Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
الخميس 27 سبتمبر -ندوة حزب الوفد - طنطا ***** 7 أكتوبر 2018 ندوة بجامعة الازهر كلية لغات وترجمة ***** 8 أكتوبر ندوة بمدرسة أيليت الخاصة **** 9 اكتوبر ندوة بمكتبة الاسكندرية **** 20 أكتوبر ندوة بمكتبة القاهرة الكبري بالزمالك*****

سلسله قاده عظماء - 33 - الشهيد - العقيد إبراهيم عبد التواب

((بطل ملحمة كبريت ابراهيم عبد التواب))

بقلم : جمال الغيطاني

من مجلة الهلال أكتوبر1976

 

فيديو استقبال قوات كبريت بعد انتهاء الحصار 

يمكن القول ان التاريخ العسكري لمختلف بلدان العالم لم يشهد ظروفا حوصرت فيها قوة عسكرية في ظروف مماثلة لتلك التي جرت في كبريت،

حيث قاوم أكثر من أربعمائة مقاتل مصري تواجدوا في موقع لا تزيد مساحته كلها عن كيلومتر مربع  وفي ظل الظروف بالغة القوة ، حيث انعدم القوت والمدد تقريبا لمدة مائة وأربعة وثلاثين يوما  ولم يستسلم مقاتل واحد،

برغم كل الواقع القاسي والجوع والظمأ وظروف الحصار  ستظل شخصية العقيد حرب ابراهيم عبد التواب الذي قاد الرجال طوال فترة الحصار من أبرز أبطال العسكرية المصرية ، سيظل اسمه شهابا لامعا ونجما باقيا في سجل الخالدين

كان ابراهيم عبد التواب نموذجا للانسان المصري الهادئ البسيط،قبل الحرب كنت اذ تلتقي به تألفه بسرعة

تعرف أنه يعيش حياة هادئة  يتفاني في عمله الى حد مذهل ينغمس فيه تماما لا يوحي هدوءه بأنه سيأتي يوما ما عملا خارقا مما نطلق عليه تعريف (البطولة) ،

ولكن كان ابراهيم عبد التواب يمثل الانسان المصري العادي الذي يظل يعيش حياته بهدوء حتى اذا جائت لحظة معينة أو موقف معين تفجرت عوامل عديدة داخله لتشكل سلوكه البطولي

وفي كبريت سجل ابراهيم عبدالتواب أرقى مايمكن أن نتصوره من معاني التضحية والصمود.

على رأس تشكيل من مشاة الأسطول ( الكتيبة 603 من اللواء 130 مشاة أسطول )  اقتحم العقيد ابراهيم عبدالتواب منطقة البحيرات المرة،كان التشكيل مجهزا بعتاد خاص بحيث يتلاءم مع ظروف المنطقة التي سيعمل فيها،وتم اقتحام نقطة كبريت القريبة الواقعة شرق البحيرات المرة في تمام الساعة الرابعة والنصف من بعد ظهر السبت السادس من أكتوبر،أي بعد نصف ساعة من بدء الهجوم عليها،ويرجع هذا بالدرجة الأولى الى جسارة الرجال المهاجمين

لم ينتظروا اتمام وحدات المهندسين تطهير المناطق المحيطة بالنقطة القوية والمزروعة بالألغام،والأسلاك الشائكة،انما اقتحموا حقول الألغام بمركباتهم وأجسادهم،وهذا عمل عسكري تخطى كل الحسابات التقليدية في عالم الحرب مما كان له تأثير كبير في انهاء المقاومة العنيفة التي أبداها جنود العدو.

( الثابت لدي المجموعة 73 مؤرخين ان اقتحام نقطه كبريت تم ليلة 9 أكتوبر بعد يوم من القتال في عمق دفاعات العدو وان مقاومة العدو كانت ضعيفة )

كانت النقطة القوية في منطقة كبريت شرق تمثل احدى النقط القوية التي يتشكل من مجموعها خط بارليف،ولكنها لم تكن نقطة استراتيجية  كنقطة لسان بورتوفيق أو النقطة الواقعة في مواجهة القنطرة،أو نقطة الشط ،أو نقطة الكيلوعشرة جنوبي بورسعيد،ويرجع هذا الى وقوع هذه النقطة على البحيرات المرة،تلك المساحة المائية الواسعة والتي لم يضع العدو في حساباته امكانية عبور القوات المسلحة اليها،

خلال الأيام التي تلت السادس من أكتوبرقام التشكيل الذي يقوده ابراهيم عبد التواب بواجباته القتالية،ولكن مع مجئ يوم 16 أكتوبر بدا أن العدو يبذل جهدا عسكريا هائلا في محاولة لاختراق صفوف قواتنا والعبور الى الضفة الغربية للقناة،ويشترك البطل مع زملائه في صد هجمات العدو المتتالية،ويشارك معه زميله محمد أمين مقلد،وجاء الى الجبهة ليشهد اللحظات التي طال انتظاره لها

كان قلبه يأكله لا يطاوعه ولا يريحه في البقاء بعيدا عن الرجال قام البطلان بقيادة جميع الهجمات التي تمت ضد قوات العدو وتجمعاته في المنطقة خاصة يوم 22 أكتوبر..

في مساء ذلك اليوم ركز العدو هجوما كبيرا بعد تحضيرات من المدفعية،وقصف طيران متواصل من الساعة الرابعة حتى السادسة مساء.

وعند هذا الوقت شن هجوما قويا بأربعين دبابة وحوالي 22 عربة مدرعة نصف جنزير،وتم تدمير الهجوم المعادي.

احترقت 12 دبابة وعربة نصف جنزير،وظلت هذه الخسائر موجودة حتى انسحاب العدو من حول موقع كبريت،في هذه الليلة كان عدد كبير من المقاتلين قد تجمع في نقطة كبريت القوية،أشرف ابراهيم عبدالتواب ومحمد أمين مقلد على توزيع الرجال حول النقطة القوية

قاما بتوزيع الرجال طبقا لخطة موضوعة حول النقطة ولم يدعا أي جندي يحتمي بداخلها،لأنها ستكون هدفا رئيسيا لطيران العدو وهذا ماجرى بالفعل.

في تلك الليلة،ليلة 22 أكتوبر 1973 أصيب محمد أمين مقلد في رأسه،طلب منه أن يعود الى الخطوط الخلفية،لكنه عصب رأسه،وأبى مفارقة الرجال.

يوم 22 أكتوبر1973،بدأ قصف نيراني منذ الساعة التاسعة صباحا وحتى أخر ضوء قصف جوي مكثف بمعدل 4 طائرات في كل طلعة بفاصل زمني قدره خمس دقائق كان القصف يركز على مداخل النقطة القوية،وعلى الدبابات والقطع المدرعة المتبقية بين أيدى الرجال،كان القصف بواسطة قنابل زنة أالألف والألفين رطل،وهذه القنابل يعجز الخيال عن تصور ماتحدثه من تدمير بالاضافة الى بشاعة انفجارها،وضخامة شظاياها،وقوتها التدميرية،وقدرة التفريغ الناتج عن انفجاها.

في هذا اليوم كان قد تم توزيع الرجال حول نقطة كبريت.تم تحديد موقع لكل جندي نظم الدفاع عن الموقع أو كما يقول أحد رجال كبريت فيما بعد: ( تم في ذلك اليوم وضع أساس الصمود في الموقع االذي بقي حتى انسحاب القوات الاسرائيلية).

ليلة 22 أكتوبر 1973.استشهد المقدم محمد أمين مقلد،ومنذ هذه اللحظة تولى العقيد أركان حرب ابراهيم عبد التواب قيادة موقع كبريت،في نفس الوقت كان الحصار الطويل يبدأ...

قطعت الاتصالات اللاسلكية.ودمر جزء كبير من معدات الاشارة نتيجة للقصف الشديد يوم 23 أكتوبر،في نفس هذا اليوم استشهد الرائد نور المسئول عن مواصلات الموقع السلكية واللاسلكية،

يوم 24 أكتوبر1973،استأنف العدو غاراته الجوية وقصف المدفعية،في نفس الوقت الذي كان الرجال يتصدون للعدو ويردون هجماته،كان ابراهيم عبدالتواب يستغل كل ثانية لتدعيم دفاعات الموقع،من حفر خنادق،تنظيم الدفاعات،وتوزيع الرجال وتقسيمهم في مجموعات.

في الصباح الباكر من يوم 25 أكتوبر دفع بدورية مسلحة سارت بحذاء الطريق الساحلي للبحيرات المرة،وذلك بهدف تحقيق الاتصال بقيادة الجيش الثالث وبعد مسيرة سبعة كيلومترات تم تحقيق الاتصال وتحديد المطالب من المهمات والتعيينات،ومنذ هذه اللحظة بدأ دفع عدة دوريات من رجال موقع كبريت عبر هذا الطريق،كانت الدوريات تحمل نقالات فوقها الجرحى لاخلائهم الى الجيش الثالث،

وفي العودة كانت النقالات تحمل بالأدوية وجرادل المياه، وحتى 3 نوفمبر 1973،أمكن قيام ست دوريات بمهمتها،في ذلك اليوم اكتشف العدو هذا الطريق النحيل الذي يربط موقع كبريت بمواقع الجيش الثالث،تحركت قوات معادية للتمركز في هذا الطريق.

وبذلك أصبح الرجال محاصرون من جميع الجهات فيما عدا ظهر الموقع المحدود بمياه البحيرات المرة.بدأ العدو في انشاء مواقع مجهزة حول كبريت،وكانت طبيعة الأرض تساعده اذ انها تتدرج في الارتفاع الى الشرق،أى أن العدو يشرف على الموقع من أماكن مرتفعة،في اليوم الذي قامت فيه آخر دورية بمهمتها، أمكن تكديس كمية من الطعام والمياه في الموقع وهنا يقرر ابراهيم عبد التواب التصرف بحكمة شديدة في الكمية المتحة،

إن الرجال في حالة اعياء شديد،لم يناموا منذ أيام عديدة القتال متصل مستمر ولكن هذا لايعني استهلاك كمية الطعام كلها لم يكن ابراهيم عبد التواب يحارب ضد العدو فقط انما ضد الظروف الصعبة في الحصار بما فيها الضعف الانساني،في الفترة من 24 أكتوبر وحتى 5 توفمبر1973،كانت كمية الطعام التي تصرف لكل مقاتل كما يلي على مدار يوم كامل:

-         ربع علبة فول 125 جراما

-         ربع باكو بسكويت

-         ربع لتر ماء في اليوم الواحد

-        

وفي يوم 5 نوفمبر تمكنت قيادة الجيش الثالث من دفع قارب مطاط يحمل نصف طن من المؤن،في يوم وصول الامداد أمر ابراهيم عبد التواب بتوزيع ترفيه على الرجال، كان الترفيه يعني توزيع الكمية التالية لكل فردين:

-         علبة فول

-         علبة خضار

-         علبة مربى

-        

كان اليوم الأول يشهد توزيع هذه الكمية ثم توزيع نفس الكمية في الأيام التالية ولكن ليستهلكها المقاتل في أربعة أيام بدلا من يوم واحد، كان ابراهيم عبدالتواب شديد الصرامة فيما يتعلق بتوزيع الطعام، كان حريصا على الاحتفاظ بكمية احتياطية من الطعام حتى يمكن استهلاكها في أيام قد يعز فيها المدد الى حد قاس .

وقد حدث بالفعل فيما بعد أن تأخر وصول الامدادات من الجيش الثالث.واستهلك الموقع كل الاحتياط الذي حافظ عليه ابراهيم عبدالتواب،وعاش الرجال لمدة يومين متتالين على المياه فقط حتى وصلت امدادات الجيش الثالث،

كان ابراهيم عبد التواب يمر على جميع الرجال في الموقع أثناء تناولهم الطعام،ولا يأكل الا بعد اطمئنانه الى تناول الجميع لطعامهم،وكانت الكميات توزع بالتساوي على الجميع،الضباط والجنود،كان الرجال يخلطون طعامهم بالمياه حتى(ينفش)ويوحى حجمه بالشبع ،

وكانت المياه من أكبر المشاكل التي واجهها المقاتلون في الحصار..

حرية الحركة محدودة، المكان كله لا يمتد أكثر من كيلومتر مربع، الجوع يمكن احتماله.

يمكن مقاتلة العدو مع دوار الرأس والاعياء البادي، لكن الظمأ صعب، وتوفير المياه لهذا العدد من الرجال أصعب.

بدأوا يفكرون واستقر التفكير على ضرورة تقطير مياه البحيرة، كان هناك خط حديدي قديم يخترق الموقع، قام الرجال بخلع الفلنكات الخشبية ،لاستخدامها كوقود تسخن فوقه الجراكن التي تعبأ بمياه البحيرات المرة ، كان الهواء باردا حاد، وأدى هذا الى استهلاك كمية كبيرة من الوقود، اضطر الرجال الى انتظار أيام التي يتحسن فيها الجو حرصا على استهلاك أقل قدر ممكن من الوقود،

كان العدو يرقب بدهشة اشتعال النيران داخل موقع كبريت وتكوينها أشكالا غريبا

كان العدو يحار فيما يفعله الرجال وحلا لمشكلة الاستحمام خصص ابراهيم عبد التواب يوم الجمعة لذهاب الرجال على دفعات الى مياه البحيرات المرة حيث ينزلون الى مياه البحيرة،ويدعكون أجسادهم برمال القاع التي  تحوي مواد كيمياوية،كذلك يقوم الأفراد بغسل ثيابهم ثم يتم توزيع نصف زمزمية مياه على كل مقاتل ليزيل آثار المياه المالحة من على جسده،

كان ابراهيم عبد التواب حريصا على نظافة المقاتلين والتزامهم المظهر الحسن يثور اذا وجد أحد الرجال طويل اللحية أو متسخ الثياب وليس هذا مجرد مظهر ولكنه ينتمى الى ضرورة المحافظة على الروح المعنوية للمقاتلين.كذلك تم تخصيص كمية من المياه لاستخدامها عند تسخين الدبابات أو تحريكها وكان حرص ابراهيم عبدالتواب على توفير كمية المياه الخاصة بالدبابات يعادل اهتمامه بتوفير المياه للمقاتلين.

                                .....

لا تعني ظروف الحصار القاسية أن الرجال التزموا موقع الدفاع فقط أمام هجمات العدو الاسرائيلي،كان ابراهيم عبدالتواب يقول دائما: (اذا ضربوا طلقة نرد عليهم بعشرة)

وكان لا يسمح بأى تحرك في مواجهة الأرض التي يسيطر عليها الموقع أي عربة مدرعة اسرائيلية أو دبابة أو جندي أي حركة من جانب العدو كانت تقابل باطلاق النار الفوري من الموقع

كانت الاشتباكات لا تهدأ اشتباكات يومية بالأسلحة الصغيرة والمدفعية الثقيلة اشتباكات على مستوى واسع خاصة عند حدوث عمليات امداد الموقع كان ابراهيم عبد التواب يدفع بكمائن مسلحة الى المياه لحماية قوارب التعيين الآتية من الجيش الثالث ينزل الرجال الى مياه البحيرات المرة في أقصى أيام الشتا ،ينتظرون بالساعات مجئ القوارب وفي نفس الوقت كانت مدفعية الجيش الثالث تتأهب كلها للاشتباك مع العدو في حالة اكتشافه قوارب الامدادات في القناة

كان ابراهيم عبد التواب يستخدم الأسلحة الاسرائيلية والقذائف الاسرائيلية التي كانت موجودة في النقطة القوية ويضرب بها مواقع العدو المحيطة.

وأدى هذا الى استفزاز العدو واحداث شرخ في روحه المعنوية كانت اسرائيل تريد اقتحام الموقع ولكنها عجزت عسكريا أمام اصرار الرجال بقيادة ابراهيم عبد التواب برغم ظروفهم القاسية

فعرضت اسرائيل اخلاء لموقع بدون أسلحة ورفض ابراهيم عبدالتواب ورفضت القيادة المصرية،عرضت اسرائيل أن يسلم الموقع بعد خروج جميع أفراده بكامل أسلحتهم وتسهيل انتقالهم الى الجيش الثالث،رفض ابراهيم عبدالتواب ورفضت قيادة القوات المصرية.

وعندما جاءات اشارة يوم 17 نوفمبر من هيئة الأمم المتحدة تفيد بأن طائرة اسرائيلية ستصل الساعة الحادية عشر وعليها أفراد من الصليب الأحمر لاخلاء الجرحى الموجودين بموقع كبريت،رفض ابراهيم عبد التواب مجئ الطائرة،ورد قائلا أنه سيطلق النار عليها لو هبطت بالقرب من الموقع،في نفس الوقت رفض الجرحى مغادرة زملائهم وفضلوا البقاء والعلاج بامكانيات الموقع الذاتية، وكان الطيران الاسرائيلي قد دمر النقطة الطبية بالكامل والطبيب الوحيد بالموقع د محمد عبد الجواد مصاب في رأسه وعالج نفسه بمساعدة أحد جنوده ورفض أن يغادر الموقع تحت أي ظروف واستمر يعالج الأفراد،

كانت شخصية ابراهيم عبدالتواب ممسكة بكافة أطراف الحياة في الموقع  تؤثر بالجميع بصلابتها وتواضعها وصمودها كانت المسألة بالنسبة له تعني أن شرف مصر يتعلق بهذه البقعة من الأرض التي ترفع العلم المصري في قلب محيط من قوات العدو فكان يهتم بأدق التفاصيل على امتداد الحياة اليومية للموقع .

في الحصار الطويل كان اليوم يبدأ في تمام الساعة السادسة صباحا،يقوم بعض الجنود بالاستعدادات الخاصة بتقطير المياه.ومن الساعة الثامنة حتى التاسعة يتم تجهيز وجبة الافطار،ثم يبدأ ابراهيم المرور على كل مقاتلي الموقع، كان الجنود اذ يستيقظون يرونه في كامل ثيابه، متواجدا في كل شبر من الموقع، واذ ينامون كان آخر من تقع عليه عيونهم..ابراهيم عبدالتواب

على امتداد اليوم يجلس اليهم يحادثهم يصغي الى مشاكلهم الى أشواقهم التي يضخمها الحصار والانقطاع عن الأهل لكن لا يذكر أحد من الجنود أنه تحدث عن نفسه أو عن مشاكله أو عن أسرته فيما عدا مرة واحدة في أحد الليالي بعد اطراقة قصيرة تحدث الى الضابط الذي كان يقاسمه في الملجأ عن أطفاله، منى، وطارق، وخالد،

قال أنه رآهم قبل الحرب بثلاثة أيام لآخر مرة ، وأنه قام بتغليف كراسات المدرسة لكل منهم وداعبهم ، وقبل ذهابه فجر اليوم، دخل الى حجراتهم على أطراف أصابعه قبلهم ثم مضى...

بعد صلاة الظهر كل يوم يجلس ابراهيم الى الجنود يشرح الموقف،ويتحدث عما جرى في الموقع خلال اليوم، ثم يقرأ القرآن ويشرح بعض الآيات وأسباب نزولها، ويرد على استفسارات الرجال، كان يطلب من المسيحين في الموقع قراءة الانجيل باستمرار، وفي قلب الموقع خصص قطعة من الرمال واستخدمها المسلمون مسجدا واستخدمها المسيحيون كنيسة، من فوق نفس الرمال توجه كل منهم الى الله، في يوم الجمعة كان صوت ابراهيم يرتفع بخطبة الجمعة ويؤم المصلين حرص على توفير جزء من الامدادات قام بتوزيعه على المقاتلين صباح يوم العيد كترفيه ،

وفي يوم 7 يناير فوجئ المسيحيون بالموقع به يوزع عليهم نفس الترفيه بمناسبة عيد الميلاد

 في أحد الأيام وزع برتقالة على كل أربعة أفراد، وفضل أفراد موقع الملاحظة المواجه للعدو ألا يأكلوا برتقالتهم .انما أمسكها أحد الجنود وراح يرميها في الفراغ ثم يتلقاها بيده مرات حتى يوحي للعدو بوفرة الطعام في الموقع.

                                  .....

كان يوجد راديو جاء كهدية من قيادة الجيش الثالث مع أحد قوارب الامدادات ، كان وسيلة الاصغاء الى العالم الخارجي،حرص ابراهيم على استخدام الراديو بحذر حرصا على البطاريات،لم يفتحه الا لسماع نشرات الأخبار والقرآن الكريم.

بعد صلاة العصر يبدأ ابراهيم في المرور على الرجال مرة أخرى حتى ميعاد المغرب،بعد صلاة المغرب يبدأ الرجال في تناول الوجبة الثانية والأخيرة،ثم يبدأ توزيع المقاتلين على خدماتهم الليلية،

الساعة7 و 45 دقيقة  يصغي الموقع الى القرآن المذاع من صوت العرب، الساعة الثامنة ينصتون الى القرآن المذاع من مصر، ثم الى نشرة الأخبار،الساعة التاسعة يبدأ ابراهيم المرور على الخدمات الليلة مع الضباط. ويستمر هذا المرور حتى الفجر، لم يكن ابراهيم وضباط الموقع يذوقون النوم الا لمدة قصيرة قد لا تتجاوز الثلاث ساعات على امتداد اليوم كله،كان ابراهيم عبد التواب يشعر بدوار بسبب قلة الأكل، كثيرا ما أعطى طعامه للجنود الذين يرى اعياءهم باديا، كان الحدث الذي يرفع الروح المعنوية لدى الموقع حدوث اتصال لاسلكي مع قيادة الجيش الثالث،

حرص العميد أحمد بدوى ( قائد الفرقه السابعة مشاة واقرب قوة لهم ) على تجنيد كافة أجهزة الجيش لامداد موقع كبريت،وفي الجانب المقابل حرص ابراهيم عبدالتواب على ألا يثقل على قيادة الجيش بالمطالب، ونظرة واحدة الى سجل الاتصالات اللاسلكية الخاص بتلك الفترة تثير التأثر الشديد مهما انقضت السنون، كانت قيادة الجيش الثالث تلح في معرفة مطالب الموقع،ويجيب ابراهيم عبد التواب..

طمأنونا أنتم عن أحوالكم،نحن بخير ويمكننا أن نتصرف..

كان ابراهيم عبدالتواب روح موقع كبريت لا يزرع الصمود في النفوس فقط ، انما يزرع الحب، ويعمق الانسانية بين الرجال، كان متواجدا في حياة كل انسان بالموقع ، لا يطلب أداء عمل صعب الا ويكون هو أول من يقوم به مهما كانت نوعية هذا العمل،واستمر جهده الفذ متصلا منذ بداية الحصار ولمدة 134 يوما كاملا،

وفي يوم 14 يناير1974،قام العدو الاسرائيلي بتحريك بعض عرباته المدرعة في مواجهة الموقع،وأمر ابراهيم عبدالتواب باطلاق النيران.

أصيبت عربة معادية اصابة مباشرة،جن العدو،وبدأ يفتح جميع نيرانه على الموقع،وكالعادة كان ابراهيم في الموقع المتفدم يوجه المدفعية عند الحد الأمامي،وكانت الساعة العاشرة صباحا الا عشر دقائق،عندما اتخذت دانة مدفع هاون عيار 81 مللي طريقهما الى تلك النقطة المتقدمة...

....

 برقية من قيادة الجيش الثالث الى موقع كبريت

(من هيئة عمليات القوات المسلحة الى المقاتل سعد الدسوقي قائد موقع كبريت شرق،جميع رجال القوات المسلحة تقدر فيكم روح البطولة والفداء،وتحيي روح الشهيد عبدالتواب ، أملنا وثقتنا كبيرة في صمودكم وثباتكم تحيتنا لجميع رجالكم،والى الأمام على طريق النصر)

                              .....

تعاهد الرجال على الصمود،قال كل منهم للآخر،هكذا أراد الشهيد العظيم،ولا بد أن نحقق له ماأراد،وكما أراد قاموا بدفنه على مستوى الأرض،احتضنه الرائد محمد سعد الدسوقي الذي خلفه في قيادة الموقع،مددوه داخل الأرض التي كانت تمثل بالنسبة له شرف مصر.

وكانت الدانة التي استقرت احدى شظاياها داخل جسد الشهيد العظيم أخر دانة تطلق على الموقع،فقد انسحب العدو بعد أيام تنفيذا لاتفاقية فصل القوات،وبقي موقع كبيرت الى الأبد رمزا للشرف والصمود.

Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech