Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
مؤسسة مورخين مصر للثقافه ( المجموعة 73 مؤرخين ) المشهره برقم 10257 لسنه 2016 **** تم فتح باب العضوية للمجموعة - في يناير 2017 **** 13.5 مليون زيارة منذ 2013 - 25 مليون زيارة منذ 2009 **** نرحب بكم في مقر المجموعه بميدان حدائق القبه ***** **** ننتظر تعليقاتكم علي الموضوعات ولا تنس عمل لايك وشير لما يعجبكم علي تويتر وفيس بوك **** **** ****

عبقرية خالد بن الوليد وتكتيكات فن الحرب

 

 

مــــقــــدمـــــــة 

 

      

   

بسم الله الرحمن الرحيم،

 و به نستعين

 

فـــن الــحــرب.... ليس مجرد عنوان لكتاب تاريخي صيني يعتبره الخبراء دستور التكتيكات العسكرية ، بل هو وصف لحقيقة لا يدركها الكثيرون ، فالحرب ليست فقط دمار وخراب و  دماء و ان كان ذلك عاملا رئيسي في اغلب الحروب الدامية على سطح هذا الكوكب، و لقد اقر القران الكريم قول بلقيس ملكة سبأ عن دخول الملوك القرى و تخريبهم لها، فى قوله سبحانه و تعالى :

 (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ)

النمل - الاية  34

  اذا فاغلب الحروب خراب و دمار، و ما من عاقل ينظر الى الحرب الا كضرورة او شر لا بد منه، غير ان الحروب التى تهدف الى الحق و نشر العدل و مواجهة الباطل ابدا لا تهدف الى خراب او دمار او تسعى اليه . و هكذا كانت وصايا الرسول الكريم () لجيوشه و قادته :

لااااا تقتلوا  شيخا، او طفلا أو امرأة او اعزلا، و لا تقطعوا شجرة ، و لا تهدموا صومعة .....و ان كانت الجيوش الغازية تدمر المدن  حين تغزوها و حين تنسحب منها   فان جيوش المسلمين الاوائل كانت تحرص على حياة الناس و امانهم طالما ليسوا جنودا مقاتلين، بل و ترد لاهل هذه البلدان جزيتهم اذا اضطرت للانسحاب من بلد فتحته من قبل لانها لن تكون قد ادت لاهلها حق الحماية – كما حدث فى حمص قبيل اكتمال فتح الشام -،   

فاين ذلك كله  ممن يدعون الجهاد حاليا  قيقتلون الاطفال و النساء و يسفكون الدماء و يفجرون دور العبادة، و يستحلون دماء الناس بغير وجه حق  !!!!!

و ان كانت الحرب تقتضى  قتالا و مواجهة و قتل  ،الا ان حسم هذه الحرب و الانتصار فيها يعتمد علي فن ادارتها و التخطيط لها ، ....و كلما كان القائد ملما بفن الحرب ، كلما كان انتصاره اقرب و خسائره اقل ، و ان كان "صن تزو " القائد العسكري و الحكيم الصيني مؤلف كتاب فن الحرب هو من اقدم عباقرتها فهو ذاته كان لا ينظر الى الحرب الا كضرورة يجب السعى لتجنبها قدر المستطاع، و النجاح فى ان تنتصر فى حربك باقل الخسائر و الدمار  ، لقد وضع قواعد هذا الكتاب بعدانتصارات باهرة له في الصين القديمة "مملكة تشي" قبل الميلاد بخمسة قرون على الاقل ، فان من استفادوا من كتابه من قادة الحرب من بعده قد نالوا نصيبا من هذه العبقرية ، غير ان الاكثر عبقرية هو من طبق هذه القواعد عمليا و حقق الانتصار تلو الاخر ، دون ان يعرف او حتي يسمع عن صن تزو ، او فن حربه ، ....و كان من هؤلاء العباقرة المعدودين ...سيف الله المسلول ، خالد بن الوليد ،ذلك القائد الذي شهد له اعداءه قبل اصدقاءه و في مختلف العصور بالعبقرية الفذه ...في فن الحرب !!

لقد اعتمدت هذه الدراسة على تلخيص كتاب فن الحرب، ثم مطالعة تاريخ معارك القائد خالد بن الوليد من عدة مصادر، ثم مقارنة بعض تكتيكات خالد بما ورد من قواعد فى كتاب فن الحرب، اي كأنها ربط للشق العملى كما نفذته عبقرية خالد  بالجانب النظرى كما ذكرته عبقرية صن تزو، و في السطور القادمة ،لن نستخدم السرد التاريخي الممل ،و لكن سنتجول معا نفكر و نفر بين قواعد صن تزو المكتوبة عن فن الحرب ، ثم نقفز ما يقرب من الف عام الي صدر الاسلام حيث  زمن خالد و نشاهد معا تطبيقاته العملية لهذه القواعد و تحقيقه لانتصارات لا يحققها سوي قائد عبقري ، تواردت افكاره مع قواعد فن الحرب دون ان يسمع عنها !!

لذا فاننا احتراما للاقدمية الحربية  ، سنجول في مختصر و تبسيط لقواعد كتاب فن الحرب للحكيم صن تزو، فهو كتاب ليس بصغير  ناهيك عما لم يصلنا منه، ولانه خلاصة تجارب و حكمة قائد عسكرى كبير فى تاريخ الصين، لذا وجب علينا التبسيط و الاختصار فى طرح هذه المبادىء و القواعد، فنبدأ باحدي هذه القواعد على رأس كل معركة ، ثم نلقي الضوء منها علي احد تكتيكات و عبقريات سيف الله خالد .التى استخدمها و طبقها فى المعركة ذاتها .

................ يقول  صن  تــزو  : 

*** معين التكتيكات لا ينضب ابدا.....

*** رغم ان علامات الموسيقي 7 فقط ، الا انها تنتج ما لا حصر له من الحان

*** و الالوان الاساسية سبعه ، و مزيجها ينتج ما لا حصر له من الوان.

…..و هذه من وجهة نظري المتواضعه اهم قواعد فن الحرب ، الابتكار و التجديد ، و من يدرس معارك التاريخ الاسلامي عامة يجد هذه السمة متوافرة فيها الى جانب الايمان العميق بالله، و عزيمة ماضية قوية ، و الا لما استطاعت تلك الجيوش قليلة العدد ان تقهر ممالك عمرها مئات او الاف السنين كالفرس و الروم ، و بين اولائك القادة كان اكثرهم ابتكارا و تجديدا للخطط هو خالد بن الوليد ، ما بين انسحابه التكتيكي المبتكر في مؤته ،و عبوره لخنادق الفرس ،و ترتيب جيشه لفيالق في مواجهة الروم تعددت الابتكارات بما سنشاهده مع قواعد فن الحرب التالية !!

و الله ولى التوفيق 
احمد مختار حامد ابودهب

 

 

*** القائد الكفء يتأني كالجبال و يهجم كالصواعق.

***ّ كثيرا من الحسابات ....يساوي مزيدا من النصر.
***   بناءا علي الظروف ،علي المرء ان يعدل خططه

*** المقاتل الباسل متأنيا في قراره ، رهيبا في هجومه

* فن دراسة الحالات و الظروف، هو حسن تقديرك متي تهاجم عدوك ، و متى تتجنبه في افضل حالاته .

..... و هكذا كانت  سمة خالد و وصفاته ، اذ كان يردد دائما "اناة القط ...و وثوب الاسد " ، فلم يكن يتسرع ابدا لخوض قتال رغم مهارته و شجاعته ، الا انه كان الاكثر صبرا و تانيا ،فلا يهجم الا حين تلوح له الفرصة السانحة .... لقد تجلي ذلك في غزوة احد قبل اسلامه ، و في باقى معاركه بعد اسلامه ،فلم يتسرع بخوض معركة بقواته قط قبل ان يتم حساباته و خططه، كان يدرس و يحلل و يبث العيون و يجمع المعلومات  و عليها  يضع الخطط .. كان جنديا باسلا قبل ان يكون قائدا فذا ......كان فعلا ، لا ينــام و لا يترك أحـــدا  ينــــام  !!!

 

 

*** حدد نقاط ضعف عدوك ، و اعمل علي مهاجمتها.

*** * ابقي منظما هادئا ، و ترقب الفوضي في صفوف عدوك

..... لطالما استخدم خالد هذه القاعده.... ففي غزوة احد  - شوال 3 هــ ، و بينما لاح النصر للمسلمين و ولت فلول قريش هاربة ، لم يهرب خالد و فرسانه ...بل ظل يشاهد و يراقب بهدوء ...الي ان التقط طرف خيط الخطأ ...لقد نزل اغلب الرماة من علي جبل الرماة ، حيث امرهم رسول الله () الا يتركوا اماكنهم تحت اي ظرف حتي لا يتعرض جيش المسلمين للتطويق من جهة ميسرته. اي أن النبي لم يغب عن تخطيطه فكرة التطويق و حسب له حساباته  ،لكن 40 رام ٍ من اجمالي 50 غرهم مقدمات النصر التي لاحت ،و تركوا اماكنهم طمعا في الغنيمة و خالفوا امر القائد مخالفة مباشرة  ، ...و هنا تصيد خالد هذا الخطأ ،... وقت  يسير يحتاجه  الفارس كى يلتف حول جبل الرماة، فلقد جربت ذلك  سيرا على قدماى حين زرت جبل احد ، و تخيلت  امام عيناي ما فعله  خالد تماما  !!!!

لقد التف بفرسانه حول جيش المسلمين من جهة ميسرتهم حيث جبل  الرماة، و حيث فقدت  تلك الميسرة الحماية بنزول اغلب الرماة ، بينما  كانت الميمنة محمية من التطويق بالتصاقها بجبل أحد الشاسع، فهكذا خطط رسول الله () تخطيطا محكما  يطابق فنون الحرب، لما ؟ ليحصر  جبهة مواجهته  و عددهم  القليل فى مواجهة قريش ذات العدد الاكبر فى  مساحة محدودة، فلا هى  تفوقهم و لا تطوقهم ، و كان تخطيطا محكما  لاحت به بشائر النصر ، و بلا ادني شك فان رسول الله ()  لم يقرأ كتاب فن الحرب، و لكن خطته كانت تطابق  القاعدة التى تقول :

*علي الارض المستوية ، اجعل المرتفعات من اليمين و الخلف ، فتحصر المواجهه في المقدمة

 و لكن عندما خالف الرماة امر رسول الله ()  و نزلوا عن  اماكنهم و تصيد خالد خطأهم و احسن استغلاله   ، انقلبت رحي المعركة و صارت لصالح قريش ،فكان بذلك خطأ الرماة و كفاءة خالد سبب انقلاب دفة هذه المعركة ، و لطالما ندم خالد – رضى الله عنه، علي ذلك كثيرا بعد إسلامه ،و عوض ذلك بالعديد و العديد من  الانتصارات فى معارك صعبة   في سبيل الله .

 

 خريطة توضح خطة خالد فى تطويق  جيش المسلمين

 

* لا تصعد مرتفعا لتواجه عدو ، و لا تعترضه اثناء هبوطه منه

* اذا سبقك العدو الي مرتفعات ، فلا تتبعه ، و لكن انسحب و اغره بالنزول وراءك

...و هذا ما حدث .....فلقد  لجأ جيش المسلمين  لجبل أحــد يحتمى  به  من جحافل  قريش،  و كان قرار صائبا ،  و غر  بعض قادة قريش ان يتبعوا المسلمين  الى اعالى جبل أحــد، و يرفض خــالد  القائد المحنك ، فهو يعرف خطورة  ملاحقة عدوا  احتل موقعا مرتفعا  .

.....و في معارك الشام

...تصيد خالد الذي كان  " لا ينام ...و لا يترك احدا ينام " بعد  سبعين يوما  من الحصار،  خطأ لحراس اسوار مدينة دمشق المنيعة التى يحاصرها ، حين كان يوم عيد لهم فأسرفوا في الشراب ليلا ، حيث كانوا يتوقعون المعارك نهارا كما هو متعارف في زمنهم ، غير ان سيف الله  خالد الذي لا يغفل عن عدوه رصد خطأهم ، فهاجم الاسوار ليلا وقت سكرهم ، و نجح في دخولها و فتحها ،و ما ان فتح هو و قواته جانبا منها ، الا و استسلمت باقي اركانها سلما لقوات القائد ابوعبيدة ابن الجراح لما رأوا من بأس و شدة خالد و رجاله، لقد طابقت خطة خالد مبدأ صن تزو : * القائد الماهر يتفادي الهجوم وقت ارتفاع معنويات عدوه ، و يتحين الهجوم وقت خموله و كسله.

  • ·اذا كنت لا تريد القتال ، فاعمل علي خداع العدو و لا تجعله يعرف ذلك.
  • ·من ينتصر يعرف جيدا متي يقاتل و متي لا يقاتل.

..... خالد ....لا يقاتل !!!

 خالد .....ينسحب !!!!

.... نعم ، ...و لم لا ... لانه يعرف جيدا متي يقاتل و متي لا يقاتل ، شأن اي قائد حكيم يخاف علي قواته ، و لا يوردها المهالك او يفنيها دون هدف يستحق

...غزوة مؤته ( 8هــ -  أغسطس 629 م.)...ثلاثة الاف مقاتل في مواجهة 200 الف من جحافل الروم و الغساسنة, حيث سار الجيش ثأرا لمقتل رسول ارسله رسول الله ()الى الغساسنة و قتل وفد اوفده الرسول الى بعض تلك القبائل لتعليمهم الاسلام فغدروا بهم، و اى جريمة كانت قتل رسول او وفد امنا، فانها بمثابة اعلان حرب، فوجبت الحرب ....و اي معركة رهيبة كانت  ....و ما ان دارت رحى المعركة، الا و رسول الله ()  فى المدينة يطلعه ربه على مجرياتها  و يخبر اصحابه بما يجرى فيها اولا بأول  ... و بعد استشهاد قادة الجيش الثلاثة زيد و جعفر و بن رواحة ...حيث استشهدوا بالتتابع تماما كما رتبهم رسول الله صلى الله عليه و سلم، . اختار الجيش خالدا قائدا ، لخبرته و حنكته رغم حداثة اسلامه ان ذاك اذ لم يكن مر على اسلامه اكثر من ثلاثة اشهر  ، و كان نعم الاختيار !!!

و كانت اول معركة يقودها خالد تحت راية الله و رسوله ()،  معركة  نتيجتها  محتومة و هى هلاك جيش المسلمين كاملا بعدده القليل امام هذه القوة الجبارة، و لكن تولى خالد للقيادة كان له رأى آخــر !!

اذا يجب ان ينسحب بجيشه، و لكن كيف ينسحب و هو فى براثن هذه القوة الرهيبة، حتى لو هرب باقصى سرعة ستلاحقه و تفنيه، - و بالطبع نعلم  نتائج  الانسحاب الغير منظم للقوات تحت امرة قائدغير مسؤل كما حدث في نكسة يونيو 1967 و اوامر المشير عامر بالانسحاب غير المنظم !!!

لقد بدأ خالد خطته بالقاء نظرة عامة على المعركة ، و وضع خطته و بدأ فى تنفيذها سريعا ، و لم يكن خالد القائد المخطط فقط ، بل مقاتلا صنديدا رهيبا ، ففى يوم مؤتة  كسرت فى يدة  تسعة سيوف ، اننا نعلم ما معنى انكسار سيف من شدة القتال، فما بالنا بتسعة اسياف تتكسر فى يد قائد جيش  !!

لقد كانت خطة خالد كمايلى  :  لقد بدل  الميمينة  ميسرة و الميسرة ميمنة ، و جعل  مؤخرة الجيش  تثير الغبار الكثيف بخيلها و رجالها ، ثم  اخذ قسما من جيشه قسمه جماعات ....و امرها ان  تبتعد عن مكان المعركة ، ثم تنضم الى المعركة مجموعة تلو الاخرى من مكان اثارة الغبار خلف الجيش مهللة مكبرة، فيكبر الجيش كله معها، و تعلو صيحة الله اكبر مزلزلة قلوب العدو  ....و فعلا انطلت الخدعة على الروم ، غبار  و  جماعات تتلو جماعات و تكبير  ...اذا هو المدد ، فأن كان هؤلاء الالاف الثلاثة صمدوا  هكذا ، فما بالنا بهم اذا جاءهم المدد تلو المدد ....و بين ذلك كله ، يأمر خالد جيشه بالانسحاب ....انسحاب تكتيكى منظم لجيش  بدى  و كأنه يزداد قوة امام عدوه ،  و ما ذلك  الا  أن يفسر  كفخ  ...و هكذا فعلا فسرها قادة جيش الروم ، بالتأكيد جيش المسلمين  يجتذبهم الى فخ  فى قلب الصحراء ، لذا  خافوا  ان  يلاحقوهم  خشية هذا الفخ  المزعوم !!!
و نجى خالد  بجيشه  بانسحاب تكتيكى منظم  مبتكر ،  و لم  يرضى رسول الله  (
) بوصفهم بالفرار كما وصفهم  أهل المدينة ، فهذه اول  واقعه انسحاب لجيش المسلمين بعد غزوة احد ، فوصفهم  بالكرار  لا  الفرار و قدر لخــالد حسن صنيعه و تخطيطه،  بل و انعم على خالد بلقب سيف  الله ,,,, سبحان الله ... كما كان خالد سبب  الانسحاب  المنكسر فى أحـــد ، كان هو سبب  الانسحاب  المنتصر  فى مؤتة

    سر بقوتك الي قلب المخاطر و ستنجو منها ،

   فالخطر له تأثير مقوي يظهر شجاعة الرجال

و ان لم يكن "صن تزو"  مؤمنا برسالة سماوية، فان ايمان  خالد  ورجاله كان كفيلا  ان يجعلهم من اصحاب هذا المبدأ ....و اى قائد محب للمخاطر مثل سيف الله !!

حين احتاجت جبهة الشام للتعزيز، لم يجد  الخليفة ابوبكر الصديق - رضى الله عنه، بأفضل من خالدبن الوليد   لهذه المهمة ،  فارسل اليه  ان يسير بسرعة لمساندة قوات ابى عبيدة بن الجراح فى الشام ، و كانت امام خالد عدة طرق ليسلكها ، الطويل  الذى به سبل العيش و لكنه متاخم لحدود و قلاع العدو  ...و القصير السريع  عديم  المـــاء المحفوف بمخاطر العطش وحدها ...و ياله من خطر يحسب له عابر الصحراء حسابه  !!

لقد فكر خالد مليا  و لكنه لم يضع الوقت ، و اختار  الصعب السريع  (بادية الشام ) عن السهل البطىء ...و اخذ يعد العدة لذلك ، فــأمر بإبل  اضناها العطش فلم يسمح لها  الا بالشرب قبل تحرك الجيش مباشرة، و حمل على ظهورها  اكثر ما يمكن من قرب الماء  ...فصارت حاويات  للماء، خارجيا للجند  و داخليا  للدواب و الخيل ، فيذبح  منها  كل مسافة  ليأكل الجند ، و تشرب الخيل مما فى بطونها من ماء،  و اخد معه دليلا خبيرا بهذه الطريق ، و خاض غمار المغامرة برجاله ، و استطاع ان يصل فى زمن قياسي الى ارض الشام  من خلال هذه المغامرة المحسوبة الخطرة !!

و فعلا .....كما  قال صن  تــزو :

  • السرعة هي جوهر الحرب
  • لا تسلك طرقا طويلة لتواجه عدوا منتظرك بكامل قوته و راحته *
  • ·فكر مليا قبل ان تخطو كل خطوة
  • ·حدد طريقك بما لا يتوقعه عدوك و لا يستطع ان يهاجمك فيه
  • ·عندما تجد الطريق الصحيح ، اسلكه و لا تنتظر الاوامر
  • ·يجب ان تعرف جيدا: طرقا لا يجب ان تسلكها ،و قوات لا يجب ان تهاجمها ،و مدن لا يجب ان تحاصرها،و اوامر لا يجب ان تطيعها
  • ·انتهز الفرص السانحه ، و تجنب المخاطر المهلكه ، دون تهور او اهدار للفرص

بناءا علي الظروف ،علي المرء ان يعدل خططه

  • ·اذا عرفت نفسك و عرفت عدوك فانتصارك علي المحك ،

 و اذا عرفت ذلك و عرفت ارض و سماء المعركة ، اصبح انتصارك بدون شك.

لقد كان خالد من خير القادة الذين يتعلمون من دروس الامس ، فان كان قد فوجئ بالخندق في غزوة الاحزاب  -  ( شوال 5 هـ   - مارس 627 م  ) خطة دفاعية لم تعهدها العرب اقترحها الصحابى الجليل سلمان الفارسى على رسول الله () و هو تكتيك معهود لدي اهل فارس كخطة دفاعية ، لقد رأي خالد فشل تجارب عبوره بالفرسان و المشاه  بل و مقتل صناديد فى مبارزات لمحاولة اقتحامه مثل الفارس عمرو بن ود الذى كانت تعده قريش بمئة مقاتل، حيث بارزه و قتله على بن ابى طالب – كرم الله وجهه فى مبارزه عنيفة ، و قد وعى خالد يومها درس الخنادق و اضافه الى ذاكرته العسكرية، و  في معاركه في ارض الفرس اهل الخنادق قد ابتكر عبورها بان امر بذبح ضعاف الابل و الماشية في جيشه و الالقاء بها في اضيق مكان من الخندق ، فبذلك ابتكر اسرع وسيلة لردم جزء منه و عبوره ، و قد كان ما اراد.

*** اليرموك  ( 5 رجب  15 هــ - اغسطس  636 م) :

يوم من ايام الله كما وصفه  خالد في بداية خطبته التى القاها قبل المعركة محفزا  قادة الجيش و جنوده ، تجلت فيه عبقريته العسكرية، و هو يقود جيشا لا يزيد عن خمسة و عشرين الف مقاتل فى مواجهة ما يقرب ان لم يزيد عن ربع مليون مقاتل .... و كانت عبقرية فى معركة دامت ستة ايام،  نوجزها فيما يلى :

لقد لاحظ خالد نزول الروم فى مكان  ضيق المخرج، رغبة منهم فى منع جنودهم من الهروب، و كان هذا نصف النصر كما قال خالد .

بينما وقع الروم فى خطأ عن غرور و ضغط على جنودهم يصفه صن تزو قائلا*(لا تستخدم اراضي يصعب الخروج منها ، كالمنحدرات و الغابات ، و الشعاب الضيقة)

-         لاحظ خالد ان  الروم يقسمون جيشهم فرقا  بطريقة غير معهودة  لدى قتال العرب، فعدل خطته  و قسم جيشه  لمجموعات  او "كراديس " جعل على كل منها  قائدا، ليسهل  تعدد المناورات بها و توجيهها .

-         لقد  غير خالد  تكتيكه  من الدفاع الى الهجوم  فى اخر ايام المعركة  تبعا لمقتضيات الظروف و مستجدات الامور و جدوي الهجوم في هذا الوقت، لقد كانت مثالا تاريخيا لمواجهة و انتصار قوة صغير تحت قيادة فذة فى مواجهة قوة تفوقها عدة مرات !!!

و حين انكسر  جند الروم و بدأوا بالفرار  امر رجاله ان يتركوا  فرصة  لفرسانهم  بالهروب ، و ذلك مطابقا  لما قاله صن تزو  :  * لا تضغط بشدة علي عدو يائس
* اذا حاصرت عدوا منهزم ، فاترك له فرصة للهرب حتي لا يستأسد في المقاومة فتكون الخسائر كبيرة.

و رغم  ان  اول رسالة  وردت بعد معركة اليرموك لم تكن تهنئة لخالد او تكريما له، بل عزله من القيادة  بناءا على أوامر الخليفة العادل الفاروق عمر بن الخطاب – رضى الله عنه ، لا لسخطة او غضب على خالد او ضغينة تجاهه كما يدعى البعض ، بل  خوفا من ان يفتتن الناس به و لا يظنون انه لا نصر الا بخالد و قد كانوا قد اوشكوا على ذلك حقا ،  فما كان من خالد  القائد المنتصر  العظيم  الا ان  اطاع اوامر قائده الاعلى  أمير المؤمنين ، و انخرط فى جيش ابو عبيدة ابن جراح و تحت قيادته ، و ظل ابوعبيدة يقدره و يأخد برأيه و مشورته  و توجيهاته، فيا له  من سلوك قادة عظماء بحق،  فالقائد المخلص العظيم  لا تغريه المناصب  او تشده المكاسب ...و لكن لا  يهمه  الا النصر !!!

الق الرعب في قلب خصمك ، و امنع حلفاءه من الاشتراك معه في معركة ضدك.

لقد  طبق  خالد بن الوليد  هذا المبدأ باحتراف شديد  فى عدة مواقع ،   ما بين عقده  للصلح  مع قبائل العرب المواليين  للفرس، و ما بين رسائلة شديدة  اللهجة لاعداءه ,حيث يختم رسائله قائلا :

فلقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة  !!
و للروم ردا على صلفهم و اهانتهم للمسلمين بوصفهم  قوما اخرجهم الجوع من أرض العرب قائلا :.....  و لكننا قوم نحب شرب الدماء، و قد علمنا ان اجود الدماء دماء الروم ، فما جاء بنا سوى رغبتنا فى شرب دماءكم  !!!!

و لقد كان موقفه  عجيبا  حين وجد كيسا مع احد قادة هذه القبائل ، و سأله عما فيه فعرف انه سم، فذكر اسم الله  ثم سكبه فى  فمه ، فذهل الرجل  قائلا : و الله لتبلغن ما تريدون  !!

و قد يعتقد البعض ان هذه القصة خرافة او محض افتراء ..و لكنها حقيقة رواها عنه اعداءه، و  لقد كان لها اثر بالغ على معنويات قبائل العرب حين تداولتها  ،  و علميا كان هذا الكيس به سم الافعى ، و سم الثعابين  تكسره عصارة المعدة  و لا يضر ....لقد فعل خالد هذا متوكلا على ربه و لم يكن يعرف ذلك ،  فاراد له ربه النجاة !!

عندما تتساوي نسبة قوي الطرفين ، يكون النصر للقائد الابرع

..... حقيقة واقعية فى معارك كثيرة ، و لكن من يطالع اغلب أن لم يكن كل معارك خالد بن الوليد يجد انه دائما كان صاحب القوة الاقل عددا و بفارق كبير ، حتي في معركة احد عندما نفذ خطة التطويق كانت قريش -رغما انها صاحبة العدد الاكبر - هاربة مولية الادبار  بينما هو يكر ليحقق الانتصار !!!

، لقد كان لحنكة و عبقرية خالد دور كبير في السيطرة علي رباطة جأش رجاله - المؤمنين بطبعهم راغبين فيما عند ربهم -  و توجيه روحهم المعنوية التوجيه الامثل ، خاصة في موقف الشدة و بدايات الانكسار ،فحين لاح انكسار المسلمين في معركة اليمامة ، ادرك خالد انهم حديثوا الاسلام لم يتغلل الدين بداخلهم ليجعلهم يثبتون كما ثبت الذين من قبلهم ، خاصة و المعركة ضارية شديدة ، لذا اضاف لحمية الاسلام بداخلهم حمية القبيلة ، فامرهم ان بتفسمون لجماعات تبعا لاصولهم صائحا ، حتي نري من أين تاتي الهزيمة ،،،،،، و نجحت خطته ، فان كان عدد من الذين اسلموا حديثا لم يعتادوا الثبات تحت رايته ، الا ان انتماءهم لقبائلهم و أصولهم تمنعهم الفرار حتي لو يواجهون الموت ذاته ، فلم لا  لا يستغل القائد الكفء اي نقطة بداخل جنوده ليحقق نصره المنشود .

الروح المعنوية الموحدة للقادة و الجنود من أسس النصر

لم يفاجأ خالد في معركة قط ، مثلما فوجىء في ثاني معاركه تحت راية الاسلام ، غزوة حنين ،  - (شوال 8 هـ  - يناير  630 م)  حيث كان قائد مفرزة "طليعة الجيش "  من الفرسان من بني سليم عددها 600 او 700 فارس  مقدمة جيش المسلمين الذى بلغ عدده لأول مره اثنى عشر الف مقاتل،   و لم يكونوا يعلمون بالكمين الليلي الذي اعده القائد مالك بن عوف  قائد جيش قبائل هوازن و ثقيف الذى يبلغ تعداده ما بين عشرين و ثلاثين الف مقاتل  ، و ما ان دخلت سرية فرسان خالد الممر الجبلي حيث الكمين الا انهالت عليهم السهام مثل المطر بالمئات ، حتي من اراد الثبات من الفرسان لم تسمح له خيله بذلك.

لقد كانت خطة مالك بن عوف  ذكية غير معهودة على حروب العرب انذاك، لقد ترك جيشه فى معسكره طوال هذا اليوم فرصدته عيون جيش المسلمين ثابتا معسكرا، و لم يحرك جيشه سوى بعد بعد الغروب "اخر ضوء بلغة العسكريين " حيث يقل الرصد و تهدأ العيون فى عرف معارك العرب، فحركه  و اتخذ به مكانه الجديد و نصب كمينه لجيش المسلمين، و كان ما كان من مباغتته لمقدمة فرسان المسلمين تحت قيادة خالد، غير ان خالد ثبت مترجلا دونا عن رجاله ، بل و اصيب اصابات بالغه ، جعلت النبي يشعر بشجاعة موقفه و يبحث عنه بعد المعركة و تمام النصر ليضمد جراحه و يقوي من عزمه ....بل و يرسله قائدا في السرية التالية علي نفس خيالة بني سليم ، فلو لم يكن هؤلاء الخيالة قد رأوا ثبات و عزم و قوة روح قائدهم ،لما قبلوه بعدها نفس القائد .....و منذ ذاك الحين و اصبحت الكمائن الليلية في حسبان خالد يعد لها عدتها و يحسب لها حساباتها ، و حقا كما قال صن تزو  "* من لا يحسب كل كبيرة و صغيرة قبل هجومه ، و يستهين بقوة عدوه ، يكون مصيره الاسر او الهزيمة " ....فبعدها استفاد خالد ان المناورة  و الرصد  يكون ليل نهار، و  لم يؤخذ خالد علي غرة بعدها  قط ، و لم يستطيع ان يفاجأه أحد!!!!

.......إن تاريخ خالد بن الوليد و تفاصيل عبقريته الحربية عظيمة تحتاج لمجلدات لسرد دقائقها و تفاصيلها ، و ان تاريخ معارك الاسلام اعظم و اشمل ، و لكن يكفينا هذه المحاولة المتواضعة لعقد دراسة مقارنة يسيرة بين لمحات من عبقريته و لفتات من كتاب فن الحرب ،

و الي روحه الطاهرة الكريمة يهديه قلبي و قلمي هذه الكلمات:

ايا عين جودي ،،،،و القلب باكي

فعلي مثل ابي سليمان ،،،تبكي البواكي

لله در السيف اذا الله سله

فكان منية النفاق و الاشراكِ

انعم بصاحب اعنة خيل قريش

فكان يافن الحرب ،،خير من وعاكِ

و ان كانت علي يده دائرة أحد

فتبعها مؤتة وانقاذ من شر شراكِ

اناة القط سمته ،،قبل وثوب الاسد

فما مثل وطيس معاركه عراكِ

وما فل جيوش اليمامة مثله

و انهي شر مسيلمة الافاكِ

و ما كان لشر الفرس اسدا مثله

فمن يا ناركسري أضاع رجاكِ !؟؟

اذا قاد القوم،،، بالنصر استبشروا

فكان ما رجونا ،،،،، ولنا هو ذاك

فيا يرموك لله در رجالك

ومن يجابه خالدا ،،،يجني الاشواك

لقيت بعد الزحف مائـة مثلها

ومافي الجسد الاموضعا اذاك

بضرب و طعن او من سهام رمية

و لكن علي فراشك الموت قد اتاك

فطب قرير العين ابا سليمان هانئا

فاعين الجبناء لا نامت ، طاب ثراك

و نختم  حديثنا عن عبقرية و شجاعة  خالد بما عبر به هو عنها فى اخر لحظات حياته ، التى لم تدوم كثيرا ، حيث غزا و قاتل شرقا و غربا و ابهر الاعداء و الاصدقاء بعبقرية عسكرية قلما تتكرر فى تاريخ البشرية،  و رحل  و عمره  لم يتخطى  منتصف الخمسينات من العمر  (30 ق.هـ - 21 هـ / 592 - 642 م)،  

فلقد ختم خالد حياته بكلمات من نور ملخصا بطولاته و معاركه و شجاعته  قائلا :

لَقَد شَهِدتُ مائَةَ زَحفٍ أو زُهاءَها، وما في بَدَني مَوضُعُ شِبرٍ إلا وفيهِ ضَربَةٌ بِسَيفٍ أو رَميةٌ بِسَهمٍ أو طَعنَةٌ بِرُمحٍ. وها أنذا أموتُ على فِراشي حَتفَ أنفي كما يموت البعير ، فَلا نامت أعينُ الجُبَناء.

و اخيرا ....... و كـــأنما كان صن تزو يصف خالدا ابن الوليد حين قــــال :

* إن القائد الذي يعدل تكتيكاته تبعا لظروف عدوه و يحقق الانتصارات ...فهو هدية من السماء.

*إن القائد الذي لا يرجو الشهرة ، و ينسحب في الوقت المناسب دون خوف من عار الانسحاب ، و يعمل فقط لحماية وطنه فهو درة تاج هذا الوطن!!

احمد مختار ابودهب

اغسطس 2017

المصـــــادر  و المراجــــع

  • فــــن  الحرب  -  صن تزو ، ترجمة   رؤف  شبايك 
  • الفتوحات  الاسلامية -  عبدالعزيز الشناوى 
  • سيف الله خالد بن الوليد  - دراسة عسكرية تاريخية لمعاركه -  الجنرال  أكرم  أ . ، ترجمة العميد الركن صبحى الجابي
  • رجال  حول الرسول  -  خالد محمد خالد 
  • عبقرية خالد بن الوليد العسكرية  -  عقيد اركان حرب  احمد لحـــام
  • عبقرية  خـــالد  -  عباس محمود العقـاد 
Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech