في نهاية الحرب، ارسل العراق تقريرا ان خسائره البشرية من القصف كانت حوالي 2300 قتيل و 6000 جريح. و هو ما يتفق مع تقديرات الامريكان قبل بدء الحرب الجوية.

 


و كان تقليل الخسائر البشرية العراقية محل اهتمام من القيادة الامريكية لظروف الحرب و طبيعة التحالف. و قد كان هناك كتيب من 10 صفحات حول الاهداف التي يجب عدم قصفها كالمساجد و المدارس و غيرها. و للمقارنة: في غزو نورماندي كان هناك مدني واحد قتيل لكل 4 اطنان من القنابل التي رميت من الجو. في حرب فيتنام كانت النسبة واحد لكل 13 طن و في حرب الخليج كانت النسبة واحد لكل 38 طن. طبعا هذه الارقام لا تعني شيئا امام العائلات المفجوعة في النجف و الدور و الديوانية و الناصرية و البصرة حيث قتل المئات.

---------------------

كان توجه العراق بارسال طائراته المقاتلة لايران مفاجأة كبيرة للامريكان. حيث كان توقعهم ان العراق قد يرسل بعض مقاتلاته غربا نحو الاردن. اما ان يرسل العراق طائراته لايران، عدو الامس اللدود فكان هذا خارج كل الحسابات.

لايقاف هروب الطائرات العراقية، تم تخصيص 3 اسراب اف-15 في دوريات على مدار الساعة شرق العراق لمنع اي طائرة عراقية من الهرب. و كانت الدوريات تغطي 5 مسارات متوفعة لطائرات العراق الهاربة (سميت المسارات باسماء انثوية: كارول، شارلوت، الين، اميلي، سندي). و كان المسار سندي هو اكثر المسارات اهمية كونه يغطي المسار المباشر بين بغداد و ايران. و كان مغطي على مدار الساعة باربع طائرات اف-15 اول زوج يدور مسارا بقطر 50 كم و الزوج الثاني يتزود بالوقود من طائرات التزويد الجوي.

 

كان الروتين قاتلا للطيارين الامريكيين، فالعراقيين يفضلون الهرب بالنهار حيث من الصعب على الامريكيين الاشتباك فوق الدفاع الجوي العراقي و بالليل حين يملك الامريكان الميزة يبقي العراق طيرانه على الارض. و قد كسر الروتين حادث مميز عندما رصد الاواكس طائراتا ميغ-25 عراقية تندفعان بسرعه كبيرة نحو ايران على ارتفاع 1200 متر و بسرعة حوالي 1800 كم/ساعة. تحرك زوج F-15 نحو الهدفين و اطلق صاروخا سبارو. انحرفت طائرات الميغ شمالا بسرعة 2 ماخ و هربتا من الصاروخ بعد اطلاق صاروخين على الطرف الامريكي. ناورت الطائراتان و حاولت الطائرة الامريكية الثانية اطلاق 3 صواريخ و لكن لم تنطلق لعطل فني. و بالتالي انسحبت الطائرة الثانية و لحقتها الاولى بعد اطلاق صاروخ سبارو اخر لم يؤثر على الطائرات العراقية المنسحبة.

تابع قائد السرب (ضمن الزوج الثاني من
F-15 الذي كان يتزود بالوقود من الجو) المعركة على شاشة الرادر، وقدر ان العراقيين لم يكونوا يريدون الهرب لايران هذه المرة، بل ارادو استدراج الامريكان لكمين. و بعد انتهاء الاشتباك، انسحب العراقيون شرقا نحو قاعدة التقدم في ضواحى بغداد. و قدر قائد السرب انه لو انطلق باقصى سرعة ممكنة فانه سيصل للطائرتين جنوب بغداد و قبل الوصول للقاعدة الجوية و قد يستطيع اسقاط تلك المقاتلات.

و بدأ السباق. و قد درس الامريكان تكتيكا عراقيا من ايام الحرب مع ايران، حين كان العراقيون يغرون الايرانيين بمطاردة مقاتلاتهم بينما تكون طائرة ميراج
F1 جاهزة للانقضاض على الفريسة من الاسفل. و كان قائد السرب حريصا اشد الحرص من مثل هذا الفخ  و بقى مركزا على شاشة الرادار لدرجة انه لم ينتبه على الرياح التي تدفعه للشمال قليلا قليلا. و لم ينتبه لخطأه حتى نظر من النافذة ليجد نفسه في وسط بغداد! و ما هي الا لحظات حتى بدأت صافرات الانذار في الطائرة تعلن فتح رادارات سام 2 و سام 3. و لكن الصواريخ لم تطلق (ربما حرصا من العراقيين على طائرتي الميغ). و عاد قائد السرب لمطاردة الميغ التي اصبحت على ارتفاع منخفض للهبوط. اطلق صاروخا سبارو بدون فائدة. و اكمل قائد السرب المطاردة و اطلق صاروخا اخر على الطائرتين العراقيتان اللتا كادتا تلامسا ارض المطار و لكن بطء الطائرات العراقية شوش على الصاروخ و ضرب الارض. و نجا العراقيون من ذلك الاشتباك. في الاسبوع التالي اسقطت نفس الدورية 4 طائرات عراقية هاربة لايران. و توقف العراقيون عن التحليق الجو تماما بعد ان كانوا  يسيرون 20 دورية في اليوم و انتهت الحرب الجوية للطيارين العراقيين. بعد نجاحهم في تهريب حوالي 90 طائرة لعدو الامس ايران.

الجدير بالذكر ان المخطط الامريكي بقي لفترة طويلة قلقا من تسمح ايران للعراقين باخراج طائراتهم من ايران لعمل هجوم جوي شامل و انتحاري، و كان ممن هدأ مخاوفهم الامير بندر و كذلك التقارير ان الايرانيين بدأوا يدهنوا شعار طيارانهم على تلك الطائرات خلال ايام من وصولها.

المصدر:
R. Atkinson
 
Crusade

------------------

 

لاحظ نابليون ان الجنرال لا يعلم اي شيء عن ارض المعركة على وجه اليقين. و لا يعلم بوضوح اين يوجد العدو، و لا يعلم اين توجد قواته بدقة. و هذا الكلام صحيح منذ ايام نابليون و ما قبلها و ما بعدها. حتى في اول حروب العصر الحديث: حرب الخليج. و كان من اصعب مشاكل الحرب على القيادة المشتركة، ان تعرف مواضع القوات العراقية و حجم الضرر الذي اصابها. و كان تقدير اضرار ساحة  المعركة   Battle Damage Assessment مصدر خلاف منذ سقوط اول قذيفة على العراق. 

و على سبيل المثال نذكر مؤتمر صحفي يوم 30 يناير، حيث اظهرت كاميرات مركبة على طائرات اف-15 صور اصابة شاحنات زعم وقتها انها حاملات صواريخ سكود عراقية. و قد ادعت القيادة المشتركة (بعد تأكيد المحليلين من هناك) ان تلك الغارة دمرت 7 ناقلات عراقية. 

شاهدت محللين المخابرات الامريكية المؤتمر مثل غيرهم. و قد صدموا من هذا التحليل. و قد كان رأيهم ان هذه ليست منصات متحركة، بل هي صهاريج بترول! و خلال دقائق تم الاتصال بشوارتزكوف الذي دخل في نوبه غضب في وجه المحللين الذين اقترفوا هذا الخطأ. و مرت هذه الاخطاء مثل غيرها. لكن الكل كان يعرف ان اهم قرار امام شوارتزكوف: متى نوقف القصف الجوي و نبدأ الحملة البرية. يعتمد على معرفة قدرة العراقيين على القتال. 

تم تخصيص موارد هائلة لمسح ساحة المعركة. حيث استخدمت 23 نوع طائرة تجسس. من بينها طائرات U-2 الشهيرة. و فوق هذا تم استخدام 6 اقمار صناعية كانت تستخدم الكاميرات بكل انواعها. و كان من بينها ساتل keyhole القادر على رصد اجسام بعرض ربع متر! و من بينها Lacrosse القادر على رصد الدبابات حتى في اليوم الغائم اعتمادا على تقنية الرادار. و تخصص قمران اخران Magnum و Vortex بالتجسس على الاتصالات العراقية. 

و قد عمل مئات المحللين من القوة الجوية و البحرية على دراسة هذه الصور. و قد تجمع في نهاية الحرب طنين من هذه الصور و الوثائق! و كان حجم 2000-3000 غارة جوية كبيرا حتى على محللي الاستخبارات لدراسة كل ما نتج عنها. و كانت الغيوم ثقيلة بشكل غير متوقع في بعض الاحيان. و كانت بطاريات السام العراقية تمنع طائرات التجسس من التوغل فوق مناطق حساسة اول اسابيع الحرب، و في المحصلة كانت الاستخبارات متأخرة عن سير الحرب بيومين او ثلاثة. و هي فترة اكثر من كافية للعراقيين لتغيير الوضع على الارض. 

بخلاف القصف التقليدي، حيث يكون تقدير الضرر بكمية مخلفات الدمار، او بحجم الثقب في سقف المصنع او المنشأة. فان قنابل التوجيه الذكي قادرة على حرب المنشأة من الداخل بينما الثقب على السطح صغير جدا. و اضطر المحللون لكثير من التقدير، و احيانا مهاتفة الطيارين لسماع انطباعهم قبل تقرير ان كان الهدف يحتاج جولة اخرى. و بعد الكثير من الشد و الرد - لدرجة ان الجنرال Liede قائد العملية الاستخبارية شارف على الانهيار العصبي، تم تغيير نظام الرصد من تقدير الضرر الى تقدير مدى قدرة الوحدة على العمل. 

مثلا في فبراير تم تقدير ان المطارات العراقية بشكل منخفض نسبيا، لكنها كانت غير عاملة بسبب ان العراقيين توقفوا عن الطيران. و بنفس الاسلوب، كان التقدير ان صواريخ سكود عانت اضرار منخفضة على الارض، لكن العراقييون خففوا الاستخدام بسبب الضغط و بالتالي تم وضع تقدير انها غير عاملة. و قبل شوارتزكوف بهذا الحل. 

اما تقدير قوة الدرع العراقي فكانت مهمة مخابرات الجيش. و التي اعتمدت على تحليل الصور و الاتصالات العراقية. و قد اتضح فشل هذا الاسلوب مبكرا. فالعراقيين لك يستخدموا الراديو الا للضرورة القصوى. صور الفضاء كانت اما بعيدة بشكل غير جيد او مركزة على دبابة واحدة او قطعة مدفعية! و تم تغير الحال و الاعتماد على ارصاد طائرة U-2 و ارصاد الكاميرات التي تحملها المقاتلات. اول فبراير قدر الامريكان تدمير 476 حتى اليوم، و بعدها باسبوع رفع العدد ل 728. 

و بمرور الايام اصبح هناك خلاف كبير بين محللي الجيش و محللي المخابرات - الذين استخدموا كوسيلة تدقيق مستقلة و كانوا يرفعوا التقارير مباشرة للرئيس. و كان محلل المخابرات مضطر لاستخدام صور الاقمار الصناعية فقط بسبب تأخرلخسائر الدر

اخر اختراعات الجنرال Lied كانت لوحة تمثل مسرح العمليات و عليها كل من ال 42 فرقة للجيش العراقي و الحرس الجمهوري. كل فرقة تمثل بورقة مع لون: الاخضر 75%-100% جهوزية. الاصفر 50%-75% جهوزية و الاحمر اقل من 50%. خلال ايام حفظ شوارتزكوف كل الخارطة و بدأ يطلب التركيز على وحدات معينة دون حتى التظر للخارطة. و قليلا قليلا بدأ اللون الاخضر ينحسر لمصلحة اللونين الاصفر و الاحمر.


--------------------------------------

ينسى الكثير من المتابعين لعاصفة الصحراء ان انزال المار ينز من الشواطئ كان من الخيارات التي تم مناقشتها مرارا و تكرارا لدرجة ان المتابعين من كلا المعسكرين توقع حصوله. و حتى اول ايام الحرب كان الجميع ينظر لسواحل الكويت منظرا انزالا دراماتيكيا. و كان العراقيون مستعدين لهجوم من هذا النوع بل و يتمنوه بسبب صعوبة تنفيذة و ارتفاع احتمال الخسائر على الطرف المهاجم. و قد حضر العراق تحصينات جدية على سواحل الكويت و اسندها بالالغام و وضع 3 وحدات في المنطقة لدفع القوات المهاجمة لو اضطر الامر. و يمكن اعتبار عدم وقوع اي جهد رئيس من هذا المحور من المفاجئات الاستراتيجية التي اتى بها المخطط الامريكي.

كانت قوات البحرية موجودة و لكن كان هناك تعليمات صارمة بعدم تجاوز خط 50 كم جنوب حدود الكويت الجنوبية في العمليات حتى لا يتم استفزاز العراق لعمل ضربة استباقية و بدء الحرب قبل جهوزية الامريكان. و تم العمل على خطة (رمح الصحراء
Desert Saber) لعمل انزال للمارينز على ميناء الشعيبية يتزامن مع الهجوم البري. و بعد ايام من الالحاح وافق شوراتزكوف على دراسة الخطة و ذهب بالمروحية ليجتمع بالقيادة البحرية على متن احدى حاملات الطائرات في الثاني من فبراير.

الاخبار التي عند البحرية لم تكن سارة على الاطلاق. فالانزال البحري يحتاج المعطيات التالي:
1- تنظيف ممر بحري من الخليج العربي للساحل الكويتي من الالغام
2- يجب حماية كاسحات الالغام البحرية عند العمل قرب ساحل الكويت مما يتطلب ضرب الساحل الكويتي من الجو بقوة و من مدافع السفن.
الخطوة الثاني تحتاج حوالي اسبوع بينما كسح الالغام بطلب 18 يوما! 
 3- يجب ضرب الشاطئ مرة اخرى بالمدفعية لتليين الدفاعات العراقية التي قد تشكل مشكلة امام قوات الانزال و هو ما يحتاج 5 ايام اضافية.

اي ان البحرية تحتاج 28 يوما للتحضير قبل اول انزال على الشاطئ الكويتي. و بالتالي لو وافق شواتزكوف على العملية، سيحتاج ان يؤخر الهجوم البري لأول مارس. و هذا طبعا بفرض ان كسح الالغام سيتم بدون مشاكل.

بعد الحرب كان الرأي السائد ان الخاصرة الضعيفة للبحرية هي الالغام البحرية. فكاسحات الالغام كانت - حسب شوارتزكوف- قديمة، و بطيئة، و غير فعالة. و كانت مشاكل الامريكان في الموضوع تعود الا ان تقسيم الواجبات في الحرب القادمة مع روسيا ستكون ان ياتي الامريكان بالسفن الكبيرة اما باقي دول الناتو فمن واجبها التعامل مع الالغام. و كان هناك عدم اهتمام بما قد تشكله دولة من العالم الثالث من خطر في هذا المجال. و قد عبر اكثر من ضابط من دول صديقه عن قلقه من اسلوب ادارة الامريكان لهذا الموضوع.

كانت تقديرات المخابرات الامريكي ان العراق يملك بين الف و الفين لغم بحري. معظمها عبارة عن الغام تشتغل عند الاتصال معها - من مخلفات الحرب العالمية الاولى. و قد رصد العديد منها بعد ان جرفها التيار. و لكن كان هناك الغام تنفجر بتأثير الحقل المغناطيسي للسفن او حتى من صوت دوران المحرك في الماء. و لا يعرف احد اين زرع العراق هذه الالغام بسبب تشدد شوارتزكوف في عدم الدخول في المياه القريب من الحدود الكويتية لا بحرا و لا في الجو.

في مواجهة هذا، كان للبحرية كاسحتان الغام جدد مصممتان للمياه العميقة و 3 قوارب و 6 مروحيات. و لم يكن اي من هذه المرتبات قادر على كشف الغام على عمق اقل من 10 متر. و اضيف لذلك 5 كاسحات بريطانية، و 3 من بلجيكا و بضعة سفن من السعودية.

كان تنظيف المياه من الالغام يمر ب 3 مراحل.
1- تطير مروحية فوق القاطع و تجر معها ما يشبه الشفرة تحت سطح الماء لقطع اي اتصال للغم بالقاع و بالتالي يطفو و يسهل التعامل معه.
2- تطير مروحية بمصدر اشعة مغناطيسية و الصوتية تشبه الخارجة عن السفن لخداع اللغم لينفجر.
3- تقوم سفن الكسح بمسح المنطقة مرة اخرى لكشف اي لغم نجى من الاجراءات السابقة.

كانت العملية طويلة و النتائج غير مضمونة، حيث ان تغير حرارة المياه، و التيارات، و حتى ذكاء تصميمات الالغام تمنع الاجراءات السابقة من تفجير كل شيء. فبعض الالغام مبرمج ليسمح بمرور عدة سفن قبل ان ينفجر. و كانت حسابات البحرية ان مسحين على منطقة ملغومة بمساحة 50 كم مربع يكفي لجعل نسبة الامان 60% فقط.

و ليست هذه المشكلة الوحيدة التي ترافق الانزال البري. فالعراق يملك الكثير من صواريخ (دودة القز
Silkworm) ارض بحر و صواريخ Exocet الجو بحر. و كان من غير المسبعد ارسال طائرات عراقية في مهمات انتحارية. و كان من المطلوب ضرب كل عمارة مرتفعة على الشاطىئ قبل عمل اي انزال و الا ستكون نسبة الخسائر المحتملة مرتفعة. و كان شواتزكوف من انصار مدرسة (تحرير الكويت دون تدمير الكويت). اضافة الا ان قصف مناطق قرب مصفاة الشعيبية - فيها محطة غاز - قد تؤدي لكارثة.

دار شوارتكوف يكرسيه و واجه مدير العمليات البرية
Walter Boomer. و سأله السؤال المتوقع: هل تستطيع الهجوم برا بدون مساعدة الانزال البحري؟

صمت الجنرال لثلاثين ثانية كاملة قبل ان يجيب. كان يعتمد في ان فرقتي المار ينز سوف يدخلون الكويت من الجنوب مع اسناد مدفعي و على الارض و لوجستي من البحرية. و ان 3 فرق للجيش العراقي ستكون مشغولة في التعامل مع ذلك الهجوم. و هو سيحتاج لمزيد من التموين بسبب عدم توفر الدعم من البحر قبل دخول الكويت. و لكن امام كل هذا كان لا يمكن ان يقبل تأخير الهجوم لعدة اسابيع بشكل قد يكشف المفاجأة. اضافة الا ان الهجوم فيه خطورة غير مبررة على القوات. و كان الجواب: نعم. و لكن بشرط ان تبقي البحرية ضغطها ووجودها على العراقيين ليبقوا يظنون ان الهجوم قادم من هناك. و لو كان هناك مشاكل في الهجوم البري ممكن فتح تلك الجبهة عند الضرورة.

كان هذا القرار صحيحا 100% من جانب شوارتزكوف. و هو يمثل جانبا مهما في القيادة احيانا (تجنب الخسائر غير الضرورية) احيانا في مقابل (قبول خسائر للهدف الاكبر). و في ضوء تطور الاحداث سوف يتأكد شوارتزكوف ان عدم وضع مصير الهجوم في يد كاسحات الالغام كان قرارا سليما. فقط كان مستواهم (و مدى سوء حظهم) اسوأ مما توقع.   

------------------------------------------------------------------------

بعد الاجابة على التفاصيل الاستراتيجية خلال الاسبوع الاول من فبراير، و التي حددت طبعة و محاور الهجوم الرئيسية على الكويت و جنوب العراق. حيث تم عمل تمويه بانزال بحري على شواطئ الكويت و ان محور الهجوم الرئيسي سيكون من الجنوب الكويتي نحو مدينة الكويت. و لكن الجهد الرئيسي سيكون من الغرب بالتقدم نحو الكويت و جنوب العراق لمحاولة حصار الجيش العراقي كاملا. و الذي كان تواجده في كل الكويت يخالف ابسط بديهيات التخطيط الدفاعي كما اشارت القيادة العسكرية العراقية مرارا و تكرارا.

نقول بعد ان تم وضع الخطوط العريضة، بدأ السباق مع الزمن في حسم ملايين التفاصيل الصغيرة لتحرك قوات بهذا الحجم و من جيوش مختلفة و تحت تحد لوجستي كبير. اسئلة مثل اين تتمركز القوة الفلانية و جدول التقدم و كيف نؤمنهم. و قد كان هناك جبهتان منفصلتان:

 


1- التقدم من جنوب الكويت شمالا اسند للمارينز و القوات العربية المشتركة. و كانت مهمة هذه القوات الهجوم الاسنادي، و لك يطلب منهم ان يقهروا حوالي 170 الف جندي عراقي و يجبروهم على الانسحاب. فقط تثبيتهم حتى تأتي القوة الضاربة من الغربي لحصار هذه القوات. و كان عدد قوات هذا المحور حوالي 70 الفا. و كانت نتيجة معركة الخفجي و الرصد الامريكي تشير الا ان الجيش العراقي بدأ يتفكك. و كانت قيادة المار ينز (جنرال بومر
Boomer) حريصة على اختيار محور هجوم يستغل اضعف نقطة في الدفاع العراقي. و تم تعديل محور الهجوم 5 مرات! و لم يتدخل شوارتزكوف في الموضوع رغم شكوى بعد قيادات الاركان من هذا التردد. و كانت اكبر مشاكل المار ينز هي توجيه الفرقتين في الهجوم حتى يتقدمان معا بدون تغيرات و بدون تداخل يعيق الحركة. و تم دراسة اقتراح ان تتقدم فرقة واحدة من خاصرة الكويت نحو الشرق للسيطرة على مرتفعات الجهراء. لكن كثافة الدفاع العراقي في تلك المنطقة لم يكن مشجعا. و في النهاية تم اقرار الهجوم من الجنوب بالفرقتين. و ان يتم تقدم كلا الفرقتين من نفس نقطة الاختراق! و كان هذا خيارا مليء بالتحديات. فأن تقوم الفرقة الاولى بفتح ثغرة في حاجز الالغام العراقي و بعدها حاجز الاسلاك الشائكة و تدع الفرقة الثانية تتقدم قبلها (اي الهجوم ب 5 الاف الية بينما تتوقف بجانبها 5 الاف الية اخرى) قد يؤدي لازمة طرق طولها 50 كم. تحت نيران المدفعية و تخيل لو ان العراق ضرب بالكيماوي على تلك المنطقة. سوف تصبحة الثغرة مقبرة للقوات الامريكية. و بقي هذا مصدر قلق للمارينز حتى اتى اقتراح من العميد كيز keys. حيث وصلت معدات ازالة الغام من اسرائيل للسعودية الامر الذي يسمح بعمل ثغرة اخرى. و كان الاقتراح من ان تكون الثغرة 60 كم غرب الثغرة الاولى. عبر حقل ام غدير النفطي. حيث من المستحيل ان يتوقع العراقيون الهجوم من منشأة صناعية مليئة بالعوائق كلانابين و غير هذا و هو ما سيخفف القوة الضاربة للهجوم بتوزيع القوات. و صدم بومر من الاقتراح. و لكن العميد كان شخصا محل ثقة. و بعد يوم من التردد، وافق بومر على الخطة.

2- التقدم من الغرب الى الشرق نحو شمال الكويت و جنوب العراق. هناك تدخل شوارتزكوف يكل التفاصيل. و قد كان حجم القوات حوالي 255 الفا. و مرة اخرى تم توزيع الجهد على فيلقين: الفيلق 18 المجوقل يدخل شمال الكويت لقطع اي اسناد من بغداد. و الفيلق السابع - باسطول دباباته الكبير - كانت تعليماته تدمير الحرس الجمهوري و منع اي اسناد من الوصول للكويت حتى لا يتسنى للعراق عمل هجوم مضاد.

كان السؤال الاهم امام الاركان هو: اين يتوقف الهجوم الثاني؟ كان اول اقتراح هو قاعدة الجلبة جنوب الفرات. حيث تشرف على الطريق السريع رقم 8 و تقع حوالي 100 كم غرب البصرة. حيث ان النجاح في قطع هذا الطريق سيعزل العراقيين. و لكن شواتزكوف بقي يقدم نقطة التوقف في كل نسخة من الخطة حتى وجد المساعدين انفسهم يدرسون خريطة السماوة على بعد 150 كم غرب الجلبة. حيث تم عمل خطط لقطع 3 طريق تؤدي للمدينة و كذلك الهجوم على الناصرية القريبة منها. و الحقيقة لم يشرك شواتزكوف اركانه حول اسباب هذا التعديل. و كان الظن انه يريد ان يخيف بغداد بحجم التهديد حتى لا ترسل اي تعزيزات نحو الكويت.

و لكن مع كل تقديم لنقطة التوقف، يصبح سؤال التموين اكثر صعوبة. فالقوات تحتاج 15 مليون غالون في اليوم، ترسل عبر صهاريج مسافة 600 كم من ميناء الجبيل السعودي حتى قيادة الفيلق المجوقل و بعدها 200 كم اخرى للسماوة. اضافة لهذا فان ادخال الجيش الامريكي حرب شوارع في المدن العراقية و الخسائر المدنية المحتملة كان عاملا سلبيا اخرا. اخيرا تراجع شوارتزكوف و اعاد القوات لنقطة التوقف الاولى. خصوصا و ان القوات الامريكية كانت ستكون بعيدة جدا عن معركة الحرس الجمهوري لو تطلب الامر اسنادا.

 كانت حرب الصحراء امرا جديدا على هذا الجيل من القادة الامريكيين، و اصطحب الكثير منهم كتاب "اوراق رومل" و كتاب "جنرالات الصحراء" لدراسة طبيعة المعارك في هذا الظرف. و كانت الصحراء انسب كثيرا لجيش مرن متصل و صاحب سيطرة جوية و عقيدة تشجع على المرونة و المناورة في القتال. و كان التشبيه دائما بان قتال الصحراء هو اشبه بقتال البحار. و لكن كان هناك تحديات مثل الاجناب المكشوفة و كذلك صعوبة تعيين المدفعية. اضافة الا ان الدعم بالطعام و السلاح و الوقود يحسم الحروب الصحراوية. مثلا ابدع الانجليز في شمال افريقيا في هذا المجال عن طريق بناء سكة حديد و انبوب ماء خلف قواتهم. عامل اخر مهم في حرب الصحراء، الهزيمة قد تكون الاولى و الاخيرة. فلا يوجد ملاذ للجيوش المهزومة ان تهرب و تختبئ خلفها.

و لو كانت الحرب الصحراء تشبه حرب البحر، فقد كانت دبابة الابرامز هي خير سفينة للقوات الامريكية. حشد الامريكان حوالي 2000 دبابة على مسرح العمليات. هذا الوحش الذي يزن 67 طن مع مناظر حرارية تكشف فوق 3 كيلو و قدرة على الضرب من الحركة و بسرعة 50 كم في الساعة (و اكثر على الارض الصلبة). و كان مجموع الاليات المحشودة من الطرفين حوالي 10 الاف. و قارن هذا بالعلمين (الفين) و بمعركة كيرسك (8 الاف) لنجد ان حرب الخليج حطمت الرقم القياسي باكبر معركة اليات.

افضل الدبابات العراقية -
T-72 - كانت تقل عن وزن الابرامز ب 20 طنا. و كانت قذيفتها غير قادرة على اختراق الدرع الامريكي الامامي (سماكة قدمين و زاوي 60 درجة) حتى من مسافة متر واحد!! و لكن مقتل الابرامز كان الوقود = 8 غالون لكل ميل! اي انها تحتاج اعادة تعبئة بعد 8 ساعات من العمل بحوالي 500 غالون! و كان القتال على اسلوب طور في بداية الثمانينات. حيث يجب على قائد القوة معرفة تحركات العدو ضمن عمق 150 كم و احباط اي نوايا هجومية له باستدعاء القوات الجوية و القوات الخاصة عند الضرورة و التركيز على المرونة و السرعة و المفاجأة. و كانت مصادفة ان اول تطبيق حقيقة لهذا الدرس سيكون في الصحراء، حيث الوضع المثالي لهذا الاسلوب.


------------------------------------

ننتقل الان مستوى اخر في القيادة و العمليات. حيث نناقش بعض جوانب حشد و تنظيم الفيلق السابع المدرع. اكبر فيلق شكل في الجيش الامريكي. كانت مهمة الفيلق بدأت تتمحور منذ بداية شهر نوفمبر بأن يقوم بتدمير الحرس الجمهوري، حتى يضمن عدم قدرة العراق على تهديد الخليج مرة اخرى. و لمحبي الحرس الجمهوري ان يشعروا بالفخر ان امريكا حشدت اكبر فيلق في تاريخ العمل العسكري لهذه المهمة: 146 الف مقاتل و 1400 دبابة. تحت قيادة الجنرال فرانكس
Franks. و هو قائد هادئ الشخصية لدرجة توحي بالتردد و عدم الحزم احيانا و قد وصف احد المساعدين تردد رئيسه بقوله: لا يستطيع ان يقرر ان يبول في بنطاله لو كان مشتعلا! و قد بترت قدمة في حرب فيتنام. و كان من اشد المعجبين بالعقيدة القتالية الجديدة المعروفة باسم AirLand و التي تستفيد من تطور التقنيات العسكرية للجيش الامريكي.

في شهر ديسيمبر، كان اكبر شاغل للجنرال فرانكس هو نقس قواته من المانيا! نعم عزبزي القارئ، القوة الضاربة الامريكية لم تكن قد وصلت ارض المعركة بعد، و كأننا اما فريق رياضي قادم ليلعب مباراة على ارض الخصم قبل ان يعود. كان من المفروض ان يكتمل الحشد يوم 15 يناير، لكن الحرب بدأت و لا تزال الوف اطنان المعدات مبعثرة بين المانيا و السعودية. و حتى اول فبراير كان هناك بعض المعدات التي على الطريق.

و بينما كان الفيلق الثامن عشر المجوقل على اهبة الاستعداد للذهاب الى اي مكان في العالم بسرعة، لم يكن هذا بين خطط او تنظيم الفيلق السابع. فلم يكن الفيلق مستعدا لنقل اي قوات اكثر من كتيبة. و بدأ الجنرال صراعا مع الزمن لنقل 37000 قطعة معدات. حتى انه تم دراسة نقل المعدات عبر الاتحاد السوفياتي باستخدام القطارات نحو تركيا. و لكن اشار احدهم ان عيار سكك الحديد الروسية مختلف عنه في المانيا. و خلال اسابيع التنقل، استخدم الفيلق 465 قطار و 312 معدية و 578 طائرة و 140 سفينة للوصول للدمام.

امام تحدي نقل هذه الحجم من الاليات، و في المدة المحددة كانت المشاكل اللوجستية لا تنتهي. مثلا تحتاج الدبابات لنوع خاص من الناقلات (
lowboy). و كل اوروبا تحتوي على 300 ناقلة فقط! و اضطر الامريكان لارسال سلال الطعام لمشرفي سكك الحديد لابقاء خطوط تحميل القطارات عاملة لما بعد الدوام الرسمي. و بعدها كانت مشكلة المناولة في الموانيء (3000 حاوية). و كان القرار ان يتم تعبئة و شحن الحاوية خلال 72 ساعة، حتى او اضطرت القوات الامريكي لشحن حاوية فارغة. مما يبقى التدفق ثابتا و يسرع العملية. هذا غير تعطل السفن في البحر. و بعدها الوصول للدمام و نقل الحاويات من خلال شاحنات (تم دراسة اقتراح مد سكك حديد و لكن لم يتم الموافقة عليه). و مرة اخرى كانت مشاكل تأمين الناقلات المناسبة و التي تم حلها بالاستئجار من دول مجاورة.

و لكن تم الانجاز، تم نقل قوات الفيلق بعدد دبابات يتجاوز الدبابات المشاركة في العلمين خلال 3 اشهر من المانيا الى السعودية. و جلس الجنرال الامريكي اما 3 خرائط لجنوب العراق، كل واحدة بمقياس رسم مختلف. و كان يمضي الساعات يحدق الخرائط و يمثل بيديه سيناريوهات المعركة المقبلة مع نخبة قوات العراق.غ

كانت توقعات المخابرات الامريكية ان يقوم العراقيون بمد خط الدفاع الاول (الالغام و الخندق) الذي عرف باسم خط صدام طوال حدود الكويت و بعدها غربا ب 150 كم عبر الحدود السعودية العراقية. و بعدها تبدأ الصحراء تشكل عائقا طبيعيا امام حركة الدبابات. و كانت الخطة الاولية هي تقدم الفرقة الاولى غرب وادي الباطن عبر الخط و التقدم مع الانجليز لمواجهة دبابات الجيش العراقي. بينما يكون محور اقتراب باقي الفيلق هو في شمال هذه الفرق داخل العراق و بعدها الدخول شرقا لمواجهة الحرس الجمهوري.

كانت القرارات كالتالي:
1- ارسال الفرقتين المدرعتين الامريكييتين: الاولى و الثالثة شمال شرق حتى منطقة البوسية و الانحراف غربا.
2- التقدم على جبهة ضيقة: 40كم. حيث فضل فرانكس ان يضرب بقبضة بدل ان يضرب بخمس اصابع.
3-  توقع فرانكس 3 معارك: مع مشاة الجيش العراقي عند الخط الاول، مع دروع الجيش العراقي القادمة لدعم المشاة، و اخيرا الحرب مع الحرس الجمهوري.
4- رفض فرانكس رفضا قاطعا اي اقتراحات من قيادة اركانه بأن يقوم بوقفة تعبوية بعد 150 كم من التقدم. حيث قال لاركانه: الفيلق هو مثل حاملة الطائرات، من الصعب ايقافه اذا تحرك، و من الصعب تحريكه اذا توقف. حيث اشارت اخر العاب الحرب ان القوات ستحتاج 24 ساعة لتعود لنفس زخمها. و كان موقف الجنرال قويا لدرجة ايقاف اي نقاش حول هذه النقطة. و لكن سيفتح الموضوع مرة اخرة عندما يضطر الجنرال لاتخاذ هذا القرار اثناء المعركة.

---------------------------------------------------------------------------


مع دخولنا شهر فبراير و اقتراب موعد الهجوم البري. كان هناك احباط في القيادة الجوية الامريكية من عدم فعالية سلاح الجو الامريكي ضد الدروع العراقية. التي كان يملك العراق منها الالوف. وقد كان احباط الامريكان من الاجراءات العراقية في تأمين الدبابات واضحا:

1- قام العراقيون يتغطية دروعهم باكياس الرمل، مما حجبها بشكل كامل من ارتفاع 3-4 كم، المدى المسموح به بالطيران لطائرات التحالف.
2- حتى لو رصدت الالية، فقد كانت في العادة موجودة في داخل مربض ارضي يحميها من كل الضربات باستثناء الاصابة المباشرة.

ازاء هذه المعطيات اجتمع قائد عمليات الجو مع العقيد
Thomas Lennon. قائد السرب السادس لطائرات F111. خدم العقيد في حرب فيتنام و لكن لم يكن ذو شعبية كبيرة بين الطيارين. و قد كان معروفا عنه تبديل مهام الطيارين و فنيين الاسلحة باستمرار حين لا يعجبهم اداؤه. و كان يتعمد اشعال المنافسة بين الطيارين بوضع لوحة بعدد اصابات كل طيار في غرفة تخطيط العمليات! و لكنه لم يكن يخشى ان يواجه الرتب الاعلى حين يتطلب الامر دفاعا عن طياريه و رجاله. و يشهد له ان ولا طائرة من سربه قد سقطت. رغم ان حسابات الجيش كانت تتوقع 20% كنسبة خسائر.

في المحادثة تم استعراض الاسلحة التي ممكن استخدامها لضرب الدروع العراقية بشكل فعال. اول اقتراح كان قنابل
CBU-87 العنقودية، لكن لينون رفضها على اساس انه لا يمكن توجيهها. و استقر الرأي على قنابل GBU-12 و هي قنبلة وزنها 250 كغم توجه بالليزر.

كانت طائرة
F111 تعود لحرب فيتنام. و كان دورها كقاذفة و ليس كصائدة دبابات. و لكنها كانت مزودة بنظام كشف حراري اسمه Pave Tack. و لكن اثناء تدريبات الحرب، فشل النظام في تحديد مواقع اي من الدبابات الامريكية في الجبهة. و لكن قرروا اعادة التجربة مع الدرع العراقي هذه المرة. و كانت المفاجأة ان النظام اصبح فعالا! و كان السر هو انه قبل الهجوم كانت الدبابات التي حاولوا رصدها مبعثرة و كانت المحركات مطفأة. اما العراقيين فكانت حشودهم متقاربة و كان اطقم الدبابات يبقون الدبابة تعمل حتى في الليل. الامر الذي يكشفها للنظام. و حتى الرمل كان يمتص حرارة الشمس طوال النهار و في الليل يبدأ باشعاع الحرارة بمعدل مختلف عن بدن الدبابة المعدني. اضافة لذلك ان تقليب الرمل في الليل لحفر اي خندق جديد يعطي بصمة حرارة مختلفة بسبب برودة الطبقات السفلى من التربة.

و خلال اول طلعة على فرقة المدينة شمال الكويت تم تدمير 7 دبابات من اصل 8 قذائف اطلقت! و بدأ ما يشبة موسم الصيد للدبابات و المدرعات العراقية على يد طيران التحالف. و كانت تقارير الخسائر بالمئات كل يوم (رغم اعتراض المخابرات المركزية الامريكية على هذه الارقام). و كان هناك اتهام بان الطيارين يقصفون نفس الهدف اكثر من مرة، او ان قطعات من الجيش تحسب انها من الحرس الجمهوري. و قد قدرت القيادة الامريكيى انه تم تدمير 1400 دبابة من اصل 4280 و لكن المخابرات الامريكية اكدت تدمير 358 من هذه الدبابات فقط! و شعر شوارتزكوف بالغضب ان الرئيس الامريكي قد يتردد في قبول موعد الهجوم المقترح على اساس ان الجيش العراقي لا يزال قويا. و لكن كان مستشار الرئيس مستعدا لقبول خطة الهجوم بشرط واحد: ان تكون منطقية و سهلة بحيث يفهمها مدني مثله! و سافر كولن باول و ديك تشيني للرياض لسماع الملخص الاخير لاستعدادات القوات و خطط الهجوم. 

----------------------------------------------------------------------------------------------------------

يوم 8 فبراير، سافر كولن باول و ديك تشيني و بول ولفويتز الى الرياض لحضور اجتماع مع كبار القيادات العسكري في الجيش لعرض تفاصيل الخطة النهائية. احب ان اشارك بعض المقتطفات من هذه الاجتماعات لنعرف جزءا من طريقة تفكير القيادة في المعركة القادمة:

1- لم تتأثر احكام مستشارين الرئيس بموضوع اختلاف ارقام المخابرات المركزية عن تقديرات الجيش من حجم الدروع العراقية التي دمرت. و اعطي الامر لتقدير رئاسة الاركان.
2- اوضح كولن باول لتشيني ان المدفعية العراقية (و هو صنف السلاح الوحيد الذي كان للعراقيين فيه تفوقا واضحا على الامريكان حتى هذا اليوم) ستكون عديمة الفائدة. السبب الاول هو ان معظمها ليست ذاتية الحركة بل يجب قطرها. مما يقيد الحركة. ثانيا انها في مواضعها الثابتة لن يكون بمقدورها ملاحقة حركة القوات المشتركة. ثالثا، ابقى القصف الجوي على قطع المدفعية ضباط السلاح بعيدين عن اسلحتهم بما يمنعهم من تخطيط الرمايات و عمل المسوحات و القياسات اللازمة. و بالتالي فالمدفعي العراقية عمياء من الناحية العملية.

بدأ الاجتماع في اليوم التالي. و كانت تعليمات شوارتزكوف للاركان واضحة: اي معلومة يطلبها مستشار الرئيس تعطى له في الحال. و بدأ الجنرالات عرض موقف كل سلاح:

2- سلاح الطيران تعهد بأكثر من مئة غارة جوية على ساحة المعركة كل ساعة!

3- البحرية عرضت خطة الهجوم البرمائي على الشعيبية لو احتاج الامر. و بعد مناقشة طويلة من باول حول عدد الخسائر المحتمل استنتج - مثل شوارتزكوف- ان هذه العملية لن تتم الا في الضرورة القصوى.

4- شرح مشاة البحرية اندفاعهم جنوب مسرح العمليات نحو الشمال باتجاه مدينة الكويت. و مرة اخرى طلب منهم باول عدم الاندفاع نحو اقوى مناطق الدفاع العراقية خوفا من الخسائر. كل ما هو مطلوب منكم اشغال العراقيية عن الفيلقين المندفعين من الغرب.

5- الاستخبارات توقعت ان يقاتل العراقيون من مبدأ الدفاع الثابت. و لكن قد تقوم بعض الوحدات بالمناورة  ومحاولة عمل الدفاع الايجابي و الهجوم المرتد. و امطر باول و تشيني ممثل الاستخبارات باكثر من 12 سؤال حول تقديراتهم لخسائر العراقيين - محور الخلاف مع المخابرات المركزية. كيف يتم الحساب، لماذا يتم الاستعانة بتقارير الطيارين، مدى دقة هذه التقارير، هل يستخدم العراقيون اهداف مزيفة كدبابات؟ الخ.  بعد حوالي 45 دقيقة من الاجابة على هذه الاسئلة اوضح الجنرال انه لو ضاعفت القوات الجوية مجهودها سيصبح للعراق نصف القوة التي دخل بها الحرب يوم 21 فبراير. التفت شوارتزكوف على هورنر (عمليات جوية) و سأله هل هو قادر على هذا؟ رد عليه، انه يمكنه ان يحقق اكثر من هذا خلال اسبوعين.

 

الاجتماع المسائي كان مخصصا لعمليات الجيش البرية:
6- شرح الجيش قدرات الفرق ال 11 العراقية التي تواجه الفيلق السابع الامريكي. و شرح الجنرال فرانكس كيف ينوي تجاوز 5 فرق مشاة. ضرب الاحتياطي المدرع خلفها و من ثم قتال الحرس الجهوري خلفها. و قد طالب الجنرال ب 3 اسابيع من التمرين بالنار قبل البدء بالهجوم بمجرد تكامل العتاد. و تكلم الجنرال لساعة بينما الوقت المخصص كان حوال نصف ذلك. مما اثار سخط شوارتزكوف الذي لم يكن يظن الكثير بالجنرال فرانكس على اي حال و وصفه بالبطيء كثير التفكير والتردد بشكل مرضي.

7- شرح الجنرال غريفيثس قائد الفرقة الاولى مدرعة خطط قواته و كانت الخطة هي الانعطاف عند البوسية و التوجه شرقا لضرب الحرب الجمهوري. و هنا اوقفه باول و سأل عن احتمال اعاقة قواته جنوبا قبل الوصول للبوسية. و هنا رد الجنرال انه لا يتوقع ان توقفه القوات العراقية عن هذا و لكن لو حصل فسوف تتدخل القوات المجوقلة  - الفيلق 18. و قد اشار الجنرال لمشاكل محتملة في: الذخيرة، قطع الغيار، الوقود، و البسة و اقنعة للحماية من الكيماوي.


8- اخيرا و ليس اخرا، نصل للجنرال مكافري. نجم من نجوم القيادات العليا في الجيش (من ضمن 400 جنرال). حيث كان اصغر قائد فرقة في تاريخ الجيش، و له سجل مشرف من الشجاعة في فيتنام حيث كاد ان يفقد ذراعة في هجوم للسرية التي يقودها على تحصينات العدو. و منذ بداية الخريف كان مكافري يتوقع ان يتم هزيمة الجيش العراقي بفيلق واحد (من اصل 3 شارك بها الامريكيون) فقط خلال اسبوع! كان دور الفرقة 24 مدرعة ان تدخل المنطقة بين قاعدتي الطليل و بلد و التقدم نحو الحرس الجمهوري نواحي البصري. و قد قدّر ان يطلق 17000 طن من الذخيرة وان يصرف 2.5 مليون غالون وقود في الهجوم. و كان صريحا في تقدير خسائره: حيث قدر ان يخسر بين 500 و الفين مقاتل (من اصل 26 الف) اثناء الهجوم و هو يميل للجانب الاقل. سألة تشيني من اين اتى بالرقم.

10 كتائب، كل كتيبة فيها 4 سرايا = 40 سرية
كل سرية ستخوض معركتين = 80 معركة
كل سرية ستخسر 25 جندي في المعركة كمعدل  لو قاوم العراقيون بقوة. و خسارة السرية 25 جندي في المعركة هو ثمن مقبول.

بعد عدة اسئلة قال تشيني للجنرال: انا اقدر هذا العرض جنرال، لكن ما اريد ان اعرف هو التالي: مالذي يقلقك انت في هذه الحرب؟

و رد الجنرال ببطئ: انا انسان حريص جدا. و قد جرحت في القتال 3 مرات. و ابني في الفرقة 82 المجوقلة. و اقول لك انه لا يوجد شيء يدعو للقلق في هذه الحرب:
اولا: الجيش حديث العتاد والعقيدة القتالية
ثانيا: اللوجستيات في ماكنها
ثالثا: معنويات القوات ممتازة

اتوقع ان نقضي على العراقيين خلال 10 -14 يوم. لا اشعر بالاطمئنان لذكر ذلك لك، لكني اظن ان العراقيين ليسو جيدين جدا. "

انتهى الاجتماع العام، و في الاجتماع الخاص تم منافشة ساعة الصفر. اقترح شوارتزكوف يوم 21 فبراير مع عدة ايام هامش احتياطا للجو. و قد حثه كولن باول على الاسراع ﻷن معدل صرف سلاح الجو للذخيرة مرتفع. و قد كان الثلاثي مرتاحا من عزم شوارتزكوف على الاسراع بالعمل بعد ان كانوا يتندرون على "حملة ال 365 يوم الجوية" قبل 3 اشهر. و قد المح شوارتزكوف من قبل للرئيس انه سيستقيل لو ضغط عليه سياسيا ليقوم بالهجوم قبل اتمام استعداد قواته البرية. و كان السؤال الفخ: "هل سنستفيد اي شيء لو مددنا الحملة الجوية بعض الوقت؟" الذي سأله ولفويتز ليمنح شوارتزكوف الفرصة ﻷن يطلب مزيدا من الوقت. و رد شواتزكوف، "كلا نحن جاهزون". 

و قبل العودة توقف تشيني و باول في خميس مشيط في زيارة لسرب
F-117 و قاموا بالتوقيع على احدى القنابل الليزرية الموتجهة للجبهة:
"الى صدام - مع محبتي. ديك تشيني، وزير الدفاع"
"الى صدام - لم تحركها و الان سوف تخسرها" رئيس الاركان.

-----------------------------------------------------

استهداف المقار القيادية في العراق و كارثة العامرية

 

 


كان تركيز غرفة عمليات الحرب الجوية للتحالف على القيادة العراقية كبيرا منذ بدء الحرب. و قد وصلت قائمة الاهداف ضمن هذا البند الى 35 ملجأ و مقر قيادة و سيطرة و مقر يوم 17 يناير - اول ايام القصف الجوي. و ستصل اهداف هذا البند الى 46 قبيل نهاية الحرب. و اغتيال قادة العدو هدف قديم قدم الحرب نفسها. لكن غالبية قصص النجاح كانت من قبيل الصدفة مثلما حصل مع الجنرال عبد المنعم رياض عام 1969 و الذي قتلته قذيفة اسرائيلية. اما النجاح المنسوب لعمل استخباري فهو نادر جدا. و اكبر مثال عليه كان كسر الشيفرة اليابانية و رصد و اسقاط طائرة الادميرال ياماموتو - مهندس ضربة بيرل هاربور بعد بدء الحرب العالمية الثانية بقليل.

و كان امل المخطط الامريكي ان تنجح تقنيات الاستطلاع و التجسس اضافة للقنابل الموجهة في قتل القيادات العراقية. و كان على رأس الاسماء طبعا صدام حسين. و قد صرح الجنرال مايكل دوجان - رئيس اركان القوات الجوية - ان صدام هو محور جهود عمليات التحالف. و قد طرده تشيني من وظيفته بعد هذه الزلة الاعلامية. حيث كان القانون الامريكي يمنع اغتيال القادة الاجانب. و بالتالي للحفاظ على نص القانون، يجب على الضباط التأكيد ان ما حصل كان عملية قصف ﻷهداف عسكرية و انه صادف ان كان صدام في تلك المنطقة.

السبب الاخر لمحاولة ابعاد صدام عن دائرة الاستهداف - علنا - كان ما حصل في بنما عام 1989. عندما غزتها امريكا ب 25 الف جندي و امضوا 4 ايام - محرجة - بحثا عن قائد البلد. و بالتالي كان التوجه هو ان الحملة لا يجب ان تكون ضد شخص. بل لتحقيق هدف.

و كان التقديرات تتراوح بين القادة. شوارتزكوف ظن الاحتمال (عاليا) ان يتم قتله في الحرب، و رئيس اركان القوات الجوية (الجديد) قدر الرقم ب 30%. و الكل كان يعرف قدرة الرئيس العراقي على النجاة من محاولات الاغتيال.

و بدأت الحرب الجوية على امل تحقيق هذا الهدف و انهاء الحرب مبكرا. و خصصت عدة ضربات على القصور الرئاسية في بغداد، مقر قيادة في ابو غريب، مقر صدام في التالجي كلها على اثر معلومات انه امضى الليلة السابقة هناك.

و لكن الحلفاء لم يملكوا معلومات "طازجة" عن وجود الرئيس العراقي. و استنتجت المخابرات انه صدام ينام في بيوت عادية و انه نادرا ما يمضي ليلتين في نفس المكان. و مع استمرار الحملة الجوية تم سحب الكثير من الطائرات لضرب الجبهة تمهيدا للحرب البرية و بالتالي تراجع احتمال اصطياد القائد العراقي.

و قنع المخططون الامريكيون ان صدام، و ان بقي حيا، فانه لا يملك القدرة على توجيه الجيش - مشكلة كبيرة في مجتمع تقليدي تاتي فيه الاوامر من فوق - اكثر مما كان لدى نابليون عام 1815. و صار البعض يرى ان ضرب المقار الاستخباراتية و الامنية العراقية قد يخفف من قبضة النظام على الشعب مما يسمح بالقيام بثورة.

على قائمة الاهداف المحتملة كمراكز قيادة، كانت شبكة الملاجئ اتي انشأتها شركة فنلندية في اوائل الثمانينات. حيث تم بناء 25 ملجأ في منطقة بغداد و ضواحيها. و في عام 1985 تم اضافة المزيد من التحصينات لعشرة من تلك الملاجئ و شملت التحصينات عزلها من المجال الكهرومغناطيسي المولد من ضربة نووية. و قد حصلت الاستخبارات الامريكية على مخططات هذه الملاجئ العشرة و استنتجت انها ملاجئ للقيادة  العراقية. اظهرت الصور الفضائية ان العراقيين احاطوا الملاجئ بسياج و لكن لم تظهر اي تحركات تشي ان هذه الملاجئ مأهولة. و كانت الخطة ان يتم قصفهم ثالث ايام الحرب الجوية. و لكن رأت القيادة تأجيل الضربة كون الملاجئ فارغة.

في بداية فبراير، شغلت 3 من هذه المقرات. و كانت المعطيات الاولية تشير الى ان وزارة الاعلام و وزارة الدفاع تشغل 2 من هذه المقرات. اما المقر الثالث فكان في ضاحية العامرية قرب شارع الاردن جنوب غرب بغداد. و كان الملجأ في حى للطبقة المتوسطة الى جانب مدرسة و مسجد. و كانت العلامة الاشارية امام المبنى تقول: "دائرة الدفاع المدني - ملجأ عام رقم 25" و قد اطلق عليه الامريكان اسم ملجأ الفردوس بسبب قربه من منطقة الفردوس.

تقارير الاستخبارات تشير الا ان الملجأ تم طلائه بشكل مموه في شهر يناير. و اشارت الصور اللاحقة الى ازدياد النشاط حول الملجأ و وجود سيارات عسكرية خارجه. و بدءا من 5 فبراير بدأت الاستخبارات الامريكية تلتقط اشارات لاسلكية حول المبنى. و بدأت الشكول حول ان المبنى تستخدمه المخابرات العراقية بسبب ان المبنى الاصلى قرب نادي الخيول تم

ضربه اول الحرب.

يوم 10 فبراير زار مسؤول المخابرات غرفة العمليات الجوية و اقترح اعادة المبنى لقائمة الاهداف. و بدورها المخابرات العسكرية درست المزيد من الصور للملجأ و تم التساؤل حول احتمال انه ملجأ مدني و ليس عسكري؟ و لكن لم توجد اي ادلة تشير الى استخدامه بشكل مدني، مع وجود دائم للسيارات العسكرية حوله الملجأ. و لكن قائد العلميات الجوية لم يقتنع بهذه الادلة. و قال ان العراق دولة بوليسية، و انه حتى المطاحن قد يتم طلاؤها بشكل عسكري مموه.

لكن بعدها بأيام، وصلت معلومات من احد جواسيس واشنطن القليلين في العراق - مسؤول عراقي متعاون مع الامريكان. و قد ابلغ الجاسوس - الثقة - ان المخابرات بدأت تستخدم الملجأ رقم 25. و عندها تم اعادة الملجأ لقائمة الاهداف. و تم ضرب الملجأ يوم 13 فبراير من طائرتين
F-117 كل منها القت قنبلة 2000 رطل موجهة بالليزر.

اكثر الناس حظا ممن كانوا في الملجأ هم من مات فورا. اما الباقي فعانوا من حريق مهول و ركام. استغرق اخراج الجرحى و الموتى لساعات. و قال العراق ان الضحايا 400 قبل ان يتم تعديل الرقم لاحقا ل 204 قتيل.

تم ايقاظ قائد العمليات الجوية من نومه و قيل له: "التقطنا اشارات لا سلكية من بغداد، يبدو ان الملجأ كان فيه مدنيين, ستصل الاخبار الى سي ان ان قريبا". و قد اتصل بالسرب الذي نفذ العملية و قال لهم لو حصل اي خطأ فهو ليس خطأهم. و وقعت واشنطن في حرج كبير، و صار على الجيش ان يشرح كيف ان حربا لاخراج العراق من الكويت ادت لقصف ملجأ في بغداد! و ذهب باول حاملا الصور و ادلة المخابرات ليشرح للرئيس الامريكي بوش ماذا حصل.

و ساهمت هذه الكارثة  ( و كارثة القذيفة البريطانية التي ادى خطأ ميكانيكي الى اسقاطها على سوق و قتل 130 عراقي بدل ضرب جسر قريب) في تخفيف الطلعات على المدن ﻷقصى حد. و صارت موافقة كولن باول شخصيا مطلوبة قبل اي مهمة مماثلة. 


---------------------------------------------------------------------------------------------------------------

اسرائيل تحاول ضرب العراق قبيل بدء العمل البري

مع مرور شهر على بدء الحرب الجوية. كانت مشكلة ضربات العراق الصاروخية قد تراجعت لمرتبة متأخر من سلم اهتمامات قادة الاركان. قوات الدلتا و القوات الخاصة البريطانية نجحتا في حصر الاطلاق الصاروخي ضمن نطاق ضيق في حول مدينة القائم، و كان هناك بين 75-150 غارة كل يوم على تلك المناطق لاخماد اي جهد عراقي لاطلاق صواريخ الحسين. و حتى الطرف العراقي توقف عن اطلاق الصواريخ باستثناء عندما يكون الجو سيئا، مما يسمح بمزيد من التمويه. و تراجع معدل الاطلاق من 5 كل يوم الى واحد كل يوم. و بدأت مشكلة تناقص احتياط صواريخ الباتريوت تقل بسبب قله الحاجة لاطلاقه.

و قد تم اصلاح الخلل الحاسوبي في نظام الباترويت بالتحديث للنسخة الاحدث من البرمجية (تسمى النسخة 34) و قد وصلت يوم 4 فبراير للسعودية و اسرائيل. كان لدى اسرائيل 6 بطاريات باتريوت. و قد امرت قيادة الدفاع الجوي الاسرائيلي باطلاق الصواريخ بشكل يدوي بدءا من 25 يناير بسبب مشكلة الاسراف في الاطلاق عند التشغيل على النمط الالي.

كان الحكم على فعالية الباتريوت محور نقاش مستمر و خلاف رأي قوي بين الامريكان و الاسرائيليين. فبينما كان شواتزكوف يمدح النظام امام وسائل الاعلام و يصفه بالدقيق بنسبة 100% و انه من 39 مواجهة مع الصاروخ العراقي كان الاسقاط 39. اما في تل ابيب و سفارتها في واشنطن فقد اقترح على تسمية هذا الكلام ب "هراء الباتريوت". و كان للاسرائيليين منطق قوي وراء رأيهم السلبي في المنظومة. حيث لم تمتلك اي من المنظومات ال 21 الموجودة في السعودية نظام تسجيل بيانات ليكون قادرا على تسجيل مسار الصاروخ و معلومات ارتطامه بالصاروخ القادم. حيث كان القادة الميدانيون يخشون ان تتداخل انظمة المراقبة مع الكترونيات الصاروخ نفسه. من جانبهم كان للاسرائيليين 3 انظمة تسجيل و نظام حاسوبي يتتبع كل شظايا السكود، و رغم كون النظام الاسرائيلي بدائيا الا ان بياناته كانت تشير بقوة الى عدم فعالية الباتريوت.

و تردد البنتاغون في كشف اي من هذه التفاصيل او التراجع عن الباتريوت بوصفه بطل حرب. و لم يعترف الا بعد الحرب باكثر من عام ان الاصابة - بنسبة تأكيد عالية - كانت موجودة ب 10 حالات اعتراض فقط حيث تم تدمير الرأس المتفجر. اما في حالات اخرى فكان يتم حرف مسار الرأس المتفجر فقط! و لكن الملحق الاسرائيلي في واشنطن قال لخبراء جيش بلادهم ان يخفوا هذه التفاصيل. "الباتريوت هو افضل سلاح لأنه السلاح الوحيد الموجود، لماذا نتبرع بهذه المعلومات لصدام حسين بأن الباتريوت لا يعمل!".

في المقابل لم يتردد الاسرائيليون في مشاركة الامريكان انطباعاتهم عن نظام الباتريوت في الاجتماعات. يوم 4 فبراير في مقر وزارة الدفاع في تل ابيب قالها الجنرال بن نون صراحة للعقيد جولدبيرغ - قائد خلية ادارة نظام الباتريوت في البنتاغون - "الباتريوت لا يعمل". من اصل 12 اشتباك حللها الاسرائيليون تم تدمير 3 رؤوس فقط من قبل الباتريوت. "ربما يجب ان تتوقفوا عن تصنيع النظام قبل اصلاحه". فكان رد العقيد " سيدي، هل تفضل ان لا يكون عندك شيء حتى نستطيع انتاج نظام كامل؟". و قد نقل العقيد هذه الانطباعات للبنتاغون بعد يومين.

و من بين عديد الاسرائيليين الغاضبين من الباتريوت، كان من اخطرهم وزير الدفاع موشيه ارين. حيث كان الجيش الاسرائيلي ان صدام سوف يلجأ للكيماوي في اخر الامر. و كان وزير الدفاع قلقا من ان قدرة الباتريوت على اعترض الهجوم الكيماوي قليلة. و قد بدأ يظن ان الفرصة قد تكون قريبة للطيران الاسرائيلي ان يضرب العراق المنهك من الحرب الجوية في هذه المرحلة.

و كان القلق الاكبر لوزير الدفاع ان حصانة اسرائيل قد تراجعت بعد ضرب العراق لها. فمنذ اربعين عاما كانت سياسة اسرائيل في الردع تحتم الرد السريع و القاسي على ادنى تحرش عربي بها. و قد بدأ الاسرائيليون يظنون ان التحالف لن يتفكك الان - بعد 4 اسابيع من الحرب - بفعل ضربة اسرائيلية. و مع مرور الايام بدأ ارين يظن ان شامير قد اقتنع. و لكنه رفض قطعا اعطاء ضوء اخضر دون اذن من واشنطن. و سافر ارين الى واشنطن لهذا الغرض ليضغط على الحليف بالسماح بضربة ردع و انتقام اسرائيلية.

صباح يوم 11 فبراير بدأ اجتماع ارين الرئيس بوش، وزير الخارجية بيكر، مستشار الرئيس ديك تشينيو غيرهم. و بسرعة استعرض الوزير الاسرائيلي الاضرار من السكود العراقي في الايام الاخيرة و اردف (نحن قريبون جدا من اتخاذ اجراء).

كان الرئيس بوش يجهل انطباعات الاسرائيليين عن فشل الباتريوت، و كان رده انه يوجد انخفاض كبير في الصواريخ العراقية المطلقة، لماذا هذا الانزعاج و الاصرار على الرد؟

رد ارين ان كل صاروخ يطلق يسبب الرعب في اسرائيل. نحن نشهد دمارا لم تشهد مثله اي دوله اوروبية منذ الحرب العالمية الثانية!

و كان رد بوش ان اخرج بطاقة من جيبه تحمل ارقام استطلاعات الرأي التي تشير الى ان غالبية الاسرائيليين يؤيدون سياسة شامير في ضبط النفس وواجه ارين بها.  و كان الرد ان هذا الدعم سيختفي مع نزول اول صاروخ يحمل رأي كيماوي على اسرائيل.

كان رد بوش: "ماذا تستطيع ان تفعل اكثر منا؟"

و لم يكن يعلم ارين بموضوع قوات الدلتا على الارض التي تطارد فرق الصواريخ العراقية. و اقترح بالتالي ارسال قوات اسرائيلية بالمروحيات لغرب العراق. و بعدها عاد الوزير لموضوع الباتريوت: في رأي ان نسبة نجاح الباتريوت لا تتجاوز العشرين في المئة.

استغرب الرئيس و سأل بيكر الضيف ان يوضح.

"من اصل 10 سكود اردنا الاعتراض، تم اسقاط فقط اثنان".

ضغط تشيني على نفسه و بدل ان يتهم الضيف بنكران الجميل رد "هناك خلاف اساسي حول تقدير فعالية الباتريوت بيننا و بين الاسرائيليين سيادة الرئيس". و انقلب جو الاجتماع الى متوتر بعد ان تفاجأ الامريكيون من الضيف الغاضب، على عكس ما توقعوا من مشاعر الشكر و العرفان.

في اجتماعات لاحقة رفض تشيني منح الاسرائيليين ممرا امنا عبر السعودية لضرب العراق. و رفض ان يعلق اذا ما كان قد ارسل قوات امريكية خاصة لغرب العراق. كل ما وافق عليه هو اعلام الاسرائيين بموعد الهجوم البري. و وافق بيكر على مساعدات بمبلغ مليار دولار. ساعد على هذه الموافق حقيقة ان صاروخ سكود نزل على تل ابيب قبيل الاجتماع بساعات و انه سقط على بعد 500 متر من بيت ارين!


-----------------------------------------

الهم السياسي الامريكي

يميل الناس في العادة الى التفكير بحرب فيتنام كاهم كوابيس العسكرية الامريكية المعاصرة. و لكن بين صناع القرار في حرب عام 1991 كانت حرب كوريا هي السيناريو الذي يجب تجنبه باي ثمن ممكن. حيث انقلبت الحرب بفعل اخطاء السياسيين و العسكريين من نصر سياسي و عسكري الى تعادل تدفع كلفته واشنطن الى اليوم.
1- اخطأت واشنطن و البنتاغون بتوسيع اهداف الحرب في اثناء المعركة.
2- الحرب انتهت بدون نصر حاسم. و بقيت الوف القوات الامريكية و الكورية في الخنادق لما يقرب الاربعين عاما (و قتها - الان صرنا في العقد السادس من "الهدنة").

و كانت مهمة "الفريق الصغير" من مستشاري الرئيس و الخارجية و الدفاع و المخابرات ان يصوغوا اهداف الحرب لتنتهي بشكل مناسب للسياسة الامريكية داخليا و خارجيا.

السؤال الذي وجب على الخلية الاجابة عنه هو ببساطة: ماذا تأمل ان تحقق الولايات المتحدة من هذه الحرب؟ و كيف يجب تعريف النصر في هذه الحرب؟

على المستوى السياسي، حدد الرئيس بوش اهداف الحرب السياسية منذ الاسبوع الاول للاحداث:
1- انسحاب العراق بشكل غير مشروط من الكويت.
2- اعادة حكومة الكويت الشرعية.
3- تعزيز امن المواطنين الامريكيين في الخارج.
4- تعزيز امن و استقرار دول الخليج العربي. 

و كان السؤال هو عن حجم الانتصار العسكري المطلوب لتحقيق هذه الاهداف. هل يمكن ضمان امن الخليج طالما بقي البعث في الحكم؟

و مع النجاح الساحق للحرب الجوية، كانت غرفة المستشارين تدرس ما اذا كان الفكير في تدمير نظام صدام حسين بدل فقط التوقف عند الحدود الدولية. و لكن كان هناك عوامل يجب توضيحها:

1- معظم الحلفاء - باستثناء بريطانيا - حددوا مشاركتهم بالحرب على اساس اخراج العراق من الكويت.
2- قرار الامم المتحدة حدد المهمة باخراج العراق من الكويت.
3- مجلس الشيوخ الامريكي بالكاد وافق على حرب تحرير الكويت.

بالنسبة للجيش، كان الدرس الاهم هو تحديد الهدف بدقة و ان تكون ضمن القوات المتاحة. و ترجم شوارتزكوف خطاب بوش بهدف عسكري:
1- تدمير قدرات العراق على انتاج اسلحة الدمار الشامل
2- تدمير الحرس الجمهوري كقوة قتال هجومي مؤثر للجيش العراقي مما كان يمكن صدام من تهديد الجيران.

اي اندفاع شمال نهر الفرات كان سيحول الرسالة السياسية للمعركة بشكل ضد التحالف. و سيصير الجندي العراق يدافع عن بلده بدلا من الدفاع عن سياسة صدام حسين. و كان النهر يوفر حاجزا معقولا ضد اي عمل عسكري معاد.

اضافة لذلك كان هناك قلق من ان سقوط البعث سيؤدي لحرب اهلية في العراق و يتم تقسيم البلد بين دول مثل سوريا و تركيا و ايران. و بسبب عدم وجود بديل يميل للنظرة الغربية لحكم العراق بشكل جاهز. 

حسنا، فليبق صدام على رأس بلده المحطم و جيشه المهزوم، لكن كيف سيتم تسويق ذلك للشعب الامريكي بينما الميديا و خطابات الرئيس بدأت تقارن صدام بهتلر! و كان الحل هو ان صدام يمثل نسخة مصغرة من السفاح الالماني، اي انه هتلر ايام الثلاثينات و يجب وقفه عند حده قبل ان يصير وحش الحرب العالمية الثانية. و المبدأ الثاني كان ان احتمال الاطاحة بالرئيس في انقلاب عسكري كان عاليا جدا في حسابات الامريكان.

و بالتالي اصبح الموضوع ان الجيش الامريكي قادر على كسب الحرب و حتى احتلال العراق، لكن ثمن ذلك - بناء البلد على الصورة الغربية و التوهان في النزاعات السياسية المحلية - سيكون غاليا جدا و يجب عدم التورط فيه.

 و في بلد الصورة الاعلامية فيه مهمة جدا. كان من المهم ان تنتهي الحرب على صورة انتصار شامل: مثل ما حضرت اليابان لتوقيع صك الاستسلام على السفينة ميزوري في الحرب العالمية الثانية. و لكن القلق كان ان العراق يرفض ان يستسلم بشكل رسمي و يقوم العراقيون بالمشاغبة عبر خط وقف اطلاق النار. فهل يظهر العراق العناد الكافي ان تحتاج امريكا ان تبقي 40 الف مقاتل لزمن مفتوح مثلما هو الحال في كوريا الجنوبية؟ هذا هو الكابوس الذي اقض مضاجع الامريكان و الانجليز.

السناريو الاخر المقلق جدا للخلية المصغرة كان المناورة السياسية العراقية: ان ينسحب العراق من معظم الكويت و ان يبقى جزيرة بوبيان و منطقة حقل الرميلة. هذا السيناريو الكابوس كان كفيلا بتدمير التحالف المعد لقتال العراق. فقليل من قوات الدول المشاركة مستعدة ان تخوض حربا برية من اجل اجلاء جزيرة خالية و التدخل في نزاح حدودي. و قد امضت خلية العمل اسابيع في التفكير في اجراءات لاذلال العراق و اظهارة كمهزوم فيما لو اعلن العراق الانسحاب من الكويت قبل بدء الحرب. و كان التفكير في ان العراق لو طلب وقف الحرب قبل بدء العمل البري، فسيتم اعطاؤه 48 ساعة فقط لاخلاء كل الكويت من قطعاته. و تم عمل جداول مفصلة لتحرك كل قطعاته خلال هذه المدة و الا فالحرب قائمة. و حتى هذه الخطة - التي ستحرم العراق من المعدات الثقيلة لجيشه - ستبقى الحرس الجمهوري (ألموجود خارج الكويت تقريبا) بخير. و عليه يمكن التفكير بحركة الخطاف و الهجوم العسكري الامريكي على انه صمم لا لضرب الجيش العراقي في الكويت. بل اصلا لتعجيل القتال مع الحرس الجمهوري خلفه.

و عليه يوم 14 فبراير، عندما ابرقت موسكو لواشنطن ان بغداد بدأت تغير حساباتها و ان عزيز قادم لموسكو للتشاور. شعر المطبخ السياسي الامريكي بالرعب. و بعدها بيوم اعلن راديو بغداد ان المجلس الثوري بدأ يعرض على صدام خيارات تشمل الانسحاب من الكويت. و عمت موجة التفاؤال في العالم. و لبث بوش مع مستشاريه ساعات يدرس العرض العراقي قبل ان يتنفسوا الصعداء. فالعرض يشترط وقف الحرب الجوية، و سحب القوات الاجنبية من المنطقة خلال شهر، و انسحاب اسرائيل من الضفة و الجولان، و الغاء قرارات مجلس الامن السابقة. و بالتالي اعطى العراق امريكا كل الذرائع لرفض العرض. 

--------------------------------------

كما ذكرنا سابقا، تم تحديد يوم 21 فبراير كموعد مبدأي للهجوم البري للتحالف. و لكن تبين بعد وقت قصير ان هذا الموعد كان مفرطا بالتفاؤل. حيث لم يكن المار ينز قادرين على اكمال الاستعداد ضمن هذه المدة. و بالتالي يوم 14 فبراير طلبت اركان المار ينز من شوارتزكوف التأجيل لثلاثة ايام. مرر شوارتزكوف الطلب لكولين باول.

باول لم يكن مسرورا البتة. خصوصا و ان الاشارات بدأت تصل من موسكو عن ان العراق على وشك قبول حل سياسي يحفظ لصدام ماء الوجه. اضافة لذلك فقد كان باول قلقا من انه بمجرد قبول التأجيل اول مرة، فلن تكون اخر مرة يتم فيها مثل هذا الطلب. و بعد توضيح ان هذا الوقت قد يقلل خسائر الهجوم من محور جنوب الكويت اضافة الى ان التنبؤ الجوي يتوقع جوا افضل. اقتنعت القيادة السياسية بالتأجيل. 

و بينما كان الجنرال جون يوسوك
John Yeosock يحضر الفيلق الامريكي و ينقل 73000 الية عبر السعودية للحدود مع العراق (بدون ملاحظة الجانب العراقي) اثر التعب و الارهاق على الجنرال. فذهب للمستشفى يوم 14 فبراير. و رغم اعتراضه فقد تبين ان الحالة تستعي جراحة فتم ارساله ﻷلمانيا و تم اسناد القيادة للجنرال كالفين والر Calven Waller الذي كان يختلف عن يوسوك في كل شيء! حيث كان يؤمن بالحركة السريعة و كان غير مرتاح لخيار يوسوك بالهجوم على محورين بل اراد دمجهما بمحور واحد. و كان والر من صنف القادة الذين يفضلون القيادة من الامام. فغير مقر العمليات من قرية الاسكان حوالي الرياض الى الميدان. حيث يستطيع الاشراف بدقة على عمل الجنرالين: فريد فرانكس (الفيلق السابع) و جاري لوك (الفيلق الثامن عشر مظليين).  وكان كلا القائدان مرتاحان للتغيير.

و بدأ والر يمر على كل لواء و يمطر القيادة بالاسئلة و كان السؤال الاهم: كيف ستخوض المعركة المخططة لك؟ و كانت الكاريزما لهذا القائد عالية جدا، مما شحن ضباط الاركان و رفع الروح المعنوية بعد اسابيع من التمرن على نفس الخطط. و في نفس الوقت، والر لم يكن يتسامح مع الطلبات الحمقاء. فعندما ارسلت له قيادة الفيلق السابع تطلب منه 35 الف صاروخ تاو و نصف مليون قنبلة يدوية صاح فيهم قائلا: كل قوات العدو في مسرح العمليات هي عبارة عن 1700 دبابة، و ليست كلها ضمن خطط فيلقك، فعلا ماذا ستضرب 35 الف قذيفة تاو؟ و القنابل اليدوي؟ هذا فيلق مدرع متنقل، اين تنوي ان تشتبك مع العدو بقتال متلاحم بحيث تحتاج ل 5 قنابل يدوية لكل جندي في الفيلق؟ و كان هذا الاسلوب الحاد مناسبا لتخفيف المشاحنات بين الفيلقين على كل قطعة سلاح. حيث كان هناك شعور بالندية و الغيرة بين الطرفين. فقد غضب قادة الفيلق 18 من سحب المدفعية و الدرونات لمصلحة الفيلق السابع. و كان الفيلق السابع يشك ان الفيلق 18 يبقي افضل الخرائط بحوزته و يخترع اعداء على الارض ليعيد تلك القوة المسحوبة. و في يناير طالب الفيلق 18 بالسماح له بالدوريات العميقة و بالقصف المروحي و المدفعي لتليين الاهداف قبل الهجوم البري، لكن الفيلق السابع اعترض ان هذا قد يكشف النوايا للعدو.

----------------

بعض اخطاء الحملة الجوية

كان اسلوب قيادة الجنرال بستر غلوسون
Buster Glosson يتسم بالاقدام و المجازفة في خطط العمليات الجوية. و ان كان هذا الاسلوب يؤدي به لبعض المغامرات و المشاكل، الا ان سرعته في التعلم و التكيف مع النتائج اعطى سلاح الجو للتحالف فعالية كبيرة في حل المشاكل المصاحبة لقصف القوات العراقية. و هنا نلخص بعضا من الاخطاء التي وقع فيها اثناء الحملة الجوية:

 


1- في اول ثلاثة ايام من الحملة الجوية، كان تدمير الجسور في العراق اولوية عملياتية. و خصص لها 180 غارة باستخدام الذخائر الغير موجهة. و رغم تحذير ضباط الميدان من ان هذا الاسلوب لن ينجح - و هو درس من المفروض ان يكون الامريكان تعلموه من فيتنام - لكن الجنرال اصر و كان يأمل ان تقدم التكنولوجيا في التوجيه المبدأي سوف يكون في صالحه. و النتيجة انه لم يدمر و لا جسر عراقي واحد في ايام الحرب الثلاث الاولى. و كان ان اضطر بستر لطلب طائرات الشبح مع القذائف الموجهة لتصحيح الخلل. و اتصل بمهندس مدني من الجامعة التي تخرج منها للمشورة حول افضل الطرق لضرب الجسور (الجواب كان باستهداف منطقة اعلى بقليل من نقطة التقاء الجسر بالشاطئ). و بدأت الجسور العراقية تهوي بمعدل 7 -10 في الاسبوع.

2- عندما بدأ الامريكان بتسيير دوريا غرب العراق لمنع مقاتلات العراق من الهرب نحو ايران يوم 31 يناير، توقف العراقيون عن الطيران تماما لمدة 4 ايام. و بدأ بستر يقلق من تأثير دوريات الليل على الطيارين و الادوية المنشطة التي كانو يأخذونها. و بالتالي اوقف هذه الدوريات يوم 4 فبراير. و مباشرة هربت اكثر من 30 طائرة عراقية خلال يومين! و عادت الدوريات من جديد يوم 6 فبراير.

3- في منتصف فبراير، و مع اقتراب الحرب البرية، بدأ بستر يعتمد اكثر فأكثر على الغارات التكتيكية. و تم رفع الحظر على الطيران المنخفض الذي تم وضعه اول الحرب خوفا من السام العراقي. و كان بستر يقدر ان بطاريات السام العراقية تلقت من الضرب ما يجعلها لا تشكل خطرا كبيرا. و طلب بستر من طائرات
A-10 التحليق على ارتفاع 1 كم بما يكفي للطيارين ان يستخدمو المناظير المكبرة لمسح المنطقة بحثا عن اي الية عراقية ثقيلة. و في نفس الوقت بدأ يسمح لهذه الطائرات البطيئة و المدرعة بالتوغل اكثر شمال الحدود - حيث تواجد الحرس الجمهوري. و هذه الطائرات المفروض ان تعمل بعمق بسيط خلف خطوط العدو حتى تستطيع العودة في حال ضربت او تمت مطاردتها من طائرات مقاتلة. و لكن النجاح الرهيب لها اثناء الحرب ادى لدفعها لعمق 100 كم شمال الحدود السعودية الكويتية. و كانت المهمة الاولى بهذا العمق ضرب فرقة المدينة المنورة حرس جمهوري. و قد تردد رئيسه المباشر و لكنه اقنعه بانه امر يستحق المحاولة. و انه سيقوم بالتجربة مالم يامره بعدم فعلها. قال القائد العام لسلاح الجو: لا اظن انها فكرة سليمة لكن القرار قرارك.

و كانت النتيجة ان اسقطت الطائراتان اللتان قصفتا فرق المدينة. و قتل احد الطيارين و اسر الاخر. و قد كتب قائد السرب لقيادة الاركان الجوية رسالة مطولة شرح فيها ان الحرس الجمهوري توقف عن استخدام السام طوال اسبوعين من القصف الجوي على ارتفاعات كبيرة و لكنهم بمجرد ان رأوا طائرات
A-10 تحلق على ارتفاع منخفض اطلقوا 8 صواريخ سام عليهم مما اسقطت طائراتان واعطب الاخرى (عادت الطائرة المضروبة - من قبل فرقة توكلنا على الله - و في بدنها 300 ثقب من شظايا صاروخ سام انفجر بجانبها). و اشتكى قائد السرب انه لا يجب ان تعمل طائراته في ذلك العمق داخل ساحة القتال. و عليه نجح مقاتلوا الحرس الجمهوري في خداع الامريكان عن طريق ضبط الاطلاق حتى تحين الفرصة المناسبة. و منعت طائرات A-10 من القتال بعمق اكثر من 50 كم لغاية بدء الحرب البرية، و كان عليهم العودة لارتفاعات عالية مما منعهم من استخدام رشاش الطائرة السباعي المرعب. 

--------

ملامح المعارك البحرية في الحرب

كثيرا ما يغفل دارسوا حرب الخليج عن الجانب البحري في هذه الحرب. و قد يكون من اسباب ذلك هو قلة اهتمام الجيوش العربية بالبحرية شكل عام و اعتبارها السلاح الثالث من حيث الاهمية بعد سلاح البر و الطيران في الحروب العربية المعاصرة.

في المواجهة بين العراق و امريكا كان الوضع اقرب للحرب الغير متماثلة، فالعراق بالكاد يملك اي قطع بحرية تنافس ما لدى ايران او السعودية بسبب صغر مدخله المائي فما بالك مع اقوى قوة بحرية في العالم. و سوف ابدأ سرد هذه المواجهة بذكر اسلحة العراق و سفينتي الولايات المتحدة التي اشتركت في هذه المواجهة.


1- اسلحة العراق: كان السلاح العراقي الاهم هو سلاح الالغام و الصواريخ. و كان لدى العراق تشكيلة مهمة من الالغام البحرية اهمها:

الغام الالتصاف البحري التي تزرع على السطح و لا تنفجر الا عند ملامسة بدن السفينة و هذه الالغام تعود للحرب العالمية الاولى في بساطة تصميمها و كانت تحمل شحنة بين 150 و 200 كغم. و كان العراق يصنعها محليا.


الغام العمق: و هي الغام اكثر تعقيدا و تعمل على صوت المحرك للسفينة. حيث يكون اللغم مزروعا بشكل عميق لا يسمح برصده و فيه ما يشبه السماعة التي تلتقط اصوات المحركات و عندما يقترب محرك السفينة ينفجر اللغم. استورد العراق كمية كبيرة منها اثناء الحرب مع ايران.

صواريخ دودة القز
Silkworm. و هذا الصاروخ الصيني من طراز ارض بحر اشتهر بشكل كبير في اثناء حرب الخليج الاولى عندما استخدمه العراق و ايران لضرب سفن و ناقلات نفط الطرف الثاني. و كان مداه حوالي 200 كم و الرأس الحربي يصل ل 500 كغم. و يتم توجيهه بالرادار.

صواريخ جو بحر (اكسوسيت) بمدى 180 كم. تطلق من طائرات العراق مع احتمال استخدام هجمات انتحارية للطائرات باسلوب الكاميكازي

 2- سفن التحالف:

السفينة ويسكونسن و (مثلها السفينة ميزوري): تعتبر من اخر السفن الحربية المدفعية التي انشأتها الولايات المتحدة. و بدأت العمل في الاربعينات.  وزن الازاحة 45000 طن و تحمل السفينة 9 مدافع عيار 16 انش بمدى 30 كم. و 20 مدفع عيار 5 انش بمدى 15 كم. و تم تزويد السفنية بمضاد جو رشاش عيار فالانكس و صواريخ توماهوك و هاربون. يعمل في السفنية اكثر من 2000 بحار.

 


السفينة طرابلس. و هي سفينة انزال بحري بطول 100 متر و وزن ازاحة 19000 طن و طاقم اكثر من 660 بحار و ضابط و تحمل ايضا اكثر من 30 مروحية من مختلف الطرز للنقل و للهجوم.


السفينة برينستون و هي طراد صواريخ يعتبر من احدث السفن الامريكية العاملة وقتها. بوزن ازاحة 9800 طن و طاقم حوالي 400 بحار و ضابط. كان عمر السفينة في البحر اقل من عامين و قد كلفت حوالي مليار دولار. و هو مبلغ معقول بالنظر ﻷنظمة السفينة الالكترونية الرهيبة. و على رأسها رادار ايجيس. و رادارات كشف ارضي و جوي و انظمة تحكم بالنيران و انظمة تشويش الكترونية مع مئات الصواريخ من متختلف الانواع و على رأسها التوماهوك و الهاربون. باختصار كانت قاعدة رصد و تشويش على البحر. 

سير العميات

 و قد كانت السفن الامريكية من اول القطع التي وصلت الخليج العربي. و رغم هذا الوصول المبكر الا ان سفينتي ويسكونسن و ميسوري لم تشاركا في اعمال الحرب و القصف بسبب الخوف من استفزاز العراقين لبدء الحرب مبكرا و كذلك بسبب الخوف من الالغام.

رفع الحظر يوم 3 فبراير بعد تقارير ايجابية من كاسحات الالغام البحرية. و خلال ايام بدأت السفينتين بقصف القوات العراقية على الساحل الكويتي.و قصف السفن الحربية ليس كمثله قصف! حيث يصل قطر المدفع 16 انش و كانت هذه السفن تحوي 3 مدافع معا من هذا العيار. تطلق بفارق ثانية واحدة. و في العادة تستغرق حوالي 10 طلقات فردية لضبط العيار و بعدها تضرب المدافع الثلاث معا. و كل قذيفة تزن حوالي 800 كم و تنفجر في الجو الى 3000 شظية بما يكفي تغظية ملعب كرة قدم.

و كررت السفن القصف بسبب عدم الحاجة لخدماتهم في العملية البحرية و لكون السفينتين ستحالان للتقاعد بعد هذه الحرب. و بدل ان نرمي الذخيرة في القمامة فلنطلقها على العراقيين. و قد ضحك شوارتزكوف من هذا الرد على طلبه اقتصاد الذخيرة و سمح للسفينتين بضرب ما عندهم. 

بعد ان قرر الجنرال شوارتزكوف الغاء الانزال البحري على ميناء الشعيبة الكويتي، و الاستعاضة عنه بهجوم بسيط على جزيرة فيلكا. بدأت قيادة الاركان البحرية بعمل خطط العملية الجديدة. و من اجل استخدام مدافع السفينتين ميسوري و وسكونسن في القصف المدفعي، كان من الضروري ان تقترب السفن اكثر نحو شمال الكويت، مما دعى البحرية ان تحضر خطة عمل للتعامل مع الالغام البحرية.

كانت الخطة ان يبدأ مسح الالغام من نقطة تبعد 50 كم شرق شط الكويت، و هو ما افترض انه مدى ابعد من مما تستطيع سفن زراعة الالغام العراقية الوصول له. و سوف يتم فتح ممر بعرض 300 متر عبر الالغام شمال غرب و بطول 20 كم. و عند تلك النقطة ستمسح سفن الالغام مستطيل 5*15 كم حتى تتمكن السفن من ضرب جزيرة فيلكا يوم الهجوم البري - 24 فبراير حسب اخر تقدير.

قد لا يعرف الكثيرون ان الالغام البحرية هي كابوس ما بعده كابوس. و خصوص للجانب الامريكي الذي عانى الامرين في مواجهة دول تافهة بحريا مثل كوريا الشمالية بسبب الالغام. و هناك حكمة معروفة ضمن طاقم البحارة (كل سفينة ممكن ان تكون كاسحة الغام، و لكن لمرة واحدة فقط).

بدأ العمل يوم 16 فبراير على المرحلة الاولى. و انتهى التنظيف يوم 17 فبراير مساء بدون كشف اي الغام. و بالتالي قدر المهندسون ان العراق وضع الالغام البحرية بشكل اقرب للشاطئ.

هذا الاستنتاج بدا معقولا، منطقيا، و لكنه خاطئ تماما! فقط كانت الالغام العراقية شرق الموقع الحالي للامريكان! و شكلت الالغام حزاما خارجيا بطول 150 ميل و حزام داخلي لحماية موانئ الكويت و ام قصر. و الامريكان كانوا بالمنتصف. و تبين في ما بعد ان العراق وضع اكثر من 1200 لغم بحري في الخليج. و تبين ان السفن الامريكي دخلت حقل الغام عراقي في الطريق لنقطة البدء و كانت معجزة - و اهمال هندسي عراقي جسيم - ان الالغام لم تضرب ولا سفينة. فقد تبين ان كثير من الالغام لم تثبت بشكل جيد فجرفها التيار، و الغام اخرى زرعت على عمق كبير بحيث لم تصب السفن التي مرت. و قدر الامريكان ان 95% من الالغام العراقية كانت مزروعة بشكل سيء مما افقدها الفعالية. و كان بنفس فداحة الخطأ العراقي هو اهمال الامريكان ان يستكشفو مواقع الالغام العراقية. فقد منع شوارتزكوف اي نوع من الاستطلاع القريب خوفا من اشعال الحرب البرية قبل ساعة الصفر.

كان في مركز حملة مسح الالغام - و العمليات البحرية في ذلك القاطع - سفينة الانزال البحري طرابلس.. حيث يوجد عدد اكبر من الاشخاص المتوافرين للبحث عن الالغام القريبة من السطح. و يمكن استخدام سطح السفينة لاقلاع مروحيات تفجير الالغام و معالجتها. 
  
مساء يوم 17 فبراير، التقط الامريكان اشارة رادار من بطارية صاروخ
Silkworm على الشاطيء. وضع الطراد برنستون نفسه بين مصدر الاشارة الرادارية و السفن الاخرى  التي بدأت تبتعد عن مدى الصاروخ بحركة متموجة لزيادة صعوبة محاولة استهدافهم. و كانت سفينة طرابلس في المقدمة.

قبيل الفجر بدأت السفينة طرابلس تتحرك نحو نهاية الممر الذي تم تنظيفة. حتى تنطلق المروحيات من سطحها لتنظيف المنطقة التي ستبدأ منها سفن المدفعية القصف. و كان على سطحها 7 مراقبين للبحث عن الالغام القريبة من السطح، و لم يرصد اي منهم لغم من طراز
LUGM-145 بوزن 160 كغم. و انفجر اللغم تمام الساعة 4:36 فجرا. و قد ادى الانفجار لثقب بمساحة 10*7 متر في منطقة استخدمت لتخزين مواد مثل الدهان. مما غطى السفينة برائحة المواد الكيماوية. و ظن الطاقم اول الامر ان الضربة كانت كيماوية، او ان احد المحركات انفجر. و بدأ الطاقم اجراءات التعامل مع الانفجار، حيث يجب اغلاق كل ابواب قعر السفينة لمنع تسرب المياه. يأخذ الامر عادة 10 دقائق لاقفال الابواب. و نجح الطاقم في ذلك في نصف الوقت. و لكن تسرب ربع مليون غالون ماء لقعر السفينة، و بالتالي وصلت المياه للمحركات. و بدأ سباق مع الزمن لضخ المياه خارج السفينة و لتدعيم باقي هياكلها حتى لا تتسرب المياه. و خلال ساعة كان تقرير المهندسين: سوف تنجو السفينة - مالم يتم الاصطدام بلغم اخر. و قامت السفينة باستكمال اعمال مسح الالغام بدون ان تتحرك، حيث ارسلت 12 مروحية من على سطحها ﻷكمال المهمة.

و بدل ان تتوقف السفينة برينستون فور سماع نبأ الانفجار في السفينة طرابلس على بعد 15 كم. اكملت السفينة الحركة و لكن بسرعة بطيئة جدا و مع استنفار الاطقم لمراقبة الالغام السطحية و لكن ليست الالغام العميق الصوتية. و ما هي الا دقائق حتى انفجر الى جانبها لغم صوتي من نوع مانتا تحت السفينة. و في الواقع فان اكبر الاضرار في السفن - و كذلك الاصابات - تحصل بعد الانفجار. حيث ترفع السفينة بفعل قوة الانفجار لأعلى و تهبط ﻷسفل مما يعرض هيكلها لضغط شديد يؤدي لتمزقة. و كانت اضرار الانفجار اصابت مياه التبريد (مما اوقف الرادر ايجز بسبب ارتفاع حرارته) و تعطلت صواريخ الهاربون و تعطل محول الكهرباء و بدأ الماء يتسرب للسفينة. تم اصلاح كل هذا خلال ساعتين. لكن هيكل السفينة قد تضرر لدرجة انه لن يتحمل حتى اهتزاز السفينة من حركة محركاتها. خرجت السفينة برينستون من المعركة و تم سحبها بعد ان ظلت في الماء اكثر من 30 ساعة، و لكن انظمتها المعقدة كانت جاهزة ﻷي تهديد صاروخي. و اكملت السفينة طرابلس مسح الالغام لخمسة ايام قبل ان تنسحب تاركة المجال لسفن المدفعية. كانت ضربة مهينة للبحرية ان يتم اعطاب سفينة بقدر و قدرة برينستون في عملية كسح الغام عن طريق لغم بحري.

المواجهة البحرية الاخيرة تمت بعدها باسبوع عندما ضرب العراقيون صاروخي ارض بحر على ويسكونسن و لكن تمكن فرقاط انجليزي مرافق من اسقاط الصاروخ. و الاخر فقد تاه. و انتهت المواجهة البحرية الغير متماثلة بنصر عراقي مهم. و لكنه نصر معنوي لم يغير سياق المعارك. و لعل هذا سبب اخر لنسيان المواجهات البحرية في حرب عام 1991، هذه المرة من الطرف الامريكي!


-----------------------

عمليات الخداع على المستوى التكتيكي

لعل كل خريج من اكاديميات الاركان الامريكية سواء كانت ويست بوينت او سيتاديل او غيرها قد قرأ الاقتباس التالي عن الجنرال جاكسون، احد اهم قادة الحرب الاهلية الامريكية:

"و ظيفة القائد هي الارباك و التعمية و المفاجأة".

و التاريخ الحربي القديم و المعاصر مليء بقصص الخداع على المستوى الاستراتيجية، حيث يتم تمويه الخصم حول نوايا الجيش (مكان الهجوم، وقته، اماكن القوات و اعدادها) و على المستوى التكتيكي من حيث استخدام وسائل التمويه اللاسلكية و تمرير رسائل استخبارية مزيفة و غير ذلك.

في حرب الخليج تعرضنا قليلا لأوجه الخداع على المستوى الاستراتيجي في ما يخص خطة الخطاف. حيث تم نقل فيلقين امريكيين من الساحل جنوب الكويت (حيث كان العراق يتوقع الهجوم الامريكي) الى الحدود العراقية السعودية من اجل الهجوم خلف الجيش العراقي و استهداف الاحتياطي المدرع العراقي و الحرس الجمهوري من خلفة لشل حركة الجيش العراقي لو فكر في الانسحاب من الكويت. و كان من اوجه الخداع على المستوى الاستراتيجي هو القصف من جهة البحر و الايهام ان هناك انزال بحري و عمل تدريب بحري في عمان و فتحه اما الصحافة.

على المستوى التكتيكي استخدم التحالف الكثير من التكتيكات لاقناع العراقيين بان الهجوم قادم من الجنوب. و كان يجب عليهم اقناع الاستخبارات العراقية بانه يوجد 300 الف جندي جنوب الكويت!

1- ترك الامريكان خلايا خداعية في معسكراتهم جنوب الكويت عندما تحركوا. و كل خلية تتكون من 12 جتدي يقومون بعمل مجموعة من المعسكرات الفارغة و المزيفة مما يترك انطباع بوجود 130 الف جندي، عماد الفيلق الثامن. كان التمويه في اغلبه الكترونيا. حيث تم وضع اجهزة تطلقا شارات على موجات الراديو
VHF و UHF يتم تنسيق اطلاقها عبر ابراج موزعة عبر الصحراء عن طريق حاسوب لتبدوا و كأنها اتصالات معسكر على مستوى الفيلق و الفرقة و اللواء! العراقيون كانوا يسمعون فقط للضجيج (كون كل الاتصالات الامريكية مشفرة و لا يمكن اختراقها من الجانب العراقي).

2- تعمد الامريكان ارسال اشارات لا سلكية غير مشفرة من وقت لاخر ليسمعها العراقيون. مثلا كان من المعروف ان الجيش المصري مهمل في موضوع التشويش على اشاراته اللاسلكية. فقام الامريكان بتسجيل محادثات باللهجة المصرية مثل: (اتى جنود من الفرقة 24  ليسألوا اين ممكن ان يجدوا مياه). و عند رصد مثل هكذا اشارة يتحقق الجانب العراقي من ان الفرقة المذكورة تعسكر في المنطقة القريبة من مكان الاشارة.

3- تحركت الخلايا بشكل قريب من خط الدفاع العراقي (خط صدام) و استعملت الدخان في النهار و مكبرات الصوت التي تبث اصوات الدبابات في الليل.

4- تم انشاء ابنية صناعية و خنادق دبابات و استعمال المولدات الكهربائية بالليل قرب الحدود.

5- تم وضع اسطول كامل من صهاريج النفط و السيارات و الدبابات. و كلن كلها كانت مزيفة. و كانت كلفة النسخة المزيفة من الابرامز 4 الاف دولار. و كانت موصولة بمولد كهرباء ليولد شحنة حرارية يمكن رصدها عن بعد براصدات الاشعة تحت الحمراء.

و قد تيقن الامريكان من نجاح تكتيكهم عندما رصدوا اتصالات لا سلكية عراقية قبيل الهجوم تؤكد مواضع القوات المزيفة يوم 21 فبراير. اي قبيل الهجوم البري.

6- تم ارسال كتيبة واحدة دروع 10 كم داخل الحدود من جهة حفر الباطن (جنوب غرب الكويت) حتى وجدوا اول مقاومة عراقية. و بمجرد وصول الكتيبة بدأ قصف مدفعي و بمضادات الدبابات. و تبين ان العراقيين ايضا كانوا بارعين في اخفاء قواتهم عن التحاف. فقد كان هناك خنادق تحت خيام التمويه بحيث لم ترصدها طائرات الاستطلاع الامريكية. و بدل ان تستطلع القوات و تنسحب قبل اي قتال وجدت الكتيبة نفسها في مواجهة عنيفة. و خسر الامريكان في المعركة 3 قتلى و 9 جرحى و تم تدمير دبابة ابرامز و عربة برادلي. كان ثمنا مقبولا لاقناع 4 فرق عراقية في الوادي ان هذا محور التقدم الرئيسي للجيش.

بينما كان الجيش الامريكي يريد اقناع العراقيين انه قادم من الجنوب. كان الامر معقدا بالنسبة للمارينز الذين سيهاجموا من الجنوب تحديدا. و كانت مشاكل الاستطلاع عندهم كبيرة. فطائرة الاستطلاع الرئيسية
RF4C خرجت من الخدمة قبل الحرب و صار الاعتماد على الدرونات التي لها مدى محدود و لا تستطيع الرؤيا من خلال دخان حقول النفط. و في النهاية بدأت القيادة تسمح بارسال دوريات الاستطلاع العميق عند خطوط العدو. و رغم سمعة سلاح الهندسة العراقي كواحد من اخسن الاسلحة الهندسية في العالم، وجدت قوات الاستطلاع السياج الشائك، و مصائد الدبابات، و بعض حقول الالغام في حال سيء.

7- قام المار ينز بدورهم ببعض تكتيكات الخداع من بث تسجيلات دبابات قتالهم (
M-60) و عمل بعض الانشطة التفتيشية و غارات القصف بالنابالم من جهة الساحل لصرف انتباه العراقيين عن محول التقدم الرئيسي لقواتهم. و قبل فجر الهجوم بيوم واحد، ارسل المار ينز شاحنة محملة بمادة C4 الشديدة الانفجار نحو خط الدفاع العراقي الاول و نسفوها عن بعد. لم يحدث هذا العبث اي اضرار و لكنه كان نوعا من التذكير بما حصل للمارينز في بيروت عام 1982.

المصدر
R. Atkinson - Crusade


 

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech