Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech
Get Adobe Flash player
تابعونا علي قناة اليوتيوب 400+ فيديو حتي الان **** تابعونا علي صفحات التواصل الاجتماعي ***** تفاصيل العضوية في المجموعة داخل الموقع **** استخدم خانة البحث لمعرفة ما تريد بسرعة

حصان طروادة الذي تسبب في سقوط القاهرة

  

كتابة/ أحمد وليد السيد

تحطمت حصون ساحل الأسكندرية و أتلفت قلعة قايتباي الحربية جراء القتال الدامي مع أساطيل الإمبراطورية الإنجليزية في أول يوليو ١٨٨٢م، و كانت الصورة المشهورة بعد انتهاء معركة الأسكندرية هي مشاهد المدافع المصرية الضخمة من طراز أرمسترونج و هي محطمة في العراء، بجانب جثث جنودها الذين دافعوا من مواقعهم دفاعا شرسا، و الشظايا تتناثر من حولهم. و الدمار ممتد إلى مباني المدينة، و هو ما أعدت له انجلترا كورقة ضغط على أحمد عرابي باشا قائد الجيش المصري و زعيم الثورة من أجل إجباره على الاستسلام، فقد حولت قنابل البوارج الإنجليزية الأسكندرية من أحد أجمل مدن حوض البحر المتوسط إلى مدينة أشباح يطبق عليها الموت، و مبانيها الثرية التي أضحت ساحة للنهب و قتال الشوارع بعد أن تركها أهلها.

لم يستسلم عرابي و بدأ في إعداد خط دفاعي جديد وراء الأسكندرية، و سجل تطوع المصريين لحمل السلاح بعشرات الآلاف، و عمليات التبرع للمجهود الحربي التي أسهم فيها الكثير من الأعيان و الباشاوات الوطنيين، حتى بعض أمراء و أميرات أسرة محمد علي.
في نفس الوقت الذي سطع فيه نجم الزعيم عرابي على المستوى العربي و الإسلامي و الدولي، لكونه مدافعا عن حرية شعبه و محاربا مغوارا لحركة الإستعمار، ففي تونس بايعت الصحافة عرابي باشا و لقبته بحامي الإسلام، فأمتد تأثيره إلى أقصى المغرب العربي، و حدثت انتفاضات شعبية ضد الأوروبيين في طرابلس، أدت إلى فرار بعض العائلات الأوروبية، و في الجزائر أيضا شئ من هذا القبيل..

و نفس الشعلة ذاتها كانت موقدة في كل من سوريا و الحجاز، لكن بحكم التوجه العروبي، كما نجد أن واحدة من صحف روسيا القيصرية قد شبهت إحراق المصريين لمدينة الأسكندرية قبل نزول الجنود الإنجليز عليها بهدف ألا ينعموا بمرافقها، كإحراق الروس لموسكو خلال غزو نابليون لها عام ١٨١٢م.

و تأتي قصة السنيور بولس الإيطالي الذي تطوع في الجيش المصري، و قصص المئات الذين وفدوا للتطوع من الأستانة و جزيرة كريت و الأناضول، رغما عن معارضة السلطان العثماني للثورة.
قررت بريطانيا تطوير الهجوم للتعجيل باحتلال القاهرة بذريعة إعادة الإستقرار و إخماد العصيان العسكري، فتولى الجنرال أرشيبولد أليسون قيادة الحملة البرية..
بعث عرابي باشا للخديوي توفيق في الأسكندرية كي يحضر إلى قصر عابدين بالقاهرة و يصير في حمايته، لكن الأخير تعنت و أصر على الخيانة و البقاء في كنف الإنجليز الذين سيعيدون له عرشه المفقود !
و في خضم المعركة المشتعلة، نجحت خطة محمود فهمي باشا رئيس أركان الجيش المصري في صد التوغل الانجليزي بمنطقة كفر الدوار.. رجال المدفعية المصريين من خلف استحكاماتهم قاموا بأداء دفاعي مذهل، و وحدات المشاة استماتت في قتالها بين القرى و النجوع الريفية، فيما هو أشبه بحرب العصابات.. تراجعت القوات الانجليزية إلى الأسكندرية بخسائر فادحة، و فشلت في دخول القاهرة عن طريق الدلتا.. و بدمياط أحدثت طوابي الأميرالاي عبد العال بك حلمي خلل كبير في صفوف الجيوش الغازية..قيادات الجيش البريطاني اقروا بشجاعة الإنسان المصري كمحارب مدافع عن أرضه....
و على إثر ذلك، كثفت المخابرات الإنجليزية نشاطها داخل القطر المصري في تجنيد الجواسيس، و استخدمت رجلها المخلص عند الخديوي، و هو محمد سلطان باشا رئيس مجلس النواب، و المصري حتى النخاع
و الذي قام بدور هائل في استمالة عناصر داخل الحكومة و فرق الجيش و الشرطة و النظارات و شيوخ البدو، بدعوى التحريض على الوقوف وراء الخديوي الحاكم الشرعي للبلاد...
فبالتزامن مع إطلاق إنجلترا عملائها في شتى ربوع مصر، كانت تسعى قيادتها العسكرية لنقل الحرب من الغرب إلى الشرق، من خلال تحريك سفنها المحملة بالجنود و العتاد ناحية قناة السويس..و هو ما أثار توجس رئيس الأركان المصري محمود فهمي، فأخبر عرابي صراحة بضرورة ردم قناة السويس، بهدف حبس الإنجليز في البحر و حرمانهم من استغلال تفوقهم البحري لمصلحتهم..لكن عرابي رفض الأمر، و حصل على تعهد من ديليسبس مدير شركة قناة السويس، يقضي بمنع أي سفينة حربية أجنبية من دخول مياه القناة، نظرا لكونها ممر ملاحي دولي.
و بات العمل في الخفاء هو الأداة الحاسمة للحرب، فتوجه الإنجليز لتجنيد واحد من أصفياء عرابي و المقربين جدا إليه، ذلك البدوي الذي يدعى سعود الطحاوي، أحد مشايخ قبيلة الطحاوية بالصالحية..اتصل به سلطان باشا و بدأ في ضخ الرشاوي إلى جيبه و وعده بالنياشين و الألقاب السامية، بينما قامت اتصالات سرية بينه و بين الجاسوس الإنجليزي إدوارد هنري بالمر، الذي أقام في السويس....
و حدث ما حدث، و ضربت بوعود ديليسبس عرض الحائط، و دخل الإنجليز القناة و نزلت كتائبهم في الإسماعيلية، و استقدموا فرقة فرسان هندية تعرف بالرماحون البنغال.. بينما الجنرال ويلسلي يكلف بدحر القوات المصرية على آخرها. على الجانب الآخر انتقلت قيادة الجبهة إلى الشرق، و حشد عرابي زهرة جيشه محدود التسليح في التل الكبير بقيادة ضباط النخبة المحترفين.
و في القاهرة.. مدينة الألف مأذنة..حيث حماس الشرق المتأجج، سارت طوابير الجنود وسط أحيائها العريقة، ببدلهم العسكرية البيضاء و الطرابيش الحمراء اللامعة فوق رؤسهم، حاملين بنادق الرمنجتون ذات الفوهات الطويلة و السونكي يتدلى من أطرافها، يحاصرهم سيل من الهتافات و الزغاريد، و تنهال عليهم الورود و حصوات الملح من المشربيات و هم متوجهين إلى خط النار، تصحبهم العبارات التحفيزية و الآمال العميقة.. فالجرائد تكتب أخبار الجبهة لحظة بلحظة و على رأسها جريدة الطائف.. و بطولات المحاربين تحكى في المقاهي الشعبية.. خطب الشيخ عبد الله النديم النارية تثير حمية أبناء الأمة.. و الجموع تهتف "يا رب يا عالي انصر باشنا عرابي.. يا رب يا عزيز أهلك الإنجليز !"
و بينما يجلس سعود الطحاوي مع عرابي باشا في خيمته كالمعتاد بمعسكر التل الكبير، متظاهرا بالولاء و الطاعة، و التأييد الكامل للثورة، ثم يخبره عن تحركات القوات الإنجليزية الحقيقية، مدعيا نقل هذه المعلومات عن رجاله البدو الموالين له، و الذين يمضون في رصد تحركات الأعداء.. فسرعان ما يخبره عرابي بحسن نية عن تفاصيل التشكيلات و الوحدات العاملة في جيشه، و نقاط الضعف و القوة بها، إلى جانب الخطط التي سيقومون بتنفيذها، لينقلها الطحاوي بدوره للقيادة الإنجليزية...
و مع حلول الثامن و العشرين من أغسطس ١٨٨٢م، تقدم الجيش البريطاني إلى القصاصين و اصطدم بالقوات المصرية التي تصدت له بشراسة، و حققت النصر في الجولة الأولى من المعركة، فقد استطاع المصريون استرداد المواقع التي استولوا عليها الإنجليز، و دارت معركة حامية بين الخنادق، و جاء الليل و لا يزال الرصاص يخترق الهواء و ينفجر البارود على الأرض بصوته الرهيب، و أشلاء جنود الجيشين تغطي الساحات.. القوات الإنجليزية تدفع بالموجات تلو الموجات في أتون المعركة، و الجنود المصريون يترقبونهم و الحماس يقفز من أعينهم و يتماشى مع صيحاتهم، التي هي كصيحات الكواسر ! .. الطوبجية يعمرون المدافع و يردون القصفات بقوة و.. و.. و...... و فجأة يقوم أعراب سعود الطحاوي باضلال قوة الفرسان المصرية و جرها لنطاق ضرب المدفعية الإنجليزية، في نفس الوقت الذي تتسرب فيه خطة الهجوم المضاد لاستعادة القصاصين بفعل أحد موالي الخديوي داخل الجيش.. و يستشهد قائد الجبهة الشرقية الفريق راشد بك حسني و يصاب الأميرالاي علي بك فهمي، لتنتج المأساة......
و ظل التل الكبير الحصن الأخير أمام تقدم الإنجليز للقاهرة.. حيث دججه عرابي بالأورط و البطاريات، و طوفان بشري من المسلحين المتأهبين.. و أصبح الموقع مجهزا تجهيزا تاما لوقف الزحف الإنجليزي.. بينما استمرت جلسات الصفا بين سعود الطحاوي و قائد الثورة. و في ليلة أقنع الطحاوي عرابي بأن الإنجليز ليس لديهم نية للهجوم، و أنهم سيحتاجوا لبضعة أيام للترتيب لذلك الهجوم، مما طمأن عرابي، فجلب مشايخ الصوفية و مضى الليل في إقامة حلقات الذكر بالمعسكر، المقترنة بالدعوات للنصر المبين.. حيث كان الطحاوي وقتها يعطي الضوء الأخضر للجنرال ويلسلي بقوله أن المصريون نائمون ........
و في الثالث عشر سبتمبر ١٨٨٢م، قبل الفجر بالتحديد، كان موقع التل الكبير يضم خمسة عشر ألفا من الجنود و الضباط المصريين، بالإضافة إلى ستون قطعة مدفع ميدان.. بعد انقضاء فجر اليوم بنصف ساعة كان الموقع قد سقط بالكامل في يد الجيش الإنجليزي !!!
و أصبحت تحصيناته مرتعا للفوضى الخلاقة.. كان الوضع أقل ما يوصف أنه مأساويا.. فقد سقط الآلاف بين قتلى و جرحى.. و تعرضت القوات المصرية لمذبحة، رغم مقاومة جنودها، و استشهد الأميرالاي محمد بك عبيد و هو يقاتل وحيدا بعد استشهاد و جرح جميع رجاله الثلاثة آلاف.. فقيل أنه انصهر من سخونة مدفعه و هو يضرب به الأعداء ! و بطولات أخرى عديدة حاولت إنهاء التقدم الإنجليزي، لولا الخيانة، و لولا فاعلية رشاوي سلطان باشا خلال المعركة نفسها.. حيث أمر قائد سلاح الفرسان أحمد بك عبد الغفار قواته بالارتداد خلفا، فسمح للعدو بالوصول إلى قلب المعسكر، و هو ما خلق ذروة الانهيار المعنوي لدى المصريين.. و أرشد عربان سعود الطحاوي القوات الغازية لأفضل الطرق، بجانب اسهامات يوسف خنفس الذي سلم حصن القلعة فيما بعد و انار الطريق لجيش العدو نحو العباسية.. ثم سقطت القاهرة في ٢٥ سبتمبر و أسر عرابي.. بينما استرد الخديوي توفيق ملكه في عابدين، و سقطت مصر تحت الإحتلال البريطاني مدة أربعة و سبعون عاما.. فقط لولا الخيانة -

 

المصادر - 

كتاب القوى الاجتماعية في الثورة العرابية للمؤرخة الكبيرة لطيفة سالم
كتاب الجيش المصري في القرن التاسع عشر للدكتور محمود السروجي


Share
Click to listen highlighted text! Powered By GSpeech